
31-01-2026, 04:33 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,934
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (7)
من صـــ 187 الى صـــ 206
الحلقة (189)
وعن مالك رواية أيضًا أنه يقدم أيهما شاء (١). وعنه كالشافعي (٢)، وقال قتادة: يصنع أهون ذَلِكَ عليه، وتوقف النووي في ذَلِكَ فقال (٣): لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة (٤). قَالَ الشافعي في «الأم»: فإن خالف الترتيب المذكور كرهته ولا إعادة عليه (٥).
قال الطحاوي: اتفقوا أنه يضع رأسه بعد يديه وركبتيه، ثمَّ يرفعه قبلهما، ثم كانت اليدان متقدمتين في الرفع، فوجب أن يكونا مؤخرتين في الوضع (٦).
وذكر البخاري أيضًا في الباب حديثين آخرين:
--------------
= وكذا المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: ٢/ ١٢٠، والألباني في «الإرواء»: ٢/ ٧٨، وفي «صحيح أبي داود» (٧٨٩).
(١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٣٣.
(٢) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٦، «الذخيرة» ٢/ ١٩٥، «الخرشي» ١/ ٢٨٧.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في «المهذب».
(٤) «المجموع» ٣١/ ٣٩٥.
(٥) «الأم» ١/ ٩٨.
(٦) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٥٦.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٩٠ - ٩١:
أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء ولكن تنازعوا في الافضل فقيل: الأول كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وقيل: الثاني كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى وقد روي بكل منهما حديث في السنن عن النبي - ﷺ - ففي السنن عنه: أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه وفي «سنن أبي داود» وغيره أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن يضع يديه ثم ركبتبه» وقد روي ضد ذلك، وقيل: أنه منسوخ والله أعلم. اهـ.
أحدهما:
حديث أبي هريرة أَنه كَانَ يُكَبَّرُ فِي كُلِّ صَلَاةِ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا.
الحديث الثاني:
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ .. الحديث.
وقد سلفا فيما مضى (١)، وعزاه شيخنا المزي (٢) في «أطرافه» إلى النسائي، (وأنه رواه عن هشام بن عمار عن ابن عيينة، وهذا ينبغي أن يعلم أنه سند ابن ماجه) (٣). وقد سلف معنى هذا الباب: في باب إتمام التكبير في الركوع (٤)، ولا خلاف فيه بين الفقهاء إلا في تكبير القيام من اثنتين، وسيأتي ذَلِكَ في باب: يكبر وهو ينهض بين السجدتين (٥).
---------------
(١) حديث أبي هريرة سلف برقم (٧٨٥)، وحديث أنس سلف برقم (٣٧٨).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: هو شيخه، بمعنى أنه أجازه من دمشق.
(٣) كذا في الأصل، وهو خلاف في «التحفة»؛ فإن المزي -رحمه الله- لما طرَّفه في «التحفة» (١٤٨٥) عزاه للنسائي من وراية هناد بن السري، وعزاه لابن ماجه من رواية هشام بن عمار كلاهما عن ابن عيينة!!
قلت: وحديث هناد عند النسائي ٢/ ٨٣، ١٩٥ - ١٩٦، وحديث هشام عند ابن ماجه برقم (١٢٣٨)
(٤) راجع شرح حديث (٧٨٤، ٧٨٥).
(٥) سيأتي برقم (٨٢٥، ٨٢٦).
١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ
٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَى جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ "فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ:
٨٠٦
لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِى رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِى أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللهُ -عز وجل- مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ -عز وجل-: تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا. أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهما: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلاَّ قَوْلَهُ: «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». [٦٥٧٣، ٧٤٣٧ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في الرؤية بطوله وفيه: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ» وفي آخره: «لك ذلك وعشرة أمثاله».
وهو حديث عظيم يأتي في (الجنة) (١) والتفسير (٢)، أخرجه مسلم
------------
(١) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعل المثبت هو الصواب؛ فالحديث يأتي في أبواب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٨١) باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] من =
أيضًا مطولًا، وفيه: قَالَ أبو هريرة: «وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة» -وهو في الرواية هنا-. وفيه: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» وقال قبله: «في صورة غير صورته التي يعرفون» (١) وكذا ذكره البخاري في كتاب: الرقاق، وذكر مرة الإتيان مرتين -كما أخرجه مسلم- وذكره مرة ثلاثًا، وأخرجاه من حديث ابن مسعود أيضًا مطولًا: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة» فذكراه (٢)، وفي (الرواة عن مالك للدارقطني) (٣) من حديث ابن عمر أن اسم هذا الرجل: جهينة، من جهينة: «فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه: هل بقي من الخلائق أحدٌ؟» (٤).
