
31-01-2026, 08:51 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,811
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (7)
من صـــ 327 الى صـــ 346
الحلقة (196)
خبيبًا (١) وصلبه (٢). كذا في البخاري كما ستعلمه (٣)، وكذا ذكر مسلم أن أبا سروعة اسمه عقبة بن الحارث.
وقال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه: عقبة بن الحارث وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي روى عنه ابن أبي مليكة.
كذا قَالَ في «الكنى». وقال في موضع آخر: عقبة بن الحارث بن عامر أبو سروعة له صحبة، روى عنه ابن أبي مليكة، أخرج له البخاري ثلاثة أحاديث، وأخرج لَهُ أبو داود والترمذي والنسائي (٤).
وعمر بن سعيد (٥) الراوي عنه هو ابن أبي حسين النوفلي، ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا أبا داود، ففي «مراسيله» (٦).
وشيخ البخاري: محمد بن عبيد بن ميمون هو العلاف التبان المديني القرشي، روى عنه ابن ماجه أيضًا. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وقال ابن حبان: ربما أخطأ (٧).
---------------
(١) في الأصل: خبيب.
(٢) حكى ذلك مصعب الزبيري في «نسب قريش» ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٣٠٤٥).
(٤) انظر ترجمة عقبة بن الحارث في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٧٣ (٧٩٨)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٥٤ (٢٢٤٢)، «الاستيعاب» ٣/ ١٨٢ (١٨٤١)، «أسد الغابة» ٤/ ٥٠ (٣٦٩٨)، «الإصابة» ٢/ ٤٨٨ (٥٥٩٢).
(٥) عمر بن سعيد هذا: قال عنه أحمد بن حنبل: مكي، قرشي، ثقة، من أمثل من يكتبون عنه، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة، وكذلك قال النسائي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٥٩ (٢٠٢١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١١٠ (٥٨٣)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٦٤ (٤٢٤٢).
(٦) «المراسيل» ص ١٦٠.
(٧) محمد بن عبيد هذا قال ابن حجر في ترجمته: صدوق يخطئ، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٧٣ (٥١٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١١ (٤٢)، «الثقات» لابن حبان ٩/ ٨٢، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٧٢ (٥٤٤٧)، «تقريب التهذيب» (٦١٢١).
وقوله: (ففزع الناس) سببه أنهم كانوا إِذَا رأوا منه غير ما يعهدون تخوفوا أن يكون أتى فيهم شيء.
وقوله: (فخرج عليهم) سببه إما علمه بأنهم قد فزعوا، أو لعله يفرقه عليهم قبل أن يتفرقوا، والتبر: قطع الذهب. قيل: والفضة. قيل: جميع ما يستخرج من المعدن قبل أن يضرب دنانير. والقطعة منه: تبرة. قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: منقطع ذاهب. وقيل: من التبر، وهو الهلاك والتبديد. وقيل: لأن صاحبه يلحقه من التعزير ما يوجب هلاكه، فهو من التبار، وهو الهلاك.
وقوله: («فيحبسني») أي: يشغل ضميري فيحبسه عما يريده من الأعمال. وقيل: يحبسني في الآخرة. حكاه ابن التين.
وأما حكم الباب فالتخطي لما ترجم له مباح، ومثله ما لا غنى للإنسان عنه كإزالة حقنه ورعافه، والمكروه إِذَا كان في موضع يشغل الناس فيه عن الصلاة أو عن سماع الخطبة، فهو مكروه لأجل ذَلِكَ، وفيه أن من حبس صدقة المسلمين من وصية أو زكاة أو شبههما يخاف عليه أن يحبس في القيامة لقوله - ﷺ -: «كرهت أن يحبسني» يعني: في الآخرة، وفيه السرعة للحاجة المهمة، ولعله - ﷺ - أسرع؛ لئلا ينسى ما أراد فعله، أو لعله فعل ذَلِكَ ليفرقه عليهم قبل تفرقهم كما سلف.
قَالَ الداودي: وفيه أنه كان لا يمسك شيئًا من الأموال غير الرباع، كما في الحديث الآخر: «ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا تمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيئًا أرصده لدين» (١).
وفيه: أن من وجب عليه فرض فالمبادرة إليه أفضل.
