
02-02-2026, 12:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,146
الدولة :
|
|
رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
سائد بن جمال دياربكرلي
(توحيد الألوهية - 1)
طاعة الرسول واتِّباعه في القرآن:
فإنه لا سعادة للعباد ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [النساء: 13، 14]، فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور.
وقد ذكر الله طاعة الرسول واتِّباعه في نحوٍ من أربعين موضعًا من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببًا لمحبة الله عبده[1].
القرآن تميَّز بنفسه:
ولما كان القرآن متميزًا بنفسه؛ لما خصَّه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88]، وكان منقولًا بالتواتر، لم يطمع أحدٌ في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد، فأقام الله تعالى الجهابذة النقَّاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان[2].
فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بنوعين:
قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 - 64]، وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين:
أحدهما: ثناء المثنين عليه.
الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، فقيل: ((يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن))، وقال البراء بن عازب: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [يونس: 64]، فقال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له))، والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الربَّان الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزيَّة على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات؛ كما قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.
وعلم الإسناد والرواية مما خصَّ الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سُلَّمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة (أهل الإسلام والسنة)، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.
وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين، هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين. عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله، معقول أو منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59][3].
أهل العلم المأثور أعظم الناس قيامًا بأصول الدين:
وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135].
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلِّغ عنه من شهد لمن غاب، ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، وقال أيضًا في خطبته في حجة الوداع: ((ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغٍ أوعى من سامع)). وقال أيضًا: ((نضَّر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))، وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيهًا، ودعاءٌ لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ، لما أعطي المبلغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدًا من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، يُقال: نَضَرَ وَنَضُرَ، والفتح أفصح.
ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يُعظِّمون نَقَلة الحديث، حتى قال الشافعي رضي الله عنه: "إذا رأيت رجلًا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وإنما قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي أيضًا: "أهل الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل؛ لأنهم حفظوا لنا"؛ اهـ[4].
أمر الله بطهارة القلوب والأبدان:
أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة: 6]، وقال: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222] وقال: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، وقال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم ﴾ [المائدة: 41]، وقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة: 28]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33]، فنجد كثيرًا من المتفقِّهة والمتعبِّدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة القلب ما أمر به، إيجابًا أو استحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط، حتى يزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا.
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بيِّنة لليهود. والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن، حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر- الذي يجب اتقاؤه- من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاةً للنصارى[5].
مقصود العبد هو الله وحده:
وذلك أن العبد، بل كل حي، بل وكل مخلوقٍ سوى الله، هو فقيرٌ محتاجٌ إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة، والمضرة هي من جنس الألم والعذاب، فلا بد له من أمرين:
أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به.
والثاني: هو المعين الموصل المحصِّل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه.
وهذان هما الشيئان المنفصلان، الفاعل والغاية، فهنا أربعة أشياء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. والثاني: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم.
والثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب.
والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.
فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد- بل ولكل حي- لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها، وأما ما ليس بحي فالكلام فيه على وجه آخر.
إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، وهو المعين على المطلوب، وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب، فالأول من معنى الألوهية.
والثاني: من معنى الربوبية؛ إذ الإله هو الذي يؤله فيعبد محبةً وإنابةً وإجلالًا وإكرامًا، والرب: هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88] وقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123] وقوله: ﴿ عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: 4]، وقوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ [الفرقان: 58]، وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ [الرعد: 30]، وقوله: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 8، 9]، فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين[6].
خلق الله الخلق لعبادته:
إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به.
وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم له، كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال. بل من أعرض عن ذكر ربِّه ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]؛ ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: "لا إله إلا الله"، رأس الأمر. فأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق، وقرَّره أهل الكلام، فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم[7].
المخلوق لا يضر ولا ينفع:
أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل ربُّه هو الذي خلقه ورزقه، وبصَّره وهداه وأسبغ عليه نعمه، فإذا مسَّه الله بضرٍّ فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه، وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله، وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول، لكن إذا تدبَّر اللبيب طريقة القرآن، وجد أن الله يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول، فهذا الوجه يقتضي التوكُّل على الله والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضًا محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، وحاجة العبد إليه في هذه النعم، ولكن إذا عبدوه وأحبوه، وتوكَّلوا عليه من هذا الوجه، دخلوا في الوجه الأول.
ونظيره في الدنيا من نزل به بلاءٌ عظيمٌ أو فاقةٌ شديدةٌ أو خوفٌ مقلقٌ، فجعل يدعو الله ويتضرَّع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولًا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولًا حتى يطلبه ويشتاق إليه[8].
تعلُّق العبد بغير الله مضرة:
إن تعلُّق العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره وأهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئًا حبًّا تامًّا بحيث يُخَالِـلُـه فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، وفي الأثر المأثور: ((أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان))، واعلم أن كل من أحب شيئًا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سببًا لعذابه[9].
