
03-02-2026, 04:58 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,740
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (9)
من صـــ 31 الى صـــ 50
الحلقة (240)
٤ - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ
١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. [١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨]
١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ - ﷺ - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. [انظر: ١١٢٤ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨]
ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. وفي رواية له: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتِ امْرَأَة مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.
الشرح:
هذا الحديث يأتي في تفسير: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أيضًا (١).
وقوله: (لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) هو شك من الراوي. وكان ذلك؛ لأنه لم يكلف إلا ما يطيق، قَالَ تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] والمريض يكتب له عمله الذي يعمل في الصحة إذا غلب عليه.
وسيأتي في الجهاد من حديث أبي موسى: «إذا مرض العبد أو سافر يكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)، وفي حديث آخر: "من كان له
---------------
(١) برقم (٤٩٥٠، ٤٩٥١).
(٢) يأتي برقم (٢٩٩٦) باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة.
حظ من العبادة، ومنعه الله منها بمرض، فإن الله -عز وجل- يتفضل عليه بهبة ثوابها»، وفي آخر: «ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له آخر صلاله، وكان نومه عليه صدقة» (١).
ولما لم يقم - ﷺ - وقت شكواه، ولم تسمعه المرأة يصلي حينئذٍ ظنت هذا الظن. والقصة واحدة، رواها جندب. وقد روي أن خديجة قالت لرسول الله - ﷺ - حين أبطأ عنه الوحي: إن ربك قد قلاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ (٢) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة من لؤلؤ، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له. ذكره بقي ابن مخلد في «تفسيره» (٣).
وقد قيل في هذا الحديث: «من لم يرزأ في جسمه فليظن أن الله قد قلاه»، ولكن روي عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «لا يحزن أحدكم أن لا يراني في منامه إذا كان طالبًا للعلم فله في ذلك العوض».
وقال ابن التين: ذكر احتباس جبريل في هذا الباب ليس في موضعه.
قال: وقول الكافرة: أبطأ عليه شيطانه -يعني: جبريل- ففيه ما كان يلقى من الأذى.
وفيه: استعماله ما أمر به من الصبر، وما ذكره ماش في الكافرة على ما رواه الحاكم من حديث زيد بن أرقم، أن قائل ذلك امرأة أبي
---------------
(١) ورد بهامش الأصل: (من خط الشيخ، ذكره الواقدي وفيه لما علم من صحة نفسه) وهذِه الرواية في «سنن أبي داود» (١٣١٤) باب: من نوى القيام فنام، وصححها الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٥٩ (١١٨٧).
(٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ١٢/ ٦٢٤ (٣٧٥١٢).
(٣) وروى هذِه الزيادة ابن جرير أيضًا في «تفسيره» ١٢/ ٦٢٤ (٣٧٥١٤).
لهب (١)، فنزلت السورة. وقال: هذا إسناد صحيح، إلا أني وجدت له علة فذكرها (٢). وفي «تفسير سنيد بن داود» أن قائل ذلك عائشة، وفيه نظر؛ لأن السورة مكية بالاتفاق.
وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن قائلة ذلك أحد عماته.
وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قَالَ: امرأة من أهله، أو من قومه وُدع محمد (٣). ولابن إسحاق أن المشركين سألوا رسول الله - ﷺ - عن الخضر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غدٍ، ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، فقال المشركون: ودعه ربه، فنزل جبريل بالضحى، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٤) [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
ومعنى ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أي: ورب الضحى. وقيل: إنه يقسم بما شاء من خلقه.
و﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢] سكن، أو استوى، أو جاء، أو غطى كل شيء، أو أظلم، أو ذهب؛ أقوال، يقال: سجى يسجو إذا سكن، وإنما يسكن إذا غطيت ظلمته.
(﴿وَدَّعَكَ﴾) [الضحى: ٣] من التوديع، ولا تستعمل ودعك إلا في قليل من الكلام، ومن قرأ بتشديد الدال يقول: ما هو آخر عهدك بالوحي. ومن خفف يقول: ما تركك؛ والمعنى واحد.
--------------
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان واسمها العوراء.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧.
(٣) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦٢٣ (٣٧٥٠٣).
