عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 30-01-2026, 06:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,355
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 87 الى صـــ 106
الحلقة (184)






تأخير السجود حتى يسلم لئلا يهوش على الناس (١).
قلت: فيه نظر؛ لأن في «سنن أبي داود» من حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أتى قرأ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ السجدة (٢).
ورواه الحاكم في «مستدركه» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال: وهو سنة صحيحة (عزيزة) (٣) أن الإمام يسجد فيما يسر بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن (٤).

------------
(١) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٦٨.
(٢) أبو داود (٨٠٧) وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٤٣).
(٣) في مطبوع «المستدرك»: غريبة.
(٤) «المستدرك» ١/ ٢٢١.



١٠٢ - باب القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ
٧٦٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، سَمِعَ الْبَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١] فِي العِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً. [انظر: ٧٦٧ - مسلم: ٤٦٤ - فتح: ٢/ ٢٥١]
ذكر فيه حديث البراء، وقد سلف (١). ولو أخر الجهر في العشاء عن القراءة فيها كما فعل في الصبح كان أولى.

------------
(١) سلف آنفًا برقم (٧٦٧).


١٠٣ - باب يُطَوِّلُ فِي الأُولَيَيْنِ وَيَحْذِفُ فِي الُأخْرَيَيِنْ
٧٧٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. [انظر: ٧٥٥ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٥١]
ذكر فيه حديث جابر بن سمرة: قال: قال عُمر لسعد: شَكَوْكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى في الصَّلَاةِ. قَالَ: قال أَما إني فَأمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ. أَوْ ظَنِّي بِكَ.
وقد سلف الكلام عليه أول باب: وجوب القراءة مستوفًا (١)، والمراد بالحذف: التقصير، وأصل الحذف من الشيء: النقص، وهو بمعنى الرواية الأخرى السالفة هناك، وأخف في الأخريين.
ومعنى (لاآلو): لا أقصر. تقول العرب: ما آلوت في حاجتك وما آلوتك نصحًا: ما قصرت بك عن جهدي.
والحديث ظاهر لما ترجم له، فإن عكس خالف السنة، والصلاة صحيحة وهو عام في الرباعية والثلاثية وكذا الثنائية.
واستثنى أبو حنيفة وأبو يوسف فقالا: إن ركعتي الظهر سواء (٢)، وخالفهما محمد فقال: الأولى أطول في كل الصلوات (٣).

------------
(١) في شرح حديث (٧٥٥).
(٢) «فتح القدير» ١/ ٣٣٦، «العناية» ١/ ٣٣٦.
(٣) المرجعان السابقان.



١٠٤ - باب القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ (١)
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالطُّورِ (٢).

٧٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الَمدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ -وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الَمغْرِبِ- وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الِمائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح ٢/ ٢٥١]

٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. [مسلم: ٣٩٦ - فتح ٢/ ٢٥١]
كذا أخرجه معلقًا، وكذا علقه في باب: الجهر بقراءة الصبح بعده، وسيأتي مسندًا غير مرة في الحج (٣)، وأن الصلاة كانت الصبح.

--------------
(١) وقع بعده في (س) الجملة الآتية: ذكر فيه حديث أي رافع السالف وهو حجة لنا في السجود في المفصل وأجاز القراءة بها في العشاء وسائر المكتوبات من يراه.
[وعلم عليها (لا … إلى) (من … إلى).
قلت: لأنه في الباب السالف].
(٢) ورد في هامش (س) ما نصه: مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٣) التعليق يأتي معلقًا أيضًا في الباب التالي (١٠٥). وسيأتي مسندًا برقم (١٦١٩) باب: طواف النساء مع الرجال. وسلف مسندًا برقم (٤٦٤) باب: إدخال البعير في المسجد للعلة.



ثم ذكر في الباب حديثين:
أحدهما:
حديث أبي برزة وتقدم في وقت الظهر وغيره، وفي آخره: ويصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة (١).
والثاني:
حديث عطاء عن أبي هريرة قال: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَاتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم (٢) من هذا الوجه، ولفظه في آخره: فقال له رجل: إن لم أزد على أم القرآن [فقال] (٣): إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك (٤). وفي أوله: لا صلاة إلا بقراءة (٥). ولما ذكره عبد الحق في «جمعه» وعزاه إلى مسلم قال: لم يخرج البخاري هذا الحديث الموقوف.
وقد علمت أنه فيه كما سقناه لك. وفي «الأوسط» للطبراني في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب (٦). وتتبع ذلك الدارقطني. وقال:

