
30-01-2026, 06:26 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,934
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (7)
من صـــ 67 الى صـــ 86
الحلقة (183)
وروى عكرمة عنه أنه قال: قرأ رسول الله - ﷺ - في صلوات وسكت، فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت، فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؛ فغضب وقال: تتهم رسول الله - ﷺ - (١)؟!
قال الطحاوي: فذهب قوم إلى ما روي عن ابن عباس فقالوا: لا نرى لأحد أن يقرأ في الظهر والعصر البتة، وهو قول سويد بن غفلة (٢).
وقال الطبري: قال آخرون: في كل صلاة قراءة، غير أنه يجزئ فيما أمر المصلي أن يخافت فيه بالقراءة قراءته في ركعتين منها، وله أن يسبح في باقيها، وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي (٣) فجعل أهل هذِه المقالة سكوت رسول الله - ﷺ - على الخصوص، وقالوا: إنما كان يسكت عنها في الأخريين، فأما الأوليين فلأنه كان يقرأ فيهما؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه - عليه السلام - كان يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات في الأوليين، قالوا: فحكم ما يخافت فيه الإمام بالقراءة حكم ما يجهر فيه، في أن في الأوليين قراءة وترك القراءة في الأخريين، هذا قول الكوفيين.
وقال آخرون: لم يكن - عليه السلام - يترك القراءة في شيء من صلاته ولكنه كان يجهر في بعض ويخافت في بعض، هذا قول أهل الحجاز وأحمد وإسحاق.
--------------
= قال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٦٩): إسناده صحيح.
(١) رواه أحمد ١/ ٢١٨ - ٢١٩. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥، والطبراني ١١/ ٣٥٧ (١٢٠٠٥).
(٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥.
(٣) رواها ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢، ٣٧٤٤، ٣٧٤٥).
وأنكروا قول ابن عباس، وقالوا: قد روي عنه خلاف ذلك بإسناد (أصح) (١) من إسناد الخبر عنه بالإنكار.
ثم ساق الطبري من حديث عكرمة عنه قال: قد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر أم لا (٢)؟ ولا يندفع العلم اليقين بغير علم.
قال الطحاوي: وقد روي عنه من رأيه خلاف ما سلف عنه، روينا عنه أنه قال: اقرأ خلف الإمام بالفاتحة في الظهر والعصر.
وإذا كان هذا في المأموم مع أن الإمام يحمل عنه فالإمام أولى (٣).
وإذا قد صح عنه أنه قال: لا أدري أقرأ رسول الله - ﷺ - أم لا. فقد انتفي ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد حقق قراءة رسول الله - ﷺفيهما وهو نص أحاديث الباب.
ورواية البخاري الآتية -في باب: يقرأ في الأخريين بأم الكتاب. في حديث أبي قتادة: كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بأم الكتاب (٤) - قاطع للخلاف.
وحديث عطاء عن أبي هريرة: في كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفاه عنا أخفيناه عنكم (٥).
------------
(١) في الأصل: صحيح، والمثبت هو الموافق لما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٤.
(٢) رواه أبو داود (٨٠٩)، وأحمد ١/ ٢٤٩، ١/ ٢٥٧، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٧٠): إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٣) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٦.
(٤) الحديث الآتي برقم (٧٥٩).
(٥) سيأتي برقم (٧٧٢) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الفجر.
وحديث جابر بن سمرة: كان - عليه السلام - يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] (١)، وفي رواية: كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ (٢)، وليس في خبر ابن عباس إنكاره القراءة في الظهر والعصر خلاف ما ثبت عن الشارع أنه قرأ فيهما؛ لأن ابن عباس لم يذكر أنه قال له: لا قراءة في الظهر والعصر. وإنما أخبر أنه سكت فيهما، وغير نكير أن يقول: إذا لم يسمعه يقرأ أنه يسكت، فيخبر مما كان من حاله عنده، فالذي أخبر ابن عباس أنه - عليه السلام - لم يقرأ كان الحق عنده، والذي أخبر أنه قرأ فإنه سمع قراءته، فمن سامع منه الآية، ومن سامع قراءة سورة، ومن سامع أمره بالقراءة في جميع الصلاة.