(٤) «سيرة ابن هشام» ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.
وقال أبو عبيدة: التشديد من التوديع، والتخفيف من ودع يدع إذا سكن.
و﴿قَلَى﴾. يُقال: قلاه يقليه ويقلاه قَلاء وقِلاء إذا أبغضه؛ إذا كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت.
٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ
وَطَرَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا عليهما السلام لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ.
١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». [انظر: ١١٥ - فتح: ٣/ ١٠]
١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ - عليه السلام - لَيْلَةً فَقَالَ: «أَلَا تُصَلِّيَانِ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. [الكهف: ٥٤]
١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [١١٧٧ - مسلم: ٧١٨ - فتح: ٣/ ١٠]
١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٣/ ١٠]
ذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ:»سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفتن؟ .. «الحديث.
وحديث الزهري: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أنه - عليه السلام - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ .. الحديث.
وحديث عائشة: أنه - عليه السلام - صلى ذات ليلة في المسجد .. الحديث، وعنها إن كان رسول الله - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ .. إلى آخره.
الشرح:
أما قوله: (وطَرَقَ فَاطِمَةَ وعليًا) قد أسنده في الباب.
ومعنى (طرقهما): أتاهما ليلًا، هذا هو المشهور، وقيل: طرقه: أتاه.
وقوله في الحديث: (لَيْلَةٍ) للتأكيد. وحكى ابن فارس أن طرق: أتى كما تقدم (١)، فعلى هذا يكون لنا ليلًا على البيان لوقت مجيئه أنه كان بالليل.
وحديث أم سلمة سلف في باب العلم، والعظة بالليل من كتاب العلم (٢).
وحديث علي يأتي في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٣) [الكهف: ٥٤].
وقوله فيه: (»أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ «) أي: النافلة.
وفيه: كراهة احتجاج علي، وأراد منه أن ينسب نفسه إلى التقصير.
----------------
(١)»مجمل اللغة" ١/ ٥٩٥.
(٢) سبق برقم (١١٥).
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٤).
وفيه: أن السكوت يكون جوابًا.
وفيه: ضرب الفخذ عند التوجع والأسف.
وفيه: تروعه بالقرآن، وسرعة الانصراف عمن كره مقالته، وحفظ علي لما رأى منه، وبثه إياه؛ ليتأسى به غيره، وقبول خبر الواحد. ورواية الرجل عن أبيه عن جده.
وكان علي بن الحسين يوم قتل الحسين ابن سبع عشرة سنة. ولما أمر بقتل من أثبت منهم قام إليه عمرو بن حريث، فنظر إليه، فوجده قد أثبت، فقال: لم ينبت فترك (١).
قَالَ الزهري: وما رأيت قرشيًّا أفضل منه (٢).
وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] احتج به من قَالَ: الإنسان ها هنا عام في سائر الناس المؤمن والكافر، وقيل: هو الكافر خاصة مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:٢] فهذِه أكثر من عشر فوائد معجلة.
وحديث عائشة: إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل. أخرجه مسلم (٣). وفي بعض الروايات تقديم قولها: (مَا سَبَّحَ رَسُولُ الله - ﷺ - ..) إلى آخره على قولها: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ) (٤)، وحديثها الآخر سلف في باب إذا كان بين الإمام والقوم حائط وغيره (٥).
----------------
(١) ذكره ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢٢١.
(٢) انظر: «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٤٤.
(٣) مسلم برقم (٧١٨) باب: استحباب صلاة الضحى ..
(٤) «سنن أبي داود» (١٢٩٣) باب: صلاة الضحى.
(٥) برقم (٧٢٩) كتاب: الأذان.
إذا تقرر ذلك، فالكلام على أحاديث الباب من أوجه:
أحدها:
قوله: (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ). يحتمل وجهين، كما قَالَ ابن الجوزي.
أحدهما: فيفرضه الله تعالى.
والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض.
