عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 31-01-2026, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,958
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 147 الى صـــ 166
الحلقة (187)






١١٧ - باب التَّكْبِيِر إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ
٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -. وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. [انظر: ٧٨٧ - فتح: ٢/ ٢٧٢]

٧٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ». حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» - قَالَ عَبْدُ اللهِ [بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ]: «وَلَكَ الْحَمْدُ»- ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٧٢]
ذكر فيه حديث عكرمة السالف عن ابن عباس، وحديثًا آخر عن أبي هريرة وسيأتي قريبًا بطوله.


١١٨ - باب وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وقال أبو حميد في أصحابه: أمكن النبي - ﷺ - يديه من ركبتيه.

٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. [مسلم: ٥٣٥ - فتح: ٢/ ٢٧٣]
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ في أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
هذا التعليق أخرجه مسندًا في باب سنة الجلوس في التشهد (١) مطولًا.
وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد الساعدي، حكى في عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة فصدَّقوه.
ثمَّ ساق حديث شُعبةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. وهو حديث أخرجه مسلم والأربعة (٢).
وأبو يعفور -بالفاء- اسمه واقد، ولقبه وقدان (٣)، والد يونس بن

------------
(١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الآذان، باب: سنة الجلوس في التشهد.
(٢) «صحيح مسلم» (٥٣٥) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق. وأبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٥٩)، والنسائي ٢/ ١٨٥، وابن ماجه (٨٧٣).
(٣) في هامش الأصل: قال الذهبي: اسمه وقدان وقيل: واقد.



أبي يعفور العبدي الكبير (١)، وادعى النووي أنه الصغير عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٢) روى عن أبي الضحى وفيه نظر؛ لأن الصغير لم يذكر في الأخذ عن مصعب ولا في أشياخ شعبة.
إذَا عرفت ذَلِكَ، فإجماع فقهاء الأمصار عَلَى القول بهذا الحديث، وروي ذَلِكَ عن عمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وجماعة من التابعين، وكان ابن مسعود والأسود بن يزيد وأبو عبيدة يطبقون أيديهم بين ركبهم إِذَا ركعوا (٣). وقال ابن مسعود هكذا فعل رسول الله - ﷺ - (٤).
قَالَ الطحاوي: وما روي عن ابن مسعود من ذَلِكَ منسوخ بحديث سعد، ألا ترى قوله: (كنا نفعله فنهينا عنه؟) (٥) وقال عمر: قَدْ سنت لكم الركب. وكذا قَالَ الترمذي: إنه منسوخ عند أهل العلم بهذا الحديث (٦) وبقول عمر المصحح عنده: إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب (٧).
لا اختلاف بينهم في ذَلِكَ إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض

----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: ٦/ ٣٤٨، و«تهذيب الكمال»: ٣٠/ ٤٥٩ (٦٦٩٤).
(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٧.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٠ - ٢٢١ (٢٥٢٨ - ٢٥٣١، ٢٥٣٤، ٢٥٣٩)
كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥١ - ١٥٢.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠.
(٦) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٤ عقب الرواية (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: مما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع.
(٧) رواه الترمذي (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وقال: حسن صحيح، قال الألباني: صحيح الإسناد.



أصحابه أنهم كانوا يطبقون وبنحوه ذكره النسائي (١) واستدل البيهقي بحديث عمرو بن مرة عن خيثمة بن عبد الرحمن عن أبي سبرة الجعفي قَالَ: قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله، فقال رجل من المهاجرين: ما يحملك عَلَى هذا؟ قُلْتُ: كان عبد الله يفعله ويذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله، فقال: صدق عبد الله، ولكن رسول الله ربما صنع الأمر ثمَّ يحدث الله لَهُ أمرًا، فانظر ما اجتمع عليه المسلمون فاصنعه، فكان بعدُ لا يطبق. قَالَ البيهقي: وهذا الذي صار إليه موجود في وصفة أبي حميد ركوع رسول الله - ﷺ - (٢)، وعند النسائي من حديث أبي مسعود بن عمرو أنه ركع فوضع يديه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي (٣).
وعند أبي داود عن رفاعة بن رافع أنه - ﷺ - قَالَ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك» (٤).