وَوَجَّهَهُ غيره إلى أنه أمر بذلك في بعض الصلاة. ومن رآه يحرك شفتيه في الظهر والعصر فوجهه أنه لم يحركهما إلا بالقراءة، فكل أخبر مما كان عنده، وكلهم كان صادقًا عند نفسه، والمصيب عين الحق أخبر أنه كان يقرأ فيهما، وذلك أن في خبر أبي قتادة أنه كان يسمعهم الآية أحيانًا، فالشاهد إنما يستحق الاسم إما بالسماع أو بالرؤية، فأما من أخبر أنه لم يسمع ولم ير فغير جائز أن يجعل خبره خلافًا لخبر من قال: رأيت أو سمعت؛ لأنه شاهد وغيره أخبر عن نفسه؛ لأنه لا شهادة عنده. في ذلك.
والنفي لا يكون شهادة في قول أحد من أهل العلم.
-----------
(١) رواه مسلم (٤٦٠) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح.
(٢) رواه أبو داود (٨٠٥)، والترمذي (٣٠٧)، والنسائي ٢/ ١٦٦.
قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١ (٧٦٧).
وقال الطحاوي: فأما النظر في ذلك فإنا رأينا القيام والركوع والسجود فرائض لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيئًا منها، وكان ذلك في سائر الصلوات سواء، فرأينا القعود الأول سنة في الصلوات كلها سواء، ورأينا الأخير فيه الاختلاف، مِنهم مَن سَنَّهُ ومنهم من افترضه، وكل فريق منهم قد جعل ذلك في كل الصلوات سواء، فكانت هذِه الأشياء ما كان منها فرضًا في صلاة كان كذلك في كل الصلوات، فلما رأينا القراءة في الصبح والمغرب والعشاء واجبة في قول المخالف لا بد منها كذلك في الظهر والعصر، وهذِه حجج قاطعة على من نفي القراءة في الظهر والعصر ويراها فرضًا في غيرها (١).
الحديث الثالث:
حديث خباب، وقد سلف في باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (٢)، وهو من أفراد البخاري.
وفيه وفي حديث أبي قتادة: أن الحكم في السر أن يسمع الإنسانُ نفسه.
وفيه أيضًا: الحكم بالدليل؛ لأنهم حكموا لاضطراب لحيته -شرفها الله- أنه كان يقرأ.
----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٩/ ٢٠١، وإلى هنا انتهى كلام ابن بطال ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٦ بتصرف.
(٢) سبق برقم (٧٤٦).
٩٧ - باب القِرَاءَةِ فِي العَصْرِ
٧٦٢ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. [انظر:٧٥٩ - مسلم:٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٤٦]
٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [انظر:٧٤٦ - فتح:٢/ ٢٤٥]
ذكر فيه حديث أبي قتادة السالف، وكذا حديث خباب.
وشيخه فيه هو محمد بن يوسف الفريابي، قاله أبو نعيم وغيره.
وشيخه سفيان هو الثوري كما صرَّح به أبو نعيم في روايته.
وروي أيضًا القراءة فيهما من السلف عن عمر وابنه وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء وخباب وعبد الله بن مغفل وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعائشة (١).
وقال أبو العالية: العصر على النصف من الظهر. وقال إبراهيم: يضاعف الظهر على العصر أربع مرات. وقال الحسن البصري: القراءة في الظهر والعصر سواء. وقال حماد: القراءة في الظهر والصبح سواء (٢).
-----------
(١) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق ٢/ ١٠٠ - ١٠٧، «المصنف» لابن أبي شيبة ١/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٣١٣ - ٣١٤ (٣٥٧٩، ٣٥٨٤، ٣٥٨٧، ٣٥٨٨).
٩٨ - باب القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ (١)
٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ. [٤٤٢٩ - مسلم: ٤٦٢ - فتح: ٢/ ٢٤٦]
٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ؟! [فتح: ٢/ ٢٤٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١] فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هذِه السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا في المَغْرِبِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وله: ثم ما صلى بعدها حتى قبضه الله -عز وجل- (٢).
وأخرجها البخاري في كتاب: المغازي، وقال: ثم ما صلى لنا بعدها (٣).
وأخرجه الترمذي بلفظ: خرج إلينا رسول الله - ﷺ - عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب بالمرسلات فما صلى بعدها حتى لقي الله -عز وجل-.