وقال ابن بطال: ظاهر حديث عائشة أن من الفرائض ما يفرضه الله تعالى على العباد من أجل رغبتهم فيها وحرصهم؛ والأصول ترد هذا التوهم، وذلك أن الله تعالى فرض على عباده الفرائض، وهو عالم بثقلها وشدتها عليهم، أراد محنتهم، بذلك لتتم الحجة عليهم فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. وحديث موسى ليلة الإسراء حين رده من خمسين صلاة إلى خمس. قَالَ: ويحتمل حديث عائشة -والله أعلم- معنيين:
أحدهما: أنه يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض قيام الليل عليه دون أمته، لقوله في الحديث الآخر: «لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن ثفرض عليكم» (١)، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده.
وروى ابن عباس أن قيام الليل كان فرضًا عليه، فيكون معنى قول عائشة: إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل. يعني: إن كان يدع عمله لأمته، ودعواهم إلى فعله معه لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا وقد فرضه الله عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا.
ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته، فخشي أن يخرج
-------------
(١) حديث (١١٢٩).
إليهم، والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله -عز وجل- بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه، إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة.
الثاني: أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون من تَرَكَها عاصيًا لله تعالى في مخالفته لنبيه وترك اتِّباعه، متوعدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال في ترك اتَّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه؛ لأن طاعة الرسول كطاعته، وكان - ﷺ - رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. ويأتي في باب: ما يكره من السؤال. في كتاب الاعتصام، زيادة إن شاء الله (١).
وقال ابن التين -بعد أن ذكر السؤال في أنه كيف يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد أكمل الله عدد الفرائض ورد عدد الخمسين إلى الخمس-: قيل: صلاة الليل كانت مكتوبة عليه، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على الأمة الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعلٍ في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجبًا، فَتَرَك الخروج إليهم في الليلة الرابعة لئلا يدخل ذلك في حد ما وجب، والزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعاله لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يدل ذلك على زيادة فرض في جملة الشرع المفروض في الأصل.
----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٧ - ١١٨، وانظر ما سيأتي (٧٢٨٩ - ٧٢٩٧).
وجواب ثان؛ وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه وجعل عزائمها خمسًا، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وألزمت متبرعة ما كانت استعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضًا عليهم. وقد ذكر الله تعالى فريقًا من النصارى ابتدعوا رهبانية ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ثم لامهم لما قصروا فيها في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي الشارع أن يكونوا مثلهم بقطع العمل شفقة على أمته.
وأجاب عن أمره أبا هريرة بالضحى والوصاية بها من وجهين:
أحدهما: أنه أفرده به وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة كمداومة أبي هريرة عليه، فأمن الافتراض به.
قلتُ: لم يفرده به بل شاركه فيه أبو ذر وأبو الدرداء كما سلف.
والثاني: أن يكون أوصاه بالمداومة عليها بعد موته - ﷺ -، وهو وقت يؤمن فيه الافتراض.
قَالَ الداودي: وفي تخلفه؛ لئلا يفرض عليهم الفرار من قدر الله.
وفيه: صلاة النافلة جماعة، والجمع في المسجد ليلًا.
وقولها: (وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا). كذا ثبت من حديث عروة عنها، والسبحة -بضم السين- النافلة. وقيل: الصلاة. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣] قَالَ المفسرون: من المصلين. وفي مسلم (١) عنها من طريق عبد الله بن شقيق كما سلف: أكان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه (٢). وفيه عن معاذة عنها
----------------
(١) كتب فوقها في الأصل: (ت، س) أي: الترمذي والنسائي.
(٢) «صحيح مسلم» (٧١٧) كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
من حديث قتادة وغيره: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء (١). وفي رواية: ما شاء الله (٢).
والمراد بالنفي في الأول في علمها، وإثباتها بسبب وهو المجيء من السفر، فلا تعارض وقول النسائي: خالفها عروة وعبد الله بن سفيان. وليس الأمر على ما ذهب إليه؛ لأن عروة إنما روى عنها نفي صلاة الضحى لغير سبب. ورواية معاذة عنها أنه صلاها لسبب، وذلك إذا قدم من سفر أو غيره كما سلف في الرواية الأخرى، نبه على ذلك ابن التين.
وقَالَ ابن الجوزي: رواية إثباتها مقدمة على نفيها.
وقال ابن عبد البر (٣): وأما قولها: (مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ).