-------------
(١) «سنن النسائي» ٢/ ١٨٣ كتاب: الافتتاح، باب: التطبيق، ورواه أيضًا مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب، وأبو داود (٨٦٨) كتاب: الصلاة، باب: تفريغ أبواب الركوع والسجود: وأبو يعلى في «مسنده» ٩/ ١٢٩ (٥٢٠٣).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٨٤ كتاب: الصلاة، باب: السنة في وضع الراحتين على الركبتين ونسخ التطبيق.
(٣) النسائي ٢/ ١٨٦ كتاب: الافتتاح، باب: مواضع الراحتين وأصابع اليدين في الركوع ورواه أبو داود (٨٦٣) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود،، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ (٥٩٨) كتاب: الصلاة، باب: وضع الراحة على الركبة في الركوع وأصابع اليدين، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٩): صحيح.
(٤) «سنن أبي داود» (٨٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٥): إسناده حسن.



وعند الحاكم عَلَى شرط مسلم لما بلغ سعدًا التطبيق عن عبد الله قَالَ: صدق عبد الله، كنا نفعل هذا ثمَّ أمرنا بهذا ووضع يديه على ركبتيه (١).
وفي «الأوسط» للطبراني: كان - ﷺ - إذاركع وضع راحتيه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه (٢). وقال ابن عمر -في حديث غريب، قَالَه الحازمي-: إنما فعله الشارع مرة (٣).
وفي كتاب «الفتوح» لسيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي عن مسروق: سألت عائشة عن إطباق ابن مسعود يديه بين ركبتيه فقالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، زيادة من الله زاده إياها في حجته، فرأى أناسًا يصنعون كما كان يصنع الرهبان فحولهم من ذَلِكَ إلى ما عليه الناس اليوم من إطباق الركب بالأكف وتفريج الأصابع.
وفي «علل الخلال» عن يحيى بن معين: هذان ليسا بشيء. يعني حديث ابن عمر وحديث محمد بن سيرين أنه - ﷺ - ركع فطبق.
قَالَ الطحاوي: ثمَّ التمست ذَلِكَ من طريق النظر، فرأيت التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأيت وضع اليدين عَلَى الركبتين فيه تفريقهما، فأردنا أن ننظر في حكم ذَلِكَ كيف هو، فرأينا السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون عَلَى ذَلِكَ، وكان ذَلِكَ تفريق الأعضاء،

---------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٢٤ كتاب: الصلاة، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذِه السياقة.
(٢) «المعجم الأوسط» ٢/ ٣٠٤ (٢٠٥٠)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا عكرمة بن إبراهيم الأزدي.
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٦٧.



وكان من قام إلى الصلاة أمر بأن يراوح بين قدميه، وقد روي ذَلِكَ عن ابن مسعود راوي التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء أولى من إلزاق بعضها ببعض واختلفوا في إلصاقها وتفريقها في الركوع كان النظر عَلَى ذَلِكَ أن يكون ما اختلفوا فيه من ذَلِكَ معطوفًا عَلَى ما أجمعوا عليه، ولما كانت السنة: التفريق كان فيما ذكرنا أيضًا، فثبت نسخ التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين (١).
------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢ باختصار.


١١٩ - باب: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكوعَ
٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ التِى فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٧٤]
ذكر فيه حديث حذيفة أنه رَأى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلا السُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ التِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا عليها.
هذا الحديث من أفراد البخاري وفي حديث أبي وائل: على غير سنة محمد - ﷺ - (١).
وللنسائي: منذ كم صليتَ هذِه الصلاة؟ قَالَ: منذ أربعين عامًا (٢).
ولأبي نعيم: رأى رجلًا يخف صلاته (٣). الحديث.
وللترمذي من حديث أبي مسعود الأنصاري مصححًا: «لا تُجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (٤).
وللطبراني في «أوسط معاجمه» من حديث أبي قتادة: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق منها؟ قَالَ: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٥).