وأخرجه النسائي بلفظ: صلى بنا في بيته المغرب فقرأ بالمرسلات
-----------
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين كتبه مؤلفه.
(٢) مسلم (٤٦٢) باب: القراءة في الصبح.
(٣) يأتي برقم (٤٤٢٩) باب: مرض النبي - ﷺ - ..
وما صلى بعدها صلاة حتى قبض - ﷺ - (١). وفي «الأوسط»: ثم لم يصل لنا عشاء حتى قبض (٢).
وذكر البخاري في الباب أيضًا حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ؟! وهو من أفراده.
وقول الحاكم في «مستدركه» أنه مما اتفقا عليه (٣). من أوهامه، ورواه أبو داود، كذلك قال: قلت ما طولى الطوليين، قال: الأعراف، ونقله ابن بطال عن العلماء، وقال ابن أبي مليكة من قبل نفسه: الأعراف والمائدة (٤).
وفي البيهقي عنه أنه قال: ما طولى الطوليين؟ قال: الأنعام والأعراف (٥).
وفي «أطراف ابن عساكر»: قيل لعروة: ما طول الطوليين؟ قال: الأعراف ويونس، ورواه النسائي وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي الأسود سمع عروة، قال زيد لمروان: أبا عبد الله، تقرأ في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾.
قال زيد: فحلفت بالله لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها بأطول
--------------
(١) الترمذي (٣٠٨) باب: ما جاء في القراءة في المغرب، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) «المعجم الأوسط» ٦/ ٢٣٥ (٦٢٨٠).
(٣) «المستدرك» ١/ ٢٣٧.
(٤) أبو داود (٨١٢) وفيه: قلت: ما طول الطوليين؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام.
وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١.
(٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٩٢.
الطوليين وهي ﴿المص (١)﴾ (١).
قال ابن القطان: ففي هذا أن عروة سمعه من زيد بن ثابت، ووقع في أبي داود بينهما مروان (٢) أي: وكذا في البخاري كما سلف، وما مثله يصح؛ لأنه قد علل حديث بسرة بذلك مع أنه قد قال فيه كما قال هنا، فيكون سمعه بعد أن حدثه مروان عنه أو حدثه به زيد أولًا، وسمعه أيضًا من مروان، فصار يحدث به على الوجهين (٣).
إذا تقرر ذلك، فالطولى: وزن فعلى تأنيث أطول، وقد سلف كذلك في رواية.
و(الطوليين): تثنية الطولي، وطولى الطوليين. يريد: أطول السورتين.
قال الخطابي: وبعض المحدثين يقول: بطِوَل الطوليين. بكسر الطاء وفتح الواو وهو خطأ فاحش، إنما الطِّوَل: الحبل، وليس هذا موضعه (٤).
وكذا قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يروونه: (بطول) وهو غلط، إنما هو بطولى على وزن فعلى (٥).
فإن قلت: هل يجوز أن تكون البقرة؛ لأنها أطول السبع الطوال؟
فالجواب: أنه لو أرادها لقال: بطول الطول. ثم الحديثان المذكوران ظاهران فيما ترجم له البخاري رحمه الله.
-------------
(١) النسائي ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن حبان في «صحيحه» ٥/ ١٤٤ (١٨٣٦).
(٢) أبو داود (٨١٢).
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٤٤١).
(٤) «معالم السنن» ١/ ١٧٥.
(٥) «غريب الحديث» ٢/ ٤٥.
قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون قرأها في الركعتين؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها غيرها (١).
قلت: صرح به زيد بن ثابت في روايته أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في المغرب بسورة الأعراف في الركعتين كلتيهما، رواه الحاكم (٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال (٣).
قلت: وفي الصحيحين قراءته - عليه السلام - في المغرب بالطور كما ذكره البخاري بعد (٤).
وفي ابن ماجه -بإسناد صحيح- من حديث ابن عمر قراءته فيها بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٥).
وفي الطبراني -بإسناد صحيح- أنه أمَّهم فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (٦)
--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: أصل حديث زيد في صلاته - عليه السلام - بالأعراف في الصحيح. وفي «مسند أحمد» عن (…) وعن زيد بن ثابت كذا على الشك أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين.