فهو: أن من علم من السنن علمًا خاصًا يؤخذ به عند بعض أهل العلم دون بعضٍ، فليس لأحدٍ من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وإنما حصل المتأخرون على علم ذلك منذ صار العلم في الكتب، وقد روي عن النبي - ﷺ - آثار كثيرة حسان في صلاة الضحى.
وذكر حديث أم هانئ، ثم ذكر طريقًا منه من حديث أبي الزبير عن عكرمة بن خالد عن أم هانئ أنها قالت: قدم رسول الله - ﷺ - مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: يا رسول الله، ما هذِه الصلاة؟ قَالَ: «صلاة الضحى» (٤)، ثم قَالَ: ألا ترى أن أم هانئ قد علمت من صلاة
---------------
(١) «صحيح مسلم» (٧١٩/ ٧٨) باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٩/ ٧١٩) باب: استحباب صلاة الضحى.
(٣) «التمهيد» ٨/ ١٣٤ - ١٤٥.
(٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» ٢/ ٢٢٦ (١٨١٦).
الضحى ما جهلت عائشة؟ وأين أم هانئ في الفقه والعلم من عائشة.
ثم أورد أيضًا حديث أبي ذر: «يصبح على كل سلامَى من ابن آدم صدقة» وفيه: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» أخرجه مسلم (١)، وأوصى أبا ذر وأبا الدرداء وأبا هريرة بركعتي الضحى (٢)، ثم روى حديث معاذ بن أنس في ذلك، وإسناده لين ضعيف (٣)، من حديث نعيم بن همار عنه (٤)، فهؤلاء كلهم قد عرفوا من صلاة الضحى ما جهله غيرهم.
---------------
(١) برقم (٧٢٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) حديث أبي ذر رواه النسائي ٤/ ٢١٧ - ٢١٨، وأحمد ٥/ ١٧٣، وابن خزيمة (١٠٨٣، ١٢٢١، ٢١٢٢).
وحديث أبي الدرداء رواه مسلم (٧٢٢).
وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١١٧٨)، ورواه مسلم (٧٢١).
(٣) حديث معاذ بن أنس لم يروه ابن عبد البر كما ذكر المصنف -رحمه الله- وإنما علقه، فقال: وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ -، قال: «من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرًا، غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».
قلت: رواه مسندًا أبو داود (١٢٨٧)، والبيهقي ٣/ ٤٩ من طريق ابن وهب، به.
قال المنذري في «المختصر» ٢/ ٨٤: سهل بن معاذ ضعيف، والراوي عنه زبان ضعيف أيضًا.
وضعف النووي الحديث في «الخلاصة» ١/ ٥٧١ (١٩٣٧)، والألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٣٨).
(٤) هكذا سياق الكلام بالأصل، ويفهم منه أن نعيم بن همار روى عن معاذ بن أنس حديثه هذا، وليس كذلك، ففي «التمهيد» ٨/ ١٤٢ - وهو المصدر الذي ينقل منه المصنف- ذكر ابن عبد البر حديثًا آخر في صلاة الضحى عن نعيم ابن همار مرفوعًا بإسناده إليه.
وحديث نعيم بن همار رواه أبو داود (١٢٨٩)، ومن طريقه ابن عبد البر من طريق =
وذكر أيضًا حديث عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى، وقاموا وراءه فصلوا (١). ثم قَالَ: وقد كان الزهري يفتي بحديث عائشة ويقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يصل الضحى قط، وإنما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يصلونها بالهواجر، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر يصلونها ولا يعرفونها. قَالَ ابن عمر: وإنما صلاة القوم بالليل. وقال طاوس: أوَّل من صلاها الأعراب. وقال ابن عمر: ما صليتها منذ أسلمت. أخرجه عبد الرزاق (٢).
وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قَالَ: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها، وهذا نحو قول عائشة.
ثم ذكر حديث معاذة عنها في صلاتها وقال: إنه منكر غير صحيح عندي (٣). وهو مردود، وقد علمت أن مسلمًا أخرجه (٤).