------------
(١) سلفت روايته برقم (٣٨٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا لم يتم السجود.
(٢) «سنن النسائي» ٣/ ٥٨ - ٥٩ كتاب: السهو، باب: تطفيق الصلاة، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح.
(٣) «الحلية» ٤/ ١٧٤.
(٤) «سنن الترمذي» (٢٦٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال: حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٥) «المعجم الأوسط» ٨/ ١٣٠ (٨١٧٩)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد، ولا عن الوليد إلا الحكم بن موسى، سليمان بن أحمد الواسطي.



ولابن خزيمة من حديث عمرو بن العاصي وغيره: «إنما مثل الذي يصلي ولا يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما تُغنيان عنه، فأتموا الركوع والسجود» (١)
وفي «الحدائق» لابن الجوزي من حديث عمر: «ما من مصل إلا وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها وإن لم يتمها ضربا بها وجهه».
إِذَا عرفت ذَلِكَ، فالفطرة هنا: الدين والملة، وإن كانت تطلق على الجبلة وغيرها، وسمى الصلاة فطرة؛ لأنها أكبر عرى الإيمان. قَالَ المهلب: نفي عنه الفعل مما انتفي عنه من التجويد.
وهذا معروف في لسان العرب كما قَالَ - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٢) نفي عنه بقلة التجويد للإيمان اسمه.
وكذا قول حذيفة للرجل: ما صليت. أي: صلاة كاملة. وأراد تبكيته وتوبيخه عَلَى فعله ليرتدع، وإنما خص الركوع والسجود؛ لأن الإخلاص غالبًا يظهر فيهما.
واختلف العلماء في الطمأنينة:
هل هي فرض أو سنة، عَلَى قولين، والذي ذهب إليه جماعة فقهاء الأمصار: الشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق،

-----------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (٦٦٥) كتاب: الصلاة، باب: إتمام السجود والزجر عن انتقاصه، وساقه ابن خزيمة من حديث أبي عبد الأشعري، وفي آخره: قال أبو صالح، فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، كل هؤلاء سمعوه من النبي - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب: المظالم، باب: النهي يغير إذن صاحبه.



وابن وهب، وداود والطبري الأول (١).
وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من الأركان محتجًّا بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]
وقال أبو يوسف: الفرض: المكث مقدار تسبيحة واحدة وفي «تخريج الجرجاني»: الطمأنينة في الركوع والقومة والسجود، والجلسة بين السجدتين عند أبي حنيفة ومحمد سنة.
وفي «تخريج الكرخي»: واجب يجب سجود السهو بتركها (٢). وفي «الجواهر» لو لم يرفع في ركوعه وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية على بن زياد في الساهي. وابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل يجزئه ويستغفر الله ولا يعود، ولأشهب: لا يجزئه (٣) وسيأتي الكلام عَلَى المسألة -إن شاء الله- في موضعه قريبًا.

--------------
(١) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٥٤، «البيان» ٢/ ٢٠٧، «المغني» ٢/ ١٧٧، «البناية» ٢/ ٢٦٦، «نيل الأوطار» ٢/ ٢٤، قال ابن رجب: قد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك. فإنه روي عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع، وممن روي عنه: سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع، «فتح الباري» ٧/ ١٥٦ - ١٥٨، قال ابن رجب -رحمه الله-: وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يتم ركوعه ولا سجوده، ففي غاية الحسن، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها، مما اشتملت عليه من ذكر الله، ومناجاته، وقربه، فمن أتم صلاته فقد استوفي غذاء قلبه، وروحه، فما دام على ذلك كملت قوته، ودامت صحته، وعافيته، ومن لم يتم صلاته فلم يستوف قلبه وروحه قوقها وغذاءها، فجاع قلبه، وضعف، وربما مرض أو مات لفقد غذائه كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل بتناول غذائه وقوته الملائم له، «فتح الباري» ٧/ ١٦٢.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣.



