شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. التَّاسِع عشر من شُعب الإيمان: تَعْظِيم الْقرَآن الْمجِيد بتعلّمه وتعليمه وَحفظ حُدُوده
- نصوص الكتاب والسُنَّة تؤكد تعظيم القرآن الكريم وتعلّمه وتعليمه والقيام بأوامره والانتهاء عن حرماته وتعظيم حَمَلَتِه وحُفاظِه
- من تعظيم القرآن الكريم التحاكم إليه فلا يُتحاكم إلى غيره أو إلى ما يتعارض معه قليلًا كان أو كثيرًا
- حصولُ بركة القرآن الكريم تكون بالعمل بأحكامه وبالتمتع بالطيبات التي أحلها الله تعالى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلوّ في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- التَّاسِع عشر من شُعب الإيمان: تَعْظِيم الْقرَآن الْمجِيد بتعلّمه وتعليمه وَحفظ حُدُوده، وأحكامه وَعلم حَلَاله وَحَرَامه وتبجيل أهله وحفّاظه، واستشعار ما يهيج إلى الْبكاء من مواعيد الله ﻷ ووعيده، قَالَ الله -تعالى-: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21)، وَقَالَ -تعالى-: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة)، وَقَالَ -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، وَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فيما رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه : «أفضلكم -أَو خَيركُمْ- من تعلم الْقُرْآن وَعلمه»، وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه : «تَعَاهَدُوا الْقرآن فوَالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو أشد تفلتًا من الإبل فِي عقلهَا»، وَقَالَ فِيمَا روياه عَن عبدالله بن عمر رضي الله عنه : «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب، فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالًا فَهُوَ يتَصَدَّق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار»، وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عمرَ رضي الله عنه : «إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين».
الشرح
المعنى الإجمالي: هذه النصوص من الكتاب والسُنَّة توضح لنا إحدى شُعب الإيمان، وهي تعظيم القرآن الكريم، من خلال أخذه بعزيمة، وتعلّمه وتعليمه، والقيام بأوامره، والانتهاء عن حرماته، وتعظيم حَمَلَتِه وحُفاظِه، وهذه الشعبة من شعب الإيمان يكون بفقدها زوال الإيمان، وبضعفها ضعف الإيمان، كما أنها تظهر على جوارح من يأخذ بها.
- قوله: قَالَ الله -تعالى-: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21)، قال ابن كثير: «يقُولُ -تعالى- مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ وَمُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ، لما فيه من الوعد الحق وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي فإذا كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ يَلِيقُ بكم أيها البشر أن لا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ، وَلِهَذَا قَالَ -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ -تعالى-: {َوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا}. إِلَى آخِرِهَا يَقُولُ لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمَّلْتُهُ إِيَّاهُ لَتَصَدَّعَ وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ وَمِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَأَمَرَ اللهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أَنْ يَأْخُذُوهُ بالخشية الشديدة والتخشع، ثُمَّ قَالَ -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}».
القرآن هو تنزيل رب العالمين
- قوله: وَقَالَ -تعالى-: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة)، قال الشيخ السعدي: «أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربّى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورًا.
ومما يجب عليهم: أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ} أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون، أي: تختفون وتدلسون خوفًا من الخلق وعارهم وألسنتهم؟ هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه، وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يُغالِبُ به مُغالِبٌ إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن».
فضل القرآن الكريم
- قوله: وَقَالَ -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، قال الشيخ السعدي: «يقول تعالى مبينًا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا} من الكتب الإلهية {سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} جنانًا وأنهارًا {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} لكان هذا القرآن. {بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟».
- قوله: وَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فيما رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - رضي الله عنه -: «أفضلكم أَو خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه»، قال ابن بطال: «حديثُ عثمانَ يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل ذلك على ما قلناه؛ لأنه إنما وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه تاليًا»، قال المناوي في فيض القدير: «أيْ خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه، وتعليمه في القرآن، إذ خير الكلام كلام الله؛ فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به».
وقال القاري في المرقاة كما نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي: «ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن مورِثًا للعمل ليس علمًا في الشريعة, إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل انتهى»، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي؛ ولهذا كان أفضل».
تَعَاهَدُوا الْقرَان
- قوله: فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه -: «تَعَاهَدُوا الْقرَان فوَالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو أشد تفلتًا من الإبل فِي عقلهَا»، قال ابن بطال: «إنما شبّه - صلى الله عليه وسلم - صاحب القرآن بصاحب الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها، وأنه يتفصى من صدور الرجال؛ لقوله -تعالى-: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} (المزمل: 5)، فوصفه -تعالى- بالثقل، ولولا ما أعان على حفظه ما حفظوه، فقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 17)، وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} (القمر: 17)، فبتيسير الله وعونه لهم عليه بقي في صدورهم».
