
03-02-2026, 05:08 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,779
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (8)
من صـــ 381 الى صـــ 400
الحلقة (231)
وقوله: (وَسَجَدَ مَعَهُ المسلمون والمشركون) أي: من كان حاضرًا، قاله ابن عباس؛ حَتَّى شاع أن أهل مكة أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك. وللبزار من حديث المطلب بن أبي وداعة قَالَ: سجد رسول الله - ﷺ - في النجم، ولم أسجد -وكان مشركًا حينئذٍ- قَالَ: فلن أدع السجود فيها أبدًا، أسلم المطلب يوم الفتح. وللنسائي عنه، قَالَ: قرأ النبي - ﷺ - بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي، وأبيت أن أسجد -ولم يكن يومئذٍ أسلم المطلب (١).
وفي لفظ له: رأيت رسول الله - ﷺ - سجد في النجم، وسجد الناس معه. قَالَ المطلب: ولم أسجد معهم، وهو يومئذٍ مشرك. قَالَ المطلب: ولا أدع السجود فيها أبدًا (٢).
قَالَ القاضي عياض: وكان سبب سجودهم ما قاله ابن مسعود أنه أول سجدة نزلت، وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله - ﷺ - من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم (٣). قلتُ: ومن جملتهم الداودي، وآخرهم ابن التين
-----------------
(١) «سنن النسائي» ٢/ ١٦٠ كتاب: الافتتاح، باب: السجود في النجم. وحسنه الألباني في «صحيح النسائي» قائلًاَ: حسن الإسناد.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٩ (٥٨٨١) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة. وأحمد ٣/ ٤٢٠ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١١٠ (٨١٣).
والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٥٣. والطبراني ٢٠/ ٢٨٨ (٦٧٩).
والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٣٣ كتاب: معرفة الصحابة. والبيهقي ٢/ ٣١٤ كتاب: الصلاة، باب: سجدة النجم. قال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٥٣ (٣٢٨٩): إسناده حسن.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: وقد ذكر ابن سيد الناس ذلك في شبهه وتكلم عليه كلامًا حسنًا وذكر من ضعفه كالمنذري ومن خالفه كالدمياطي فراجعه منها تجده بفوائد. وانظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٥٢٥. وأثر ابن مسعود رواه الطبري في =
فباطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله - ﷺ -، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك.
وقوله: (غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فسجد عليه)، هذا الشيخ: هو أمية بن خلف كما ذكره البخاري في تفسير سورة النجم (١). وقال ابن سعد: إنه الوليد بن المغيرة. قَالَ: وقال بعضهم: إنه أبو أحيحة، وقال بعضهم: كلاهما جميعًا فعل ذلك (٢). قَالَ محمد بن عمر: وكان ذلك في شهر رمضان سنة خمس من المبعث (٣). وحكى المنذري فيه أقوالًا: الوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة، أبو أحيحة، سعيد بن العاص. قَالَ: وما ذكره البخاري أصح، وقتل يوم بدر كافرًا. ولم يحكِ ابن بطال غير أنه الوليد بن المغيرة (٤) (٥).
وذكر ابن بزيزة أن ذلك كان من المنافقين، وهو وهم.
وفيه: أن الركوع لا يقوم مقام سجود التلاوة. وقيل بالإجزاء.
وفيه: أن من خالف الشارع استهزاءً به فقد كفر، قَالَ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣] فلذلك أصاب هذا الشيخ فتنة وكفر، ويصيبه في الآخرة عذاب أليم بكفره واستهزائه.
-----------
= «تفسيره» ٩/ ١٧٤ - ١٧٧ (٢٥٣٢٧ - ٢٥٣٣٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٥٠٠ (١٣٩٩٨). والواحدي في «أسباب النزول» ٣١٩ (٦٢٣).
(١) سيأتي ذكره في الرواية (٤٨٦٣) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.
(٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٠٥.
(٣) ذكر عنه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ٢٠٦.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤.
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: حاشية: وفي تفسير ابن حبان أنه أبو لهب.
