
31-01-2026, 04:39 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (7)
من صـــ 207 الى صـــ 226
الحلقة (190)
السابع عشر:
«لا أكونَّ أشقى خلقك» كذا هنا، وعند أبي الحسن: «لأكون». ولعله يريد إن أنت أبقيتني على هذِه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة.
الثامن عشر:
قول أبي سعيد: «وعشرة أمثاله». يحتمل أن يكون جميع ما أعطي ذَلِكَ، وأن يكون هو وعشرة أمثاله.
----------------
= فالجواب: لا يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق؛ لأن الذي قال: يضحك هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ومن جهة أخرى: فالنبي - ﷺ - لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول - ﷺ - ثم يقره الله على ذلك، أو لا يقره، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقاها الرسول - ﷺ - عن طريق الوحي. لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء سر به وضحك، والمراد بالرضى الثواب، أو إرادة الثواب كما قال ذلك الأشاعرة؟
فالجواب: أن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟
فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجوه:
الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم.
الثاني: أثبتم له معنى خلاف الظاهر بلا علم.
الثالث: أن نقول لهم الإرادة إذا قلتم أنها ثابتة لله -عز وجل-، فإنه تنتقض قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فللإنسان إرادة بل للجدار كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله -عز وجل- كما نفيتم بقية الصفات وإما أن تثبتوا لله -عز وجل- ما أثبته لنفسه وإن كان مخلوق نظيره في الاسم لا في الحقيقة، فنقول: هذا الضحك حقيقة لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين. «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥.
ووجه الجمع بين قول أبي سعيد هذا وقول أبي هريرة: «لك ذَلِكَ ومثله معه» أنه - عليه السلام - أخبر أولًا بالمثل، ثمَّ أطلع عَلَى الزيادة تكرمًا، و[لا] (١) يحتمل العكس؛ لأن الفضائل لا تنسخ.
التاسع عشر:
إمساك العبد عن السؤال حياءً من الرب، والله تعالى يحب السؤال؛ لأنه يحب صوت عبده فيباسطه بقوله: «إن أعطيت هذا تسأل غيره؟» وهذا حال المقصر، فكيف حال المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده وترك إقسامه جهلًا؛ بل نقضه عالمًا بأنه أولى؛ لأن سؤاله ربه أفضل من إبراره قسمه، وقول الرب ﷻ له «أليس قَدْ أعطيت العهود؟» إيناس لَهُ وتبسط، وقول العبد في بعض الروايات: «أتهزأ بي؟» (٢) نفي عنه جل وعز الاستهزاء الذي لا يجوز عليه، كأنه قَالَ: أعلم أنك لا تهزأ لأنك رب العباد، و(قولك) (٣): «لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» حق، ولكن العجب من فضلك. و«أتهزأ» ألفه ألف نفي عَلَى هذا كقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهي لفظة متبسط متذلل.
وفي الحديث «فرأى ضوءًا فخر ساجدًا، فيقال: مالك؟ فيقول: أليس هذا ربي؟ فإذا بشخص قائم» (٤) قَالَ: ليس سجوده للقائم الذي
-------------
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ من حديث ابن مسعود.
(٣) عليها في الأصل علامة تصحيح (صح).
(٤) قطعة من حديث رواه الطبراني ٩/ ٣٥٧ - ٣٦١ (٩٧٦٣)، والحاكم ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢ عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. اهـ. وكذا الهيثمي في «مجمع» ١٠/ ٣٤٣، والألباني في «الصحيحة» (٣١٢٩)، «صحيح الترغيب» (٣٥٩١، ٣٧٠٤).