وقال السهيلي: اسمه هناد. وفي «الحلية» لأبي نعيم من حديث ليث عن مجاهد عن أبي هريرة يرفعه: «يخرج أهل الكبائر من النار إلا رجلًا
------------
= حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي هريرة يأتي برقم (٦٥٧٣) كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم.
وبرقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.
(١)»صحيح مسلم«(١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) سيأتي برقم (٦٥٧١) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ومسلم (١٨٦) كتاب: الإيمان، باب: آخر أهل الجنة خروجًا.
(٣) كذا في الأصل، ولعل صوابه:»الرواة عن مالك«للخطيب،»غرائب مالك«للدارقطني فهكذا العزو في مصادر التخريج كما سيأتي، فضلًا عن أنه هكذا ضبط اسمي مصنف الخطيب، ومصنف الدارقطني. انظر:»الرسالة المستطرفة«ص ٨٤.
(٤) رواه الدارقطني في»غرائب مالك«كما في»لسان الميزان«٢/ ١٦٤ (١٩١٠)،»كنز العمال«(٣٩٤٣٣)، وكذا رواه الخطيب في»رواة مالك«، كما. في»الكنز«أيضًا وقال الدارقطني: هذا الحديث باطل. اهـ. وكذا أشار لضعفه الحافظ في»الفتح«١١/ ٤٥٩، وقال الألباني في»الضعيفة" (٣٧٧): موضوع.
يمكث ألف سنة ينادي: يا حنّان يا منّان. فيبعث الله إليه ملكًا فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه حتَّى يدله عليه رب العزة -عز وجل-» (١).
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
«تمارون» قد سلف في باب فضل صلاة العصر (٢) أن معناها: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك، وهو مخفف الراء من المرية وهو الشك.
قَالَ الخطابي: وأصله: يتمارون، وليس هو من المراء (٣)، قَالَ ابن التين: والذي ضبط في هذا الموضع بضم التاء وهو خلاف قول الخطابي: أصله: يتمارون وهي رواية الأصيلي بالفتح.
ثانيها:
«الطواغيت»: جمع طاغوت، وهو ما عبد من دون الله، يقع عَلَى الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وزنه فعلوت وإنما هو طغيوت، قدمت الياء عَلَى الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة قلبت ألفًا. قاله ابن سيده (٤).
ونص الحديث فرق بينه وبين من عبد الشمس ومن عبد القمر، وقال
------------
(١) لم أقف عليه في «الحلية» هكذا، والذي فيها إنما هو من قول سعيد بن جبير، بنحوه انظر: «الحلية» ٤/ ٢٨٥، بينما حديث أبي هريرة قد رواه الحكيم الترمذي في «النوادر» ص ١٣٩ الأصل الثاني والمائة، وهكذا لما أورده صاحب «الكنز» (٣٩٥٤٩) عزاه للحكيم فقط!
(٢) رقم (٥٥٤) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٢٣.
(٤) «المحكم» ٦/ ٨.
القزاز: هو: فاعول من طاغوت، وأصله: طاغو فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض من المحذوف فقالوا: طاغوت. وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث؛ لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طاغوتا. وفي ديوان الأدب: تاؤه غير أصلية. وسئل الشارع فيما رواه جابر عنه، عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد (١). وقيل الطاغوت: الشيطان.
وقيل: كل معبود من حجرٍ أو غيره فهو جبت وطاغوت، وفي «الغريبين» الطاغوت: الصنم، وقال الجوهري: هو كل رأس في الضلال (٢) وفي العبث، هو الشيطان أو ما زين لهم أن يعبدوه (٣).
وقيل: إنه الساحر. وقيل: الكاهن. وقيل: مردة أهل الكتاب.