وقد اختلف العلماء في عدد سجود التلاوة على عدة أقوال:
أصحها: أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، وثنتان في الحج، وفي الفرقان، والنمل، و(الم * تنزيل)، و(حم السجدة)، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ. وهو أصح قولي الشافعي وأحمد (١).
ثانيها: أربع عشرة لإسقاط ثانية الحج (٢)، وإثبات - ﷺ - وهو مذهب أبي حنيفة، وداود، وابن حزم (٣).
ثالثها: إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل، وسجدة آخر الحج.
وهو مشهور مذهب مالك، وأصحابه (٤)، وروي عن ابن عمر (٥)، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٦).
رابعها: خمس عشرة، وهي المذكورات ثانيًا وإثبات آخر الحج، وهو قول المدنيين عن مالك (٧). وهو مذهب عمر، وانبه عبد الله، والليث، وإسحاق، ورواية عن أحمد، وابن المنذر (٨)، واختاره المروزي وابن سريج الشافعيان.
----------------
(١) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٦٤، و«المغني» ٢/ ٣٥٥.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في ابن بطال: أول الحج بدل ثانية، وهو غلط.
(٣) انظر: «التمهيد» ٦/ ٧٩، و«المحلى» ٥/ ١٠٥.
(٤) «المدونة» ١/ ١٠٥.
(٥) رواه عنه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٧.
(٦) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٦) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك.
(٧) انظر: «التمهيد» ٦/ ٧٩.
(٨) «الأوسط» ٥/ ٢٦٨.
خامسها: أربع عشرة، أسقط منها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وهو قول أبي ثور (١).
سادسها: ثنتا عشرة، وهو قول مسروق فيما حكاه ابن أبي شيبة، أسقط ثانية الحج، و﴿ص﴾، والانشقاق (٢).
سابعها: ثلاث عشرة، أسقط ثانية الحج، والانشقاق، وهو قول عطاء الخراساني.
ثامنها: عزائم السجود خمس: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنجم، والانشقاق، واقرأ، وهو مروي عن ابن مسعود، رواه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عنه (٣).
تاسعها: عزائمه أربع: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وحم السجدة، والنجم، و﴿اقْرَأْ﴾، رواه ابن أبي شيبة، عن عثمان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وهو مروي عن علي أيضًا (٤)؛ لأنه أمر بالسجود، والباقي وصف.
العاشر: ثلاث: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، والنجم، و﴿اقْرَأْ﴾، رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن داود -يعني: ابن أبي إياس- عن جعفر، عن سعيد بن جبير (٥).
الحادي عشر: عشر، قاله عطاء (٦).
---------------
(١) السابق.
(٢) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٤) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك.
(٣) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٧).
(٤) «المصنف» ١/ ٣٧٨ (٤٣٤٩).
(٥) «المصنف» ١/ ٣٧٨ (٤٣٥٠).
(٦) «الأوسط» ٥/ ٢٦٧ قاله عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -.
الثاني عشر: روى ابن أبي شيبة، عن هشيم، أنا أبو بشر، عن يوسف المكي، عن عبيد بن عمير قَالَ: عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾، والأعراف، وبنو إسرائيل (١). ولما أورد الترمذي حديث أم الدرداء عن زوجها قَالَ: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة، منها التي في النجم.
قَالَ: وفي الباب عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمرو بن العاصي، وحديث أبي الدرداء حديث غريب (٢).
قلتُ: ومواضعها معروفة، واختلف عندنا في ثلاثة مواضع، والمالكية في موضعين آخرين، فصارت خمسة، وكل ذلك أوضحته في «الفروع»، فلا نطول به هنا، ونذكر بعضها فيما ترجم له البخاري كما سيمر بك.
قَالَ أبو محمد بن حزم: ليس السجود فرضًا، ولكنه فضل، ويسجد لها في الفرض والتطوع وفي غير الصلاة في كل وقت، وفي وقت النهي، إلى القبلة، وإلى غير القبلة، وعلى طهارة، وعلى غير طهارة (٣).
قلتُ: نعوذ بالله من استدبار القبلة.