-------------
(١) سلف برقم (٥٤١) باب: وقت الظهر عند الزوال. وبرقم (٥٤٧) باب: تأخير الظهر إلى العصر. وبرقم (٥٦٨) باب: ما يكره من النوم بعد العشاء.
(٢) عليها في الأصل (أبو داود، والنسائي).
(٣) في الأصل: فقالت.
(٤) مسلم (٣٩٦/ ٤٣) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ..
(٥) مسلم (٣٩٦/ ٤٢).
(٦) رواه الطبراني في «الأوسط» بإسنادين إلى أبي هريرة:
أحدهما: من طريق داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء بن أبي =



الصواب من قول أبي هريرة وهو محفوظ عن أبي أسامة على الصواب (١).
قال الحافظ أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد [الله] الدمشقي في كتابه «الرد على الدارقطني» في كتاب «التتبع»: لعل الوَهَمَ فيه من مسلم أو من ابن نمير، أو من أبي أسامة، وأما أن نلزم مسلم فيه بالوَهَم من بينهم فلا، حتى يوجد من غيره حديث مسلم عن ابن نمير على الصواب، فحينئذٍ يلزمه الوَهَم وإلا فلا (٢).
و(أجزات) رويناه بغير همز. قال تعالى: ﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيئًا﴾ [البقرة: من الآية ٤٨] وأجزات لغة بني تميم، أجزيت عني، أي: قضيت، وقال أبو سليمان: جزى وأجزى مثل وفي وأوفي. وقال ابن قرقول: أجزيت عنك عند القابسي، وعند غيره: أجزأتك.
أما حكم الباب: فالإجماع قائم على أن أطول الصلوات قراءة صلاة الفجر، وبعدها الظهر، واقتصر البخاري فيه على حديث أبي برزة وأم سلمة وذكر في الباب بعده أنه - عليه السلام - قرأ ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ [الجن: من الآية ١].
وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة قراءته - عليه السلام - بقاف، قال: وكانت قراءته بعد تخفيفًا (٣).

-------------
= رباح، عن أبي هريرة به. ثم قال: لم يروه عن إبراهيم الصائغ إلا داود بن أبي الفرات. «الأوسط» ٨/ ٩٢ (٨٠٦٦).
الثاني: من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الكريم، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة به. ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن الحجاج إلا إبراهيم بن طهمان. «الأوسط» ٩/ ١٥٩ (٩٤١٥).
(١) «الإلزامات والتتبع» ص ١٤٣.
(٢) «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لأبي مسعود الدمشقي ص ١٥٢.
(٣) مسلم (٤٥٨) باب: القراءة في الصبح.



وفيه من حديث قطبة بن مالك بـ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ (١) [ق: ١٠]، وفيه من حديث عمرو بن حريث: القراءة بـ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ (٢) [التكوير: ١٥] وفيه: أمر بالمعوذتين، صححه الحاكم على شرط الشيخين (٣).
و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤).
وفي «الأوسط»: قراءته بـ ﴿يس (١)﴾ (٥)، وعنده أيضًا بالواقعة ونحوها من السور (٦). صحح هذا الحاكم على شرط مسلم (٧).
وقرأ بالصافات وبسورتي الإخلاص والكافرون.
و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، وبسورة الحج سجد فيها سجدتين وغير ذلك.

----------------
(١) مسلم (٤٥٧) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح.
(٢) مسلم (٤٥٧) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده.
(٣) «المستدرك» ١/ ٢٤٠.
(٤) «سنن أبي داود» (٨١٦) باب: الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين. قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. اهـ. «الخلاصة» ١/ ٣٨٩ (١٢٢٦)، وقاله الشوكاني في «نيل الأوطار» ١/ ٨٠٢: ليس في إسناده مطعن بل رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: إسناده حسن «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٩٩ (٧٧٥).
(٥) «المعجم الأوسط» ٤/ ١٧٥ (٣٩٠٣).
ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا شعبة وأيوب بن جابر، ولا رواه عنهما إلا أبو داود، تفرد به عبد الله بن عمران. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١١٩: رجاله رجال الصحيح. اهـ
(٦) «المعجم الأوسط» ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٤٠٣٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا إسرائيل، ولا عن إسرائيل إلا سلمة بن رجاء، تفرد به يعقوب بن حميد. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١١٩: فيه يعقوب بن حميد بن كاسب ضعفه جماعة، قال بعضهم: لأنه كان محدودًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٧) «المستدرك» ١/ ٢٤٠.