---------------
(١) سيأتي برقم (٢٣٨٩) كتاب: في الاستقراض، باب: أداء الديون.
١٥٩ - باب الاِنْفِتَالِ وَالاِنْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ
وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى، أَوْ يَعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ.
٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. [مسلم: ٧٠٧ - فتح: ٢/ ٣٣٧]
هذا الأثر لا يحضرني من أسنده، نعم روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أنس أن النبي - ﷺ - كان ينصرف عن يمينه (١)، وفي مسلم والنسائي عنه: أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه (٢).
وفي «صحيح ابن حبان» من حديث قبيصة بن هُلْب عن أبيه قَالَ: أمنا رسول الله - ﷺ - فكان ينصرف عن جانبيه جميعًا (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: صح الأمران عن رسول الله - ﷺ - (٤).
-------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٠) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٠٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، «سنن النسائي» ٣/ ٨١ كتاب: السهو، باب: الانصراف من الصلاة.
(٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٣٣٩ (١٩٩٨) كتاب: الصلاة، باب: القنوت.
(٤) «سنن أبي داود» (١٠٤١) كتاب: الصلاة، باب: كيف الانصراف من الصلاة، «سنن الترمذي» (٣٠١) كتاب: الصلاة، باب: في الانصراف عن يمينه وعن شماله، «سنن ابن ماجه» (٩٢٩) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة.
ولابن ماجه -بإسناد جيد- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ينفتل عن يمينه ويساره في الصلاة (١).
ثمَّ ساق البخاري بإسناده من حديث سليمان عن عمارة بن عمير، عن الأسود قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ عليه شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ شماله.
وفي الإسناد المذكور ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض: سليمان، وهو الأعمش أولهم.
وعبد الله هو ابن مسعود، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: «لا يجعلن أحدكم للشيطان» (٢). بنون التأكيد، ومعنى: يرى أن حقًّا عليه أو واجبًا أو مسنونًا فاضلًا.
أما حكم الباب: فالسنة أن ينصرف المصلي إمامًا وغيره في جهة حاجته -أي جهة كانت- وإلا فيمينه؛ لأنها أولى، وكان - ﷺ - تارة يفعل هذا وتارة يفعل هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يفعله، فدل عَلَى جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، والكراهة
---------------
(١) «سنن ابن ماجه» (٩٣١) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٠٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، و«سنن أبي داود» (١٠٤٢) كتاب: الصلاة، باب: كيف الانصراف من الصلاة، «سنن النسائي» ٣/ ٨١ كتاب: السهو، باب: الانصراف من الصلاة، «سنن ابن ماجه» (٩٣٠) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة.
التي اقتضاها كلام ابن مسعود هي فيمن يرى وجوب أحدهما كما أسلفناه.
قَالَ ابن التين: وذلك بدعة، وهي من الشيطان. وانفرد الحسن البصري فاستحب الانصراف عن اليمين، ورأى أبو عبيدة رجلًا انصرف عن يساره فقال: أما هذا فقد أصاب السنة. وكان علي لا يبالي انصرف عن يمينه أو عن يساره، وعن ابن عمر مثله (١). وهو في «الموطأ» عنه أنه قَالَ لواسع بن حبان: إن قائلًا يقول: انصرف عن يمينك، فإذا صليت فانصرف حيث شئت. وهو قول النخعي (٢). وقال علي: إِذَا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجتك، فإن كانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك (٣).
----------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٢، ٣١١٤، ٣١١٥، ٣١١٦) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره.
(٢) «الموطأ» ص ١٢٢، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٧) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره.
(٣) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ١/ ٢٧١ (٣١١١) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلم ينصرف عن يمينه أو عن يساره.
١٦٠ - باب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّ وَالبَصَلِ وَالكُرَّاثِ
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا».
٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي: الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». [٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢ - مسلم: ٥٦١ - فتح: ٢/ ٣٣٩]
٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلاَّ نَتْنَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ القِدْرِ، فَلَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الحَدِيثِ. [٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩ - مسلم: ٥٦٤ فتح: ٢/ ٣٣٩]
٨٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا -أَوْ قَالَ: - فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ». وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي».