(٣) «المستدرك» ١/ ٢٣٧، وقال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٢٣٧: فيه انقطاع؛ وانظر تمام تخريجه في «البدر المنير» ٣/ ١٨٠ - ١٨٧.
(٤) سيأتي برقم (٧٦٥).
(٥) رواه ابن ماجه (٨٣٣)، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٢٤٨: ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته.
وقال الألباني: شاذ، والمحفوظ أنه كان يقرأ بهما في سنة المغرب. اهـ. «ضعيف سنن ابن ماجه» (١٧٧).
(٦) رواه الطبراني في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» ٢/ ١١٨ من حديث عبد الله بن يزيد، قال الهيثمي: فيه جابر الجعفي، وثقه شعبة وسفيان وضعفه بقية الأئمة. اهـ.
ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٣١٤ (٣٥٩٢)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٤٢ (٤٩٢).
وخرجه ابن حبان في «صحيحه» بنحوه (١).
وعند ابن بطال عن الشعبي عنه: قرأ - عليه السلام - في المغرب بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (٢).
وفي «صحيح ابن حبان» من حديث جابر بن سمرة قراءته - عليه السلام - فيها ليلة الجمعة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وقراءته في العشاء الآخرة ليلة الجمعة بالجمعة والمنافقين فاستفده (٣).
وفي الأحاديث غير ذلك بالصافات وبالدخان وبالبقرة.
وعند أبي داود: أن عروة بن الزبير كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما يقرءون والعاديات ونحوها من السور.
قال أبو داود: هذا يدلك على أن ذاك منسوخ (٤).
وللنسائي عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان، فذكر أنه كان يقرأ في الأوليين من صلاة المغرب بقصار المفصل (٥). وعند ابن شاهين كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن أقرأ في الصحيح بطوال المفصل، وفي الظهر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، وبنحوه ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه».
------------
(١) ابن حبان ٥/ ١٤٦ (١٨٣٨)، عن حديث البراء بن عازب، وهو في صلاة العشاء لا المغرب. وكذا رواه الجماعة العشاء لا المغرب. وهو في البخاري فيما يأتي برقم (٧٦٧)، ومسلم (٤٦٤)، أبو داود (١٢٢١)، الترمذي (٣١٠)، النسائي ٢/ ١٧٣، ابن ماجه (٨٣٥).
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١.
(٣) ابن حبان ٥/ ١٤٩ - ١٥٠ (١٨٤١)، وقال في «الثقات» ٦/ ٣٦٧: المحفوظ عن سماك أن النبي - ﷺ -. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٥٩).
(٤) «سنن أبي داود» (٨١٣) وقال: وهذا أصح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٧٤): هذا مقطوع وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٧٠.
٩٩ - باب الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ
٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. [٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤ - مسلم: ٤٦٣ - فتح: ٢/ ٢٤٧]
حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبي - ﷺ - قَرَأَ فِي الَمغْرِبِ بِالطُّورِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وزاد البخاري أيضًا في باب بإسناد غير متصل (٢).
ووصله ابن ماجه، فلما بلغ هذِه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ إلى ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥: ٣٧] كاد قلبي أن يطير (٣).
وذكره في المغازي (٤) مختصرًا في باب: شهود الملائكة بدرًا، وفيه: ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي (٥). وذكره بطريق أخرى أنه كان جاءه في أسارى بدر يعني في فدائهم (٦). ولما أخرجه البزار بلفظ: قدمت على رسول الله - ﷺ - في فداء أهل بدر فسمعته يقرأ في المغرب وهو يؤم الناس بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾.
قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن رسول الله - ﷺ - ولا نعلمه يروى
----------
(١) مسلم برقم (٤٦٣) باب: القراءة في الصبح.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٥٤) كتاب: التفسير، باب: سورة والطور.
(٣) «سنن ابن ماجه» (٨٣٢) باب: القراءة في صلاة المغرب.
(٤) ورد في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ يأتي في التفسير أيضًا.
(٥) سيأتي برقم (٤٠٢٣).
(٦) سيأتي برقم (٣٠٥٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فداء المشركين.
عن رسول الله - ﷺ - من وجه أنه قرأ في المغرب بالطور إلا في هذا الحديث (١).
