عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 02-02-2026, 08:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,910
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة هدايات القرآن

سلسلة هدايات القرآن

حماده إسماعيل فوده


هدايات سورة الفاتحة



10- يوم جزاء لا يوم عمل


بسم الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعدُ:
فيا أيها الكرامُ، لا زلنا مع هدايات الآية الرابعة من سورة الفاتحة، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وتوقَّفنا في الحلقة الماضية عند الوقفة الخامسة مع الآية الكريمة، ومضمونُها أن ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ تُطمئنك بأن الحقوقَ محفوظةٌ، فذلك يومُ الفصل والقضاء، وأن اللهَ يُمهلُ ولا يهملُ، وسوفُ يجازي العبادَ كلَّهم يومَ الدين؛ مَنْ أحسنَ منهم، ومَن أساءَ، فإن كان لك حقٌّ فستأخذُه، وإن كان عليك فسيقتصُّ منك.

واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى نَستأنف وقفاتنا مع الآية الكريمة:

الوقفةُ السادسةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد عظمةَ الله وَسَعةَ قدرته، وعظيمَ سلطانه تعالى؛ حيثُ يَجمعُ الخلقَ جميعًا، ويُحاسبُهم ويُجازيهم على كلِّ ما قدَّموا في حياتهم في يومٍ واحدٍ.

الوقفةُ السابعةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد أن مَن أرادَ النجاةَ يومَ الدين بتجاوُز الصراط ودخول الجنة والنجاة من النار، فليَطلبها من مالك يوم الدين مباشرةً دون اللجوء إلى الشُّفعاء والوُسَطاء.

الوقفةُ الثامنةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تفيد إثباتَ البعث والحساب والجزاء، وكلُّ ما جاء مفصلًا في القرآن الكريم عن يوم القيامة وتوابِعه، وأن الإيمانَ بالبعث من القضايا الكبرى في الدين؛ لذا تقدَّم ذكرُه هنا في سورة الفاتحة، وبُسِط القولُ فيه في كثيرٍ من الآيات والسور.

الوقفةُ التاسعةُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تُفيد أن مِن أسماء القيامة: (يوم الدين)، وقد ذُكِرَتْ له أسماءٌ أخرى في القرآن كلها تدلُّ على هوْله وشدته، وتُفيد هذه الآيةُ عِظَمَ ذلك اليوم؛ لأن الله تبارك وتعالى خصَّ مُلكَه له بالذِّكر، مع أنه المالكُ لكلِّ شيءٍ، وفي قوله تعالى: ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إشارةٌ إلى أنه يومُ جزاءٍ لا يومُ عملٍ، وكما تَدينُ في هذه الدنيا تدانُ في ذلك اليوم.

الوقفةُ العاشرةُ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، في هذه الآيات الثلاث الأولى من سورة الفاتحة، يعلِّمنا الله ثلاثَ عباداتٍ: كيف نَحمُدُه؟ وكيف نُثني عليه؟ وكيف نُمجِّدُه؟ كما جاء في صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿ الْحَمْدُ للَّه رَبِّ العالَمينَ ﴾، قال الله تعالى: حمَدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَن الرَّحيم ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿ مالِكِ يَومِ الدِّينِ ﴾، قال: مَجَّدني عبدي، وقال مرةً فوَّضَ إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿ إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعينُ ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

الوقفةُ الحادية عشرة: ﴿ الحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، تأمَّل هذه الآيات الثلاث، تجد أن الله سبحانه هو وحدَه المستحقُّ لكلِّ حمدٍ، فإن كنت حامدًا لأجل الكمال، فإنه الله، وإن كنت حامدًا لأجل الإحسان، فإنه ربُّ العالمين، وإن كنت حامدًا لأجل الرجاء، فإنه الرحمنُ الرحيمُ، وإن كنت حامدًا لأجل الخوف، فإنه مالكُ يوم الدين.

الوقفةُ الثانية عشرة: مَبنى سورة الفاتحة أيها الكرامُ على العبودية، فإن العبوديةَ إما محبةٌ أو رجاءٌ أو خوفٌ، ففي ﴿ الْحَمْدُ للَّه ﴾ محبةٌ، و﴿ الرَّحْمَن الرَّحيم ﴾ رجاءٌ، و﴿ مالك يَوْمِ الدِّينِ ﴾ خوفٌ، وهذه هي أصولُ العبادة، فرحِم الله عبدًا استَشْعَرها، وأثَّرت في قلبه.

الوقفةُ الثالثة عشرة: مالك يوم الدين: هل استعدَدْنا ليوم الدين أيها الكرامُ؟ هل عمِلنا لهذا اليوم العصيب، في صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب، فقال: إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]، ثم إن أولَ مَن يُكسى يومَ القيامة إبراهيمُ، ألا إنه يجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدَثوا بعدك، فأقول كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 117، 118]، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارَقتهم، أسألُ اللهَ ألَّا يجعلني وإياكم من هؤلاء.

فلنقِف مع أنفسنا وقفةً أيها الكرامُ، ولنَستعدَّ لهذا اليوم بالتوبة النصوح، وأن نحيا على مراد الله إلى أن نَلقاه سبحانه بميتةٍ حسنةٍ، رزَقني الله وإياكم حسنَ الختام.

الوقفةُ الرابعة عشرة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، تفيد أن النجاةَ في ذلك اليوم مرهونةٌ بِحُسن عبوديته سبحانه؛ لذا لَما تكلَّم عن يوم الدين بيَّن في الآية التي بعدها ما به يكون الفوزُ والنجاةُ؛ قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وهذا ما سنَقف معه في المقال القادم إن شاءَ اللهُ تعالى، أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُنجِّيَني وإياكم يومَ الدين، وأن يجعلني وإيَّاكم فيه من الفائزين، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه والتابعين.


تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات.

وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها:
1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون.

2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع.

3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.

4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر.

5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق.

6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.

7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.05%)]