وذكر أن السجدة الثانية في الحج لا يقول به في الصلاة أصلًا؛ لأنه لا يجوز أن يزاد في الصلاة سجود لم يصح به نص، والصلاة تبطل بذلك، وأما في غير الصلاة فهو حسن؛ لأنه فعل خير، وإنما لم يجز
--------------
(١) «المصنف» ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨ (٤٣٧٨) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك.
(٢) «سنن الترمذي» (٥٦٨ - ٥٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في سجود القرآن.
(٣) «المحلى» ٥/ ١٠٦.
في الصلاة؛ لأنه لم يصح فيها سنة عن رسول الله - ﷺ -، ولا أجمع عليها، وإنما جاء فيها أثر مرسل.
وصح عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبي الدرداء السجود فيها (١). وروي أيضًا عن أبي موسى الأشعري قَالَ: وقال ابن عمر: لو سجدت فيها واحدة لكانت السجدة في الأخيرة أحب إليَّ. وقال عمر: إنها فضلت بسجدتين (٢). وروي أيضًا عن علي، وأبي موسى، وعبد الله ابن عمرو بن العاصي (٣).
ولا حجة عندنا إلا فيما صح عن رسول الله - ﷺ -. وصح عن رسول الله - ﷺ - السجود في (ص) (٤)، وسجودها بغير وضوء لغير القبلة؛ لأنها ليست صلاة، كذا ادُعي. قَالَ - ﷺ -: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٥)
-----------
(١) رواه عبد الرزاق عن عمر وابنه ٣/ ٣٤١ (٥٨٩٠) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة عنهم ١/ ٣٧٢ (٤٢٨٧ - ٤٢٨٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في الحج سجدتان، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤.
(٢) رواه عبد الرزاق عنهما ٣/ ٣٤١ (٥٨٩٠) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجده، وابن أبي شيبة ١/ ٣٧٢ (٤٢٨٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في الحج سجدتان، وكان يسجد فيها مرتين، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤.
وذكر الترمذي أثر عمر (أنها فضلت بسجدتين) عقب الرواية (٥٧٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في الحج.
(٣) رواه عن علي بن أبي شيبة ١/ ٣٧٣ (٤٢٩١)، ورواه عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٤) ستأتي برقم (٤٨٠٧) كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿ص﴾.
(٥) سلف برقم (٤٧٢ - ٤٧٣)، ورواه مسلم (٧٤٩) عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «صلاة الليل مثنى مثنى». أي: بدون ذكر النهار.
ورواه بهذا اللفظ بذكر: النهار، أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي =
فما كان أقل فليس صلاة إلا أن يأتي نص بأنه صلاة، كركعة الخوف والوتر، ولا نص في أن سجدة التلاوة (١) صلاة. وروي عن عثمان، وسعيد بن المسيب: تومئ الحائض بالسجود. قال سعيد: وتقول: رب لك سجدت (٢). وعن الشعبي جواز سجودها إلى غير القبلة (٣).
-------------
= في «المجتبى» ٣/ ٢٢٧، وفي «الكبرى» ١/ ١٧٩ (٤٧٢)، وابن ماجه (١٣٢٢) من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي الأزدي، عن ابن عمر، مرفوعًا به.
واختلف في صحة الحديث بزيادة لفظة: (النهار). فصححه ابن خزيمة ٢/ ٢١٤ (١٢١٠)، وابن حبان ٦/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٤٨٢ - ٢٤٨٣، ٦/ ٢٤١ (٢٤٩٤). وكذا صححه البخاري -فيما رواه عنه البيهقي في «السنن» ٢/ ٤٨٧ (٤٥٧٥). لكن قال النسائي في «المجتبي»: هذا الحديث عندي خطأ. وقال في «السنن الكبرى»: هذا إسناد جيد، ولكن أصحاب ابن عمر خالفوا عليًّا الأزدي، خالفه سالم ونافع وطاوس اهـ. يعني أن الثلاثة رووه عن ابن عمر دون ذكر النهار.