ثالثها:
قوله: («وتبقى هذِه الأمة فيها منافقوها») يدل عَلَى أن المنافقين يتبعون محمدًا - ﷺ - لما انكشف لهم من الحقيقة رجاءً منهم أن ينتفعوا بذلك، ويلتزموا الرياء في الآخرة ما التزموه في الدنيا حتَّى تبينهم الغرة والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض، فيتبين حينئذ المنافق إذ لا غرة له ولا تحجيل، ويؤخذ منهم ذات الشمال في جملة من ارتد بعده - ﷺ -، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: «سحقًا سحقًا» (٤) فظنوا أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما في الدنيا جهلًا منهم، فاختلطوا بهم أو حشروا معهم لما كانوا يظهرونه من
------------
(١) سيأتي معلقًا قبل حديث (٤٥٨٣).
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤١٣.
(٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٣٥٧.
(٤) سيأتي برقم (٦٥٨٤ - ٦٥٨٥).
الإِسلام، فحفظ ذَلِكَ عليهم حتَّى ميز الله بين الخبيث والطيب، أو إنه لما قيل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. والمنافقون لم يعبدوا شيئًا فبقوا هناك حيارى حتَّى ميزوا.
رابعها:
قوله: «فيأتيهم الله» الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله -عز وجل-، لأن الحركة والانتقال لا تجوز عَلَى الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذَلِكَ (١)، فلم يبق من معنى الإتيان إلا ظهوره -عز وجل- إلى الأبصار،
-------------
(١) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
وقد قال الجد أبو عبد الله في تفسيره:
أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف، كمكحول والزهري، والأوزاعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم، أنه يمر كما جاء. وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء في القرآن، أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها، وهي طريقة السلامة، ومنهج أهل السنة والجماعة: يؤمنون بظاهرها، ويكلون علمها إلى الله، ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث. على ذلك مضت الأئمة خلفًا بعد سلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وقال ابن السائب في قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ هذا من المكتوم الذي لا يفسر.
وقال أيضًا: أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل؛ فإن الصفات والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها. ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى الأعظم، فهو أعلى من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع. =
لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا، ولا شك أن ما كان عليه السلف من التسليم أسلم، لكن مع القطع بأن الظواهر المذكورة يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أخر، والمتأول أولها عَلَى ما يليق بها عَلَى حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع.
-----------
= وأما لفظ الزوال والانتقال فهذا اللفظ مجمل، ولهذا كان أهل الحديث والسنة فيه على أقوال. فعثمان بن سعيد الدرامي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك، وذكروا أثرًا أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة. فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحًا لم يكن حجة لهم؛ لأنه في تفسير قوله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما يستحقه، كما قال ابن إسحاق: لا يزول عن مكانته.
وقال أيضًا: والكلبي بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استقر، ويقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: صعد إلى السماء، وأما الانتقال فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة وانتقال. وآخرون من أهل السنة، كالتميمي من أصحاب أحمد، أنكروا هذا وقالوا: بل ينزل بلا حركة وانتقال. وطائفة ثالثة، كابن بطة وغيره يقفون في هذا، وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلق في كتاب «اختلاف الروايتين والوجهين» ونفي اللفظ بمجمله، والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. وهو أن يثبت النزول. والإتيان، والمجئ، وينفي المثل، والسمي والكفؤ، والند. «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٢٩، ٤٢٢ - ٤٢٤.
وقال أيضًا: والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة: قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا -يعني: أهل السنة والجماعة- على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفًا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء. قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾. «مجموع الفتاوى» ٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨.
وزعم القاضي عياض أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانًا. قَالَ: والأشبه أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية؛ ليختبرهم وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قَالَ لهم هذا الملك أو هذِه الصورة: أنا ربكم. رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه (١).
وقال القرطبي: هذا مقام هائل يمتحن الله فيه عباده؛ ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين المخلصين زاعمين أنهم منهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربكم. فأجاب المؤمنون بإنكار ذَلِكَ لما سبق لهم من المعرفة به تعالى، وأنه منزه عن صفات هذِه الصورة؛ إذ سماتها سمات الحدث؛ فلذلك قالوا في حديث أبي سعيد: نعوذ بالله منك، لا نشرك باللهِ شيئًا. مرتين أو ثلاثًا، حتَّى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذِه الطائفة هي التي اعتقدت الحق من غير بصيرة، فلذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب. ثمَّ يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق ويتجلى لهم الأمر، فيروه حقيقة معاينة -وكشف الساق مثل يستعمله العرب في الأمر إِذَا حق ووضح- وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا صح لَهُ سجوده عَلَى نهايته
-------------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٤٥ - ٥٤٦.
