عرض مشاركة واحدة
  #170  
قديم 29-01-2026, 05:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 441 الى صـــ 460
الحلقة (170)




قال ابن حزم: حديث لا يصح (١)، وقال في «الإحكام»: خبر ساقط (٢). لا جرم اكتفي عنه البخاري بحديث مالك ونبه في الترجمة عليه (٣).
---------------
= حزم في «الإحكام» ٤/ ٤٢١ بإسناد آخر عن أبي أمامة، باللفظ الأول. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٤٥: رواه أحمد والطبراني، وله طرق كلها ضعيفة. وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢.
(١) «الإحكام» ٤/ ٤٢١.
(٢) «الإحكام» ٤/ ٤٢٢.
(٣) انظر: «هدي الساري» ص ١٤.



٣٦ - باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفَضْلِ المَسَاجِدِ
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلَاةُ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٤٢]

٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٢/ ١٤٣]

٦٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا». قَالَ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه ثلائة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ» … الحديث.


هذا الحديث سلف في باب: الحدث في المسجد. بعضه (١)، وزاد هنا: «ولا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»، والحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، يريد المصلين والمنتظرين الصلاة، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البر كلها.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ثنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ -عز وجل-، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ -عز وجل-. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمً شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
يحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص العمري، وخبيب بضم الخاء المعجمة، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أوائل الزكاة، عن يحيى بن خبيب، عن مالك، عن خبيب (٢)

---------------
(١) سلف برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين. وإسناده: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص.



والمحاربين، عن محمد بن سلام، أنا عبد الله بن المبارك، عن عبيد الله بن عمر عن خبيب به (١) وأخرجه في الرقاق أيضًا (٢).
وأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي من حديث معن عن مالك به، إلا أنه قال: عن أبي هريرة أو أبي سعيد، ثم قال: كذا روى غير واحد عن مالك وشك فيه، وعبيد الله لم يشك وقال: نحو حديث مالك بمعناه إلا أنه قال: بالمساجد (٣).
وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن مالك قال فيه: أو أبي سعيد إلا أبا قرة ومصعبًا، فإنهما قالا عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك، ورواه الوقار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك، عن أبي سعيد وجده، ولم يتابع (٤).
قلت: وفي «غرائب مالك» للدارقطني: رواية أبي معاذ عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، أو عنهما جميعًا أنهما قالا: فذكره.
ومعنى «يظلهم»: يسترهم في ستره ورحمته، تقول العرب: أنا في ظل فلان. أي: في ستره وكنفه، وتسمي العرب الليل: ظلًا؛ لبرده وروحه، وإضافة الظل إلى الرب تعالى إضافة ملك، وكل ظل نهو لله تعالى، وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا: ظل العرش، كما جاء في حديث آخر مبينًا (٥).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٦٨٠٦) كتاب: الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٩) باب: البكاء من خشية الله.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، «سنن الترمذي» (٢٣٩١) كتاب الزهد، باب: ما جاء في الحب في الله.
(٤) «التمهيد» ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٥) رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ٦٣ (٩١٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٢٧ (٧٩٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من حديث أبي هريرة.



والمراد: يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس، واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش.
قال القاضي: وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها، والكون فيها، قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وقال ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكف عن المكاره في ذلك الوقت، وليس المراد: ظل الشمس. قال القاضي: وما قاله معلوم في اللسان يقال: فلان في ظل فلان أي: في كنفه وحمايته قال: وهذا أولى الأقوال، وتكون إضافته إلى العرش؛ لأنه مكان التقريب والكرامة، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله (١).
وكذا قال ابن أبي جمرة -رحمه الله-: معنى يظلهم بظله: أنه ﷻ يعافيهم من هول ذلك اليوم العظيم وحره بظله المديد ورحمته الواسعة، والكيفية لا مجال للعقل في ذلك؛ لأن الآخرة نصدق بهما ولا نتعرض إلى كيفيتها (٢).
الثاني:
بدأ بالإمام العادل؛ لكثرة مصالحه وعموم نفعه، والمراد به كما قال القاضي: كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام (٣)، وكل من حكم بين اثنين فما فوقهما؛ لقوله - عليه السلام -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٤).

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٢) «بهجة النفوس» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٤) سيأتي برقم (٨٩٣) كتاب: الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن.



