عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 30-01-2026, 06:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,289
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 47 الى صـــ 66
الحلقة (182)






وهو كبصاقه في ثوبه في الصلاة وردّ بعضه على بعض، وكإباحته تحت قدمه وحكه، وهو كله متقارب.
وقد أخبر الشارع بمعنى كراهية التنخم قبل الوجه، وهو أن الرب ﷻ قبل وجهه، فوجب أن يكون التنخم قبل الوجه سوء أدب.
وقوله: (فتوفي من آخر ذلك اليوم) أي: من بعد أن رأوه، كما أوله الداودي؛ لأنه توفي قبل انتصاف النهار.
وقال ابن سعد: حين زاغت الشمس (١).

---------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٧٣.


٩٥ - باب وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ.
٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ - رضي الله عنه -، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ.
قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِى فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ. [٧٥٨،٧٧٠ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٣٦]

٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». [مسلم: ٣٩٤ - فتح: ٢/ ٢٣٦]

٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرَدَّ وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ».


فَرَجَعَ يُصَلِّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» [٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح: ٢٣٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث جابر بن سمرة: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إلى عُمَرَ، فَعَزَلَهُ .. الحديث، وفيه: فَأَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (١)، ولفظه في إحدى روايتيه: فأمد في الأوليين بدل: فأركد (٢). وهو بمعناه، أي: أطول وأمد، وهو بضم الكاف من قولك: ركدت السفن والريح: إذا سكن وسكنت.
و(الركود): الثبوت والدوام عند أهل اللغة؛ ومنه: نهيه - عليه السلام - عن البول في الماء الراكد (٣). أي: الدائم، رواه البخاري مرة بزيادة:

-------------
(١) مسلم (٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر، أبو داود (٨٠٣)، النسائي ٢/ ١٧٤.
(٢) سيأتي برقم (٧٧٠) كتاب: الأذان، باب: يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين.
(٣) سبق برقم (٢٣٩) بلفظ: الماء الدائم، ورواه مسلم (٢٨١) في كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد. بهذا اللفظ.



(تعلمني الأعراب الصلاة) (١). وقال هنا: (أصلي صلاة العشاء). وقال في الباب بعده: (صلاتي العشي) (٢)، قال ابن الجوزي: وهما الظهر والعصر، كذا في الرواية.
وقوله: (فقال عبد الملك: وأنا رأيته بعد) عبد الملك هذا هو ابن عمير.
ثانيها:
قوله: (ما أخرم عنها): هو بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: لا أنقص.
وقال أبو سليمان: لا أقطع. وأصل الخرم النقص والقطع (٣).
قال ابن التين: وضبط في بعض الكتب بضم الهمزة على أنه رباعي وليس هو في اللغة.
ومعنى (أخف في الأخريين): أقصرهما عن الأوليين، لا أنه يُخل بالقراءة ويحذفها أصلًا.
وقوله: (الأوليين) و(الأخريين) هو بيائين مثناتين تحت.
ثالثها:
(سعد) المشكو هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضوان الله عليهم.
و(الكوفة): أمر عمر ببنائها؛ سميت بذلك لاستدارتها؛ أو لاجتماع الناس بها؛ أو لأن ترابها خالطه حصا. ويقال لها كوفان، ويقال: إنها

----------------
(١) ولعل رمز البخاري تحرَّف من رمز مسلم لتقاربهما في الخط. بل هي في «صحيح
مسلم» (٤٥٣) (١٦٠) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٨).
(٣) يعني الخطابي، وكلامه في «أعلام الحديث» ١/ ٤٩١.