واختلفت الآثار عن الصحابة في ذلك أيضًا فقرأ الصديق فيها [بالبقرة] (١) في الركعتين، وعُمَر بيونس وهود، وعُثمان بيوسف والكهف، وعَلي بالأنبياء، وعبد الله بسورتين أخراهما: بنو إسرائيل، ومُعاذ بالنساء، وعَبيدة بالرحمن ونحوها، وإبراهيم بـ ﴿يس (١)﴾ وأشباهها، وعُمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل، وغير ذلك (٢). وهذا كله باختلاف الأحوال، والتخفيف لا شك في مطلوبيته.
---------------
(١) في الأصل بالقراءة، وهو خطأ.
(٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣١٠ - ٣١١.



١٠٥ - باب الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الفَجْرِ
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَيقْرَأُ بِالطُّورِ.

٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢] فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. [٤٩٢١ - مسلم: ٤٤٩ - فتح: ٦٤]

٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم، ٦٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [فتح: ٢/ ٢٥٣]
هذا التعليق سلف الكلام عليه في الباب قبله
ثم ساق حديث ابن عباس: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ .. الحديث بطوله؛ وفيه: وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا


القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
ثم ساق قول عكرمة عن ابن عباس: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وهذا من أفراد البخاري، والأول أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأخرجه
البخاري في التفسير أيضا (٢)، واستدركه الحاكم على شرطهما، وأنهما لم يخرجاه بهذِه السياق، وإنما أخرج مسلم وحده حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بطوله بغير هذِه الألفاظ (٣).
والحديث الأول والثاني ظاهر فيهما ما ترجم له من الجهر بالقراءة في صلاة الفجر.
وأما الثالث فوجه الدلالة منه عموم قوله: (فيما أمر) يعني: جهر، بدليل قوله: (وسكت فيما أمر) أي: أسر، فيدخل الفجر في الذي جهر فيه اتفاقا، والدليل عليه قول خباب: إنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله - ﷺ - فيما أسر فيه باضطراب لحيته (٤)، فسمى السر سكوتا، ولا يظن بالشارع أنه سكت في صلاة صلاها؛ لأنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وقال الإسماعيلي: إن سلم الحديث من قبل عكرمة من الطعن فالذي يصلح أن يوجه عنه أنه سكت عن الإعلان لا عن القراءة.

-------
(١) مسلم (٤٤٩).
(٢) سيأتي برقم (٤٩٢١).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٥٠٣.
(٤) سلف برقم (٧٤٦).



وقال الخطابي: لو شاء أن ينزل ذكر بيان أفعال الصلاة وأقوالها حتى يكون قرآنا متلوًّا لفعل، ولم يتركه عن نسيان، لكنه وكل الأمر في بيان ذلك إلى نبيه - ﷺ -، ثم أمرنا بالاقتداء به، وهو معنى قوله ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) [النحل: ٤٤].
ولم تختلف الأمة في أن أفعاله التي في بيان مجمل الكتاب واجبة، كما لم يختلفوا في أن أفعاله التي هي من نوم وطعام وشراب وشبهها غير واجبة.
وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس بيان مجمل الكتاب، فالذي نختار أنها واجبة.
وحديث ابن عباس دال على أن الشهب إنما رميت في أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع، لكن رميها لم يزل قبل الإسلام، وعلى ممر الدهور، روى معمر أو غيره، عن الزهري (٢)، عن علي بن حسين، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: بينا النبي - ﷺ - جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول يموت عظيم، أو يولد عظيم؛ قال: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، لكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا يسبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذِه السماء، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، ويخطف الجن السمع فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه».

-----------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣.
(٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: هذا في مسلم.



قلت للزهري: أو كان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أرأيت قوله تعالى ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩] قال: غلظت، وشدد أمرها، حيث بعث إليه النبي - ﷺ - (١).
وكذا قال الزمخشري وغيره: إن الصحيح إنه كان قبل المبعث أيضًا، وقد جاء ذكره في شعر أهل البادية، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما وقع البعث كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبَّه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلًا.
وقال ابن الجوزي: الذي أميل إليه أن الشهب لم ترم إلا قبيل مولده، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث.
فوائد:
الأولى: قرئ (وحي) على الأصل: (واحي).
و(النفر): جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة، وفي «صحيح الحاكم» عن ابن مسعود: هبطوا على النبي - ﷺ - ببطن نخلة وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة. وقال: صحيح الإسناد (٢).
الثانية: اختلف في أصلهم فقال الحسن: إنهم ولد إبليس، وكافرهم يسمى شيطانا، وعن ابن عباس: هم ولد الجان، والشياطين ولد إبليس.