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بَعْدَ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهْوَ يُثْبِتُ قَوْلَ يُونُسَ. [انظر: ٨٥٤ - مسلم: ٥٦٤ - فتح: ٢/ ٣٣٩]
٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: سَألَ
رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا» أَوْ: «لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». [٥٤٥١ - مسلم: ٥٦٢ - فتح: ٢/ ٣٣٩]
ذكر فيه أحاديث ثلاثة:
أحدها:
حديث ابن عمر أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ -يَعْني: الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبنَّ مَسْجدَنَا».
ثانيها: حديث جابر من طريقين:
أحدهما: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ: مَا يَعْنِي بهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابن جُرَيْج: إِلَّا نَتْنَهُ.
ثانيهما: من حديث ابن وهب عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزلْنَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ».
وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي».
قَالَ أحمد بن صالح بعد حديث يونس عن ابن شهاب: نُثْبِتُ قول يونس.
وقال أحمد بن صالح عن ابن وهب: أتي ببدر. قال ابن وهب يعني طبقا فيه خضرات ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث.
ثالثها:
حديث عبد العزيز بن صهيب قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ النَبِيَّ - ﷺ - فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا ولَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا».
الشرح:
هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم أيضًا (١) ولفظه في حديث ابن عمر: «فلا يأتين المساجد» (٢). وفي لفظ له: «من أكل من هذِه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها» يعني: الثوم (٣)، وأورده ابن بطال في «شرحه» بلفظ: «فلا يغشنا في مسجدنا». قُلْتُ: ما يعني به؟ قَالَ: ما أراه يعني إلا نيئه (٤). وهذا لم يرد في حديث ابن عمر، إنما هو في حديث جابر الذي بعده (٥)، ولفظه في حديث جابر الأول من طريق أبي الزبير عنه: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذِه الشجرة الخبيثة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» (٦).
ولفظه في الثاني لرواية البخاري، وفي رواية له: «من أكل من هذِه البقلة، الثوم» وقال مرة: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٧) وفي أخرى له:
---------------
(١) «صحيح مسلم» (٥٦١، ٥٦٢، ٥٦٤) كتاب: المساجد، باب: نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها عن حضور المسجد.
(٢) مسلم (٦٨١/ ٥٦).
(٣) مسلم (٥٦١/ ٦٩).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٥.
(٥) حديث رقم (٨٥٤).
(٦) «صحيح مسلم» (٥٦٤/ ٧٢).
(٧) «صحيح مسلم» (٥٦٤/ ٧٤).
«من أكل من هذِه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشنا في مسجدنا» (١). ولفظه في حديث أنس كالبخاري وقال: «ولا يصلي معنا» (٢). وفي بعض ألفاظ البخاري: «فلا يقربن مسجدنا» (٣) وأخرجه البخاري أيضًا في الأطعمة (٤).
إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
اعترض ابن التين عَلَى تبويب البخاري من وجهين:
أحدهما: ليس فيما أورده من الأحاديث ذكر الجوع.
ثانيهما: لم يذكر في الكراث حديثًا، وكأنه قاسه عَلَى البقلتين.
والجواب عن الأول أن ما ذكره من الأحاديث إطلاقها يدخل فيه حالة الجوع، وما أوردناه من عند مسلم صريح فيه، فإن الحاجة هي الجوع.
وفي «صحيح مسلم» أيضًا عن أبي سعيد الخدري قَالَ: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله - ﷺ - في تلك البقلة -الثوم- والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا ثمَّ رحنا إلى المسجد، فوجد - ﷺ - الريح فقال: «من أكل من هذِه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد» فقال الناس: حرمت حرمت. فبلغ ذَلِكَ رسول الله - ﷺ - فقال: «أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة
--------------
(١)»صحيح مسلم«(٥٦٤/ ٧٥).
(٢)»صحيح مسلم" (٥٦٢/ ٧٠).
(٣) رواية رقم (٨٥٣).
(٤) سيأتي برقم (٥٤٥١) كتاب: الأطعمة، باب: ما يكره من الثوم والبقول.
أكره ريحها» (١) وإنما لم يذكره البخاري، وكذا حديث أبي الزبير عن جابر السالف؛ لأنهما ليسا عَلَى شرطه.
