
29-01-2026, 05:25 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (6)
من صـــ 381 الى صـــ 400
الحلقة (167)
بزيزة: أشار إلى كبر السن، ويجوز أن يكون أشار إلى كبر الفضل والعلم، وإنما علق الأذان بأحدهم، والإمامة بأكبرهم لعظم أمر الإمامة وهو مُشعرٌ بتفضيل الإمامة عليه.
١٨ - باب الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ
وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ في الرِّحَالِ. في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ.
٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». [انظر: ٥٣٥: مسلم: ٦١٦ - فتح: ٢/ ١١١]
٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ - ﷺ - يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١١١]
٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ -وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١١١]
٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ. [٦٦٦ - مسلم: ٦٩٧ - فتح: ٢/ ١١٢]
٦٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخبَرَنَا جَغفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَ خَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالأبطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ٢/ ١١٢]
جمع يعني: المزدلفة، ولم يذكر فيه حديثًا ولا في عرفة أيضًا.
وذكر في الباب خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي ذر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرِ، فَأرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». حَتَّى سَاوى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
وهذا الحديث دال لما ترجم له، وهو الأذان في السفر، وقد علمت ما فيه، وسلف الكلام على الحديث في الإبراد، فراجعه منه (١). قال البيهقي: كذا قال جماعة عن شعبة: فأراد المؤذن أن يؤذن. وفي أخرى عنه: كان - عليه السلام - في سفر فأذن المؤذن، فقال له - ﷺ -: «أبرد»، وذكره (٢)، وفي أخرى عنه: أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - الظهر فقال له عليه السلام: «أبرد أبرد» -أوقال:- «انتظر انتظر» -وقال- إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة" (٣).
قال: وفي هذا الدلالة على أن الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، فإن الأذان كان في أول الوقت.
ثم روى من حديث جابر بن سَمُرة، وأبي برزة قال أحدهما: كان
--------------
(١) سلف برقم (٥٣٥) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) رواه البيهقي ١/ ٤٣٨.
(٣) سلف برقم (٥٣٥)، ورواه مسلم (٦١٦).
بلال يؤذن إذا دلكت الشمس، وقال الآخر: إذا دحضت (١).
وفي رواية عن جابر قال: كان بلال لا يحذم الأذان وكان ربما أخر الإقامة شيئًا (٢)، وترجم عليه أبو عوانة في «صحيحه» بإيجاب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وبيان العلة في إبرادها. ثم ساقه، وفيه: فأراد بلال أن يؤذن بالظهر. وفيه بعد قوله: فيء التلول، ثم أمره فأذن وأقام، فلما صلى قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا أشتد الحر فأبردوا عن الصلاة» (٣). وفي رواية له: فأذن بلال، فقال: «مهْ يا بلال» ثم أراد أن يؤذن فقال: «مهْ يا بلال» حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم» إلى آخره (٤).
الحديث الثاني:
حديث مالك بن الحويرث: أَتَى رَجُلَانِ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ - عليه السلام -: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذنا ثُمَّ أَقِيمَا»
وقد سلف في الباب قبله. والبخاري رواه عن محمد بن يوسف، وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري فاعلمه، وإذا أراد البخاري محمد بن يوسف البيكندي عن سفيان، عَيَّن ابن عيينة.
وقوله: أتى رجلان. المراد: هو وصاحب له أو ابن عم له كما سلف.
وقوله: «فأذنا ثم أقيما»: يجوز أن يكون المراد من أراده منهما، ويجوز أن يكون خاطب مالك بن الحويرث بلفظ التثنية، ويؤيده رواية
--------------------
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٤٣٨.
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٤٣٨.
(٣) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٨٩ (١٠١٧).
(٤) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٩٠ (١٠١٩).
الطبراني عن مالك بن الحويرث أنه - عليه السلام - قال: «إذا كنت مع صاحب فأذن وأقم، وليؤمكما أكبركما» (١) ويجوز أن يكون المراد: يؤذن أحدهما ويجيب الآخر قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمن هارون.
وقال ابن القصار: أراد به الفضل بدليل قوله: «أذنا»، إذ الواحد يجزئ.
وفيه: ما بوب له وهو مشروعية الأذان والإقامة للمسافر.
وفيه: الحث على الجماعة في السفر، وأنها تحصل بإمام ومأموم، واستدل به بعضهم على وجوب الجماعة، ولا دلالة فيه.
الحديث الثالث: حديث مالك بن الحويرث أيضًا.
وقد سلف آنفًا وسالفًا.
الحديث الرابع: حديث نافع: أَذَّنَ ابن عُمَرَ فِي لَيْلَةِ بَارِدَةٍ بضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ويأتي في باب: الرخصة في المطر (٣) والعلة أن يصلي في رحله، وقد سلف حكمه في باب الكلام في الأذان (٤).
-----------------
(١) «المعجم الكبير» ١٩/ ٢٨٨ (٦٣٨).
(٢) مسلم (٦٩٧).
(٣) سيأتي برقم (٦٦٦) كتاب: الأذان.