وكماله، ومن كان مناففا أو مرائيًا عاد ظهره طبقة واحدة كلما رام السجود خر عَلَى قفاه، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة، والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ويكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم بصورة. كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، ويكون معنى الإتيان هنا: يحضر لهم تلك الصورة.
وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، وهذا الوصف الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبر عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ولهذا قالوا: إِذَا جاء ربنا عرفناه. فقيل لهم في الحديث: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير وقد جاء مرفوعًا في كتاب «التصديق بالنظر إلى الله تعالى» للآجري من حديث أبي موسى كذلك، ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة والمجيء والإتيان المضاف إلى الرب ﷻ.
ثانيا: هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدًا فقرب أو غائبًا فحضر، وكل ذَلِكَ خطاب عَلَى وجه الاستعارة، جار عَلَى المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إِذَا جاوره أو قاربه، والتحول المنسوب إليه تعالى في رواية أخرى في الصحيح عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوذ منها، فيكون قوله: «تحول» (١) حالًا متقدمة قبل سجودهم؛ بمعنى: وقد كان تحوّل. أي: حول تلك الصورة وأزالها وتجلى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا
-----------
(١) رواه مسلم (١٨٣/ ٣٠٢).
الكلام: أنه تعالى لما تجلى لعباده المؤمنين أول مرة رأوه فيها، لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثمَّ لما فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرةً ثانية (١).
والخطابي قَالَ: الإتيان هنا: كشف الحجاب لهم (٢) وقد مر.
والصورة إما بمعنى: الصفة، كقولنا: صورة هذا الأمر كذا وكذا. إذ المذكور من المعبودات صور فخرج الكلام عَلَى نوع من المطابقة.
وقوله: («في أدنى صورة») يدل عَلَى أن المراد بالصورة: الصفة كما مر؛ لأنهم ما رأوه قبلها، فعلم أن المراد الصفة التي عرفوه بها.
وقوله: («نعوذ بالله منك») هو قول المنافقين وإن كان اللفظ عامًّا، والرؤية هنا تكون بمعنى: العلم. قَالَ الله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: علمنا، وعند أبي الفرج بن الجوزي: يأتيهم بأهوال القيامة وصور الملائكة وما لم يعهدوا مثله في الدنيا فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إِذَا جاء ربنا. أي: أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون. فيكشف عن ساق أي: عن شدةٍ. كأنه يرفع تلك الشدائد فيسجدون شكرًا (٣).
-----------
(١) «المفهم» ١/ ٤١٦ - ٤١٨.
(٢) «أعلام المحدثين» ١/ ٥٢٥.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذِه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه =
وقال الكلاباذي: يجوز أن يكون المعنى: أنهم عرفوا الله في الدنيا بقلوبهم من غير كيفية ولا تشبيه بتعريفهم لَهُ باسم نفسه، لا أنهم عرفوه بصفاتهم من حيث هم، ولكنهم عرفوه بأنه أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه، يدل عَلَى هذا ما رواه ابن مسعود: فيقولون: سبحانه إِذَا اعترف لنا عرفناه (١).
قَالَ: وكشف الساق: زوال الخوف عنهم والهول الذي غيَّبَهم عن كثير من حالهم كما غابوا عن رؤية عوراتهم إذ هم عراة (٢).
------------
= إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كبير.
وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذِه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر. «مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(١) قطعة من حديث طويل، رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٣١٤ - ٣١٦ (٩٠٠)، و٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨ كلهم من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله موقوفًا. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. اهـ. بينما أعلم الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٣٠، قلت: في الإسناد: أبو الزعراء وهو عبد الله بن هانئ.
قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال العقيلي: سمع ابن مسعود، وفيه كلام ليس في حديث الناس. ثم ساق له الحديث بطوله. بينما قد وثقه العجلي وابن حبان.
انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٤٠ (٣٦٢٧).
هذا وقد صحت هذِه القطعة عند ابن حبان وغيره في حديث طويل -بنحو حديث الباب- عن أبي هريرة مرفوعًا. «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠ (٧٤٤٥).