ونقل المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٣٥٨ عن الحاكم في «علوم
الحديث» والدارقطني في «العلل» تضعيف هذِه الزيادة. وصححه أيضًا بهذِه الزيادة الخطابي في «المعالم» ١/ ٢٤١، والنووي -رحمه الله- فقال في «شرح مسلم» ٦/ ٣٠، وفي «المجموع» ٣/ ٥٤٠، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٥٣: إسنادها صحيح.
وأطلق القول بصحة الحديث في «المجموع» ٣/ ٥٤٩. وكذا صحح المصنف -رحمه الله- إسناده في «البدر» ٤/ ٣٥٨، ونقل عن البيهقي تصحيحه في «الخلافيات».
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٧٢)، وانظر: «تمام المنة» ص ٢٣٩ - ٢٤٠.
(١) في الأصل: الصلاة.
(٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٠ - ٤٣٢١) كتاب: الصلوات، باب: الحائض تسمع السجدة.
(٣) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء.
٢ - باب سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ
١٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَةَ: ١ - ٢] وَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. [انظر: ٨٩١ - مسلم: ٨٨٠ - فتح: ٢/ ٥٥٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة: ١ - ٢] وَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:١].
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وقد سلف في الجمعة (٢).
و(سفيان) في إسناده هو الثوري. وللإسماعيلي: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة كما في الكتاب. وفي رواية: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾.
وقد زاد الحسن حديث الغاشية وقال: لم يذكر السجدة.
وفيه: السجود في تنزيل، وهو إجماع كما ادعاه ابن بطال (٣)، وفيه ما سلف.
وفيه أيضًا: دلالة على استحباب ذلك في صلاة الصبح يوم الجمعة، وقد سلف واضحًا.
وفيه: دلالة أيضًا على جواز قراءة السجدة في الفريضة، وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن حبيب (٤)، واحتج لهما أيضًا بفعل عمر
-----------
(١) «صحيح مسلم» (٨٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة.
(٢) برقم (٨٩١) باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤.
(٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٤.
ذلك بحضرة الصحابة، فلم ينكره أحد (١). وكره مالك قراءتها للإمام في فرض خشية التخليط على من خلفه. وقال أشهب: إنه إن كان من وراءه عدد قليل جاز، وإلا كره. وقال ابن حبيب: لا يقرأ بالسجدة فيما يسر فيه (٢).
------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٢ (٤٣٩٤) كتاب: الصلوات، باب: من رخص أن تقرأ السجدة فيما يجهر به من الصلاة.
(٢) «المدونة» ١/ ١٠٥ - ١٠٦، «المنتقى» ١/ ٣٥٠.
٣ - باب سَجْدَةِ ﴿ص﴾
١٠٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. [٣٤٢٢ - فتح: ٢/ ٥٥٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: سجدة ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا.
هذا الحديث من أفراده، ويأتي في أحاديث الأنبياء (١)، والتفسير في سورة الأنعام (٢)، وص (٣).
ولم يخرج مسلم في ﴿ص﴾ شيئًا.
وذكر البخاري في تفسير سورة ﴿ص﴾ عن العوام قَالَ: سألت مجاهدًا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ قَالَ: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فكان داود من أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود شكرًا، فسجدها رسول الله - ﷺ - (٤).
وأخرج النسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا» (٥).
وأخرج أبو داود السجود فيها مرة وتركها أخرى من حديث أبي
------------
(١) برقم (٣٤٢٢) باب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
(٢) برقم (٤٦٣٢) باب: قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
(٣) بر قم (٤٨٠٧) باب: سورة ﴿ص﴾.
(٤) برقم (٤٨٠٧)
(٥) «سنن النسائي» ٢/ ١٥٩ كتاب: الافتتاح، باب: سجود القرآن، السجود في ﴿ص﴾.
سعيد الخدري (١)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢). وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث عمرو بن العاصي أن رسول الله - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. قَالَ الحاكم: رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم. وليس في عدد سجود القرآن أتم منه (٣).
وهو دال على أن سجدة ﴿ص﴾ داخلة فيما أقرأه رسول الله - ﷺ -؛ لأن العلماء مجمعون على اختلاف بينهم أنه لا يزاد على خمس عشرة سجدة.