وروى عبد الله بن عمر مرفوعًا: «المقسطون يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن -عز وجل- الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا» (١). وروي: «الإمام العدل» (٢) وهو صحيح أيضًا. قال ابن عبد البر: أكثر رواة «الموطأ»: عادل. وقد رواه بعضهم: عدل، وهو المختار عند أهل اللغة يقال: رجل عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل، يقال: عدل فهو عادل، كما يقال: ضرب فهو ضارب (٣).
وقال ابن الأثير: العدل: هو الذي لا يميل به الهوى، فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سُمي به فوضع موضعه، وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا (٤).
قال ابن عباس: ما أخفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الربا في قوم إلا سلط الله عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر (٥)، والإمام العادل يصلح الله به هذا كله وتدفع به العقوبة، ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء من إمام عادل.

----------------
(١) رواه مسلم برقم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل. والنسائي ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢ كتاب: آداب القضاة. والآجري في «الشريعة» (٧٤٧) باب: الإيمان بأن لله -عز وجل- يدين وكلتا يديه يمين. والبيهقى في «الأسماء والصفات» ٢/ ١٤٠ (٧٠٧) باب: ما ذكر في اليمين والكف.
(٢) رواه البيهقي ٤/ ١٩٠ (٧٨٣٦) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح.
(٣) «التمهيد» ٢/ ٢٧٩.
(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ١٩٠.
(٥) في الأصل: إمام جائز.



الثالث:
قوله: وشاب نشأ في عبادة ربه -عز وجل-، وفي بعض نسخ مسلم: بعبادة ربه، والمعنى: نشأ متلبسًا للعبادة أو مصاحبًا لها أو ملتصقًا بها.
ونشأ: نبت وابتدأ أي: لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة» (١).
وإنما كان ذلك، لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة، فالشباب شعبة الجنون، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجاثية: ٢١] وفيه فضل من سلم من الذنوب وشغل بطاعة ربه طول عمره، وقد يحتج به من قال إن الملك أفضل من البشر؛ لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
وقيل لابن عباس: رجل كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة، قال: لا أعدل بالسلامة شيئًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢) [النجم: ٣٢].
الرابع:
قوله: «ورجل قلبه معلق في المساجد»، وفي مسلم: بالمساجد (٣)،

------------------
(١) رواه أحمد ٤/ ١٥١. وابن أبي عاصم في «السنة» ١/ ٢٥٠ (٥٧١). وأبو يعلى ٣/ ٢٨١ (١٧٤٩). والطبراني ١٧/ ٣٠٩. والشهاب في «مسنده» ١/ ٣٣٦ (٥٧٦).
وذكره الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٦٩. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن. وذكره الألباني في «الصحيحة» برقم (٢٨٤٣) مصححًا.
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ٢٢ (٦٦)، وهناد في «الزهد» ٢/ ٤٥٤ (٩٠٢)، وابن أبي شيبة ٧/ ١٤٩ (٣٤٧٧٦)، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٤٦٧ (٧٣٠٩).
(٣) برقم (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة.



وكلاهما صحيح أي: شديد المحبة لها وملازمة الجماعة فيها، ومعناه: دوام القعود فيها للصلاة والذكر والقراءة، وهذا إنما يكون من استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغفه بها، وحصل له هذِه المرتبة؛ لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر فكيف بأكرم الكرماء؟!
الخامس:
قوله: «ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي: اجتمعا على حب الله وتفرقا على حبه، وكان سبب اجتماعهما حب الله واستمرارهما على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه في الله حال اجتماعهما وافتراقهما.
وفيه: الحث على مثل ذلك وبيان عظيم فضله، وهو من المهمات، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعده مالك من الفرائض، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا «أن ذلك من أوثق عرى الإيمان» (١)، وروى ثابت عن أنس رفعه: ما تحابا رجلان

---------------
(١) حديث البراء رواه أحمد ٤/ ٢٨٦، والطيالسي في «مسنده» ٢/ ١١٠ (٧٨٣)، والروياني في «مسنده» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ (٣٩٩). وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٨٩ ثم قال: رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٠٣٠).
أما حديث ابن مسعود فرواه الطيالسي ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ (٣٧٦)، والطبراني ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١ (١٠٥٣١)، وفي «الأوسط» ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧ (٤٤٧٩)، وفي «الصغير» ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤ (٦٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٨٠، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي معقبًا: ليس بصحيح؛ فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري، والبيهقي ١٠/ ٢٣٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٩٠ (٣٠٩)، فيه عُقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث.