كانت منزل نوح - عليه السلام - (١).
رابعها: في فوائده:
الأولى: أن الإمام إذا شُكِى إليه نائبه بعث إليه، واستفسره على ذلك.
الثانية: أنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته ووقوع فتنة عزله، ولهذا عزله عمر مع أنه لم يكن فيه خلل، ولم يثبت ما يقدح في ولايته وأهليته، وسيأتي في «صحيح البخاري» في حديث مقتل عمر والشورى أن عمر قال: إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة (٢).
الثالثة: مدح الرجل الجليل في وجهه؛ فإن الفاروق قال لسعد: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق؛ ومحله إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة (٣)؛ وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين، والجمع بينهما بما ذكرته.
الرابعة: خطاب الرجل الجليل بكنيته دون اسمه.
الخامسة: إثبات القراءة في الصلاة، وسيأتي واضحًا.
السادسة: تخفيف الأخريين بالنسبة إلى الأوليين.
وقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه وغيره في قراءة السورة في

---------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١١٤١ - ١١٤٢، «معجم البلدان» ٤/ ٤٩٠ - ٤٩٤.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٠٠) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قصة البيعة.
(٣) يومئ المصنف - رحمه الله - إلى الأحاديث التي نهي فيها عن المدح، من ذلك ما سيأتي برقم (٢٦٦٢، ٦٠٦١، ٦١٦٢)، ورواه مسلم (٣٠٠٠) من حديث أبي بكرة. ومنها ما سيأتي برقم (٢٦٦٣، ٦٠٦٠)، ورواه مسلم (٣٠٠١) من حديث أبي موسى. ومنها أيضًا: ما رواه مسلم (٣٠٠٢).



الأخريين من الرباعية وثالثة المغرب، والأصح أنه لا يستحب (١)، والأصح عند أصحابنا أنه لا يطول الأولى على الثانية (٢)، والمختار الموافق للسنة التطويل (٣).
وعندهم خلاف في استحباب تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية (٤).
وبه قال محمَّد بن الحسن (٥) والثوري (٦) وأحمد (٧).

-------------
(١) اختلف الفقهاء في حكم القراءة بعد الفاتحة في الأخريين من الرباعية والثالثة من المغرب على قولين:
القول الأول: أنها لا تسن، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعي في القديم، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنها تسن، وهو قول الشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد.
انظر: للحنفية: «المبسوط» ١/ ١٨، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٢، «البناية» ٢/ ٣١٦، وللمالكية: «المنتقى» ١/ ١٤٧، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٥، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٠٦، وللشافعية: «الحاوي» ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، «حلية العلماء» ٢/ ٩٤، «العزيز» ١/ ٥٠٧، «المجموع» ٣/ ٣٥١، وللحنابلة: «الإفصاح» ١/ ٢٨٨، «التحقيق» ٣/ ١١١، «المغني» ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، «الإنصاف» ٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٢) انظر: «البيان» ٢/ ٢٠٤، «العزيز» ١/ ٥٠٧، «المجموع» ٣/ ٣٥١.
(٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٣٥١، «تذكرة التنبيه» ٢/ ٤٧٠، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٩٧، «أسنى المطالب» ١/ ١٥٥.
(٤) قال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٥٢: فيه طريقان، نقل القاضي أبو الطيب الاتفاق على أنها لا تطول لعدم النصّ فيها، ولعدم المعنى المذكور في الأولى، ونقل الرافعي فيها الوجهين. انظر: «العزيز» ١/ ٥٠٧، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٣، «الاختيار» ١/ ٧٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٠.
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٣، «البناية» ٢/ ٣٦٣، «البيان» ٢/ ٢٠٤، «المجموع» ٣/ ٣٥١.
(٧) انظر: «التحقيق» ٣/ ١١٢، «المستوعب» ٢/ ١٤٥، «المغني» ٢/ ٢٧٧.



وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يطيل الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة (١).
واتفقوا (٢) على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكًا فإنه قال: لا بأس بذلك (٣)؛ مستدلًا بأنه - عليه السلام - قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية بالغاشية وهي ست وعشرون آية (٤).
وانفرد أبو حنيفة فلم يوجب في الأخريين قراءة بل خيره بينها وبين التسبيح والسكوت (٥)، وعزوه إلى ابن مسعود (٦) وعلي (٧)

----------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٦، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٠، «مجمع الأنهر» ١/ ١٠٥.
(٢) يعني: الحنفية، ولم أقف على ما ذكر هذا الاتفاق إلا عندهم. انظر: «حاشية شلبي» ١/ ١٣٠، «البناية» ٢/ ٣٦٢، «منية المصلي» ص ٢١٦، «البحر الرائق» ١/ ٥٩٧.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦، «التاج والإكليل» ٢/ ٢٤١.
(٤) روى مسلم في «صحيحه» (٨٧٨) عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾. وروى ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢٥٧ (٥١٢) عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾.
(٥) انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «بدائع الصنائع» ١/ ١١١ - ١١٢، «المبسوط» ١/ ١٩، «تبين الحقائق» ١/ ١٧٣.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٣، ٣٧٤٧)، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١١٤، والبيهقي في «المعرفة» ٣/ ٣٢٨ من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ أنه قال: يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين. قال ابن المنذر: حديث الحارث غير ثابت، وكان الشعبي يكذبه. اهـ. وقال البيهقي: لا يحتج به. اهـ. وقال النووي: ضعيف، الحارث الأعور متفق على ضعفه، وترك الاحتجاج به. اهـ. «المجموع» ٣/ ٢٨٦. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢) عن عليّ وعبد الله أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين.



وعائشة (١). وبه قال النخعي والأسود (٢) والثوري (٣)، وأحمد في رواية ضعيفة (٤).
والجمهور على قراءة الفاتحة فيهما وهو الموافق للسنة الصحيحة.
ومن عجيب استدلالهم: أن الأمر بالقراءة لا يقتضي التكرار وإنما وجب في الثانية لتشاكلها من كل وجه (٥).
وأبعد الأصم وابن علية والحسن بن صالح وابن عيينة فقالوا: لا تجب القراءة في الصلاة أصلًا (٦)؛ ولا يعبأ بذلك.
وحكي أيضًا عن مالك وهو شاذ (٧)، وحكى المازَري عن بعضهم عدم تعين أم القرآن (٨).
وقال مالك: من تركها في ركعة في غير الصبح سجد للسهو قبل السلام (٩).

--------------
(١) قال الحافظ في «الدارية» ١/ ٢٠١: لم أجده عن عائشة. اهـ. وقال العيني: غريب لم يثبت. اهـ. انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٠٥، «البناية» ٢/ ٦٣٠.
(٢) أثر النخعي فرواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٤، ٣٧٤٥). وأما الأسود فروى ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٧ (٣٧٤٦) قال: حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن الأسود.
(٣) انظر: «اختلاف الفقهاء» ص ١٠٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٦، «الاستذكار» ١/ ٤٥١، «البيان» ٢/ ١٩٢.
(٤) انظر: «الانتصار» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «المستوعب» ٢/ ١٧٥، «الفروع» ١/ ٤١٤ «المبدع» ١/ ٤٣٦.
(٥) انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «شرح فتح القدير» ١/ ٤٥١، «تبيين الحقائق» ١/ ١٧٣.
(٦) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١١٠، «شرح فتح القدير» ١/ ٤٥١، «البناية» ٢/ ٦٢٦، «الحاوي» ٢/ ١٠٣، «المجموع» ٣/ ٢٨٥.
(٧) انظر: «الاستذكار» ١/ ٤٥١ - ٤٥٢، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «الذخيرة» ٢/ ١٨١.
(٨) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٨١.
(٩) انظر: «التفريع» ١/ ٢٤٧، «الاستذكار» ١/ ٤٢٩ - ٤٤٩، «المنتقى» ١/ ١٥٦.



وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة من ركعة من الصبح أو أي صلاة كانت، تجزئه سجدتا السهو (١).
وقال ابن أبي زيد: روي عن المغيرة فيمن لم يقرأ في الظهر إلا في ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام (٢).
وأثر عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيهما فقيل له؛ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذًا (٣)؛ منقطع، والأصح عنه الإعادة (٤).