والجواب عن الثاني أنه لم يقع له عَلَى شرطه ذكر الكراث فلذا قاس عليه، وقد علمت أن مسلمًا أخرجهما من حديث أبي الزبير عنه، ومن غير طريقه أيضًا كما سلف، وسيأتي أيضًا.
وفي «مسند الحميدي» بإسناد عَلَى شرط الصحيح: سُئِلَ جابر عن الثوم، فقال: ما كان بأرضنا يومئذ، إنما الذي نهى رسول الله - ﷺ - عنه البصل والكراث (٢).
ولابن خزيمة: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكلهما، ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم (٣). وفي «مسند السراج»: نهى - ﷺ - عن أكل الكراث فلم ينتهوا، ثمَّ لم يجدوا بدًّا من أكلها، فوجد ريحها، فقال: «ألم أنهكم؟» الحديث (٤).
ثمَّ تقييد البخاري في تبويبه الثوم بكونه نيئًا اعتمادًا عَلَى ما وقع في تفسيره عَلَى إحدى الروايتين المذكورتين.
-------------
(١) «صحيح مسلم» (٥٦٥) كتاب: المساجد، باب: نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كرَّاثًا أو نحوها عن حضور المسجد.
(٢) «مسند الحميدي» ٢/ ٣٤٧ (١٣١٥).
(٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٨٥ (١٦٦٨) كتاب: الإمامة في الصلاة.
(٤) انظر «حديث السراج» ٣/ ١٨٢ وقال ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ٣٤١: قال أبو العباس السراج في «مسنده»: حدثنا أبو كريب، ثنا مخلد بن يزيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن أجل الكراث فلم ينتهوا. الحديث.
قلت: هذِه الرواية رواها أيضًا النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٥٩ (٦٦٨٧) في أبواب الأطعمة، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥ (١٦٤٦) كتاب: الصلاة، باب: المساجد. من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
الثاني:
لما أخرجه الترمذي من حديث عطاء عن جابر قَالَ: وفي الباب عن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن سمرة وقرة وابن عمر (١). وقد علمت من أخرجه من طريق ابن عمر وأبي سعيد، وطريق أبي هريرة أخرجه مسلم منفردًا به بلفظ: «من أكل من هذِه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم» (٢).
وأخرجه ابن ماجه بلفظ: «من أكل من هذِه الشجرة -يعني الثوم- فلا يؤذينا في مسجدنا هذا».
قَالَ إبراهيم بن سعد أحد رواته: وكان أبي يزيد فيه الكراث والبصل (٣).
وطريق عمر أخرجاه بلفظ: ثمَّ إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - إِذَا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (٤).
وفي «علل ابن أبي حاتم»: وقيل: سئل عن حديث عمرو بن ميمون عن عمر: كان - ﷺ - يكره الكراث، فمن أكل منكم فلا يحضر المساجد وتلاوة القرآن، فقال: إنما هو مرسل عن هلال بن يساف عن عمر (٥).
----------------
(١) «سنن الترمذي» (١٨٠٦) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل.
(٢) مسلم (٥٦٣/ ٧١).
(٣) ابن ماجه (١٠١٦).
(٤) هذِه رواية لم أقف عليها عند البخاري وأخرجها مسلم في موضعين: في كتاب: المساجد برقم (٥٦٧/ ٧٨)، وفي كتاب: الفرائض برقم (١٦١٧).
(٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٠٠ (٢٧٥).
وحديث أبي أيوب أخرجه الترمذي (١)، وحديث قرة أخرجه البيهقي بلفظ: «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا، فإن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخًا» (٢).
قُلْتُ: وفي الباب أيضًا عن حذيفة وأبي ثعلبة الخشني والمغيرة بن شعبة وعلي، أما حديث حذيفة فأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما: «من أكل من هذِه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا» (٣)
وأما حديث أبي ثعلبة فأخرجه الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده بقية، ولفظه: غزونا مع رسول الله - ﷺ - فأصبنا بصلًا، فأكلوا منه والقوم جياع، فقال - ﷺ -: «من أكل من هذِه الشجرة» الحديث (٤)، وحديث المغيرة عند الترمذي (٥)، وحديث علي في «الحلية» لأبي نعيم (٦).