في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه (١).
وروى أبو رزين قال لي النبي - ﷺ -: «يا أبا رزين، إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار أخاه في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله» (٢).
ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمّن الملك على دعائه، رواه أبو الدرداء مرفوعًا (٣).

--------------------
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» ص ١٨٧ (٥٤٤)، باب: إذا أحب الرجل أخاه فليعلمه، وأبو داود الطيالسي ٣/ ٥٣٤ (٢١٦٦). والبزار كما في «كشف الأستار» ٤/ ٢٣١ (٣٦٠٠)، وصححه ابن حبان ٢/ ٣٢٥ (٥٦٦) والطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٩٢ (٢٨٩٩) ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عبد الله بن الزبير.
وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٥ وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ١٤٣ (٣٤١٩) والحاكم ٤/ ١٧١، والبيهقي في «الآداب» ص ٧١ (٢١٣)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٩٧. والخطيب في «تاريخه» ١١/ ١٣٤، والبغوي في «شرح السنة» ١٣/ ٥٢ (٣٤٦٦). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٧٦: رواه الطبراني في «الأوسط». وأبو يعلى والبزار بنحوه ورجال أبي يعلى والبزار رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة وقد وثقه غير واحد على ضعف فيه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٥٠).
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٧٦ - ١٧٧ (٨٣٢٠) من طريق عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبد الله بن ثلاثة، عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن مالك ابن يخامر، عن لقيط بن عامر أبي رزين العقيلي قال: … فذكره مرفوعًا.
قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٧٣: فيه عمرو بن الحصين، وهو متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٣٨٦): ضعيف جدًّا.
ورواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣ (٩٠٢٤) من طريق عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي رزين … بنحوه. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٦٦٤): ضعيف.
(٣) رواه عنه مسلم برقم (٢٧٣٣)، وأبو داود (١٥٣٤)، وابن ماجه (٢٨٩٥)، وأحمد ٥/ ١٩٥، وابن حبان ٣/ ٢٦٨ (٩٨٩).



السادس: قوله: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله». فهو رجل عصمه الله ومنَّ عليه بفضله حتى خافه بالغيب فترك ما يهوى كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فتفضل الله على عباده بالتوفيق والعصمة، وأثابهم على ذلك.
روى أبو معمر، عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار: إن في الجنة لدار درة فوق درة ولؤلؤة فوق لؤلؤة فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم في نفسه، قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيعرض له فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه (١).
وقوله: «إني أخاف الله»: يحتمل كما قال القاضي: أن يقول ذلك بلسانه، ويحتمل أن يقوله بقلبه؛ ليزجر نفسه، وخص المنصب والجمال؛ لكثرة الرغبة فيهما وعسر حصولهما لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك قد أغنت عن مشاق التوصل، فالصبر عليها لخوف الله تعالى من أكمل المروءات وأعظم الطاعات، وذات المنصب هي ذات الحسب والنسب الشريف.
ومعنى «دعته»: أي: إلى الزنا بها، ويحتمل كما قال القاضي: أنها دعته إلى نكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها، أو أن الخوف من الله شغله عن لذات الدنيا وشهواتها، والصواب الأول (٢).

--------------------
(١) رواه هناد في «الزهد» ١/ ١٠٤ (١٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٨٠.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣.



السابع:
قوله: «ورجل تصدق بصدفة أخفي حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». كذا هو في البخاري و«الموطأ» (١)، وهو وجه الكلام؛ لأن المعروف في اللغة: فعلها باليمين، وجاء في مسلم في جميع نسخه ورواياته على العكس: «لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» (٢).
قال القاضي: ويشبه أن يكون الوهم في ذلك ممن أخذ عن مسلم لا من مسلم (٣).
قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الواجبة فإعلانها أفضل؛ ليُقتدى به