-------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣٥١.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٠٥.
(٣) رواه الشافعي في «الأم» ٧/ ١٢٠ في كتاب اختلاف مالك والشافعي، وعبد الرزاق ٢/ ١٢٢ (٢٧٤٩)، والبيهقي ٢/ ٣٨١ من طريق محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنَّ عمر ..
قال البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٨: وقد روينا عن غير أبي سلمة، قال الشافعي: أخبرنا رجل عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر صلى المغرب .. ثم ذكره. قال الشافعي: أبو سلمة يحدثه بالمدينة وعند آل عمر، لا ينكره أحد. اهـ.
وقال: حديث أبي سلمة مرسل، وكذلك حديث محمد بن عليّ مرسل.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر اللفظ، ومنقطع الإسناد؛ لأنه يرويه محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عمر؛ وكلاهما منقطع، لا حجة فيه عند أحد من أهل العلم بالنقل. اهـ. «التمهيد» ٢٠/ ١٩٣.
وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، بل باطل، قال ابن حبان: محمد بن مهاجر كان يضع الحديث. اهـ. «العلل المتناهية» ٢/ ٤٦١ (١٥٧٢). وقال النووي: ضعيف؛ لأن أبا سلمة ومحمد بن عليّ لم يدركا عمر. اهـ. «المجموع» ٣/ ٢٨٦.
(٤) من ذلك ما رواه البيهقي في «سننه» من طرق عن عمر:
الأولى: عن إبراهيم أن عمر صلى بالناس المغرب فلم يقرأ شيئًا، وفيه: فأعاد عمر وأعادوا. =



وأثر زيد: القراءة في الصلاة سنة (١)؛ مراده كما قال البيهقي (٢) أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف؛ لأنها سنة متبعة فلا يجوز مخالفتها، وإن كانت على مقاييس العربية (٣).
وللشافعي قول قديم أنه إذا ترك الفاتحة ناسيًا تصح صلاته (٤).
وقال الحسن البصري (٥)، وزفر (٦)، والمغيرة المالكي (٧): تجب في ركعة واحدة.
وقال به بعض الظاهرية (٨). والصحيح عند أحمد وجوبها في كل

---------------
= الثانية: عن إبراهيم أن أبا موسى قال: يا أمير المؤمنين أقرأت في نفسك؟ قال: لا، قال: فإنك لم تقرأ، فأعاد الصلاة.
الثالثة: عن الشعبي أن أبا موسى قال لعمر .. ثم ساقه. «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٢.
(١) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٨١، «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٣٢٧، «التهذيب» ٢/ ٩٦، «البيان» ٢/ ١٨١ «المجموع» ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٥، و«معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٩.
(٣) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١١٥. قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٢٤٢: إسناده صحيح.
(٤) رواه البيهقي ٢/ ٣٨٥ كتاب: الصلاة، باب: وجوب القراءة على ما نزل، بلفظ: «القراءة سنة».
(٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٥، «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٩.
(٦) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٧٣، «منية المصلي» ص ١٩٧، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٩٩.
(٧) انظر: «الاستذكار» ١/ ٤٥١، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٩.
(٨) صرح الماوردي في «الحاوي» ٢/ ١٠٩، والشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٧٨١ بأن هذا القول قول داود: أن الواجب عليه أن يقرأ في ركعة واحدة، ولا يجب عليه في غيرها، وصرح ابن عبد البر في «الاستذكار» ١/ ٤٤٩، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ١٠٣، والكلوذاني في «الانتصار» ٢/ ١٩٣، والنووي في «المجموع» ٣/ ٣١٨. أن قول داود هو قول الجمهور، لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وأنها متعينة في كل ركعة، ثم قال النووي: والقول بأن الواجب عليه أن يقرأ في ركعة واحدة هو قول بعض أصحاب داود. فالله أعلم بالصواب.