--------------
(١) رواه أحمد ١/ ٢١٨ من طريق معمر عن الزهري، به سواء، ورواه أيضًا الترمذي (٣٢٢٤) من طريق معمر، به، دون قوله: أو كان يرمي بها ..
والحديث رواه مسلم في «صحيحه» (٢٢٢٩) من طريق صالح عن الزهري وهو المعنيُّ من قول المصنف: (روى معمر أو غيره- به)، دون الزيادة أيضًا كما عند الترمذي.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٤٥٦.



وأبعد من أنكر وجودهم، وإنما قيل: بإنكار تسلطهم على البشر، والصواب الذي لا شك فيه أنهم موجودون.
وهل هم أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها؟ قولان.
وقام الاتفاق على تعذيبهم قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ والصواب أن مؤمنيهم يدخل الجنة ينعم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ بعد قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآيات. وعن أبي حنيفة: لا، وإنما تحصل لهم النجاة من النار، قال تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم يصيرون ترابًا.
الثالثة: كان خروجه - ﷺ - إلى الطائف واستماع الجن بعد موت عمه وخديجة، وقبل المعراج، فلم يستجب له أحد، ورجع في جوار المطعم بن عدي، وذلك -يعني: خروجه- في شوال سنة عشر من النبوة، وكان معه زيد بن حارثة فاستمع له الجن وهو يقرأ سورة الجن، كذا في «طبقات ابن سعد»، وتأمل رواية البخاري التي سقناها فإن ظاهرها أن سورة الجنّ إنما نزلت بعد استماعهم (١).
الرابعة: زعم جماعة أن الشهب قد لا تصيبهم، منهم السهيلي، وهذا فائدة تعرضهم لذلك بعد علمهم به، ويجوز أن ينسوه لينفذ فيهم القضاء كما قيل في الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، ولا يرى الفخ على ظاهرها.
قال ابن عباس: كانت لا تحجب عن السموات، فلما ولد عيسى منعت من ثلاث، فلما ولد نبينا منعت من الكل.

--------------
(١) انظر ذلك بتفصيل في: «سيرة ابن هشام»: ٢٨/ ٢ - ٣١، و«البداية والنهاية»: ٣/ ١٤٧ - ١٥٠، و«تاريخ الإسلام» للذهبي: ١/ ١٩٧ - ٢٠٢ و٢٨٢ - ٢٨٦.


الخامسة: إن قلت: أيزول الكوكب الذي رمي به؟
قلت: يجوز أن يفنى ويتلاشى، ويجوز أن لا، فربما فصل شعاع من الكوكب وأحرق، نبه عليه ابن الجوزي.
وقال النووي في قوله تعالى: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ قيل: هو مصدر فتكون الكواكب هي الراجمة المحرقة بشهبها لا بأنفسها، وقيل: هو اسم فتكون هي بأنفسها التي ترجم بها، وتكون (رجوم) بمعنى رجم بفتح الراء.
خاتمة: في ألفاظ وقعت في الحديث الثاني.
(السوق): يذكر ويؤنث، قال في «الجامع»: اشتقاقها من سوق الناس بضائعهم إليها، وقال ابن التين: لقيام الناس فيها على سوقهم.
و(عكاظ): سوق معروف بناحية مكة، وقيل: ما ذكره الزمخشري، وقد ذكره الأزهري (١)، وابن سيده (٢)، والجوهري (٣)، وغيرهم (٤).
ولم يكن فيه عشور ولا خفارة، يذكر فيها الشعراء مما أحدثوه من الشعر، يصرف ولا يصرف.
ومعنى (عامدين): قاصدين تهامة، وهو نخل. قال: خرجه البخاري وقال: بنخلة، وهو الصواب.
و(الأسوة): بكسر الهمزة وضمها، قرئ بهما، ومعناها: القدوة.

------------
(١) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥٣٢.
(٢) «المحكم» ١/ ١٥٩.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١١٧٤.
(٤) انظر: «النهاية» ٣/ ٢٨٤، و«تاج العروس» ١٠/ ٤٧٥ - ٤٧٦.