قلتُ: قد أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه «معرفة الصحابة» من حديث الزهري، عن الأعرج قال: سمعت عبيد الله بن الحارث بن نوفل يقول: آخر صلاة صليتها مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فقرأ في الأولى بـ ﴿وَالطُّورَ﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (٢).
إذا تقرر ذلك؛ فالحديث ظاهر لما ترجم له من الجهر بالمغرب، وهو إجماع.
وقد ذهب قوم -كما قال الطحاوي- إلى الأخذ بحديث جبير هذا، وحديث زيد وأم الفضل السالفين في الباب قبله وقلدوها، وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في المغرب إلا بقصار المفصل؛ وقالوا: قد يجوز أن يكون يريد بقوله: (قرأ بالطور) ببعضها وهو جائز لغة، يقال: فلان يقرأ القرآن إذا قرأ بشيء منه.
قال الطحاوي: والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:٧ - ٨] فكأنما صدع قلبي؛ فبين هشيم القصة على وجهها وأخبر أن الذي سمعه قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ
------------
(١) «البحر الزخار» ٨/ ٣٣٧ (٣٤٠٩).
(٢) أورد هذِه الرواية بسندها الحافظ في «الإصابة» ثمَّ قال: هذا إسنادٌ غريب؛ فيه مَن لا يعرف اهـ. «الإصابة» ٢/ ٤٣٦ (٥٢٩٦) ترجمة عبيد الله بن الحارث بن نوفل.
لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (١) لا أنه سمع الطور كلها وهو عجيب منه، ترده رواية البخاري السالفة، وقد رواه الطبراني في «معجمه الصغير»، عن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده .. وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا هشيم، تفرد به عروة بن سعيد الربعي، وهو ثقة (٢).
وقوله: (فأتيته وهو يصلي) يخالفه ما ذكره ابن سعد من حديث نافع ابنه عنه. قال: قدمت في فداء أسارى بدر فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى فنمت فأقيمت صلاة المغرب فقمت فزعًا لقراءة رسول الله - ﷺ - في المغرب: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور:١ - ٢] فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد وكان يومئذٍ أول ما دخل الإِسلام قلبي.
وفي «الاستيعاب»: روى جماعة من أصحاب ابن شهاب عنه، عن محمد بن جبير، عن أبيه: المغرب أو العشاء (٣).
وزعم الدارقطني أن رواية من رواه عن ابن شهاب، عن نافع بن جبير وَهَمٌ في ذكره نافعًا.
ثم قال الطحاوي: وكذلك قول زيد لمروان في الطوليين: يجوز أن يكون قرأ ببعضها.
-------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٢.
(٢) «المعجم الصغير» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (١١٤١) والذي وقع فيه: تفرد به سعيد بن عروة وهو ثقة، وكذا وقع في الإسناد سعيد بن عروة الربعي البصري، حدثنا هشيم، ووقع في «المعجم الكبير» ٢/ ١١٧: عروة بن سعيد، عن عروة الربعي المصري، ثنا هشيم، ووقع في «تاريخ الإسلام» للذهبي ٢٢/ ٣٢٥ (٥٥٤) في ترجمة يعقوب ابن غيلان شيخ الطبراني أنه حدث بالبصرة عن سعيد بن عروة.
(٣) «الاستيعاب» ١/ ٣٠٤.
والدليل على ذلك ما روى جابر أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وعن أنس: كنا نصلي المغرب مع رسول الله - ﷺ - ثم يرمي أحدنا فيرى مواقع نبله (١). فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله - ﷺ - من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها بالأعراف أو نصفها (٢).
وهو عجيب منه؛ فقد صح أنه فرقها في الركعتين كما أسلفناه في الباب قبله، والظاهر أن ذلك كان في بعض الأحيان منه فلا استحالة إذن.
ثم قال الطحاوي: وقد أنكر على معاذ حين صلى العشاء بالبقرة مع سعة وقتها فالمغرب أحرى بذلك (٣). وهو عجيب منه؛ فإنكاره إنما هو للرفق بالمأمومين المعذورين، وقد روي أن ذلك كان في المغرب (٤)، وقد أخبر أبو هريرة أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، أخرجه ابن أبي شيبة (٥).