ركعة (١)، وبه قال مالك (٢) والأوزاعي (٣) والشافعي (٤).
وحديث أبي قتادة الآتي بعد: «وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب». دال لهم.
وادعى ابن بطال أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب القراءة في الركعتين الأوليين (٥)؛ وقد علمت ما فيه.
وعند أبي حنيفة: أنه لا تتعين الفاتحة لكن تستحب (٦).
وفي رواية عنه: تجب ولا تشترط، قال: ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه (٧).
وفي قدر الواجب روايات عنه: أصحها كما قال الرازي: ما تناوله الاسم (٨)، وقد سبق كل ذلك وبسط المسألة في كتب الخلاف.

--------------
(١) انظر: «المسائل الفقهية» ١/ ١١٧، «الانتصار» ٢/ ١٩٣، «المستوعب» ٢/ ١٤١ - ١٤٢، «المغني» ٢/ ١٥٦، «الفروع» ١/ ٤١٤، «المبدع» ١/ ٤٣٦.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٦٩، ٧٠، «الاستذكار» ١/ ٤٢٨، ٤٤٩، ٤٥٠، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٤، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٩، «التاج والإكليل» ٢/ ٢١٣.
(٣) انظر: «الأوسط» ٣/ ١١٤، «المجموع» ٣/ ٣١٨، «المغني» ٢/ ١٥٦.
(٤) انظر: «الأم» ١/ ٩٣، «اختلاف الفقهاء» ص ١٠٩، «حلية العلماء» ٢/ ٨٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٤٣، «أسنى المطالب» ١/ ١٤٩.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٢.
(٦) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «المبسوط» ١/ ١٩، «الاختيار» ١/ ٧٤.
(٧) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٠٥، «البناية» ٢/ ٢٤٥، «البحر الرائق» ١/ ٥١٥، «مجمع الأنهر» ١/ ٨٨.
(٨) في قدر الواجب عند أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها: آية تامة. الثانية: ما يتناوله اسم القراءة. الثالثة: ثلاث آيات قصار أو آية طويلة.
انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١١٢، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٨، وانظر قول الرازي في «المجموع» ٣/ ٢٨٤.



وفيه من الفوائد: إجابة دعوة المظلوم، وقد كان مجاب الدعوة.
روى الطبري عن سعد أن النبي - ﷺ - دخل عليه يعوده في مرضه بمكة فرقاه وقال: «اللهم أصح جسمه وقلبه واكشف سقمه وأجب دعوته» (١).
الحديث الثاني:
حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه - قال رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، أخرجه من حديث سفيان -وهو ابن عيينة- عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه.
وأخرجه مسلم أيضًا وأصحاب السنن الأربعة (٢)، ولمسلم زيادة: «فصاعدًا» وهي من أفراده (٣).
وعند الإسماعيلي «إذا كان وحده». وعنده أيضًا: «لاتجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».
وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني في «سننه» وقال: إسناده صحيح (٤).
وهي صريحة في وجوب قراءتها، ورافع لمن أضمر نفي الكمال.
ويجب على المأموم عندنا في السرية والجهرية على المشهور (٥) كما هو ظاهر عموم الحديث.

------------
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا في «المدونة» ٤/ ٢٨١.
(٢) مسلم (٣٩٤) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة .. وأبو داود (٨٢٢)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي ٢/ ١٣٧، وابن ماجه (٨٣٧).
(٣) مسلم (٣٩٤/ ٣٧).
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.
(٥) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٤١، «حلية العلماء» ٢/ ٨٨، «التهذيب» ٢/ ٩٨، «البيان» ٢/ ١٩٤، «العزيز» ٢/ ٤٩٢، «المجموع» ٣/ ٣٢١.
قلت: وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن عباس، ومعاذ، وأُبي بن كعب، وبه قال مكحول، والأوزاعي، وأبو ثور. انظر: «شرح السنة» ٣/ ٨٥.



وإليه أشار البخاري في الترجمة أيضًا، وخالف فيه الثوري (١)، والكوفيون (٢)، ولا يجب ما زاد على الفاتحة.
وروي عن عمر وعثمان بن أبي العاص وجوب ثلاث آيات (٣).
الحديث الثالث:
حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وفيه: فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبَّرْ، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ..» الحديث. خرجه عن محمد بن بشار، ثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه في مواضع أخر منها: إذا حلف ناسيًا؛ في الأيمان (٤).