١٠٦ - باب الجَمْعِ بَيْن السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ
وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ.
[وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ: قَرَأَ النَّبِيُّ -ﷺ - المُؤْمِنُونَ في الصُبْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى، أَخَذتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وَقَرَأَ عُمَرُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي. وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ في الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ -رضي الله عنه - الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ: كُلٌّ كِتَابُ الله].
٧٧٤ م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا [أَنْ] تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟». فَقَالَ: إِنِّى أُحِبُّهَا. فَقَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ». [فتح: ٢/ ٢٥٥]

٧٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ


قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابن مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأْتُ الُمفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةِ. فَقَالَ هذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الُمفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ. [٤٩٩٦، ٥٠٤٣ - مسلم: ٨٢٢ - فتح: ٢/ ٢٥٥]
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى، أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
وهذا التعليق أسنده مسلم في «صحيحه»، وقال: بمكة شرفها الله تعالى (١). وعند أبي داود: الشك من محمد بن عباد بن جعفر (٢)، وعند ابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة -أو قَالَ: شهقة- وفي رواية: شرقة (٣)، وعند الطبراني: يوم الفتح.
و(السَّعلة) -بفتح السين- كما قيده النووي في «شرح مسلم»، وقال ابن التين: بفتح السين كذا رويناه، وروي بضمها.
وفيه: جواز قطع القراءة، والقراءة ببعض السور، ولا خلاف في جوازه ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وكذا لغير عذر، لكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قَالَ مالك في رواية عنه، والمشهور عنه: كراهته (٤)، وهو رواية عند الحنفية، والصحيح: موافقتنا (٥).
وهذا الحديث وقع عند مسلم في إسناده: عبد الله بن عمرو بن

-------------
(١) مسلم (٤٥٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. وليس في النسخ التي بين أيدينا: (شرفها الله تعالى).
(٢) «سنن أبي داود» (٦٤٩) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في النعل.
(٣) «سنن ابن ماجه» (٨٢٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة الفجر.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٤٧، «البناية» ٢/ ٣٦٥.



العاصي، وصوابه: عبد الله بن عمرو المخزومي، كما ذكره البخاري في «تاريخه» وابن أبي حاتم، وخلائق (١)، وعبد الله بن السائب هذا هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد المخزومي قارئ مكة، لَهُ صحبة، مات قبل ابن الزبير، وأسلم عام الفتح وكان شريك النبي - ﷺ - فقال لَهُ - ﷺ -: «نعم الشريك كنت؛ لا تداري ولا تماري» أو «لا تشاري ولا تماري» (٢).
ثم قَالَ البخاري: وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي.
وهذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن أبي رافع قَالَ: كان عمر يقرأ في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل (٣).
وسميت المثاني؛ لكونها قصرت عن المئين، وتزيد عَلَى المفصل، كان المئين جعلت مبادئ، والتي تليها مثاني، ثمَّ المفصل، وعن ابن مسعود وطلحة بن مصرف: المئون إحدى عشرة سورة، والمثاني عشرون سورة. وفي «المحكم»: المثاني من القرآن ما يثنى مرة بعد

--------------
(١) «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٤ (٤٧٠) و«الجرح والتعديل» ٥/ ١١٧ (٥٣٣).
(٢) رواه أبو داود (٤٨٣٦)، النسائي في «الكبرى» ٦/ ٨٦ (١٠١٤٤) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول للقادم إذا قدم عليه، والطبراني ٧/ ١٣٩ - ١٤٠ (٦٦١٨ - ٦٦٢٠)، والحاكم ٢/ ٦١ كتاب: البيوع، والبيهقي ٦/ ٧٨ كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الأموال والهدايا. قال الحاكم: صحيح على الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣١١ (٣٥٦٣) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر.



مرة. وقيل: فاتحة الكتاب. وقيل: سور أولها البقرة، وآخرها براءة.
وقيل: القرآن العظيم كله (١). وعند الأزهري: سمي القرآن العظيم كله مثاني؛ لأن القصص والأمثال ثنيت فيه (٢).
ثم قَالَ البخاري: وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بيونس أو بيوسف، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا.
وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه»: عن مخلد بن جعفر، ثنا جعفر الفريابي، ثنا قتيبة، عن حماد بن زيد، عن بديل، عن عبد الله ابن شقيق قَالَ: صلى بنا الأحنف بن قيس الغداة فقرأ في الركعة الأولى بالكهف، وفي الثانية بيونس، وزعم أنه صلى خلف عمر بن الخطاب فقزأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيونس، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن معتمر، عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن قيس، عن الأحنف قَالَ: صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس، وهود ونحوهما (٣)، وحَدَّثَنَا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب أن عمر قرأ في الفجر بالكهف (٤).
وفي «صحيح مسلم» من حديث حذيفة أنه - ﷺ - قرأ في صلاة بالنساء، ثمَّ بآل عمران (٥)، قَالَ مالك: لا بأس بأن يقرأ سورة قبل سورة، ولم