-----------
(١) رواه أبو داود (٤١٦) باب: في وقت المغرب، وأحمد ٣/ ١١٤، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ١٧٤ (٣٣٨).
قال الألباني: إسناده صحيح، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما من حديث رافع بن خديج وغيره «صحيح أبي داود» ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٤٤٣).
(٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٢.
(٣) «شرح معاني الآثار»١/ ٢١٤.
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٣.
(٥) أشار إلى هذِه الرواية ابن بطال في «شرحه» فقال: روى ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سليمان ابن يسار، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل.
ورواها من طريقه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٤ قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا البغدادي قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا زيد بن الحباب .. الحديث.
فلو حملنا حديث جبير، وزيد بن ثابت على ما حمله المخالف لتضادت تلك الآثار.
وحديث أبي هريرة هذا وإن حملناه على ما ذكرنا ائتلفت، وهو أولى من التضاد فينبغي إذن القراءة بقصار المفصل.
وهو قول مالك (١)، والكوفيين (٢)، والشافعي (٣)، وجمهور العلماء (٤).
قلتُ: قد أسلفنا أن قراءته كذلك كان في بعض الأحيان لبيان الجواز أو لامتداد وقت المغرب فلا تضاد.
وقراءة الشارع ليست كقراءة غيره، فإنه كان من أخف الناس صلاة في تمام، وكان يقرأ بالستين إلى المائة.
وقد أخبر الشارع عن داود صلى الله عليهما وسلم أنه كان يأمر بدابته أن تسرج فيقرأ الزبور قبل إسراجها (٥).
فنبينا أَحْرى بذلك وأولى، ودعوى من ادعى أن السورة لم يكمل إنزالها فلذلك قرأ ببعضها وَهَمٌ؛ فالإجماع قائم على نزول الأعراف والأنعام بمكة شرفها الله.
-----------
(١) انظر: «التفريع» ١/ ٢٢٧، «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤، «المعونة» ١/ ٩٥.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «الهداية» ١/ ٥٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٩ - ١٣٠.
(٣) انظر: «الحاوي» ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «المهذب» ١/ ٢٤٨، «البيان» ٢/ ٢٠٢.
وانظر للحنابلة: «المغني» ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، «المبدع» ١/ ٤٤٣، «كشاف القناع» ٢/ ٣١٩.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١.
(٥) سيأتي برقم (٣٤١٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
ومنهم من استثنى في الأنعام ست آيات نزلن بالمدينة.
وطولى الطوليين هي الأعراف على ما سلف؛ لأنها أطول من الأنعام فلا يتجه ذلك. وفي الحديث أيضًا من متعلقات الأصول والفقه والحديث: أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة فيما عمله قبل إسلامه؛ لأن جبيرًا كان يوم سمع الشارع مشركًا قدم في أسارى بدر كما سلف -وكذا روايته- ومثله الفاسق، والصبي أولى.
١٠٠ - باب الجَهْرِ فِي العِشَاءِ
٧٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٢٥٠]
٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي إِحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيتُونِ. [٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦ - مسلم: ٤٦٤ - فتح: ٢/ ٢٥٠]
ذكر فيه حديث أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - ﷺ -، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
وحديث البراء: أنه - عليه السلام - كَانَ في سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ في إِحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فما سمعت أحدًا أحسن صوتا أو قراءةً منه.
الشرح:
حديث أبي هريرة يأتي قريبًا وفي سجود القرآن (١).
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
وحديث البراء يأتي في التفسير (٣).
وأخرجه باقي الجماعة (٤)، وهما دالان على ما ترجم له وهو الجهر بالعشاء.
---------------
(١) سيأتي برقم (٧٦٨)، وبرقم (١٠٧٤) باب: سجدة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾.
(٢) مسلم (٥٧٨) باب: سجود التلاوة.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٥٢) باب: سورة التين.
(٤) رواه مسلم برقم (٤٦٤) باب: القراءة في العشاء، وأبو داود (١٢٢١) باب: قصر قراءة الصلاة في السفر، والترمذي (٣١٠) باب: ما جاء في القراءة في صلاة =
أما في حديث البراء فهو ظاهر فيه.