هو قهرمانه (١) ولا قوله: «أليس هذا ربي؟» إشارة منه إليه، وكيف يكون كذلك وهو له موحد به عارف؟! وإنما سجد لله كأنه قَالَ: أليس هذا الضوء علامة تجليه لي، كأنه قَالَ: أليس عند هذا النور يكون تجلى ربي لي وراء هذا؟ ألا ترى إلى حديث جابر: «بينما أهل الجنة في نعيمهم سطع لهم نور من فوقها وإذا الرب قد أشرق عليهم» (٢) فسجود العبد يجوز أن يكون استدعاء لرؤية ربه؛ وذلك لأنه سمع الله تعالى يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ فلم يشر بقوله: (هذاربي) إلى عين قائمة؛ بل أراد ذاتًا موجودة وذلك؛ لأنه طلب الجنة المخلوقة تصريحًا، وطلب الرؤية لسيد ليس كمثله شيء تعويضًا وقسمة؛ لأنها لم تكن جزاء كالجنة التي هي جزاء الإيمان بل فضلًا، فمن محبته وشوقه لربه إِذَا سطع لَهُ نور يهيج شوقه فيرى أن وراءه يكون تجلي ربه فيسجد شكرًا؛ لإنجازه وعده، ومسارعة لاستنجاز الموعود؛ لأنه لما سكنت نفسه وأمن روعه انبعثت محبته التي خلقها الله في قلبه، فسها عن نعيم الجنة؛ لأنه قَالَ: ما اشتهته فيها نفسه، ويطلع إلى ما تلذ بها عينه، فلو أعطي ما تلذ عينه -وهو النظر إلى الرب ﷻ- لسها عن نعيم الجنة ولم يلتذ به.
الخاتمة:
فيه إثبات الرؤية للرب ﷻ نصًّا من كلام الشارع، وهو تفسير لقوله ﷻ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]
----------------
(١) القهرمان: هو القائم بأمور الرجال، وهو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٢٩.
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، وضعف البوصيري إسناده في «مصباح الزجاجة» ١/ ٢٦، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٣).
يعني: مبصرة بالله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصًّا لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إِذَا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب، فإن قُلْت: فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وأنه عَلَى العموم قُلْتُ: الإدراك: الإحاطة، تعالى عن ذَلِكَ، وهو أولى من جواب ابن بطال أن الآية مخصوصة بالسنة (١). وسلف القول في ذَلِكَ في باب: فضل صلاة العصر ويكون لنا -إن شاء الله- عودة إليه في: الاعتصام في الكلام عَلَى الآية.
-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٤.
١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ
٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ [انظر: ٣٩٠ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤]
ذكر حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة في التفريج، وقد سلف في باب: يبدي ضبعيه في أوائل الصلاة (١) واضحًا بفقهه.
وهي صفة مستحبة عند العلماء، ومن تركها لم تبطل صلاته. وقد اختلف السلف في ذَلِكَ فممن روي عنه المجافاة في السجود: علي والبراء وابن مسعود وأبو سعيد الخدري وابن عمر، وقَالَ الحسن: حَدَّثَنِي أحمر (٢) صاحب النبي - ﷺ - قَالَ: إن كنا لنأوي لرسول الله - ﷺ - مما يجافي بمرفقيه عن جنبيه. وفعله الحسن.
وقال النخعي: إِذَا سجد فليفرج بين فخذيه (٣).
وممن رخص أن يعتمد بمرفقيه:
قَالَ ابن مسعود: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتَّى
-------------
(١) سبق برقم (٣٩٠) كتاب: الصلاة، باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود.
(٢) هو أحمر بن جزي الدوسي وفد إلى النبي - ﷺ -، وكتب له النبي - ﷺ - كتابًا ولابنه شعيل -وكان أحمر يُكنى بأبي شِعْيل- هذا كتاب لأحمر بن معاوية وشعيل بن أحمر في رحالهم وأموالهم، فمن آذاهم فذمة الله منه خلية إن كانوا صادقين.
وقد حدث عن النبي - ﷺ -، وروى عنه الحسن البصري. قال ابن عبد البر: لم يَرْوِ عنه غيره فيما علمت. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ١٧١، «الاستيعاب» ١/ ١٦٦، «الإكمال» ١/ ١٨، ٢/ ٨٢.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: التجافي في السجود.
بالمرافق، وأجاز ابن سيرين أن يعتمد بمرفقيه عَلَى ركبتيه في سجوده، وقال نافع: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إِذَا سجد، وسأله رجل: هل يضع مرفقيه عَلَى فخذيه في سجوده؟ قَالَ: أسجد كيف تيسر عليك، وقال أشعث بن أبي الشعثاء عن قيس بن سكن: كل ذَلِكَ كانوا يفعلون ينضمون ويتجافون كان بعضهم ينضم وبعضهم يجافي، وروى ابن عيينة عن سمي عن النعمان بن أبي عياش قَالَ: شكي إلى رسول الله - ﷺ - الإرغام والاعتماد في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه عَلَى ركبتيه أو فخذيه. ذكر هذا كله ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١).