وروى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء قال: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان والسجدة، وفي ﴿ص﴾، وسجدة الحواميم (٤). ورواه الترمذي ولفظه: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم، وقال: حديث غريب (٥).
-----------
(١) «سنن أبي داود» (١٤١٠) كتاب: سجود القرآن، باب: السجود في ﴿ص﴾. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٧٠): إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ كتاب: الجمعة. ولم يخرجاه.
(٣) «سنن أبي داود» (١٤٠١) كتاب: سجود القرآن، باب: تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن، و«سنن ابن ماجه» (١٠٥٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: عدد سجود القرآن، و«المستدرك» ١/ ٢٢٣.
قال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٤٨): إسناده ضعيف، عبد الله بن جنين والحارث بن سعيد مجهولان.
(٤) ابن ماجه (١٠٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٧).
(٥) «سنن الترمذي» (٥٦٨).
وقال أبو داود: روي عن أبي الدرداء مرفوعًا إحدى عشرة سجدة، وإسناده واهٍ (١). وفي الدارقطني من حديث ابن عباس: رأيت عمر قرأ على المنبر ﴿ص﴾ فسجد، ثم رقى على المنبر (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس: في ص سجدة تلاوة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ومثله عن ابن عمر وعن أبيه أنه كان يسجد في ص، وعن عثمان مثله. وعن سعيد بن جبير أنه - ﷺ - قرأها وهو على المنبر، ثم نزل فسجد (٣). وذكر فيها آثارًا أخر في السجود فيها (٤).
إذا عرفت ذلك، فاختلف العلماء من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم في السجود في ﴿ص﴾. ورأى بعض أهل العلم السجود فيها، وهو قول سفيان، وابن المبارك والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٥)، ثم هي عند الشافعي ليست من عزائم السجود (٦). أي: ليست بسجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الأصح، وهذا هو المنصوص، وبه قطع الجمهور.
وقد أسلفنا عن ابن سريج، وأبي إسحاق المروزي أنها عندهما من العزائم، والمذهب الأول. وقال أبو حنيفة ومالك: هي من سجود التلاوة (٧). وعن أحمد كالمذهبين (٨). والمنصور منهما كقول الشافعي،
----------------
(١) «سنن أبي داود» عقب الرواية (١٤٠١).
(٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٧ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن.
(٣) «المصنف» ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٥ - ٤٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: من قال: في ص سجدة وسجد فيها.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٧١ (٤٢٦٢ - ٤٢٦٨)
(٥) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٥٥، «المغني» ٢/ ٣٥٢.
(٦) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٥٣.
(٧) «المدونة» ١/ ١٠٥، ١/ ١٠٥، «التمهيد» ٦/ ٧٧.
(٨) انظر: «المغني» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢.
ومثله قَالَ داود. وعن ابن مسعود: لا سجود فيها. وقال: هي توبة نبي (١).
وروي مثله عن عطاء، وعلقمة، وأبي المليح (٢). وروي عن عمر، وعثمان، وعقبة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، والثوري السجود فيها (٣)، وقد سلف عن ابن عباس مثله (٤)، واحتجاجه بالقرآن أولى من قوله: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود.
قَالَ الطحاوي: والنظر عندنا إثباتها فيها؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر لا موضع أمر، فينبغي أن يرد إلى حكم أشكاله من الأخبار، فنثبت السجود فيها (٥).
استدل من قَالَ: إنها من العزائم بحديث أبي سعيد السالف؛ لأنه نزل وقطع الخطبة، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة.
-------------
(١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٨ (٥٨٧٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة ١/ ٣٧١ (٤٢٦٩ - ٤٢٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يسجد في ص ولا يرى فيها سجدة، والبيهقي ٢/ ٣١٩ كتاب: الصلاة، باب: سجدة ص، وفي «المعرفة» ٣/ ٢٥٢ في الصلاة، باب: السجود في ص.
(٢) رواه ابن أبي شيبة عن أبي المليح وعلقمة ١/ ٣٧١ (٤٢٧٣ - ٤٢٧٤) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يسجد في ص ولا يرى فيها سجدة.