---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٤، «الاستذكار» ١/ ٤٦٩، «الأوسط» ٣/ ١٠٣، «المجموع» ٣/ ٣٢٣.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٤، «المبسوط» ١/ ١٩٩، «بدائع الصنائع» ١/ ١١٠، «الهداية» ١/ ٥٩. «الاختيار» ١/ ٦٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣١.
قلت: وذهب المالكية إلى أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه، وهو قول الشافعي في القديم. وذهب الحنابلة إلى أنه يجب على المأموم القراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده.
انظر: للمالكية: «عيون المجالس» ١/ ٢٩٥، «الاستذكار» ١/ ٤٦٤، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٦، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٤٠.
وللشافعية: «حلية العلماء» ٢/ ٨٨، «البيان» ٢/ ١٩٤، «العزيز» ٢/ ٤٩٢، «المجموع» ٣/ ٣٢١.
وللحنابلة: «المستوعب» ٢/ ٣١٣، ٣١٤، «المغني» ٢/ ٢٥٩، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢٨، «المبدع» ٢/ ٥١.
(٣) أما أثر عمر فقد رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣١٧ (٣٦٢٤)، وأما أثر عثمان بن أبي العاص فقد رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٠١.
(٤) سيأتي برقم (٦٦٦٧).



وزعم الدارقطني في «علله» أن محمد بن بشار لم يقل في روايته: عن أبيه (١). وزعم في «التتبع» أن يحيى خالف أصحاب عبيد؛ كلهم قالوا: سعيد، عن أبي هريرة. وهو المحفوظ إلا هو (٢).
وقال البزار في «سننه»: لم يتابع يحيى في روايته هذا الحديث.
قال الترمذي: ومنهم من قال: سعيد، عن أبيه هنا أصح (٣).
وجاء في حديث يحيى بن خلاد عن أبيه نحو هذا الحديث، فادعى بعض المتأخرين (٤) أن خلادًا هو المسيء صلاته، والله أعلم.
والمراد بقوله: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» فاتحة الكتاب بدليل رواية ابن حبان في «صحيحه» في حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة بن رافع الزرقي: «ثم اقرأ بأم القرآن» إلى أن قال: «ثم اصنع ذلك في كل ركعة» (٥).
فإن قلت: وجه الدلالة على ما بوب به البخاري في هذا الحديث والذي قبله من القراءة ظاهر أن حديث عبادة قال عليه بعمومه، وحديث أبي هريرة في الفذ والمأموم بالقياس عليه فما وجهه من الحديث الأول؟
قلتُ: وجهه قوله: («أركد في الأوليين، وأخف في الأخريين»).

--------------
(١) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٦٠.
(٢) «الإلزامات والتتبع» ١/ ١٣١ - ١٣٢.
(٣) الترمذي ٢/ ١٠٤.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ادعى أنه خلاد ابن بشكوال في «مبهماته» (…) وهو الحديث الثالث والتسعون (…) المائة. وذكر له شاهدا وأظنه في (…) ابن أبي شيبة ولعله المراد في (…) ببعض المتأخرين، والله اعلم.
(٥) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٨٨ - ٨٩ (٧٨٧) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة.



بقي عليك وجه ما في الترجمة وهو الجهر والمخافتة، نعم ذكر ما يخافت فيه فقط كما أوضحناه، وأصل صلاة النهار على الإسرار إلا ما خَرَج بدليل كالجمعة والعيد، والليل على الجهر، فإن خالف فلا سجود عليه عند الشافعي (١)؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢)، وكذا لو جهر بحرف عند أبي يوسف (٣).
وعنه أنه إن زاد في المخافتة على ما تسمع أذنيه سجد (٤). والصحيح عندهم أنه إذا جهر بمقدار ما تجوز به الصلاة (٥).
وعند ابن القاسم: أنه إذا جهر فيما يسر فيه لا سجود عليه إذا كان يسيرًا (٦). وروي عن مالك: إذا جهر الفذ فيما يسر فيه جهرًا خفيفًا فلا بأس به (٧).
وروى أشهب عن مالك أن من أسر فيما يجهر فيه عامدًا صلاته تامة (٨). وقال أصبغ: فيه وفي عكسه يستغفر الله ولا إعادة عليه (٩).
وقال ابن القاسم: يعيد لأنه عابث (١٠).