الاعتماد على المخلوق مضرة:
إن اعتماده على المخلوق وتوكُّله عليه يوجب الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة، وهو أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء، ما علَّق العبد رجاءه وتوكُّله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خُذل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم: 81، 82]، وهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والاستعانة في المخلوق، فلما قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، كان صلاح العبد في عبادة الله واستعانته، وكان في عبادة ما سواه، والاستعانة بما سواه مضرَّته وهلاكه وفساده.
وإن الله سبحانه غنيٌّ حميدٌ كريمٌ واجدٌ رحيمٌ، فهو سبحانه محسنٌ إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعةٍ إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمةً وإحسانًا، والعباد لا يُتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه، ويجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما، وإن كان ذلك أيضًا من تيسير الله تعالى، فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، إذا لم يكن العمل لله.
فإذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضررٌ إذا لم يراع العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه، والرب سبحانه يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وذلك منفعةٌ عليك بلا مضرة.
فتدبر هذا، فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعةً لك، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول، كما أنه لا يقدر عليه. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، واحتمال الأذى منهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، وكما لا تخافهم فلا ترجهم، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله، وارْجُ الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وكن ممن قال الله فيه: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾ [الليل: 17 - 20]، وقال فيه: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 9].
كما أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها. وإنه إذا أصابك مضرة؛ كالخوف والجوع والمرض، فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله، ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك، وأن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمرٍ قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله، ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلِّق بهم رجاءك، قال الله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ [الملك: 20، 21]، والنصر يتضمن دفع الضرر، والرزق يتضمن حصول المنفعة، قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ [القصص: 57]، وقال الخليل عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ [البقرة: 126] الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟[10]
الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به أربعة أقسام:
إما أن يعبد غير الله ويستعينه- وإن كان مسلمًا- فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.
وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم وهدايتهم من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.
وإما أن يستعينه- وإن عبد غيره- مثل كثيرٍ من ذوي الأحوال وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه، ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.
والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به[11].
وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه:
فلا يُعمل إلا له، ولا يُرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلًا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره؛ كما قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ [الملك: 20، 21].
وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادرٌ بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته: لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40] ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7، 8].
وفي الحديث الصحيح الإلهي: ((يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا؛ ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا؛ ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا...)) إلى آخر الحديث. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله؛ كمل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله؛ لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كلما يريده فعله، فإنه فعَّال لما يريد. وهو سبحانه بالغ أمره؛ فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل[12].
أعظم الناس عبوديةً لله أكثرهم خضوعًا له:
والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبوديةً لله.
وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:
بين التذلل والتدلل نقطة 
في رفعها تتحير الأفهام
ذاك التذلل شرك 
فافهم يا فتى بالخلف
فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمةً عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم- ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئًا. ولهذا قال حاتم الأصم لما سُئل: فيمَ السلامة من الناس؟ قال: أن يكون شيؤك لهم مبذولًا، وتكون من شيئهم آيسًا، لكن إن كنت معوضًا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين، ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك.
فالرب سبحانه: أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه.
والخلق: أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جَهلةٌ بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة.
والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها، ويريدها رحمةً منه وفضلًا، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريدًا راحمًا، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئًا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك[13].
الفقر إلى الله من لوازم البشر:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته: ((الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا))؛ رواه البخاري من حديث أبي أمامة، بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه؛ أي: بموجب علمه ذلك.
فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم، مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقيًا فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله.
فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيرًا إلى خالقه، وليس أحد غنيًّا بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عمَّا سواه، وكل ما سواه فقيرٌ إليه، فالعبدُ فقيرٌ إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بسط هذا في مواضع.
والإنسان يذنب دائمًا فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خيرًا أصلًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائمًا إلى حصول النعمة ودفع الضر والشر، ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79] والمراد بالسيئات: ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات: ما يسره من النعم، كما قال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ﴾ [الأعراف: 168]، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلًا وجودًا من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع.
والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو سبحانه المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد، وجعله مسلمًا طائعًا؛ كما قال الخليل: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 78]، وقال: ﴿ وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ [البقرة: 128]، وقال: ﴿ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ ﴾ [إبراهيم: 40]، وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24] فسأل ربه أن يجعله مسلمًا، وأن يجعله مقيم الصلاة. وقال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: 7] الآية، وقال في آخرها: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾ [الحجرات: 8][14].
لفظ العبد في القرآن:
ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبدٌ لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده؛ كما قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر: 42]، وأما قوله: ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42]، فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾ [الإنسان: 6] ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان: 63] ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ [ص: 17].
وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها؛ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ [الأعراف: 194] ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ﴾ [الكهف: 102]، قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة والأنبياء، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجَّال: ((فيوحي الله إلى المسيح أن لي عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم))، وهذا كقوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا ﴾ [الإسراء: 5]، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم معبَّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره، وقد يكون كونهم عبيدًا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف: 106]، وقوله: ﴿ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]؛ أي: ذليلًا خاضعًا[15].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|