وإنما كان يجافي - ﷺ - سجوده ويفرج بين يديه حتَّى يرى بياض إبطيه -والله اعلم- ليخف عَلَى الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد عن عطاء بن أبي رباح أنه قَالَ: خفوا عَلَى الأرض. قَالَ أبو عبيد: وجهه أنه يريد ذَلِكَ في السجود، يقول: لا ترسل نفسك عَلَى الأرض إرسالًا ثقيلًا فيؤثر في جبهتك، ويبين ذَلِكَ حديث مجاهد أن حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إني أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي، قَالَ: إِذَا سجدت فتجاف. يعني: خفف نفسك وجبهتك عَلَى الأرض. وبعض الناس يقولون: فتجاف. والمحفوظ عندي بالحاء (٢).
وقد ذكر ابن أبي شيبة من كره ذَلِكَ ومن رخص فيه:
ذكر عن ابن عمر أنه رأى رجلًا قَدْ أثر السجود في جبهته فقال:
لا يشينن أحدكم وجهه، وكرهه سعد بن أبي وقاص وأبو الدرداء والشعبي وعطاء.
----------
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٢٦٥٨، ٢٦٦٠، ٢٦٦١، ٢٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه.
(٢) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٤٤٥.
وممن رخص في ذَلِكَ: قَالَ أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت سجدةً أعظم من سجدة ابن الزبير، ورأيت أصحاب علي وأصحاب عبد الله وآثار السجود في جباههم وأنوفهم.
وقال الحسن: رأيت ما يلي الأرض من عامر بن عبد فيجس مثل ثفن البعير (١) (٢).
وقد أسلفنا في الباب قبله أقوال المفسرين في قوله تعالى:
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] فراجعها، وعن مالك: أنه ما يعلق بالجبهة من أثر الأرض (٣)، وهذا يشبه الرخصة في هذا الباب.
-------------
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٣١٣٧، ٣١٣٨، ٣١٣٩، ٣١٤٠، ٣١٤١، ٣١٤٢، ٣١٤٣، ٣١٤٤) كتاب: الصلاة، باب: من كره أن يؤثر السجود في وجهه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الثفنة واحدة ثفنات … وهو ما يقع على الأرض من الـ … إذا أقمته سبع، وغلط … وغيرهما.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٦/ ٢٩٣.
١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ
قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
هذا الحديث مقتطع من حديث طويل ستعلمه (١).
ولا يختلف العلماء في استحباب هذِه الصفة في السجود، وكذلك يستحبون أن يستقبل الساجد بأنامل يديه القبلة في سجوده، وإن فعل غير ذَلِكَ فصلاته جائزةٌ عندهم.
-----------
(١) سيأتي رقم (٨٢٨) كتاب: الأذان، باب: سنة الجلوس في التشهد.
١٣٢ - باب إِذَا لَم يُتِمَّ السُّجُودَ
٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٩٥]
ذكر فيه حديث حذيفة السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع (١).
وشيخ البخاري فيه الصلت بن محمد هو الخاركي -بالخاء المعجمة-
البصري -وخارك: جزيرة في بحر البصرة (٢) - صالح الحديث (٣).
وشيخه مهدي هو ابن ميمون البصري المعولي مولاهم، ختن هشام ابن حسان، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وقيل: في زمن المهدي (٤).
وشيخه واصل وهو ابن حبان الأحدب، مات سنة عشرين ومائة. وشيخه أبو وائل شقيق بن سلمة، مات بعد الجماجم. وحذيفة بن اليمان حسل العبسي ثمَّ الأشهلي حليفهم الصحابي صاحب السر، مات سنة ست وثلاثين.
-----------
(١) سبق رقم (٧٩١) كتاب: الأذان.
(٢) خارك: جزيرة في وسط البحر الفارسي، وهي جبل عالٍ في وسط البحر، وهي من أعمال فارس، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٣٣٧.
(٣) أبو همام الخاركي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وانظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠٤ (٢٩١٩)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٤٤١ (١٩٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٢٤، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (٢٨٩٩).
(٤) هو: مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، مولاهم، أبو يحيى البصري، قال أبو سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أي شيء تقول في مهدي =
١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ
٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. [٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٥]
٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا».
٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٩٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس من طرق ثلاث:
أحدها: طريق سفيان عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاس قال: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرَّجْلَيْنِ.
ثانيها: طريق شعبة عَنْ عَمْرٍو، به، بلفظ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا».
-----------
= ابن ميمون؟ قال: ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: مهدي ابن ميمون ثقة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو عبد الرحمن النسائي وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٥ (١٨٦١)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٣٠١ (١٨٠٤)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٥٤٧)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٩٢ - ٥٩٥ (٦٢٢٤).
ثالثها: طريق وهيب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتينِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثّيَابَ وَالشَّعَرَ».
وذكر فيه حديث البراء في وضع الجبهة.
أما حديث البراء فسلف في باب: متى يسجد خلف الإمام (١).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم أيضًا باللفظ الثالث وقال: «إلى أنفه»: بدل: «على أنفه». وباللفظ الأول: وقال: «أعظم» بدل «أعضاء»، «والكفين» بدل «واليدين»، و«القدمين» بدل «الرجين».
وفي رواية له: «أمرت أن أسجد عَلَى سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» (٢) وعند ابن ماجه: قَالَ ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا (٣).
وفي «مسلم» من حديث العباس بن عبد المطلب، سمع النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وقدماه، وركبتاه» (٤).
إِذَا علمت ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من
-----------
(١) سبق (٦٩٠) كتاب: الأذان.
(٢) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة.
(٣) ابن ماجه (٨٨٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: السجود.
(٤) مسلم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر، وقال: «أطراف» بدل «آراب» وقَدَّم الركعتين فقال: «وركبتاه وقدماه».
الآراب السبعة عند القدرة، بعد إجماعهم عَلَى أن السجود عَلَى الجبهة فريضة، فقالت طائفة: إِذَا سجد عَلَى جبهته دون أنفه أجزأه، وروي ذَلِكَ عن ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم وسالم والشعبي والزهري والشافعي في أظهر قوليه، ومالك ومحمد وأبي يوسف وأبي ثور، والمستحب أن يسجد عَلَى أنفه معها (١).
وقالت طائفة: يجزئه أن يسجد عَلَى أنفه دون جبهته وهو قول أبي حنيفة، وهو الصحيح في مذهبه (٢).
---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٥، «عيون المجالس» ١/ ٣١٥، «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨، قال ابن شاس رحمه الله: وفي إثبات الإجزاء ونفيه عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما، ثلاثة أقوال: يخصص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على الجبهة دون الاقتصار على الأنف، وهو المشهور. واختار القاضي أبو بكر نفي الإجزاء بإسقاط أيهما كان، وهو قول ابن حبيب. وحكى القاضي أبو الفرج ما ظاهره تعلق الوجوب بأحدهما على البدل. انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٤، «الأم» ١/ ٩٨ - ٩٩، «الأوسط» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧، «البيان» ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٧ - ٤٠٠، وحكى القول الثاني صاحب «البيان»، وقال النووي رحمه الله: السنة أن يسجد على أنفه مع جبهته. قال البندنيجي وغيره: يستحب أن يضعهما على الأرضي دفعة واحدة لا يقدم أحدهما، فإن اقتصر على أنفه دون شيء من جبهته لم يجزئه بلا خلاف عندنا، فإن اقتصر على الجبهة أجزأه.
قال الشافعي في «الأم»: كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى صاحب «البيان» عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا. وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًا في الدليل.
«المجموع» ٣/ ٣٩٩.
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٣، «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٣٥، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٦، وقال ابن نجيم رحمه الله: في «الشرنبلالية»: هذا قول أبي حنيفة أولًا =
وروى أسد بن عمرو: لا يجوز إلا من عذر (١).
وهو قول صاحبيه، وفي «شرح الهداية» عنه إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما.