-------------
(١) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٥٠، «المجموع» ٣/ ٣٥٧.
(٢) انظر: «المبسوط» ١/ ٢٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٦، «تبيين الحقائق» ١/ ١٩٤.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٦.
(٤) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٩٤، «العناية» ١/ ٥٠٥، «الجوهرة النيرة» ١/ ٧٧.
(٥) لم أقف على هذِه الرواية بهذا النص، لكن ورد عنه أنه قال: إن زاد في المخافتة على ما يسمع فقد أساء.
انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦١، «الجوهرة النيرة» ١/ ٥٦.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧.
(٧) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٣.
(٨) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦١.
(٩) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧.
(١٠) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦١، «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧.



وقال الليث: إذا أسر فيما يجهر فيه فعليه سجود السهو (١).
وقال الكوفيون فيما حكاه ابن بطال: إذ أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر وكان إمامًا سجد لسهوه، وإن كان وحده فلا شيء عليه، وإن فعله عامدًا فقد أساء وصلاته تامة. وقال ابن أبي ليلى: يعيد بهم الصلاة إذا كان إمامًا (٢). اهـ.
قال ابن بطال: ومن لم يوجب السجود في ذلك أشبه بدليل حديث قتادة الآتي في الباب بعده: وكان يسمعنا الآية أحيانًا. وهو دال على القصد إليه والمداومة عليه، فإنه لما كان الجهر والإسرار من سنن الصلاة، وكان - عليه السلام - قد جهر في بعض صلاة السر ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها؛ لأنه لو اختلف الحكم في ذلك لبينه، ولا وجه لتفريق الكوفيين السالف إذ لا حجة لهم فيه من كتاب ولا سنة ولا نظر (٣).

-----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٨٣.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٨.



٩٦ - باب القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ. [انظر: ٧٥٥ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٣٧]

٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ. [٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩ - مسلم: ٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٤٣]

٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْنَا خَبَّابًا: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [انظر: ٧٤٦ - فتح: ٢/ ٢٤٤]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث جابر بن سمرة في الباب قبله. وقال: (وأحذِف في الأُخريين).
والمعنى: أقصر كما سلف، وأصل الحذف من الشيء النقص منه.
ثانيها:
حديث أبي قتادة: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانًا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة


الصبح ويقصر في الثانية.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وذكره البخاري مرات قريبًا (٢). وفي أبي داود: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى (٣).
وهذا حكمة تطويل الأولى على الثانية.
ثانيها: الأوليان تثنية أولى، وكذلك الأخريان (تثنية) (٤) أخرى ومرجوح في اللغة: الأولة والأولتان.
ثالثها: الحكمة في قراءة السورة في الأوليين من الظهر والعصر. وفي الصحيح أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس بالبيع والشراء وتعب الأعمال، والصبح في وقت غفلة بالنوم آخر الليل فطولتا بالقراءة ليدركها المتأخر؛ لاشتغاله مما ذكرنا وإن كانت قراءتهما في العصر أقصر من الصبح والظهر.
رابعها: إسماعه - عليه السلام - الآية أحيانًا يحتمل أنه كان مقصودًا وأن يكون للاستغراق في التدبر؛ وهو الأظهر، لكن الإسماع يقتضي القصد له، وفيه دلالة على عدم السجود لذلك.
خامسها: فيه: أنّ (كان) فيه يقتضي الدوام في الفعل.
سادسها: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد سلف ما فيه

--------------
(١) مسلم (٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر.
(٢) يأتي برقم (٧٧٠) باب: يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين، و(٧٩٣) كتاب: الأذان، باب: أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة.
(٣) «سنن أبي داود» (٨٠٠) باب: ما جاء في القراءة في الظهر.
(٤) وردت بالأصل: تأنيث والمثبت هو الصواب.