الثالث:
قوله: (وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب). في بعض النسخ ساق حديث سعيد بن عفير عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، زعم عطاء السالف عنه، والصواب تقديمه عليه كما أسلفناه؛ لأن شأن التعليق أن يبين بعض الحديث الذي قبله وهو حديث سعيد بن عفير، وقد أخرجه في كتاب الاعتصام عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب إلى آخره (٧)،
----------------
(١) «سنن الترمذي» (١٨٠٧) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٧٨.
(٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٨٢ (١٦٦٢). و«صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٤٢ (٢٠٨٨).
(٤) «المعجم الأوسط» ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٣٥١٢).
(٥) سبق تخريجه عند الترمذي آنفًا.
(٦) «حلية الأولياء» ٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨ و١٠/ ٣١٦.
(٧) سيأتي برقم (٧٣٥٩) كتاب: الاعتصام، باب: الأحكام التي تعرف بالدلائل.
وأخرج رواية يونس عن ابن شهاب هنا. وفي الأطعمة (١) والاعتصام، ومسلم (٢) في الصلاة (٣).
الرابع: في ألفاظه:
قوله: (زعم) السالف ليس عَلَى معنى التهمة، لكن لما كان أمرًا مختلفًا فيه عبر عنه بالزعم، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب فيه، نبه عليه الخطابي وغيره (٤).
والنيئ -بكسر النون ممدود مهموز- ضد المطبوخ، وكذا قوله: (إلا نيئه) و(نتنه) عَلَى رواية ابن جريج بفتح النون، أي: الرائحة الكريهة.
قَالَ ابن التين: كذا رويناه بفتحها، وضبط في بعض الكتب المصححة بكسرها، ولا أعلم له وجهًا.
والثوم بضم الثاء المثلثة، وفي قراءة ابن مسعود: (وثومها) (٥) ومعنى: «لا يقربنا»: لا يدنو منا، و«مسجدنا» لأبي ذر ولأبي الحسن: «مساجدنا».
وقوله: (بقدر) هو ما اقتصر عليه مسلم. وذكر البخاري بعده رواية: ببدر -ببائين موحدتين- وهو الصواب أي: بطبق، سمي بدرًا؛ لاستدارته (٦). و(خضرات) بفتح أوله وكسر ثانيه قَالَ ابن التين: كذا
---------------
(١) سيأتي برقم (٥٤٥٢) كتاب: الأطعمة، باب: ما يكره من الثوم والبقول.
(٢) ورد في هامش الأصل: أبو داود في الأطعمة والنسائي في الوليمة.
(٣) «صحيح مسلم» (٥٦٤) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة بحضرة الطعام.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٥٩، وانظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٠٣، «الفائق في غريب الحديث» للزمخشري ٢/ ١١١.
(٥) «تفسير الطبري» ٢/ ١٣٠.
(٦) «شرح مسلم للنووي» ٥/ ٥٠.
روايتنا. وضبطه بعضهم على خلاف الأصل بضم الخاء وفتح الضاد قَالَ: وأنكر بعض أهل اللغة فتح الخاء.
والبقول: جمع بقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، وسماها: شجرة وهو خلاف الأصل، فإنها من البقول، والشجر في كلام العرب ما كان عَلَى ساق تحمل أغصانه، وإلا فهو نجم، وتسميتها: خبيثة. في رواية مسلم (١) المراد به: المستكره.
وقوله: (فيه خضرات). الضمير يعود إلى القدر، وقد أنثها بعد قوله: (بما فيها). وهما لغتان، ولو قلنا بالتأنيث فالضمير يعود إلى الطعام الذي فيه، والضمير في: (قربوها) عائد إلى البقول، ويحتمل عوده إلى (خضرات) (٢).
وقوله: («فإني أناجي من لا تناجي») أي: أسارر من لا تسارر.
وقوله: (في غزاة خيبر). يعني: حين أراد الخروج أو حين قدم، قاله أبو جعفر الداودي، ولا يصح، فإن ظاهر الكلام أنه قاله وهو في الغزاة نفسها.
الخامس: في أحكامه مختصرة، وهي موضحة في «شرح العمدة» (٣).
فيه: إباحة أكل الثوم والبصل ونحوهما، وهو إجماع، وشذ أهل الظاهر فحرموها؛ لإفضائها إلى ترك الجماعة، وهي عندهم فرض عين (٤)،
---------------
(١) مسلم (٥٦٤).
(٢) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٨٥، «الصحاح» للجوهري ٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨، «الفائق في غريب الحديث» ١/ ٣٧٩.
(٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣٠/ ٤٠٨ - ٤١٧.
(٤) قال ابن حزم: أكل الثوم والبصل حلال إلا أن من أكل منهما شيئًا فحرام عليه دخول المسجد حتى تذهب الرائحة «المحلى» ٧/ ٤٣٧.
وقد أسلفنا أنه - ﷺ - قَالَ: «ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها» (١). بل الأصح أنه يكره في حقه ولا يحرم، وقد أكله جماعة من السلف.
وفيه: احترام الملائكة، ولا دلالة فيه عَلَى تفضيلهم عَلَى البشر؛ لأنه سوى بينهم وبين بني آدم في الأذى، ولا تختص بمسجده - ﷺ - بل المساجد كلها سواء عملا برواية: «مساجدنا» و«المساجد» (٢)، وشذ من خصه بمسجده، فالنهي في مسجده ثابت في الباقي عملًا بالعموم.
قَالَ الداودي: ويحمل قوله: «مسجدنا» عَلَى «مساجدنا»، ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وخصه بالذكر؛ لكثرة أكلهم لها، وقد ورد الفجل أيضًا في الطبراني في «أصغر معاجمه» (٣)، ولم يظفر به القاضي عياض ولا النووي بل ألحقاه مما ذكر (٤).
وقال مالك -فيما حكاه ابن التين- الفجل إن كان يؤدي ويظهر فكذلك، وألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر أو به جرح له رائحة،
------------------
(١) هذِه الرواية سلف تخريجها.
(٢) سلف تخريجهما.
(٣) روى الطبراني في «المعجم الصغير» ١/ ٤٥ (٣٧) من حديث أبي الزبير عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل من هذِه الخضروات: الثوم، والبصل، والكرَّات، والفجل، فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه بنو آدم». ثم قال: لم يروه عن هشام القردوسي إلا يحيى بن راشد، تفرد به سعيد بن عضير، والقراديسي فخذ من الأزد اهـ، قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٧: فيه يحيى بن راشد البراء البصري، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات، والحديث في الصحيح خلا قوله: «والفجل».
وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٤٤: في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٧، «شرح النووي» ٥/ ٤٨.
وكذا القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق، وصرح بالمجذوم ابن بطال (١)، ونقل عن سحنون: لا أرى الجمعة تجب عليه. واحتج بالحديث (٢).
وألحق بالحديث كل من آذى الناس بلسانه في المسجد، وبه أفتى ابن عمر وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به، وقاس العلماء عَلَى المساجد مجامع الصلاة في غيرها، وكذا مجامع العلم والولائم، وخصها بعضهم بالمحيطة المبنية، ويمتنع الدخول بهذِه الروائح المسجد وإن كان خاليًا؛ لأنه محل الملائكة، ولا يبعد أن يعذر من كان معذورًا بأكل ما له ريح كريهة، وقد صرح به ابن حبان -من أصحابنا- في «صحيحه» (٣). وحكم رحبة المسجد حكمه؛ لأنها منه، وقد سلف أنه كان يخرج به إلى البقيع (٤).
وخص القاضي عياض الكراهة مما إِذَا كان معهم غيرهم ممن يتأذى، أما إِذَا أكلوه كلهم فلا، لكن يبقى احترام الملائكة، وليس المراد بالملائكة الحفظة.
وفيه: التعليل بعلتين فصاعدًا، والنهي إِذَا لم يطبخ دون ما إِذَا طبخت، وقد يستدل به عَلَى أن أكل هذِه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك الجماعة. وقد يقال: إن ذَلِكَ خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذَلِكَ أن يكون عذرًا في تركها إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة، لكن يبعده تقريبه إلى بعض أصحابه، فإن ذَلِكَ ينافي الزجر (٥).
-------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٦.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٨.
(٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٥٠ - ٤٥١.
(٤) انظر: «الإعلام» ٣/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٦ - ٥٠١.