(٢) «بحرالفوائد» للكلاباذي ص ٦٠٦ (رسالة ماجستير).
خامسها:
الصراط: يأتي في ذكر البعث إن شاء الله تعالى.
وقوله: («بين ظهراني جهنم»). كذا للعذري، ولغيره: «ظهري» قَالَ ابن الجوزي: أي على وسطها. يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون أي: في وسطهم متمكنا بينهم لا في أطرافهم.
سادسها:
قوله: («فأكون أول من يجيز بأمته») وهو. بضم الياء، أي: أول من يمضي عليه ويقطعه. قَالَ: أجزت الوادي وجزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته: قطعته. وجزته: مشيت عليه. ومعنى الرباعي: لا يجوز أحد عليه حتَّى يجوز هو وأمته، فكأنه يجيز الناس.
وقوله: («ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل») أي: في حال الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس وتجادل كل نفس عن نفسها، ويسأل بعضهم بعضًا ويتلاومون، وبخاصم التابعون المتبوعين.
سابعها:
الكلاليب: جمع كَلُّوب -بفتح الكاف وضم اللام المشددة- حديدة معطوفة كالخطاف (١). والسعدان: نبت معروف.
وقوله: («لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله») قَالَ القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن يكون أسبقها «ما» خبرًا مقدمًا و«قدر» مبتدأ، وبنصبها عَلَى أن تكون «ما» زائدة و«قدر» مفعول (٢).
------------
(١) «الصحاح» ١/ ٢١٤، «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٩٥، «لسان العرب» ٧/ ٣٩١٢.
(٢) «المفهم» ١/ ٤٢٠.
وتخطف -بكسر الطاء وفتحها والفتح أفصح-: وقرئ بالكسر وهو الأخذ بسرعة واستلاب. ومعنى الحديث: تأخذهم الكلاليب وتستلبهم بسرعه عَلَى قدر ذنوبهم.
وقوله: («يوبق») قَالَ في «المطالع»: هو بياء موحدة عند العذري ومعناه: المهلك. وللطبري بثاء مثلثة من الوثاق.
ثامنها:
قوله: («يخردل») هو بالخاء المعجمة ودال مهملة. وقال يعقوب: بذال معجمة. قَالَ صاحب «المطالع»: كذا هو لكافة الرواة (١)، وهو الصواب إلا الأصيلي فإنه ذكره بالجيم (٢) ومعناه: الإشراف عَلَى السقوط والهلاك، وسبقه إلى ذَلِكَ عياض أجمع، من خردلت اللحم -بالمهملة والمعجمة- إِذَا قطعته قطعًا صغارًا، ومعناه: يقطعهم بالكلاليب (٣). وقيل بل المعنى: إنا نقطعهم عن لحوقهم بالناجين، وهذا بعيد. وقيل المخردل: المصروع المطروح. قاله الخليل، والأول أعرف وأظهر لقوله في الكلاليب: «تخطف الناس بأعمالهم». وفي حديث آخر: «فناج مسلم ومخدوش» (٤) وأما جردلت -بالجيم- فقيل: هو الإشراف عَلَى السقوط.
وعن الأصيلي مجزذل بالجيم والزاي وذال بعدها، وهو وهم عليه.
ورواه بقية رواة مسلم سوى السجزي.
-------------
(١) جاء في هامش الأصل: يعني بالمهملة.
(٢) ورد في هامش الأصل: يعني في كتاب الرقائق.
(٣) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٥١.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٣٩) كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.
المجازى: من الجزاء والأول أصح، والخلاف أيضًا في البخاري بالخاء والجيم وجاء فيه في كتاب التوحيد: أو المجازى (١). عَلَى الشك، وقال ابن سيده: خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: قطعه وفرقه (٢). وفي «الصحاح»: خردل اللحم، أي: قطعه صغارًا (٣).
تاسعها:
قوله: («وحرم الله عَلَى النار أن تأكل آثار السجود») هو موضع الترجمة، وهو دال عَلَى أن الصلاة أفضل الأعمال؛ لما فيها من الركوع والسجود، وقد صح أنه - ﷺ - قَالَ: «اعلمو اأن خير أعمالكم الصلاة» (٤) وصح أيضًا أنه قَالَ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٥) وقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ولعن الله إبليس؛ لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة.
وقال ثوبان لرسول الله - ﷺ -: دلني عَلَى عمل أكون به معك في الجنة.