سابعها: فيه: أن السورة لا تشرع في الأخريين من الظهر والعصر، وكذا العشاء وثالثة المغرب، وهو أشهر قولي الشافعي، إلا أن يكون المصلي مسبوقًا كما نص عليه؛ لئلا تخلو صلاته عن سورة.
تاسعها: فيه: أن قراءة سورة كاملة أفضل من قدرها من طويلة؛ لأنه قد يخفي الارتباط، ولو اقتصر على بعض سورة ففي الكراهة قولان للمالكية (١).
ومن منع (٢) استدل بأن الشارع قرأ ببعض سورة في صلاة الصبح.
وأجيب بأنه كان لسعلةٍ إذ في النسائي: قرأ رسول الله - ﷺ - من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون ثم أخذته سعلة فركع (٣).
وقيل: تجوز الزيادة عليها؛ لقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة سورتين في ركعة، وسيأتي قريبًا (٤).
وأجيب بأنه محمول على النوافل.
ومشهور مذهب مالك أنه لا يقسم سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه (٥).
وقال مالك في «المجموعة»: لا بأس به وما هو الشأن (٦).

--------------
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٤٨، «الذخيرة» ٢/ ٢٠٩.
(٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٢٧، «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦.
(٣) «سنن النسائي» ٢/ ١٧٦، والحديث رواه مسلم (٤٥٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح.
(٤) سيأتي برقم (٧٧٥) باب: الجمع بين السورتين في الركعة.
(٥) أي منع الكراهة، وإلا فالمعنى خطأ؛ لأن ما بعده دليل الجواز لا المنع.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦.



والصحيح عند الحنفية أن تفريقها في ركعتين لا يكره قالوا: ولا ينبغي أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة ومن آخرها، ولو فعل لا بأس به لما سلف (١).
وقال في «المغني»: لا يكره قراءة آخر السورة وأوساطها في إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية مكروه (٢).
العاشر: فيه: تطويل الأولى على الثانية، وقد سلف في الباب قبله ما فيه، وفيه غير ذلك مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (٣).
قال ابن بطال (٤): وإنما ساق البخاري هذِه الأحاديث؛ لأنه قد روي عن النبي - ﷺ - وابن عباس ما يعارضها ثم ذكر ذلك وأجاب عنه فقال: روى (أبو ذر) (٥)، عن شعبة مولى ابن عباس، عنه أنه سأله رجل: في الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا (٦).

--------------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٦، «الاختيار» ١/ ٧٨، «منية المصلي» ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) المغني«٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣)»الإعلام بشرح عمدة الأحكام«٣/ ١٩٦ - ١٩٨.
(٤)»شرح ابن بطال«٢/ ٣٧٣ - ٣٧٦. وسيطيل المصنف -رحمه الله- النقل عنه، وذلك إلى نهاية الباب تقريبًا.
(٥) كذا بالأصل وفي»شرح ابن بطال«٢/ ٣٧٣، وعلق محققه أنه أيضًا هكذا في أصل الشرح. وهو خطأ صوابه: ابن أبي ذئب؛ ففي ترجمة شعبة هو ابن دينار القرشي مولى ابن عباس من»التهذيب«١٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨ (٢٧٤١) أنه يروي عنه ابن أبي ذئب.
والحديث ذكره الحافظ ابن رجب في»فتحه" ٧/ ٧ فقال: وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس … وساقه، وهذا يدل لما قلنا.
(٦) لم أهتد إليه من هذا الطريق، وإنما روى أبو داود (٨٠٨)، والترمذي (١٧٠٧) مختصرًا، والنسائي ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وأحمد ١/ ٢٤٩ من طريق أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: كنت عند ابن عباس فسأله رجل .. =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.17%)]