--------------
(١) «المحكم» ١١/ ١٧٦ (ثنى).
(٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٥٠٦ (ثنى).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣١٠ (٣٥٤٦) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ (٣٥٤٧) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر.
(٥) «صحيح مسلم» (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.



يزل الأمر عَلَى ذَلِكَ من عمل الناس، وقراءة التي بعدها أحب إلينا (١)، وفي «شرح الهداية»: هو مكروه، قَالَ: وعليه جمهور الفقهاء، منهم أحمد (٢).
فائدة:
ترتيب السور من ترتيبه - ﷺ -، أو من اجتهاد المسلمين؟ قَالَ ابن الباقلاني: الثاني أصح القولين مع احتمالهما (٣)، وتأولوا النهي عن

----------
(١) انظر: «البيان والتحصيل» ١/ ٢٤١، «مواهب الجليل» ٢٤١.
(٢) «البناية» ٢/ ٣٦٦، وانظر «المغني» ٢/ ١٦٩.
(٣) قال القاضي عياض: تعليقًا على حديث حذيفة في قراءة النبي - ﷺ - بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران: وتقديمه هنا النساء على آل عمران حجة لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف لم يكن ذلك من تحديد النبي - عليه السلام - وإنما وكله إلى أمته بعده وهو قول جمهور العلماء، وهو قول مالك واختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأصح القولين عنده، مع احتمالها. قال: والذي نقوله: إن تأليف السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة، ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من الرسول في ذلك نص واحد لا يحل تجاوزه؛ فلذلك اختلفت تأليفات المصاحف قبل مصحف عثمان، واستجاز النبي - ﷺ - والأمة بعده في سائر الأعصار ترك الترتيب للسور في الصلاة والدرس والتلقين والتعليم، وعلى قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك توقيف من رسول الله - ﷺ -، وعلى ما حده ورسمه لهم حسب ما استقر في مصحف عثمان، وأن موجب اختلاف المصاحف قيل في الترتيب، وإنما كان قبل التوقيف وعلى ما جاء هنا كانت هاتان السورتان في مصحف أبي، ولا خلاف أنه يجوز للمصلى من الركعة الثانية أن يقرأ بسورة قبل التي صلى بها في الأولى، أو إنما يقع الكراهة بذلك في ذلك في ركعة واحدة أو لمن يتلو القرآن وقد أجاز هذا بعضهم وتأول نهى من نهى من السلف عن قراءة القرآن، مُنكَّسًا أن يقرأ من آخر السورة آية بعد آية إلى أولها كما يفعل من يُظهر قوة الحفظ، ولا خلاف أن تأليف كل سورة وترتيب آياتها توقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها - عليه السلام -. «إكمال المعلم» ٣/ ١٣٧.



قراءة القرآن منكوسًا عَلَى من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنه توقيف من الله عَلَى ما هي عليه الآن في المصحف.
ثمَّ قَالَ البخاري وَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِي بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ بسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً في رَكْعَتَيْنِ: كُلُّ كِتَابُ اللهِ.
وقول قتادة هو موضع الاستشهاد عَلَى القراءة بالخواتيم، فيقرأ في الثانية النصف الثاني منها، وقد سلف قريبًا قراءته - ﷺ - في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] في الركعتين كلتيهما، وكذا قراءته الأعراف فيهما، وعن أبي بكر أنه قرأ بالبقرة في الفجر في الركعتين (١)، وعن عمر أنه قرأ بآل عمران في الركعتين الأوليين من العشاء قطعها فيهما، ونحوه عن سعيد بن جبير، وابن عمر، والشعبي، وعطاء، وقال مالك: إِذَا بدأ بسورة، وختم بأخرى لا شيء عليه، وقد كان بلال يقرأ من غير سورة (٢)، وسلف حديث السعلة، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال.
ثمَّ قَالَ البخاري:
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرى

-----------
(١) رواه مالك ١/ ٨٥ (٢٢٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في قراءة الصبح. وابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ (٣٥٤٥) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]