------------------
(١) «الموطأ» ٢/ ١٣١ - ١٣٢ (٢٠٠٥).
(٢) مسلم (١٠٣١).
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣. وهذا نوع من أنواع علوم الحديث يسمى: المقلوب وهو أن يقع تقديم وتأخير في سند الحديث أو متنه، فهو نوعان؛ مقلوب السند: ومقلوب المتن.
أما مقلوب السند فله صورتان، الأولى: أن يكون هناك مثلًا حديث مشهور عن سالم فيجعله راوٍ عن نافع ليرغب فيه، وهذا الذي يطلق على من يفعله أنه يسرق الحديث أو يوصله، وممن كان يفعل ذلك حماد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي.
الصورة الثانية: أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم راوٍ واسم أبيه، كحديث يرويه سعد بن معاذ فيقلبه بعضهم إلى معاذ بن سعد.
وأما مقلوب المتن فمن صوره حديث مسلم هذا وهو أن يقوم بعض الراوة بتقديم وتأخير في متن الحديث.
انظر: «علوم الحديث» ص ١٠١ - ١٠٢، «المقنع» ١/ ٢٤١ - ٢٤٣، «نزهة النظر» ص ٦٧ - ٦٨ ط. دار عمار، «تدريب الراوي» ١/ ٣٦٨ - ٣٧٣، وانظر: «الفتح» ٢/ ١٤٦.



في ذلك وتظهر دعائم للإسلام، وهكذا حكم الصوم وإعلان فرائضها أفضل وإسرار نوافلها أفضل. واختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما حكاه ابن التين.
وفي قوله: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»: مبالغة في إخفائها، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقيل: ذلك في الفريضة أيضًا، حكاه ابن التين.
قال القرطبي: وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك الإخفاء أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلًا درهمًا في شيء يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن (١).
وقيل: ذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء والاستتار بالصدقة، وضرب المثل بهما؛ لقرب اليمين من الشمال وملازمتها لها، ومعناه: لو قدرت الشمال رجلًا متيقظًا لما علم بالصدقة؛ لمبالغة الإخفاء، ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد من عين يمينه وشماله من الناس (٢).
ونقل ابن الجوزي عن قوم: لا يرائي بنفقته فلا يكتبها صاحب الشمال، ومنه: قصد الصدقة باليمين؛ لأن الصدقة يراد بها وجه الله استحب لها أن تناول بأشرف الأعضاء وأفضل الجوارح.
الثامن:
قوله: («ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»). فيه: فضيلة البكاء

----------------
(١) «المفهم» ٣/ ٧٧.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٤.



من خشية الله تعالى وفضل طاعة السر؛ لكمال الإخلاص، وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما يتكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه من خوف، وإن انكشف جلاله وجماله فبكاؤه من محبة وشوق، وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ومن ذكره لم يعذبه؛ لأنه يعلم من يموت على الهدى وضده، ولا يذكر إلا من يموت على الهدى، قاله الداودي.
وفي اشتراط الخلوة بذلك حض وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلوته للندم على ذنوبه، ويفزع إلى الله تعالى بإخلاص من قلبه، ويتضرع إليه في غفرانها، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وأن لا يجعل خلوته كلها في لذاته كفعل البهائم التي قد أمنت الحساب في المساءلة عن الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق، فينبغي لمن لم يأمن ذلك، وأيقن أن يطول في الخلوة بكاؤه ويتبرم بجنانه، وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه. وروى أبو هريرة مرفوعًا: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع» (١).
وروى أبو عمران عن أبي الجلد قال: قرأت في مسالة داود - عليه السلام - ربه تعالى: يا إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه، قال: أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع (٢).

--------------
(١) رواه الترمذي (١٦٣٣) كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، وأحمد ٢/ ٥٠٥ والحاكم ٤/ ٢٦٠، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٠)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٣٣٣).
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ١٦٤ (٤٧٧)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٥٦ - ٥٧.



وقوله: («ففاضت عيناه») هو من قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية [المائدة: ٨٣].
وقوله: («ذكر الله خاليًا»): كذا في الأصول، وذكره ابن بطال وابن التين في كتاب المحاربين بلفظ: «في خلاء» (١) قال ابن التين: وهو ممدود.
قال أبو عمر: هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأصحها -إن شاء الله- لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله تعالى يوم القيامة لم ينل هول الموقف، والظل في الحديث يراد به الرحمة، والله اعلم. ومن رحمته الجنة، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الآية: [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ الآية [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ الآية [المرسلات: ٤١] (٢).