وفي «الإشراف» للدبوسي: يجزئه. وأشار في «المنظومة» عنه الجواز من غير عذر، ونسب ابن قدامة في «المغني»، والنووي في «شرح المهذب»: انفراد أبي حنيفة به وقالا: لا نعلم أحدًا سبقه إليه (٢)؛
-----------------
= والأصح رجوعه إلى قولهما بعدم جواز الاقتصار في السجود على الأنف بلا عذر في الجبهة كما في البرهان أهـ. وفي شرح الشيخ إسماعيل: ثم في «الهداية» أن قولهما رواية عن أبي حنيفة وفي المجمع وروي عنه قولهما وعليه الفتوى. وفي «الحقائق»: وروى عنه مثل قولهما. قال في «العيون»: وعليه الفتوى. وفي «درر البحار»: والفتوى رجوعه إلى قولهما لأنه المتعارف والمتبادر إلى الفهم أهـ. وفي «شرح الملتقى» للحصكفي: وعليه كما في «المجمع» وشروحه و«الوقاية» وشروحها و«الجوهرة» و«صدر الشريعة والعيون»، و«البحر الرائق» ١/ ٥٥٤
(١) انظر: «البناية» ٢/ ٢٧٧.
(٢) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٧٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٩، «المغني» ٢/ ١٩٧، وقال بدر الدين العيني: قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أسبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه، حكي ذلك عن النووي في شرح «المهذب» وابن قدامة في «المغني». قلت: ذكر الطبري في «تهذيب الآثار»: أن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أبو يوسف عن طاووس أنه سئل عن السجود على الأنف وقال: ليس أكرم الوجه قال أبو هلال: سئل ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه فقال: أوما تقرأ ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود فإذا يسقط السجود على الذقن بالإجماع بصرف الجواز إلى الأنف؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة؛ لعدم الفصل بينهما بخلاف الجبهة، إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة وقال تقي الدين العبدي: وهو قول مالك.
وذكر في «المبسوط» جواز الاقتصار على الأنف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال =
لكن ابن شاس في «جواهره» قَالَ: إنه قول مالك (١). وقال ابن جرير في «تهذيبه»: حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونها، فرق بين ذَلِكَ (٢).
وقال: وبنحو هذا الذي قلناه قَالَ جماعة من السلف.
قَالَ ابن بطال: وروي مثله عن طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم (٣)، وفي «المبسوط»: ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا (٤)، وذكر أصحاب التشريح أن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فيه الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدًا، وهو المشار إليه في الحديث عَلَى الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه فسوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا، ولا يتم ذَلِكَ إلا إِذَا عدَّا واحدًا.
وفي الترمذي: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض بمصيب الجبين»، وصحح إرساله عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس (٥).
وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب السجود عليهما جميعًا، روي
---------------
= في «العارض» في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم، الجبهة أو الأنف، وقال بعض شراح مسلم: إن المراد من ذكر الجبهة أو الأنف؛ لئلا تصير ثمانية، ويدل عليه أو الأنف في الرواية المذكورة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أيضًا فيه منه إذ ما جهله أكثر مما علمه. وما ذكره تحامل منه وتعصب، وقد بينا من قال بقوله قبله وبعده من السلف والخلف، «البناية» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(١) «عقد الجواهر الثمينة»١/ ١٠٤.
(٢) «تهذيب الآثار» ٢/ ٢ (٣٤٦).
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣١.
(٤) «المبسوط» ١/ ٣٤ - ٣٥.
(٥) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. =
ذَلِكَ عن النخعي وعكرمة وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير، وهو قول أحمد وطائفة، وهو مذهب ابن حبيب (١).
وقال ابن عباس: من لم يضع أنفه في الأرض لم يصل (٢). وفي بعض طرق حديث ابن عباس: (أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء منها الوجهه)، فلا يختص بالجبهة دون الأنف، وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة في الاقتصار عَلَى الأنف، وقال: ذكره للوجه يدل عَلَى أنه أي شيء وضع منه أجزأه، وإذا جاز عند من خالف الاقتصار عَلَى الجبهة فقط جاز عَلَى الأنف فقط؛ لأنه إِذَا سجد عَلَى أنفه قيل: سجد عَلَى وجهه كما إِذَا اقتصر عَلَى جبهته (٣).
وقالت طائفة: لا يجزئه من ترك السجود عَلَى شيء من الأعضاء السبعة، وهو قول أحمد وإسحاق (٤).
------------
= ورواه الدارقطني ١/ ٣٤٨، والحاكم ١/ ٢٧٠، والبيهقي في «السنن» ٢/ ١٠٤، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٩٢ (٥٢٦) عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ورواه البيهقي ٢/ ١٠٤ عن عكرمة مرسلًا. وصوب الدارقطني المرسل كالترمذي، وكذا البيهقي في «المعرفة» ٣/ ٢٣ وغلَّط من رفعه.
والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (١٣٠٠)! لكن صوب ابن الجوزي رفع الحديث؛ لأنها زيادة ثقة. وذكره الحافظ في «الدراية» ١/ ١٤٤ - ١٤٥ مرفوعًا وقال: ورواته ثقات، لكن قال الدارقطني: الصواب مرسل. وصححه الألباني مرفوعًا في «تمام المنة» ص ١٧٠ وقال: حديث صحيح على شرط البخاري.
(١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٣، «مواهب الجليل» ٢/ ٢١٦، «الأوسط» ٣/ ١٧٤، «المغني» ٢/ ١٩٦.
(٢) رواه الطبري في «تهذيبه» ١/ ١٨٨ مسند عبد الله بن عباس.
(٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١١٧.
(٤) انظر: «المغني» ٢/ ١٩٤.
وأصح قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون خلاف ما رجحه الرافعي (١)، وهو مذهب ابن حبيب، وأظن البخاري مال إلى هذا القول وحجته حديث ابن عباس السالف أنه أمران يسجد عَلَى سبعة أعضاء، فلا يجزئ السجود عَلَى بعضها إلا بدلالة.
واحتج من لم ير الاقتصار عَلَى الأنف بأن الأحاديث إنما ذكر فيها
-----------
(١) قال الرافعي رحمه الله: وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، واليدين، والركبتين، أطراف القدمين» يروى: «على سبعة آراب».
وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضًا؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمنكه أن يسجد مع رفع الجميع، وهذا هو الغالب، أو المقطوع به، «الشرح الكبير» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١. وقال النووي رحمه الله: ففي وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان مشهوران نص عليهما في «الأم»، قال الشيخ أبو حامد: ونص في «الإملاء» أن وضعها مستحب لا واجب، واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فقال القاضي أبو الطيب: ظاهر حديث الشافعي أنه لا يجب وضعها، وهو قول عامة الفقهاء. وقال البغوي: هذا هو القول الأشهر، وصححه الجرجاني في «التحرير» والروياني في «الحلية» والرافعي. وصحح جماعة قول الوجوب، ومنهم البندنيجي وصاحب «العدة» والشيخ نصر المقدسي. وبه قطع الشيخ أبو حامد في «التبصرة»، وهذا هو الأصح وهو الراجح في الدليل، فإن الحديث صريح في الأمر بوضعها والأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب الفقهاء والقائل الأول يحمل الحديث على الاستحباب، ولكن لا نسلم له؛ لأن أصله الوجوب فلا يصرف عنه بغير دليل فالمختار الصحيح: الوجوب، وقد أشار الشافعي رحمه الله في «الأم» إلى ترجيحه. «المجموع» ٣/ ٤٠٢.
الجبهة ولم يذكر الأنف، فدل عَلَى أن الجبهة تجزئ، وأن الأنف تبع، وأما الرواية السالفة: وأشار بيده على أنفه. فالأنف غير مشترط في ذَلِكَ؛ لأنه إنما أشار بيده إلى أنفه إلى جبهته، فجعل الأنف تبعًا للجبهة، ولم يقل: إلى نفسه. كذا قَالَ المهلب (١)، وقد سلف رواية: إلى أنفه.
قَالَ ابن القصار: والإجماع حجة ووجدنا عصر التابعين عَلَى قولين، فمنهم من أوجب السجود عَلَى الجبهة والأنف، ومنهم من جوز الاقتصار عَلَى الجبهة، فمن جوز الاقتصار عَلَى الأنف دون الجبهة خرج عن إجماعهم (٢)، لكن في «العارضة» لابن العربي في بعض طرقه: الجبهة أو الأنف (٣)، ويقال لمن أوجب السجود عَلَى الآراب السبعة: إن الله تعالى ذكر السجود في مواضع من كتابه فلم يذكر فيها غير الوجه فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال الشارع: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» (٤)، ولم يذكر غير الوجه. وقال للأعرابي الذي علمه: «مكن
-------------
(١) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢.
(٢) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢.
