عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 29-01-2026, 12:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,910
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة هدايات القرآن

سلسلة هدايات القرآن

حماده إسماعيل فوده


هدايات سورة الفاتحة




9-مالك يوم الدين هو الرحمن الرحيم


بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فنقفُ اليومَ مع قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، هو سبحانَه وحدَه مالكُ يومِ القيامةِ، وهو يومُ الجزاءِ على الأعمال، وفي قراءة المسلم هذه الآيةَ في كلِّ ركعةٍ من صلواته، تذكيرٌ له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعملِ الصالح، والكفِّ عن المعاصي والسيئات.

أيها الكرامُ، لَمَّا وصفَ تعالى نفسَه بالرحمةِ في الآية التي قبلها، وكان هذا قد يؤدي بالعبدِ إلى غلبة الرجاءِ عليه - نبَّه بصفة الْملك ليوم الدين؛ ليكونَ العبدُ من عمله على وجلٍ، وليعلمَ أن لعملِه يومًا تظهرُ له فيه ثمرتُه من خيرٍ وشرٍّ.

﴿ مَالكِ يومِ الدينِ ﴾: في قولِه تعالى: ﴿ مالكِ ﴾ قراءتانِ: القراءةُ الأولى: مالكِ بالألف مدًّا، وهو: المتصرفُ بالفعلِ في الأشياءِ المملوكةِ له.

القراءةُ الثانيةُ: ﴿ مَلِكِ ﴾ بغيرِ ألفٍ قصرًا، وهو المتصرفُ بالقولِ أمرًا ونهيًا فيمَن هم مَلِكٌ عليهم.
﴿ مَالكِ يومِ الدِّينِ ﴾: أي: إن اللهَ عزَّ وجلَّ هو المتصرفُ في جميعِ خلقه بالقول والفعل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 17 - 19]، وكما قال سبحانه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40]، وقال أيضًا: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16].

﴿ يَومِ الدِّينِ ﴾؛ أي: يوم الجزاءِ والحسابِ.

ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ:
الوقفةُ الأولى: من أجمل التأملات في سورة الفاتحة أيها الكرامُ أن نُدركَ أن (مالك يوم الدينِ)، هو الرحمن الرحيم، ففي قولِه تعالى: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]، ذكر صفتين للرحمة، بينما ذكر صفةً واحدةً للتهديد في قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾؛ ففيها دلالةٌ على أن رحمتَه سبحانه أوسعُ وأقربُ، وفي ذلكَ ما يَبعَثُ الطُّمأنينةَ في قلوبِ المؤمنين، ويبعثُ في نفوسِهم دواعيَ المحبة والرجاء، وقد ثبتَ في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ لله مائةَ رحمةٍ أنزَل منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنس والبهائم والهوامِّ، فبها يتعاطفون، وبها يتراحَمون، وبها تَعطِف الوحشُ على ولدِها، وأخَّرَ الله تسعًا وتسعين رحمةً يرحَم بها عبادَه يومَ القيامةِ".

الوقفةُ الثانيةُ: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾: تفيد كمالَ مُلكِ الله للدنيا والآخرةِ، ففي قولِه تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] إشارةٌ إلى مُلكِه سبحانه للدنيا، وفي قولِه تعالى: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾ إشارةٌ لملكِه سبحانه للآخرةِ؛ كما قال تعالى في سورةِ النجمِ: ﴿ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ﴾ [النجم: 25].

الوقفةُ الثالثةُ: الله سبحانه وتعالى يستحق الحمدَ؛ لأنه ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾، يضعُ فيه الموازينَ بالقسطِ، وينصرُ المظلومَ، ويعذبُ الظالمَ، وهذا من تمامِ عدله وسلطانه، وفي قولِه تعالى: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾ دلالةٌ على عِظَمِ نِعمة يوم الدين على العالمين في تحقيق العدالةِ، ولهذا يَحمَدُه العالمونَ في ذلك اليوم؛ قال تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75].

الوقفةُ الرابعةُ: ﴿ مالكِ يومِ الدينِ ﴾: تُطمئِنُكَ وتُطمئِنُ قلبَك بأن الجزاءَ في هذه الدنيا ليس هو الجزاءَ الأخيرَ، وتَجعلُكَ تُوقنُ أن هناكَ حياةً أخرى تنتظرُك تستحقُّ أن تجاهدَ لها، وستُوفَّى فيها أجرَك غيرَ منقوصٍ من مالكِ يومِ الدينِ.

الوقفةُ الخامسةُ: ﴿ مالكِ يوم الدينِ ﴾ تُطمئنُك بأن الحقوقَ محفوظةٌ، فذلك يومُ الفصلِ والقضاءِ، وأن الله يُمهل ولا يُهمل، وسوف يُجازي العبادَ كلَّهم يومَ الدينِ؛ مَن أحسنَ منهم، ومَن أساءَ، فإن كان لك حقٌّ فستأخذُه، وإن كان عليك فسيُقتَصُّ منك.

﴿ مالكِ يومِ الدِّينِ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهداياتِ غيرِ التي وقفنا معها، وهذا ما سنَعرِفه إن قدَّرَ الله لنا البقاءَ واللقاءَ في المقالِ القادمِ إن شاء الله تعالى، وإلى أن أَلقاكم فيه، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهداياتِ القرآنِ الكريمِ، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ.

تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات.

وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها:
1) موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون.

2) سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع.

3) القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.

4) هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر.

5) رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق.

6) الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.

7) التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.23%)]