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٨/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٢) «التمهيد» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣. وتأويل الحافظ ابن عبد البر هنا بالرحمة، وإقرار المصنف -رحمه الله- له بسكوته، فيه نظر؛ وذلك لأن هذا من باب صرف الألفاظ عن معناها الحقيقي وتحميل النصوص ما لا تحتمله، والمعنى هنا -كما ذكره المصنف آنفًا- هو ظل العرش. كما ورد في بعض روايات هذا الحديث. وكما ورد في أحاديث أخر، وهو أحد الوجوه. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين -قدس الله روحه- في «شرح رياض الصالحين» ١/ ٧٣٥: قوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ضل فيها كثير من الجهال؛ حيث توهموا -جهلًا منهم- أن هذا ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته جلا وعلا وهذا فهم خاطئ منكر، فإن هذا يقتضى أن تكون الشمس فوق الله -عز وجل-، وهذا شيء منكر لا أحد يقول به من أهل السنة، والواجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه وألا يتكلم -لاسيما في باب الصفات- إلا بما يعلم من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فالظل هنا يعني أن الله يخلق ظلًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا. اهـ بتصرف.
وقال نحو من هذا الكلام أيضًا في المصدر نفسه ١/ ٧٨٢ - ٧٨٣، ١/ ٩٥٠. ط. دار السلام. فليراجع.



٣٧ - باب فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ
٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». [مسلم ٦٦٩ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أو رَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، «وغدا»: خرج مبكرًا، «وراح»: رجع بعشي، وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا، وهذا الحديث يصلح أن يحمل على الأصل وعلى التوسع به.
قال ابن سيده: الرواح: العشي (٢)، وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل.
وقال الجوهري: الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت (٣).
وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة (٤). وقال الجوهري: الغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدو: نقيض الرواح (٥).
وقال ابن قرقول بعد أن قرر أن الغدو من أول النهار إلى الزوال: كما أن الروحة بعدها.
وقيل: الغدوة بالضم: من الصبح إلى طلوع الشمس، وقد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار.

-------------------
(١) مسلم (٦٦٩) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٩٣.
(٣) «الصحاح» ١/ ٣٦٨.
(٤) «المحكم» ٦/ ٢٩.
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٤٤٤.



ومعنى الحديث: سار بالغدو، والغاديات: الرائحات.
وقوله: «كلما غدا أو راح» أي: تكمل غدوة أو روحة، ومعنى أعدّ هيّأ، والنزل بضم النون والزاي: ما يهيأ للضيف من الكرامة، وفيه الحض على شهود الجماعات ومواظبة المساجد للصلوات؛ لأنه إذا أعد الله له نزله في الجنة بالغدو والرواح، فما ظنك بما يُعد له ويتفضل عليه بالصلاة في الجماعة واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى؟


٣٨ - باب إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ
٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا». تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذٌ عَنْ شُعْبَةَ فِي مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ. [مسلم: ٧١١ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه من حديث إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعدِ، عن أَبِيهِ، عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بن بُحَينَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلِ.
وبإسناده إلى شُعْبَةَ: أَخبَرَنِي سَعدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عن حَفْصَ بن عَاصِمٍ: سَمِعتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابن بُحَينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
«آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟!». تَابَعَهُ غُنْدَرُ وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ عن مَالِكٍ.
وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن بُحَينَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ.
الشرح:
هذا التبويب الذي بوب له هو لفظ حديث صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» وأصحاب السنن الأربعة من حديث عمرو بن دينار، عن عطاء


ابن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا به سواء (١).
وفي رواية لابن حبان في «صحيحه»: «إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢)، قال الترمذي: كذا روى أيوب وورقاء وزياد وإسماعيل بن مسلم وابن جحادة عن عمرو، ورواه حماد بن زيد وابن عيينة عن عمرو فلم يرفعاه، والمرفوع أصح (٣).
قال البيهقي: وممن رفعه عن عمرو أيضًا محمد بن مسلم الطائفي وأبان ابن يزيد، ورواه مسلم بن خالد عن عمرو مسندًا بزيادة: فقيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: «ولا ركعتي الفجر» (٤). وقال ابن عدي: لا أعلم ذكر هذِه الزيادة غير يحيى بن نصر بن حاجب عن مسلم (٥).