-----------
(١) يأتي برقم (٧٤٣٧).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بن سيده في «المحكم»: خرذل اللحم: قطعة وفرقه ذكره في الخاء المعجمة والراء والذال المعجمة أيضًا، وذكر في أكثر من ..... قال خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: خردل اللحم قطعة ومزقه الذال فيه لغة يعني الإعجام. والله أعلم. قلت -المحقق-: انظر «المحكم» ٥/ ٢٠٦ مادة: (خد)، ٥/ ٢٠٨، مادة (خذ).
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٦٨٤.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان ٣/ ٣١١ (١٠٣٧)، والحاكم ١/ ١٣٠ - وصححه على شرط الشيخين- والبيهقي ١/ ٨٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣١٨ من حديث ثوبان. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي أمامة وجابر بن ربيعة، وصححه الألباني في «الإرواء» (٤١٢).
(٥) رواه مسلم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود.
قَالَ: «أكثر من السجود» (١) وقيل في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] هو أثر السهر والصفرة التي تعلو الوجه من التعب أو الصلاة والخشوع والوقار، أو ما تعلق من التراب بموضع السجود وندى الطهور، أو تبدو صلاتهم في وجوههم يوم القيامة، فإن مواضع السجود أشد بياضًا يوم القيامة، أو السمت الحسن في الدنيا، أو سيما الإسلام وسمته وتواضعه، أقوال.
عاشرها:
آثار السجود يعم أعضاءه السبعة. قَالَ عياض: والمراد الجبهة خاصة. وكأنه اعتمد عَلَى ما في مسلم: «إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم» (٢). وقد يجاب بأنه أراد المرء أو قومًا مخصوصين بأعيانهم، إما لأنهم أخلصوا في غسل وجوههم فقط ولم يخلصوا، أو لأمر آخر.
الحادي عشر:
قوله: («امتحشوا») هو بتاء مثناة وحاء وشين معجمة، ذكره القاضي عياض عن متقني شيوخه، قَالَ: وهو وجه الكلام (٣)، وبه ضبطه الخطابي (٤) وغيره، ومعناه: احترقوا. قَالَ: ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء. وعن الداودي: امتحشوا: انقبضوا اسودوا، وفي بعض الروايات: صاروا حممًا (٥). ومحش وامتحش لغتان.
------------
(١) رواه مسلم (٤٨٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه.
(٢) مسلم (١٩١/ ٣١٩) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٤.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣.
(٥) رواه أحمد ٣/ ٩٤ - ٩٥، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٤٠٩ - ٤١١ (٢٠٨٥٧)، والبغوي في «شرح السنة» ١٥/ ١٨١ - ١٨٢ (٤٣٤٨).
الثاني عشر:
الحبة -بكسر الحاء-: بذر البقل أو حب الريحان أو غيرهما مما سلف في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (١). وماء الحياة: هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت أبدًا، قاله القرطبي (٢). وشبه نباته بنبات الحبة؛ لبياضها كما جاء في الحديث ولسرعة نباتها، لأنها تنبت في يوم وليلة؛ لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل، وروِّيت وتشرَّب قلبها للخروج، فإذا خرجت إلى موضع في حميل السيل غرزت عرقها فيه لحينها فنبتت بسرعة.
الثالث عشر:
قوله: («ثمَّ يفرغ الله من القضاء بين العباد») معناه: تمم عليهم حسابهم وكمَّله وفصَّله؛ لأنه تعالى لا يشغله شيء عن شيء. وعند القرطبي: كمل خروج الموحدين من النار (٣).
الرابع عشر:
قوله: («قشبني») هو بقاف مفتوحة، ثم شين معجمة مخففة مفتوحة. وقال ابن التين: كذا هو عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم. والذي في اللغة بتشديد الشين ومعناه: سمني. وقال الفارابي في باب فعل يفعل: قشبه: سقاه السم. وقشبه طعامه، أي: سمه. وفي «المنتهى» لأبي المعالي القشب: أخلاط تخلي للنسر فيأكلها فيموت، فيؤخذ ريشه. يقال: ريش قشيب ومقشوب، وكل مسموم قشيب. وقال
-------------
(١) سلف برقم (٢٢).
(٢) «المفهم» ١/ ٤٢٢.
(٣) «المفهم» ١/ ٤٢٢.