(٣) رواه عبد الرزاق عن عمر وعثمان ٣/ ٣٣٦ (٥٨٦٢)، (٥٨٦٤) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة. وعن طاوس ٣/ ٣٣٨ (٥٨٧١) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة عن عثمان وعمر وطاوس والحسن ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ (٤٢٥٧)، (٤٢٥٨، ٤٢٦٤ - ٤٢٦٥، ٤٢٦٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال في ﴿ص﴾ سجدة وسجد فيها، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٥٤، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٥٠ (٤٤٥٦ - ٤٤٥٨) كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿ص﴾.
(٤) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٩ - ٤٢٦٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في ﴿ص﴾ سجدة وسجد فيها.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٦١.
ومعنى قول ابن عباس: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود أنها لم تنزل في هذه الأمة، وإنما الشارع اقتدى فيها بالأنبياء قبله. نبه عليه الداودي، ثم هذا إخبار عن مذهبه، وقد سجد الشارع فيها.
فائدة:
موضع السجود فيها (وأناب) [ص: ٢٤] أو (مآب) [ص: ٢٥] فيه خلاف عن مالك، حكاه ابن الحاجب في «مختصره» (١)، وابن التين في «شرحه»، ومذهب أبي حنيفة الأول.
ثانية: قَالَ أبو بكر الرازي الحنفي في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أجاز أصحابنا الركوع في سجدة التلاوة. وعن محمد بن الحسن أنه عبر بالركوع عن السجود (٢)، وعن الحنابلة أنه لو قرأ السجدة في الصلاة وركع ركوع الصلاة أجزأ عن السجدة (٣).
وروى ابن أبي شيبة عن علقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن شرحبيل: إذا كانت السجدة آخر السورة أجزأك أن تركع بها (٤).
وعن بعض الحنفية: ينوب الركوع عن سجدة التلاوة في الصلاة وخارجها (٥). وفي «الذخيرة» للمالكية أشار ابن حبيب إلى جوازها بالركوع (٦).
-----------
(١) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٤.
(٢) الأصل ١/ ٣١٤، ٣١٦.
(٣) انظر: «المستوعب» ٢/ ٢٥٤.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٧٩ (٤٣٦٥) كتاب: الصلوات، باب: في السجدة تكون آخر السورة.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٢.
(٦) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٤.
وروى الأثرم عن ابن عمر أنه كان إذا قرأ النجم في صلاة وبلغ آخرها كبَّر وركع بها، وإن قرأ بها في غير صلاة سجد. وعن عبد الرحمن بن يزيد: سألنا عبد الله عن السورة في آخرها سجدة، أيركع أو يسجد؟ قَالَ: إذا لم يكن بينك وبين السجود إلا الركوع فقريب (١).
------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٠ (٤٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: في السجدة تكون آخر السورة.
٤ - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
١٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. [انظر: ١٠٦٧ - مسلم: ٥٧٦ - فتح ٢/ ٥٥٣]
ثم ذكر حديث الأسود عن ابن مسعود السالف أول سجود القرآن (١)، وحديث ابن عباس يأتي بعد هذا الباب، وقد سلف السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ من حديث المطلب بن أبي وداعة أيضًا (٢). وفي الدارقطني من حديث أبي هريرة: سجد رسول الله - ﷺ - بآخر النجم، والجن، والإنس، والشجر (٣). ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: سجد رسول الله - ﷺ - إلا رجلًا من قريش أراد بذلك الشهر (٤).
-------------
(١) برقم (١٠٦٧) باب: ما جاء في سجود القرآن وسنتها.
(٢) سبق تخريجه في حديث (١٠٦٧).
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٩ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن. وقال: حدثنا ابن أبي داود، لم يروه عن هشام إلا مخلد.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يسجد في المفصل.
٥ - باب سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ
١٠٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. [٤٨٦٢ - فتح: ٢/ ٥٥٣]
قوله: (نَجَسٌ) هو بفتح الجيم، قَالَ ابن التين: كذا رويناه، وكذا ضبط في بعض الكتب. قَالَ: والذي في اللغة نجس الشيء بالكسر فهو نجس بكسرها وفتحها أيضًا. وقال القزاز وغيره: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس -بكسر النون وسكون الجيم- والنجس في اللغة: كل مستقذر، وفي الشرع موضعه الفروع.