وجمع النووي بين حديث إثباتها ونفيها أنه كان يصليها وقتًا؛ ويتركها وقتًا خشية الافتراض كما ذكرت عائشة، ويُتأول قولها: (ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه): على أن معناه: ما رأيته -كما قالت في الرواية الثانية- ما رأيته يصلي سبحة الضحى.
------------------
= مكحول عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره».
قال النووي في «المجموع» ٣/ ٥٣١، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٦٩ (١٩٢٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٦٧).
(١) سلف برقم (٤٢٥)، ورواه مسلم (٣٣/ ٢٦٣).
(٢) «المصنف» ٣/ ٨١ (٤٨٧٩).
(٣) انتهى كلام ابن عبد البر بتصرف. «التمهد» ٨/ ١٣٤ - ١٤٥.
(٤) مسلم (٧١٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى ..
وسببه أنه - ﷺ - ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإما مسافرٌ أو حاضر في المسجد أو غيره أو عند بعض نسائه، ومتى يأتي يومها بعد تسعة، فيصبح قولها: (ما رأيته يصليها). وتكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها.
أو المراد بها: يصليها ما يداوم عليها. فيكون نفيًا للمداومة لا لأصلها -قَالَ-: وأما ما صح عن ابن عمر قَالَ في الضحى: هي بدعة (١)، فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة؛ لا أن أصلها في البيوت ونحوها. أو يقال: قوله: بدعة. أي: المواظبة عليها؛ لأن الشارع لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه.
وقد ثبت استحباب المحافظة عليها في حقنا بحديث أبي الدرداء وأبي ذر وأبي هريرة (٢). ويقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل رسول الله - ﷺ - لها وأمره بها، وكيفما كان فالجمهور على استحبابها، ولربما نقل التوقف فيها عن ابن عمر وابن مسعود (٣).
وذكر المنذري وجهًا آخر فقال: ويجمع بينهما بأنها أنكرت صلاة الضحى المعهودة حينئذ عند الناس على الذي اختاره من السلف من صلاتها ثماني ركعات، وأنه - ﷺ - كان يصليها أربعًا ويزيد ما شاء، فيصليها مرة ستًا ومرة ثمانيًا، وأقل ما تكون ركعتين، وقد رأى جماعة صلاتها في بعض الأيام دون بعض؛ ليخالف بينها وبين الفرائض.
--------------
(١) سيأتي برقم (١٧٧٥)، ورواه مسلم (١٢٥٥/ ٢٢).
(٢) تقدم تخريجها قريبًا.
(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٣٠.
وقال عياض: إنه الأشبه عندي في الجمع (١).
وقال القرطبي: يحتمل أن يقال: إنما أنكرت عائشة الاجتماع لها في المسجد -أي: وإنما سنتها البيت- وهو الذي قَالَ فيه عمر: بدعة.
قال: وقد روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم كانوا لا يصلونها. قَالَ: وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تتخذ سنة، أو يظن بعض الجهال وجوبها، ويحتمل أنها بدعة. أي: حسنة.
كما قَالَ في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى. وهذا منه نص على ما تأولناه.
قَالَ: وقول عائشة: (وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) بالسين المهملة والباء الموحدة، وهي الرواية المشهورة، أي: لأفعلها (٢).
قلتُ: وفي «الموطأ» -كما عزاه ابن الأثير-: أنها كانت تصليها ثماني ركعات، وروي عنها: لو نشر إليَّ أبواي من قبري ما تركتها (٣).
قَالَ: وقد وقع في «الموطأ»: لأستحبها. من الاستحباب، والأول أولى (٤).
ولعلها سمعت من النبي - ﷺ - الحض عليها، وأنه إنما تركها -يعني: المداومة عليها- لأجل ما ذكرته قبل، وهذا يشكل على ما صححه أصحابنا من أن الضحى كانت واجبة عليه وعلى أمته، ومن شأنه أنه إذا عمل عملًا أثبته.
----------------
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٣.
(٢) «المفهم» ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٣) «الموطأ» ص ١١٣، بلفظ: نشر لي.
(٤) هذا من تتمة كلام القرطبي في «المفهم» ٢/ ٣٥٧.