قال المناوي في فيض القدير: «(تعاهدوا القرآن) أيْ داوموا على تكراره ودرسه لئلا تنسوه. قال القاضي: تعاهد الشيء وتعهده محافظته وتجديد العهد به، والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه (فوالذي نفسي بيده) أي بقدرته وتصرفه (لهو أشد تفصيًا)... أي أسرع تفصيًا وتخلصًا وذهابًا وانقلابًا وخروجًا (من قلوب الرجال) يعني حفظته (من الإبل من عقلها) جمع عقال أي لهو أشد ذهابًا من الإبل، إذا تخلصت من العقال فإنها تفلت حتى لا تكاد تلحق؛ شبه القرآن وكونه محفوظًا على ظهر قلب بالإبل الآبدة النافرة وقد عقل عقلها وشد بذراعيها بالحبل المتين, وذلك أن القرآن ليس من كلام البشر؛ بل كلام خالق القوى والقدر، وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة؛ لأنه حادث وهو قديم، والله سبحانه بلطفه العميم منّ عليهم ومنحهم هذه النعم العظيمة، فينبغي تعاهده بالحفظ والمواظبة ما أمكن».
لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ
- قوله: وَقَالَ فِيمَا رواه البخاري ومسلم عَن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجلٌ آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب، فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَهُوَ يتَصَدَّق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار»، قال ابن بطال: «من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يرفث فيمن يرفث، ولا يجهل فيمن يجهل وفي جوفه كلام الله. وقال سفيان بن عيينة: من أعطي القرآن فمدّ عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع قوله جل وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: 87) الآية. قال: يعني القرآن، وقوله سبحانه وتعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا} (السجدة:16) الآية. قال: هو القرآن. قال أبو عبيد: ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنفق عبدٌ من نفقة أفضل من نفقة في قول»، ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له: أمسك عليك نفقتك. وفي حديث ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما-: أن حامل القرآن ينبغي له القيام به آناء الليل والنهار، ومن فعل ذلك فهو الذي يحسد على فعله فيه، وكذلك من آتاه الله مالًا وتصدق به آناء الليل والنهار، فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشحّ عليه فلا ينبغي حسده عليه؛ لما يجتني من سوء عاقبته وحسابه عليه».
وقال النووي: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحَسَدُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَعَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا غِبْطَةَ مَحْبُوبَةٌ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا».
إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين
- قوله: وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عمرَ - رضي الله عنه -: «إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين»، قال القاري: «أَيْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْبَالِغُ فِي الشَّرَفِ، وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَقْوَامًا)، أَيْ دَرَجَةَ جَمَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِأَنْ يُحْيِيَهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا، وَيَجْعَلَهُمْ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعُقْبَى (وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)، أَيْ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَامِلِينَ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، قَالَ -تعالى-: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} (البقرة: 26)، وَذَكَرَ الْبَغْوَيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي الْمَعَالِمِ: «أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، أَيْ أَهْل مَكَّةَ؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبْزَى، فَقَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قَارِئُ الْقُرْآنَ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا انَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ اللهَ -تعالى- يَرْفَعُ بِهَذَا الْقُرْآنِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ».
من فوائد تعظيم القرآن
- حصولُ بركة القرآن الكريم، بالعمل بأحكامه، وبالتمتع بالطيبات التي أحلها الله -تعالى-.
- إنزال الناس منازلهم، بإكرام حملة القرآن، وتقديمهم في المجالس.
- استحضار أن المتكلم به هو جبّار السماوات والأرض؛ فمن استخف بكلامه، فكأنما استخف به -سبحانه-، وهو بذلك يكفر.
- اعتقاد كماله وتمامه، وأنه لا نقص فيه، ولا اختلاف ولا اضطراب.
- من تعظيمه التحاكم إليه، فلا يتحاكم إلى غيره أو إلى ما يتعارض معه، قليلًا كان أو كثيرًا.
أثر تعظيم القرآن على خلق المسلم
- ظهورُ الخشوع عند تلاوة آيات الوعيد، والفرح والبشارة عند آيات الوعد.
- الوقوف عند الحرمات، وترك الشبهات والمكروهات، وفعل المستحبات.
- الحرص على تعليم القرآن وتعلمه، والإكثار من ذلك لحصول الخيرية.
- تعاهد القرآن وعدم هجره؛ ولا سيما للحافظ.
- استشعار العزة في نفس المؤمن؛ لحمله كلام الله -تعالى-.
معاني المفردات
- الخشوع: الخضوع لله والضراعة له سبحانه.
- التصدع: التشقق.
- مكنون: المكنونُ المستور البعيد عن الأعين.
- المطهّرون: الملائكة الذين طهرهم الله من الذنوب والمعاصي.
- تعاهُد القرآن: المداومة على مراجعته والمحافظة على تلاوته.
- يرفع: علوّ المنزلة وحسن الصيت في الدنيا والآخرة.
- يضع: سفول المنزلة وسوء السمعة والصيت في الدنيا والآخرة.
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران