عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 02-02-2026, 12:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,399
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية





أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية:
وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به، فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكةً له، وله سبحانه الملك والحمد، وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأنبياء إلى محدثها، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق.

والصواب أن الأشياء مفتقرةٌ إلى الخالق لذواتها، لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غنى الرب وصفٌ لازمٌ له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غنيٌّ بنفسه لا بوصف جعله غنيًّا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها[16].

السعادة في معاملة الخلق معاملتهم لله:
فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكفّ عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم.

وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا))، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتَّقاه، وكان عبده الصالح والله يتولَّى الصالحين، وهو كافٍ عبده: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [الفرقان: 27، 28]، وأما كون حامده ينقلب ذامًّا، فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداءً عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم[17].

في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7].
ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك ما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟))، وهو حديث صحيح. وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العُبَّاد ففيه شبه من النصارى، كما يُرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك[18].

الغلو في الأمة من طائفتين: الشيعة والمتصوفة:
والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضُلَّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهَّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهَّم في نبيِّنا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى، وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسُّنَّة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [المائدة: 12]، والتعزير: النصر والتوقير والتأييد. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: 8، 9]، فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 156].

وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]، وقال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده؛ كما قال: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [النحل: 51] وقال: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: 44].

فقد بيَّن الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته وتعزيره وتوقيره ونصره وتحكيمه والرضا بحكمه والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه وتقديمه على النفس والأهل والمال وردّ ما يتنازع فيه إليه، وغير ذلك من الحقوق، وأخبر أن طاعته طاعته، فقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: 80]، ومبايعته مبايعته؛ فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: 10]، وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 24]، وفي الأذى فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: 57]، وفي الطاعة والمعصية فقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: 13] ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: 14]، وفي الرضا فقال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]، فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي[19].

العبادة والاستعانة لله وحده:
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له؛ كما قال: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36] ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: 5]، وقد جمع بينهما في مواضع؛ كقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123]، وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58]، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88]، وكذلك التوكل؛ كما قال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: 12].

والدعاء لله وحده، سواءً كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة والاستعانة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن: 18 - 20]، وذمَّ الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم، فقال: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 56، 57].

وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثيرٌ جدًّا، بل هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله))، وقال: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحًا)) وقال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ وجبت له الجنة))، وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه))، فبَيَّن بهذا أن النية عمل القلب، وهي أصل العمل، وإخلاص الدين لله وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله[20].

الخشية والإنابة من العبادة:
ويدخل في العبادة: الخشية، والإنابة، والإسلام، والتوبة؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب: 39]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة: 18]، وقال الخليل: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 80، 81]، وقال نوح: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: 3]، فجعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن يطاع، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: 64]، وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران: 50]، فجعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا.

فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار؛ كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله، وأن تجعل له ندًّا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركًا؛ أي: نصيبًا في عبادتك وتوكُّلك واستعانتك[21].

في ألا يسأل العبد إلا الله:
قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7، 8]، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))، وفي الترمذي: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر))، وفي الصحيح أنه قال لعدي بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: ((لا تسألوا الناس شيئًا))، فإن سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، وفي الصحيح في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((هم الذين لا يسترْقُون ولا يكتوون ولا يتطيرون))، والاسترقاء: طلب الرقية، وهو نوعٌ من السؤال.

وأحاديث النهي عن مسألة الناس الأموال كثيرة؛ كقوله: ((لا تحل المسألة إلا لثلاثة))، وقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله))؛ الحديث، وقوله: ((لا تزال المسألة بأحدكم))، وقوله: ((من سأل الناس وله ما يغنيه)) وأمثال ذلك، وقوله: ((من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته))؛ الحديث.

وأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه؛ بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإن شفاء العيِّ السؤال))؛ ولكن من المسائل ما ينهى عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ [المائدة: 101]؛ الآية، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك[22].

العبادات مَبْناها على الشرع والاتباع:
العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبنيٌّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الجاثية: 18، 19] الآية، وقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]، فليس لأحدٍ أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، لا يعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي مسلم أنه كان يقول في خطبته: ((خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).

وعن ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد، وتوحيدٌ معه كذب خيرٌ من شرك معه صدق؛ ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثًا))، وقرأ قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31]، وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك، فكيف الناذر لغير الله؟ والنذر أعظم من الحلف؛ ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين[23].



الفرق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية:
قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي؛ ولهذا يوجد كثيرٌ من الناس يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات، إلى غير ذلك من واجبات الحج.

وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يُرى في اليوم الواحد ببلده ويُرى بعرفة، ومنهم من يتصوَّر الشيطان بصورته، ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفًا، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة، فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثَّل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه: 123] إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: 126] ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس: ((تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألَّا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية))[24].

الشرك بالله أعظم الذنوب:
اعلم- رحمك الله- أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]، وفي الصحيحين ((أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك))، والندُّ: المثل، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8]، فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة، فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها؟[25]

في محركات القلوب إلى الله:
ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرِّك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به فتقل آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته، فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62]، والخوف المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره.

فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به؛ ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41، 42] الآية. والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: 69]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: 18]، فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا، وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر، والعرض والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو، وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع، وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله سبحانه وتعالى أعلم[26].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]