فرع:
وأول وقتها ارتفاع الشمس، وآخره ما لم تزل الشمس، وأفضل وقتها ربع النهار، كما قاله الغزالي في «الإحياء» (١)، والماوردي، وهو حين ترمض الفصال، وعند الأكثرين: أكثرها ثمانية.
وقال الروياني والرافعي وغيرهما: أكثرها اثنتا عشرة ركعة (٢)، وفيه حديث ضعيف (٣).
قَالَ المهلب (٤): في حديث عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين سنة؛ لأنه - ﷺ - صلى بصلاته ناس ائتموا به، وهذا خلاف من أزرى فقال: سخره عمر ولم يثق إليه في مقالته ولا صدق؛ لأن الناس كانوا يصلون لأنفسهم أفذاذًا، إنما فعل عمر التخفيف عنهم فجمعهم على قارئ واحد يكفيهم القراءة ويفرغهم للتدبر.
واحتج قوم من الفقهاء بقعوده - ﷺ - عن الخروج إلى أصحابه الليلة الثالثة أو الرابعة وقالوا: إن صلاة رمضان في البيت أفضل للمنفرد من فعلها في المسجد. منهم مالك وأبو يوسف والشافعى (٥)، وقال
------------
(١) «إحياء علوم الدين» ١/ ٢٦٠.
(٢) «العزيز» للرافعي ٢/ ١٣٠.
(٣) روى الترمذي (٤٧٣)، وابن ماجه (١٣٨٠) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بني الله له قصرًا من ذهب في الجنة.
وهو حديث ضعيف -كما ذكر المصنف- وضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٥٧١ (١٩٣٨)، والألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٩١)، وفي «ضعيف الجامع» (٥٦٥٨).
(٤) كما في «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٩.
(٥) «المدونة» ١/ ١٩٣، «الأم» ١/ ١٢٥ وهو القول القديم للشافعي والمذهب على خلافه.
مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وأنا أفعل ذلك، وما قام - ﷺ - إلا في بيته (١). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسالم وعلقمة والأسود أنهم كانوا لا يقومون مع الناس في رمضان (٢). وقال الحسن البصري: لأن تفوه بالقرآن أحبُّ إليك من أن يفاه عليك (٣).
ومن الحجة لهم أيضًا حديث زيد بن ثابت أنه - ﷺ - حين لم يخرج إليهم قَالَ لهم: «إني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أخرجه مسلم (٤)، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد لا سيما مع رسول الله - ﷺ - في مسجده.
وخالفهم آخرون فقالوا: صلاتها في الجماعة أفضل. قَالَ الليث: لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حَتَّى تترك المساجد حَتَّى لا يقوم (أحد) (٥) فيها، لكان ينبغي أن يخرجوا إلى المسجد حَتَّى يقوموا فيه (٦). لأن قيام الليل في رمضان الأمر الذي لا ينبغي تركه، وهو مما سن الفاروق للمسلمين وجمعهم عليه. وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله ابن السائب قَالَ: كنت أصلي بالناس في رمضان، فبينما أنا أصلي سمعت تكبير عمر على باب المسجد، قدم معتمرًا، فدخل فصلى
-----------------
(١) انظر: «التمهيد» ٤/ ٩٨.
(٢) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٦٨ (٧٧١٣ - ٧٧١٤، ٧٧١٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٨ (٧٧١٨).
(٤) برقم (٧٨١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
(٥) من ابن بطال ٣/ ١١٩.
(٦) عزاه لليث ابن قدامة في «المغني» ١/ ٤٢٦.
خلفي. وكان ابن سيرين يصلي مع الجماعة، وكان طاوس يصلي لنفسه ويركع ويسجد معهم (١).
وقال أحمد: كان جابر يصليها في جماعة (٢). وروي عن علي وابن مسعود مثل ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وممن قَالَ: إن الجماعة أفضل عيسى بن أبان والمزني وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران.
واحتج أحمد في ذلك بحديث أبي ذر أنه - ﷺ - خرج لما بقي من الشهر سبع فصلى بهم حَتَّى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بنا السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حَتَّى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا. فقال: «إن القوم إذا صلوا مع الإمام حَتَّى ينصرف كتب قيام تلك الليلة» ثم خرج السابعة وخرجنا، وخرج بأهله حَتَّى خشينا أن يفوتنا الفلاح، وهو السحور. أخرجه ابن أبي شيبة (٣).