أبو عمرو: القشب: السم. قشبه: سقاه السم. وحكى ابن سيده: القشب أيضًا بالفتح (١). وقال صاحب «الأفعال»: تقول العرب: قشبت الشيء قذرته، وقشب -بكسر الشين- قشبًا: قذر (٢).
وقال ابن قتيبة: هو من القشيب: وهو السم. كأنه قَالَ: سمني ريحها. وقال الخطابي: يقال: قشبه الدخان إِذَا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه وكانت ريحه طيبة، وأصله: خلط السم، يقال: قشبه: إذا سمه (٣). وقشبتنا الدنيا: فتنتنا، فصار حبها كالسم الضار، ثمَّ قيل عَلَى هذا: قشبه الدخان والريح الذكية إِذَا بلغت منه الكظم، ومنه حديث عمر: أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال: من قشبنا؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، دخلتُ عَلَى أم حبيبة فطيبتني (٤).
الخامس عشر:
قوله: («وأحرقني ذكاؤها») كذا هو في جميع روايات الحديث بالمد وبفتح الذال المعجمة ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها. والأشهر في اللغة القصر، وبه جزم خلق منهم، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان (٥).
------------
(١) «المحكم» ٦/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ٢٢٢.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣.
(٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢١٨، والبيهقي ٥/ ٣٥.
(٥) ما تقدم هو من قول النووي في «شرح مسلم» ٣/ ٢٣، وقد ذكره عنه الحافظ في «الفتح» أيضًا ١١/ ٤٥٩، ثم قال: وتعقبه مغلطاي بأنه لم يوجد عن أحد من المصنفين في اللغة ولا في الشارحين لدواوين العرب حكايه المد إلا عن أبي حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» في مواضع .... ثم قال: وتعقبه علي بن حمزة الأصبهاني، فقال: أما الذكاء بالمد فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم. اهـ. قلت: وهذا ما سيشير إليه المصنف متعقبًا.
قُلْتُ: وخطئوا أبا حنيفة صاحب «النبات» في مده؛ لأنه بالمد: الفهم والسِّنُّ.
السادس عشر:
«عسيت» بفتح السين، وحكي كسرها، وهما قراءتان (١)، وهي من
الآدميين يكون للشك والترجي واليقين- كما قاله صاحب «الواعي».
وقول الرب جلَّ وعلا: «ما أغدرك» تلطف بعبده وتأنيس لكثرة إدلاله عليه وسؤاله. والضحك من صفات الرب ﷻ، ومعناه: الاستبشار والرضا لا الضحك بلَهَواتٍ وتعجب (٢).
---------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: في السبعة. قلت -المحقق-: أجل قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر، والباقون بالفتح، وهو الأفصح الأشهر في اللغة. انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٢) قال الشيخ الألباني في «الصحيحة» ٧/ ٣٥٥ متعقبًا مثل هذا القول: فسره بالمجاز الذي يؤدي بهم إلى أن يفسروا وجود ذاته تعالى بالمجاز أيضًا؛ لأن للمخلوقات وجودًا أيضًا، فإذا قالوا: لا ينسب الضحك إلى الله؛ لأن الضحك من صفة الإنسان، فلينفوا إذن وجوده تعالى؛ لأن الإنسان موجود أيضًا! فسيقولون: وجوده تعالى ليس كوجودنا، فنقول: قولوا إذن في كل صفة لله ثبتت في الكتاب أو السنة: إنها ليست كصفتنا، تستريحوا وتهتدوا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فله سمع ولكن ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا … ويضحك ولكن ليس كضحكنا، فإنه يقال في الصفات كلها ما يقال في الذات إثباتًا وتنزيهًا.
فهذا الحق ما به من خفاءٍ … فدعني عن بُنَيَّاتِ الطريق
وقال أيضًا سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين في: قوله - ﷺ -: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة»: ففي هذا: إثبات الضحك لله -عز وجل-، وهو ضحك حقيقي لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين ضحك يليق بجلاله وعظمته ولا يمكن أن نمثله؛ لأننا لا نستطيع أن نقول إن لله فمًا أو أسنانًا أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز لنا أن نقول ذلك لكن نثبت الضحك لله، ولكنه ضحك يليق به -سبحانه وتعالى-، فإذا قال قائل: يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق. =

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|