وأما حديث أبي هريرة فلأنه سجد بها خلفه وذلك مقتضٍ أنه سمعها منه، والإجماع قائم على ذلك.
وموضع السجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وأغرب من قال: إنه آخر السورة.
و(العتمة): المراد بها العشاء، وإن سلف النهي في تسميتها بذلك لما فيه.
وسجود أبي هريرة خلف رسول الله - ﷺ - لا يلزم منه أن يكون في صلاة؛ لاحتمال سماعه لها منه خارجها.
وقوله في حديث البراء: في إحدى الركعتين. جاء في النسائي أنها الأولى (١).
وتأسى عمر -رضي الله عنه - بقراءته لها في إحداهما (٢).
وقوله: (أو قراءة)، الظاهر أن (أو) بمعنى الواو؛ واستدل بذلك من لا يرى توقيتًا بالقراءة فيها بل بحسب الحال.
وعن مالك: يقرأ فيها بالحاقة ونحوها (٣).
وعندنا وعند أشهب: بأوساط المفصل (٤).
وهو قول عمر بن عبد العزيز، وفيه حديث عن أبي هريرة مرفوعًا،
-------------
= العشاء، والنسائي ٢/ ١٧٣، وابن ماجه (٨٣٤ - ٨٣٥) باب: القراءة في صلاة العشاء.
(١) النسائي ٢/ ١٧٣.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ١٠٩ (٢٦٩٧).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤، «التهذيب» ٢/ ١٠١، «الدر» ١/ ٥٠٧.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ بالناس في العشاء الآخرة بوسط المفصل، وقرأ فيها عثمان بالنجم، وابن عمر بالذين كفروا (١) والفتح؛ وأبو هريرة بالعاديات (٢)، فيحتمل أن تكون قراءتها له لسفر أو أعجلته حاجة لذلك.
وأجاز العلماء للمسافر إذا أعجله أصحابه واستغيث به في أمرٍ أن يقرأ بسورة قصيرة اتباعًا للشارع في التين والزيتون في السفر، وهو قول مالك (٣).
وفي «شرح الهداية»: يقرأ في الفجر أربعين آية سوى الفاتحة. وفي رواية خمسين. وفي أخرى ستين إلى المائة. وهي أبين الروايات عندهم.
قالوا: في الشتاء يقرأ مائة، وفي الصيف أربعين، وفي الخريف خمسين أو ستين.
وذكر أن في رواية الأصل أن يكون في الظهر دون الفجر والعصر قدر عشرين آية سوى الفاتحة (٤).
ونص أصحابنا على أنه يستحب أن يكون في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره (٥).
---------------
(١) أي سورة محمد - ﷺ -.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٥.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٣١٦ (٣٦١٢، ٣٦١٣، ٣٦١٤).
(٤) «شرح فتح القدير» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥، «العناية» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٥) انظر: «المهذب» ١/ ٢٤٨، «التهذيب» ٢/ ١٠١، «العزيز» ١/ ٥٠٧.
١٠١ - باب القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ
٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ - فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٢٥٠]
ذكر فيه حديث أبي رافع السالف، وهو حجة لنا في السجود في المفصل، وأجاز القراءة بها في العشاء وسائر المكتوبات من يراه.
واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، ففي «المدونة»: كره مالك للإمام أن يتعمد قراءة سورة فيها سجدة، لئلا يخلط على الناس، فإن قرأها فليسجد، وأكره أن يتعمدها الفذ (١).
وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس لا يخاف أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك (٢).
وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة (٣)، ولا يكره عندنا قراءتها للإمام سرية كانت الصلاة أو جهرية، ويسجد متى قرأها (٤)، وقد عرفت مذهب مالك فيه (٥).
وقال أبو حنيفة: يكره في السرية دون الجهرية (٦).
قال الروياني -من أصحابنا- في «بحره»: وعلى مذهبنا يستحب
----------------
(١) «المدونة» ١/ ١٠٦.
(٢) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥.
(٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥.
(٤) انظر: «البيان» ٢/ ٢٩١، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢٠.
(٥) «الذخيرة» ٢/ ٤١٥.
(٦) انظر: «الأصل» ١/ ٣١٩، «المبسوط» ٢/ ١٠، «الاختيار» ١/ ١٠١.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|