وكل من اختار الانفراد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا ينقطع معه القيام في المسجد، كما نبه عليه الطحاوي (٤)، فأما الذي ينقطع منه ذلك فلا.
----------------
(١) «المصنف» ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ (٧٧١٩ - ٧٧٢١).
(٢) انظر: «المغني» ٢/ ٦٠٥.
(٣) «المصنف» ٢/ ١٦٦ (٧٦٩٤).
والحديث رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي ٣/ ٨٣ - ٨٤، وابن ماجه (١٣٢٧).
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٤٥)، وفي «الإرواء» (٤٤٧).
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٤.
قَالَ: وقد أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فصار هذا القيام واجبًا على الكفاية، فمن فعله كان أفضل ممن انفرد، كالفروض التي على الكفاية، أما الذين لا يصبرون ولا يقوون على القيام فالأفضل لهم حضورها؛ ليسمعوا القرآن وتحصل لهم الصلاة، ويقيموا السُّنَّة التي قد صارت علمًا. ذكره ابن القصار، وهو مقالة عندنا.
وفي حديث أم سلمة وعلي -السالفين أول الباب- دلالة على فضل صلاة الليل، وإنباه النائمين من الأهل والقرابة؛ لأنه - ﷺ - أيقظ لها عليًّا وابنته من نومهما؛ حثًّا لها على ذلك في وقت جعله الله لخلقه سكنًا لما علم عظم ثواب الله تعالى عليها، وشرفت عنده منازل أصحابها اختار لهم إحراز فضلها على السكون والدعة، وأيقظهن ليخبرهن بما أُنزل؛ ليزدادوا خشوعًا؛ وليصلوا ليلًا. قالت عائشة: وإذا أراد أن يوتر أيقظني (١).
وفيه: السمر بالعلم.
وفي حديث عليًّ رجوع المرء عما ندب إليه إذا لم يوجب ذلك، وأنه
ليس للعالم والإمام أن يشتد في النوافل.
وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) كلام صحيح قنع به - ﷺ - من العذر في النافلة، ولا يعذر بمثل هذا في الفرض.
وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) هو كقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك (٢). وهو معنى قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]
--------------
(١) سلف برقم (٥١٢) باب: الصلاة خلف النائم.
(٢) رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائته واستحباب تعجيل قضائها.
الآية. أي أن نفس النائم ممسكة بيد الله، وأن التي في اليقظة مرسلة إلى جسدها غير خارجة من قدرة الله، فقنع - ﷺ - بذلك وانصرف.
وأما ضربه فخذه وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] فإنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم، وكذلك لا يحرج الناس إذا حضوا على النوافل ولا يضيق عليهم، إنما يذكروا في ذلك ويشار عليهم.
وقوله: («مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَ ومِنَ الخَزَائِنِ») قاله لما أعلمه ربه تعالى بوحيه بأنه يفتح على أمته من الغنى والخزائن، وعرفه أن الفتن مقرونة بها بعده مخوفة على من فتحت عليه، ولذلك آثر كثير من السلف القلة على الغنى خوف التعرض لفتنة المال، وقد استعاذ الشارع - ﷺ - من فتنته كما استعاذ من فتنة الفقر.
وقوله: («وصَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ») أزواجه. يعني: من يوقظهن لصلاة الليل، وهو دال على أن الصلاة تنجي من شر الفتن ويعتصم بها من المحن.
وقوله: («كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ») يريد: كاسية بالثياب الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن، ومن يحرم عليه النظر إلى ذلك منهن، وهن عاريات في الحقيقة، فربما عوقبت في الآخرة بالتعري الذي كانت إليه مائلة في الدنيا مباهية بحسنها، فعرف - ﷺ - أن الصلاة تعصم من شر ذلك، وقد فسر مالك أنهن لابسات رقيق الثياب، وقد يحتمل -كما قَالَ ابن بطال- أن يريد - ﷺ - بذلك النهي عن لبس رقيق الثياب واصفًا كان أو غير واصف خشية الفتنة (١).
------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٧.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|