وفيه: أن الخضر كانت عندهم بالمدينة، وفي إجماع أهلها عَلَى أنه لا زكاة فيها دليل عَلَى أن الشارع لم يأخذ منها الزكاة، ولو أخذ منها لم يخف على جميعهم، ولنقل ذَلِكَ، وهو قول مالك والشافعي وجماعة، خلافًا لأبي حنيفة (١).
وفيه: اختصاص البر بطائفة حيث خص أهل المسجد دون الأسواق.
وفيه: أن من ترك طعامًا لا يحبه أنه لا لوم عليه، كما فعل في الضب (٢).
------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١١٧ - ١١٨، «المدونة» ١/ ٢٥٢، «الذخيرة» ٣/ ٧٤، «الأم» ٢/ ٢٩، «البيان» ٣/ ٣٥٦.
(٢) سيأتي في البخاري برقم (٢٥٧٥) -وهذا لفظه- ورواه مسلم (١٩٤٧) عن ابن عباس قال: أهدت أم حفيد خالة ابن عباس إلى النبي - ﷺ - أقطًا وسمنًا وأضبًّا، فأكل النبي - ﷺ - من الأقط والسمن، وترك الضب تقذرًا .. الحديث.
١٦١ - باب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغَسْلُ وَالطُّهُورُ، وَحُضُورِهِم الجَمَاعَةَ
وَالعِيدَيْنِ وَالجَنَائِزَ وَصُفُوفِهِمْ؟
٨٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥ - مسلم: ٨٤٦ - فتح ٢/ ٣٤٤]
٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا- ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ المُنَادِي يَأْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّى أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٣٤٤]
٨٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ «قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ». فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاليَتِيمُ مَعِي، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى
بِنَا رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٣٨٠، مسلم: ٦٥٨، فتح: ٢/ ٣٤٥]
٨٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٢/ ٣٤٥]
٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ -. وَقَالَ عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي العِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِه الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ المَدِينَةِ. [انظر: ٥٦٦ - مسلم: ٦٣٨ - فتح: ٢/ ٣٤٥]
٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ -يَعْنِى: مِنْ صِغَرِهِ- أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ البَيْتَ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٣٤٥]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
عن سليمان الشيباني قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ. قال الشيباني: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابن عَبَّاسٍ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الجنائز حيث ذكره البخاري (٢).
والمنبوذ: المفرد عن القبور، قَالَ ابن الجوزي: وقد رواه قوم: عَلَى قبرِ منبوذٍ. بكسر الراء مع الإضافة، وفسروه باللقيط، قَالَ: وهذا ليس بشيء؛ لأن في بعض الألفاظ: أتى قبرًا منبوذًا. وفي رواية: أتى عَلَى قبر قَدْ دفن البارحة، فصففنا خلفه، ثمَّ صلى عليها (٣).
وفيه: دلالة أن حكم اللقيط إِذَا وجد في دار الإِسلام حكم المسلمين، وكذا ذكر الخطابي أنه يروى عَلَى وجهين: بالإضافة وقبر منبوذ. بمعنى: أن المنبوذ نعت للقبر، أي: منتبذًا ناحية عن القبور. قَالَ: اوفيه: كراهة الصلاة إلى المقابر؛ لأنه جعل انتباذ القبر عن القبور شرطًا في جواز الصلاة (٤). وفي هذا نظر.
وفيه: جواز الصلاة عَلَى القبر، وهو أحد قولي مالك، وقول الشافعي (٥)، وبخط شيخ شيوخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي: من رواه منونًا فيهما على النعت، أي: منتبذا عن القبور ناحية، يقال: جلست نبذة. بالفتح والضم، أي: ناحية، ويرجع إلى معنى الطرح، وكأنه طرح في غير موضع قبور الناس. ومن رواه بغير تنوين عَلَى الإضافة فمعناه: قبر لقيط وولد مطروح، والرواية الأولى أصح؛ لأنه
---------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٥٤) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر.
(٢) سيأتي برقم (١٢٤٧) كتاب: الجنائز، باب: الإذن بالجنازة.
(٣) سيأتي برقم (١٣٢١).
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٦٠ - ٥٦١.
(٥) انظر: «التفريع» ١/ ٢٦٧، «عيون المجالس» ١/ ٤٤٠ - ٤٤١، «البيان» ١/ ١٠٩، «روضة الطالبين»١/ ٢٧٩.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|