قَالَ البخاري: وكان ابن عمر يسجد على وضوء
ثم ساق حديث ابن عباس: أنه - ﷺ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. ورواه ابن طهمان عن أيوب.
الشرح:
أما أثر ابن عمر فأسنده ابن أبي شيبة من حديث سعيد بن جبير قَالَ: كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، رواه عن محمد بن بشر، ثنا زكريا بن أبي زائدة، ثنا أبو الحسن -يعني: عبيد الله بن الحسن- عن رجل زعم أنه ثقة، عن سعيد به (١).
------------
(١) «المصنف» ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء.
لكن روى البيهقي من حديث قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر (١).
ووقع في رواية أبي الهيثم عن الفربرى: كان ابن عمر يسجد على وضوء، بحذف لفظة (غير). وكذا في نسخة الأصيلي، لكن الذي رواه ابن السكن كما في الكتاب، وهو الصواب، كما قَالَ ابن بطال (٢).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه في التفسير أيضًا (٣).
وابن طهمان: هو إبراهيم، مات بعد الخمسين ومائة (٤). قَالَ أحمد: ثقة، مرجئ، متكلم، أخرج له مسلم أيضًا (٥).
ومتابعته أخرجها الإسماعيلي من حديث حفص عنه. ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب، رواه الترمذي وصححه (٦). وفي رواية جعفر بن مهران: سجد وهو بمكة بالنجم، إلى آخره (٧).
وذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكريا، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه.
وروى أيضًا: حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن قَالَ: كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء،
----------------
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٩٠ كتاب: الطهارة، باب: استحباب الطهر للذكر والقراءة.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٦.
(٣) سيأتي برقم (٤٨٦٢) باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: سنة بضع عشر، قاله في «الكاشف».
(٥) انظر: «تهذيب الكمال» ٢/ ١٠٨ (١٨٦).
(٦) «سنن الترمذي» (٥٧٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في النجم.
(٧) رواه الطبراني ١١/ ٣١٨ - ٣١٩ (١١٨٦٦)، في «الأوسط» ٣/ ١٩٧ (٢٩١٠).
وهو على غير القبلة، وهو يمشي، فيومئ برأسه إيماءً، ثم يسلم.
وروى أيضًا: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير القبلة أيسجد؟ قَالَ: نعم، لا بأس به (١).
وذهب فقهاء الأمصار منهم الأئمة الأربعة إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله، والتعظيم له، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم كما سلف. ولا يُستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام.
وإن كان البخاري أراد الرد على ابن عمر والشعبي بقوله: (وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ ليس له وضوء)، فهو أشبه بالصواب (٢).
وقال ابن المنير: هذه الترجمة متلبسة، والصواب: رواية من روى أن ابن عمر كان يسجد للتلاوة على غير وضوء (٣). والظاهر من قصد البخاري أنه صوب مذهبه واحتج له بسجود المشركين لها، والمشرك نجس لا وضوء له، ولم يذكر البخاري تمام القصة، ولا سبب سجود المشركين، وفي الإمساك عن ذكره إيهام على فهمهم، وليس كذلك؛
-------------
(١) «المصنف» ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦ (٤٣٢٥، ٤٣٢٧ - ٤٣٢٨).
(٢) ورد بنحوه في «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٧ بإطلاق فقهاء الأمصار دون ذكر الأئمة الأربعة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء.
لأن الباعث لهم على تلك السجدة الشيطان لا الإيمان، فكيف يعتبر فعلهم حجة؟! والله أعلم بمراده من هذه الترجمة (١).
والظاهر أن البخاري رجح الجواز لفعله المشركين بحضرة الشارع، ولم ينكر عليهم سجودهم بغير طهارة، ولأن الراوي أطلق عليه اسم السجود، فدل على الصحة ظاهرًا.
--------------
(١) «المتواري» ص ١١٥.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|