------------------
(١) رواه مسلم برقم (٧١٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦) كتاب: الصلاة، باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، والترمذي (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والنسائي ٢/ ١١٦ كتاب: الإمامة، باب: ما يكره من الصلاة عند الاقامة. وابن ماجه (١١٥١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: «إذا أقيمت الصلاة …».
فائدة: قال الحافظ: وكثيرًا ما يترجم البخاري بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي. اهـ. «هدي الساري» ص ١٤.
قلت: وهذا ما وضعه البخاري هنا، فأورد لفظ الحديث في الباب، وروى حديثًا آخر، وذلك كي يعطي الفائدة.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٢١٩٠) كتاب الصلاة، باب فرض متابعة الإمام.
(٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٢١).
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٩/ ١١٢، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٤٨٣، قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٩: إسناده حسن.
(٥) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١١٢ ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب (٢١٤٦)، ونقل كلامه هذا البيهقي ٢/ ٤٨٣.



قال البيهقي: وقد قيل عن أحمد بن سيار عن نصر بن حاجب وهو وهم، ونصر ليس بالقوي، ويحيى ابنه كذلك (١).
ثم الحديث الذي ذكره البخاري من طريق عبد الله ابن بحينة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأغرب الحاكم فاستدركه (٣)، ولمسلم مثله من حديث عبد الله بن سرجس (٤)، وللبيهقي من حديث ابن عباس (٥).
وقوله: عن مالك: ما هو وهم فيه شعبة وغيره على سعد بن إبراهيم، والصواب فيه رواية ابن إسحاق وأبي عوانة وإبراهيم بن سعد، عن سعد، عن حفص، عن عبد الله أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة (٦)، وابن ماجه عن محمد بن عثمان، عن إبراهيم (٧). ورواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص، عن عبد الله بن مالك، عن أبيه (٨).

---------------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٣ كتاب: الصلاة، باب: كراهية الاشتغال لهما بعد ما أقيمت الصلاة.
وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٢٨٤: وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو تكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان واحتج به في «صحيحه»، قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٢٢٥: قلت: ولكن هذِه الزيادة صحيحة المعنى وإن كانت ضعيفة المبنى، فقد جاءت كثيرة صريحة في النهي عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧١١).
(٣) «المستدرك» ٣/ ٤٣٠.
(٤) مسلم (٧١٢).
(٥) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٤٨٢.
(٦) مسلم (٧١١/ ٦٦)، «سنن النسائي» ٢/ ١١٧.
(٧) ابن ماجه (١١٥٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: إذا أقيمت.
(٨) رواه مسلم عنه (٧١١) كتاب: الصلاة، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.



قال مسلم: وهو خطأ (١)، قلتُ: وروى له النسائي أيضًا حديثًا آخر أنه صلى مع النبي - ﷺ - فقال في الشفع من حديث شعبة، عن عبد ربه، عن محمد بن يحيى، عن مالك، ثم قال: وهو خطأ، والصواب: عبد الله ابن مالك (٢).
وقال ابن عساكر في ترجمة مالك ابن بحينة عن النبي - ﷺ -: إنها وهم.
قلتُ: وزعم ابن الأثير أن مالكًا له صحبة أيضًا (٣)، (قلت: أنكرها الدمياطي بخطه في البخاري، فقال على حاشيته: ليس لمالك هذا رؤية، ولا صحبة، ولا إسلام، وإنما ذلك لولده عبد الله) (٤)، والرجل المذكور في الحديث: هو عبد الله بن مالك بن القشب، وهو جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي راوي الحديث (٥)، وبحينة: أمه صحابية، واسمها كما قال ابن سعد: عبدة بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف لها صحبة (٦).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: أنها أم أبيه (٧)، وقال النسائي: من قال: مالك ابن بحينة فقد أخطأ، والصواب: عبد الله بن مالك ابن بحينة، بيّن

-----------------
(١) مسلم (٧١١).
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٢٠٨١ (٥٩٦) كتاب: السهو، باب: ما يفعل من قام من اثنتين من الصلاة ولم يتشهد.
(٣) انظر: «أسد الغابة» ٥/ ١٣ - ١٤ ترجمة (٤٥٦٤).
(٤) ذكر فوق العبارة علامة السقط: لا … إلى.
(٥) انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٣/ ١٠٦ (١٦٦٤)، «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٧٥ (٣١٥٨)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٥٠٨ (٣٥١٧)، «الإصابة» ٢/ ٣٦٤ (٤٩٢٨).
(٦) «طبقات ابن سعد» ٨/ ٢٢٨.
(٧) «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠). =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.43 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]