١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. [٨٢٨ - فتح: ٢/ ٢٧٥]
هذا التعليق سلف، و(هصر) بتخفيف الصاد أي: ثناه وعطفه للركوع. وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك ابن خالد، ابن عم سهل بن سعد بن سعد بن مالك الساعدي وقد سلف قريبًا.


١٢١ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ فِيهِ وَالاِطْمَأْنِينَةِ
٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [٨٠١، ٨٢٠ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث ابن أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا القِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل: بلال. وهو دال عَلَى طول الطمأنينة فيما ذكر من الأركان، واعترض ابن المنير فقال: الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأن المذكور فيها الاستواء والاعتدال، والحديث إنما فيه تساوي الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، اللَّهُمَّ إلا أن نأخذه من جهة أن المتأني المطمئن في غالب الحال يستقر كل عضو منهم مكانه، فيلزم الاعتدال (٢).
وقوله: (قريبًا من السواء) دال عَلَى أن بعضها كان فيه طول يسير عَلَى بعض، وذلك في القيام والتشهد؛ لأنه يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفف، أو تخفيف ما العادة فيه التطويل في القيام كقراءة

---------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٧١) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام.
(٢) «المتواري» ص ١٠٥.



ما بين الستين إلى المائة في الصبح وغيرها مما تقدم، ويوافق هذا أن مسلمًا لم يعد في روايته القيام بخلاف رواية البخاري السالفة فإنها شاملة لقيام القراءة والاعتدال والقعود والتشهد والجلوس بين السجدتين، فيجاب بأنها باعتبار أحوال، ففي وقت يخفف وآخر يطول، وذهب بعضهم إلى أن التخفيف هو المتأخر من فعله بعد ذَلِكَ التطويل، وأبعد من وهم رواية القيام، ثمَّ الحديث يوافق المختار أن الاعتدال ركن طويل حتَّى يجوز إطالته بالذكر، وإن كان المجزوم به في المذهب أنه قصير، والجمهور -كما قَالَ الإمام أن الجلوس بين السجدتين طويل أيضًا، خلاف ما وقع في «المحرر» ومن تبعه.
وقد أوضحت ذَلِكَ في كتب الفروع و«شرح العمدة» أيضًا (١).
وقال المهلب هذِه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأما صلاة الرجل وحده فله أن يطول في الركوع والسجود أضعاف ما يطول في القيام بين السجدتين، وبين الركعة والسجدة.
وأما أقل ما يجزئ من ذَلِكَ كما قَالَ ابن مسعود: إِذَا أمكن الرجل يديه من ركبتيه فقد أجزأه، وكانت ابنة لسعد تفرط في الركوع، تطأطأ منكرًا، قَالَ لها سعد: إنما يكفيك إِذَا وضعت يديك عَلَى ركبتيك (٢).
وقاله ابن سيرين وعطاء ومجاهد (٣)، وهو قول عامة الفقهاء (٤).

------------
(١) «الإعلام» ٣/ ١٠٤، ١٠٥.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٨) كتاب: الصلوات، باب: في أوفى ما يجزئ من الركوع.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٧) السابق.
(٤) «البيان» ٢/ ٢٠٧، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣، «الكافي» ١/ ٢٩٩.



١٢٢ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - الذِي لَا يُتِمُّ رُكوعَهُ بِالإِعَادَةِ
٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَدَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عليه السلام فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». [انظر: ٧٥٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح: ٢/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة وقد سلف في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات (١)، واستدل به جماعة من الفقهاء فقالوا: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض لا تجزئ الصلاة إلا بها، ألا ترى أنَّه - ﷺ - قَالَ له: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثمَّ علمه الصلاة وأمره بالطمأنينة. واستدل ابن أبي صفرة لمن نفاها بأنه - ﷺ - أمر هذا الرجل حين لم يكمل الركوع والسجود بالإعادة، ولم يأمر من نقص الركوع والسجود بالإعادة حين قَالَ لهم: «إني لأراكم من وراء ظهري» (٢) فدل ذَلِكَ من فعله أن الطمأنينة لو كانت فريضة لبين لهم ذلك، والدليل عَلَى صحة ذَلِكَ أنه - ﷺ - أمر المسيء صلاته بالإعادة مرة بعد أخرى ولم يحسن، قَالَ له: والله ما أحسن غير هذا

----------------
(١) سلف برقم (٧٥٧).
(٢) سبق برقم (٧١٨) كتاب: الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة.



فعلمني. فوصف له هيئة الصلاة ولم يأمره أن يعيد الصلاة التي نقصها مرة أخرى على الصفة التي علمه، ولم يقل لَهُ: لا تجزئك حتَّى تصلي هذِه الصلاة، إنما علمه كيف يصلي فيما يستقبل.
واحتج من نفاها أيضًا بحديث رفاعة بن رافع في تعليم المسيء صلاته أنه - ﷺ - قَالَ له: «ثمَّ ارفع فاعتدل قائمًا» (١) وذكر الحديث، قَالَ: «إِذَا صليت عَلَى هذا فقد أتممتها، وما انتقصت من ذَلِكَ فإنما تنقص من صلاتك» فجعلها ناقصة تدل عَلَى الجواز، ويؤيد من أوجب: الحديث السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
والقول بما ثبت عنه - ﷺ - وتلقاه الجمهور بالقبول أولى من كل ما خالفه، وقد قَالَ - ﷺ -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار عَلَى من خالف أمري» (٣) وكفي بهذا شدة ومخافة، ورسول الله - ﷺ - هو المبين عن الله تعالى قولًا وفعلا.

----------------
(١) سبق تخريجه أثناء شرح الحديث (١٦١).
(٢) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر.
(٣) ذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض قبل الرواية (٢٩١٤)، كتاب: الجهاد، باب: ما قيل في الرمح من حديث ابن عمر، ورواه أحمد ٢/ ٥٠، وعبد بن حميد ٢/ ٥٠ (٨٤٦)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٤/ ٣٦٠ (٢٧١٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (٢١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٧٥ (١١٩٩)، والهروي في «ذم الكلام» ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ (٤٧٦).
وذكره الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٦٧، ثم قال: فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقة ابن المديني، وأبو حاتم وغيرهما، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات.
وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩)، قلت: وللحديث شواهد من حديث: أبي هريرة، وأنس.



١٢٣ - باب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». [٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - مسلم: ٤٨٤ - فتح ٢/ ٢٨١]
ذكر فيه حديث أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي قريبًا، وفي المغازي والتفسير (٢)، وترجم عليه البخاري قريبًا باب: التسبيح والدعاء في السجود وزاد فيه بعد قوله: «اللَّهُمَّ اغفر لي»: يتأول القرآن. وفيه أنه يكثر ذَلِكَ (٣) وفي لفظ لَهُ: قالت: ما صلى رسول الله - ﷺ - صلاة بعد ما أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر:١] إلا يقول: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي» (٤) وعند ابن السكن بعد قولها: يتأول القرآن. قَالَ أبو عبد الله: يعني: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:٣]، أي: حين أعلمه الله

--------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٨٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي ٢/ ١٩٠، وابن ماجه (٨٨٩)، وأما الترمذي فلم يروه في «سننه»! انظر: «تحفة الأشراف» (١٧٦٣٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٢٩٣) كتاب. المغازي، وبرقم (٤٩٦٧)، (٤٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: سورة النصر.
(٣) سيأتي برقم (٨١٧) كتاب: الأذان.
(٤) يأتي برقم (٤٩٦٧).



بانقضاء أجله، وفي «صحيح مسلم» عنها: ما رأيت رسول الله - ﷺ - منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قَالَ فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي» (١)، وعنهما: كان - ﷺ - يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» قالت: قُلْتُ: يا رسول الله، ما هذِه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قَالَ: «جعلت لي علامة في أمتي إِذَا رأيتها قلتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة (٢). وفي لفظ له: كان يكثر من قول:»سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه«قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، فقَالَ:»أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول ذَلِكَ، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فتح مكة الآية (٣).
وفي «أسباب النزول» للواحدي من حديث ابن عباس: لما أقبل - ﷺ - من غزوة حنين، وأنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] قَالَ: «يا علي ويا فاطمة، قَدْ جاء نصر الله» إلى أن قَالَ: «فسبحان ربي وبحمده، وأستغفره إنه كان توابًا» (٤).
وفي «تفسير مقاتل»: عاش بعد نزولها ستين يومًا (٥)، وفي «تفسير القرطبي» وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع (٦).

----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٨٤/ ٢١٩).
(٢) مسلم (٤٨٤/ ٢١٨).
(٣) مسلم (٤٨٤/ ٢٢٠).
(٤) «أسباب النزول» ص ٤٩٧ (٨٧٥).
(٥) انظر: «تفسير البغوي» ٨/ ٥٧٧.
(٦) «الجامع لأحكام القرآن» ٢٠/ ٢٣٣.



واختلف العلماء فيما يدعو به الرجل في ركوعه وسجوده: فقالت طائفة: لا بأس أن يدعو الرجل في ذَلِكَ مما أحب، وليس عندهم في ذَلِكَ شيء موقت (١)، وقد رويت آثار كثيرة عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو بها، منها: «اللَّهُمَّ لك ركعت ..» إلى آخره، «اللَّهُمَّ لك سجدت ..» إلى آخره، أخرجه مسلم من حديث علي (٢)، ومنها في السجود: «اللَّهُمَّ إني أعوذ برضاك من سخطك ..» إلى آخره، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة (٣)، وفي رواية: فإذا هو راكع أو ساجد يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت» (٤) ومنها في سجوده: «اللَّهُمَّ اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، أولَه وآخره، وعلانيته وسره» أخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (٥)، والكل لم يخرجها البخاري وغير ذَلِكَ؛ إلا أن مالكا كره الدعاء في الركوع ولم يكرهه في السجود، واقتصر في الركوع عَلَى تعظيم الرب ﷻ والثناء عليه (٦)، وأظنه ذهب إلى حديث علي: «أما الركوع فعظموا فيه
------------
(١) انظر:»شرح المعاني الآثار«١/ ٢٣٥.
(٢) مسلم (٧٧١).
(٣)»صحيح مسلم«(٤٨٦).
(٤)»صحيح مسلم«(٤٨٥).
(٥)»صحيح مسلم«(٤٨٣).
(٦) انظر:»المدونة الكبرى" ١/ ٧٤.
قال ابن عبد البر رحمه الله:
وأجمعوا أن الركوع موضع لتعظيم الله بالتسبيح وأنواع الذكر، واختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود.
فقال ابن القاسم، عن مالك: إنه لم يعرف قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وأنكره ولم يجد في الركوع دعاءً مؤقتًا، ولا تسبيحًا مؤقتًا، وقال: إذا أمكن المصلي يديه من ركبتيه في الركوع، وجبهته من الأرض في السجود فقد أجزأ عنه.



الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (١) أي: حقيق وجدير. فجعل الركوع لتعظيم الرب وإن كانت قراءة القرآن أفضل من ذكر التعظيم؛ ولذلك ينبغي في كل موضع ما جعل فيه وإن كان غيره أشرف منه، ويؤيد هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعي: كان يقال إِذَا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء: استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء: كان عَلَى الرجاء (٢).
وروى ابن عيينة عن منصور بن المعتمر، عن مالك بن الحويرث، قَالَ: يقول الله عزوجل: «إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَى عن مسألتي؛ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٣) فلهذه الآثار كره مالك الدعاء في الركوع واستحبه في السجود.
وقال أهل المقالة الأولى: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب

----------------
= قال أبو عمر: إنما قال ذلك -والله اعلم- فرارًا من إيجاب التسبيح في الركوع والسجود، ومن الاقتصار على سبحان ربي العظيم في الركوع، وعلى سبحان ربي الأعلى في السجود، كما اقتصر عليه غيره من العلماء دون غيره من الذكر.
والحجة له قوله - عليه السلام -: «إذا ركعتم فعظموا الرب، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء».
ولم يخص ذكرًا من ذكر، وأنه - عليه السلام - قد جاء عنه في ذلك ضروب وأنواع تنفي الاقتصار على شيء بعينه من التسبيح والذكر، فمنها حديث مطرف، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». «الاستذكار» ١/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(١) «صحيح مسلم» (٤٧٩) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢ (٢٩١٦٢) كتاب: الدعاء، باب: في فضل الدعاء.
(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤١٤ (٥٧٥) باب: في محبة الله -عز وجل-، فصل في إدامة ذكر الله -عز وجل-، وابن عبد البر في «تمهيده» ٦/ ٤٣ - ٤٤.