(٣)»عارضة الأحوذي" ٢/ ٧١.
(٤) رواه أبو داود (١٤١٤) كتاب: سجود القرآن، باب: ما يقول إذا سجد، والترمذي (٥٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقول في سجود القرآن، وبرقم (٣٤٢٥)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٢٢٢، كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء في السجود، وأحمد ٦/ ٣٠، والدارقطني ١/ ٤٠٦ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن، والحاكم ١/ ٢٢٠ كتاب: الصلاة، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، =
جبهتك من الأرض» (١)، ولم يذكر باقي الأعضاء، ولو كان حكم السجود متعلقًا بذلك لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس، فلما كان مع العجز يقع الإيماء بالرأس حسب، ولا يؤمر بإيماء الباقي علمنا أن الحكم يعلق بالجبهة فقط.
وأما أمره - ﷺ - بالسجود عَلَى الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا وبعضه مسنونًا ولا يكون وجوب بعضه دليلًا عَلَى وجوب باقيه إلا بدالة الجمع بين ذَلِكَ، والخلاف في الأعضاء الستة ثابت عند الحنفية أيضًا، ففي «شرح الهداية»: لا تجب. وفي «الواقعات»: لو لم يضع ركبتيه عَلَى الأرض عند السجود لا يجزئه.
ونقل أبو الطيب عن عامة الفقهاء عدم الوجوب، وعند زفر وأحمد الوجوب (٢)، وعند أحمد في الأنف روايتان (٣). وفي الترمذي عن أحمد: وضعها سنة (٤).
وادعى ابن العربي أن قوله: أمر أو أمرت أو أمرنا. مخصوص به في الظاهر، واختلف الناس فيما فرض عليه هل تدخل معه الأمة؟ فقيل: نعم. والأصح لا إلا بدليل، وقيل: إِذَا خوطب بأمر أو نهي فالمراد به
-------------
= والبيهقي ٢/ ٣٢٥ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في سجود التلاوة. من حديث عائشة، قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ١٥٧ (١٢٧٣): صحيح.
(١) سبق تخريجه في شرح حديث رقم (١٦١).
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٠، «الكافي» ١/ ٣٠٤.
(٣) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٤) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل الحديث أن يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه. وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف. ذكر هذا عقب الرواية رقم (٢٧١)، ولم يصرح فيها بذكر الإمام أحمد.
الأمة معه، وهذا لا يثبت إلا بدليل. قَالَ: والدليل عَلَى توجب ذَلِكَ علينا إجماع الأمة عَلَى وجوب السجود عَلَى هذِه الأعضاء، ولعل ذَلِكَ أخذ من قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، ومن دليل آخر سواه.
ولا خلاف أعلمه في الأعضاء السبعة إلا في الوجه (٢)، وكلامه كله عجيب، وأين الإجماع فيما ذكره والأصل عدم الخصوصية.
وقوله في رواية: «أعضاء» وفي رواية: «أعظم» إما من باب تسمية الجملة باسم بعضها أو سمى كل واحد منها عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها عَلَى عظام.
وأما كف الشعر والثوب فسيأتي في بابه قريبًا.
وقوله: «واليدين» يريد: الكفين. خلافًا لمن حمله عَلَى ظاهره؛ لأنه لو حمل عَلَى ذَلِكَ لدخل تحت النهي عنه في افتراش السبع والكلب.
--------------
(١) هو جزء من حديث سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: للمسافر إذا كان جماعة.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧١.
١٣٥ (*) - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ فِي الطِّيِنِ
٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟. قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:»مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ«. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٢٩٨]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ إلى أن قال: وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأنَّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَى رَأَيتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُويَاهُ.
وسيأتي بطوله في موضعه في الصيام (١).
والأرنبة: طرف الأنف، وهو حجة لمن أوجب السجود عَلَى الأنف والجبهة وقالوا: هذا الحديث مفسر لقوله: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء» فذكر منها الوجه، وأبانَ في هذا الحديث أن سجوده - ﷺ - كان
--------------
(١) سيأتي رقم (٢٠٤٠) كتاب: الاعتكاف، باب: من خرج من اعتكافه عند الصبح.
(*) قال معد الكتاب للشاملة: من هنا اختل الترقيم، وحقه أن يكون رقمه: ١٣٤.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|