دعاء، قاله ابن شهاب، وهو حجة في اللغة، وقد ثبت في حديث عائشة المذكور في الباب الدعاء في الركوع والسجود وغيره، فلا معنى لمخالفة ذَلِكَ.
وقالت طائفة: ينبغي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا؛ لحديث عقبة بن عامر في ذَلِكَ، أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، والتثليث في أبي داود، وقال: أخاف أن لا تكون محفوظة (١)، وفي ابن ماجه في حديث حذيفة بإسناد ضعيف (٢)، وأصل التسبيح فيه في «صحيح مسلم» (٣)، وعند الحاكم: يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم وصلى الله على محمد وآله» (٤). هذا قول الكوفيين والأوزاعي

---------------
(١) «سنن أبي داود» (٨٦٩، ٨٧٠) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، «سنن ابن ماجه» (٨٨٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٢٢٥ (١٨٩٨) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، «المستدرك» ١/ ٢٢٥ كتاب: الصلاة.
وقال: هذا حديث حجازي صحيح الإسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، وهو مستقيم الإسناد، ولم يخرجاه بهذِه السياقة إنما اتفقا على حديث الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة عن زفر عن حذيفة قال: كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وصلى الله على محمد وأله وسلم. وقال: إياس ليس بالمعروف. اهـ. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٢ - ١٥٣): كلاهما ضعيف.
(٢) ابن ماجه (٨٨٨).
(٣) مسلم (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.
(٤) «المستدرك» ١/ ٢٢٥، كتاب: الصلاة.



والشافعي وأبي ثور إلا أنهم لم يوجبوا ذَلِكَ، وقالوا: من ترك التسبيح في الركوع والسجود فصلاته تامة (١) وقال إسحاق وأهل الظاهر: إن ترك ذَلِكَ عليه الإعادة، وقالوا: حديث عقبة ورد مورد البيان فوجب امتثاله.
ووافقهم أحمد في رواية وقال: لو نسيه لم تبطل ويسجد للسهو. وقال مرة أخرى: إنه سنة كالجماعة (٢).
وقال ابن حزم: هو فرض فان نسيه سجد للسهو (٣)، وأجاب الجمهور بأن البيان إنما يرد في المجمل والركوع والسجود مفسران فلا يفتقران إلى بيان، فحمل حديث عقبة على الاستحباب بدليل إسقاطه من حديث المسيء صلاته وهو موضع الحاجة، قَالَ ابن القصار: لو قَالَ: سبحان ربي الجليل أو الكبير أو القدير لكان معظمًا له، وإذا ثبت أن نفس التسبيح ليس بواجب فتعينه والعدول عنه إلى ما في معناه جائز.

------------------
(١) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٨٦ - ١٨٧، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ١٨١.
قال القرافي رحمه الله:
ولما كانت العادة جارية عند الأماثل والملوك بتقديم الثناء عليهم قبل طلب الحوائج منهم؛ لتنبسط نفوسهم لإنالتها، أمرنا الله -سبحانه وتعالى- بتقديم الثناء على الدعاء، كقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضك الثناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
فيكون الدعاء في السجود لوجهين، أحدهما: لهذا المعنى، والثاني: أنه غاية حالات الذل والخضوع بوضع أشرف ما في الإنسان الذي هو رأسه في التراب فيوشك أن لا يرد عن مقصده وأن يصل إلى مطلبه. «الذخيرة» ٢/ ١٨٩.
(٣) «المحلى» ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]