(٤) راجع شرح حديث (٦١٦).
وضجنان: بفتح الضاد المعجمة وجيم ساكنة ونونين جبيل على بريد من مكه (١). وقال الزمخشري: على خمسة وعشرين ميلًا، وبينه وبين مر تسعة أميال (٢).
وفيه ما بوب له، وهو مشروعية الأذان في السفر.
وفي أبي داود من حديث ابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر قال: كان ينادي منادي رسول الله - ﷺ - بذلك في المدينة في الليلة المطيرة والغداة (المطيرة) (٣)، ثم قال: رواه يحيى بن سعيد عن القاسم، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - قال فيه: في السفر (٤). وفي مسلم وأبي داود والترمذي من طريق جابر: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فمطرنا، فقال - عليه السلام -: «ليصل من شاء منكم في رحله» (٥).
الحديث الخامس:
ساقه البخاري عن إسحاق، ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ إلى أَبِي جُحَيْفَةَ، رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَال بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ.
وهذا الحديث ذكره البخاري في عدة مواضع في الطهارة كما سلف (٦) والصلاة (٧).
-------------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٥٦، «معجم البلدان» ٣/ ٤٥٣.
(٢) «الفائق في غريب الحديث» ٣/ ٣٣٠.
(٣) كذا بالأصل، وفي أبي داود: القرة.
(٤) أبو داود (١٠٦٤) وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٩٩).
(٥) مسلم (٦٩٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الصلاة في الرحال في المطر، أبو داود (١٠٦٥)، الترمذي (٤٠٩).
(٦) سلف برقم (١٨٧) باب: استعمال فضل وضوء الناس.
(٧) سلف برقم (٤٩٥) باب: سترة الإمام سترة من خلفه، وبرقم (٤٩٩) باب: الصلاة إلى العنزة، وبرقم (٥٠١) باب: السترة بمكة وغيرها.
وسيأتي في الباب على الإثر أيضًا (١). وشيخه إسحاق هو ابن منصور كما نص عليه خلف في «أطرافه». وذكر الكلاباذي أن البخاري حدث عن إسحاق بن راهويه وإسحاق بن منصور، عن جعفر بن عون فلا يخلو عن أحدهما (٢)، وخرج مسلم عن إسحاق بن منصور، عن جعفر بن عون (٣).
-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٣٤) كتاب: الأذان، باب: هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا وهل يلتفت في الأذان.
(٢) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٣٠.
(٣) مسلم (٥٠٣/ ٢٥١) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلى.
١٩ - باب هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ أَنهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَكَانَ ابن عُمَرَ
لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا شفْيَانُ، عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأى بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاة هَا هُنَا وَهَا هُنَا بِالأذَانِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ٢/ ١١٤]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأى بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا بِالأَذَانِ.
الشرح:
ذكر البخاري في هذا الباب صفات وهيئات تتعلق بالأذان، ومقصود الترجمة اتباع المؤذن فاه يمنة وشرة وهل يلتفت؟ وقد جاء مفسرًا في طريق مسلم: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح (١)، وفي أبي داود: فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح. لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر (٢)، وذلك دال على أن الالتفات في الحيعلتين خاصة.
وقوله: -أعني: البخاري- وهل يلتفت في الأذان؟ قد ذكرنا ما يدل لعدمه. وللنسائي: فخرج بلال فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينًا
-------------------
(١) مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٢) «سنن أبي داود» برقم (٥٢٠).
وشمالًا (١).
وللطبراني: فجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يمينًا وشمالًا حتى فرغ من أذانه (٢).
وفي «الأفراد» للدارقطني من حديث سويد بن غفلة عن بلال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا أذنا أو أقمنا لا نزيل أقدامنا من مواضعها (٣). نعم، في الترمذي من حديث عبد الرزاق، ثنا سفيان عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، يتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ثم قال: حديث حسن صحيح (٤).
وأما البيهقي فقال: الاستدارة في هذا الحديث ليست من الطرق الصحيحة، وسفيان الثوري إنما رواه عن رجل عن عون، ونحن نتوهمه سمع من الحجاج ابن أرطأة عن عون، والحجاج غير محتج به، وعبد الرزاق وهم فيه فأدرجه، وقد رواه عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان بدونها. وقال سفيان مرة: حدثني من سمعه من عون أنه كان يدور ويضع يديه في أذنيه. قال العدني: يعني: بلالًا، وهذِه رواية الحجاج عن عون، ثم ذكرها قال: وروينا من حديث قيس بن الربيع عن عون ولم يستدر، قال: ويحتمل أن يكون الحجاج أراد
-----------------------
(١) النسائي ٢/ ١٢.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٢/ ١١٤ (٢٨٩). قال المصنف: قال الشيخ تقي الدين في «الإمام»: في إسناده مقال. قلت: لعله بسبب الطعن في قيس بن الربيع، فإن النسائي تركه، وقال السعدي: ساقط .... اهـ. «البدر المنير» ٣/ ٣٧٦.
(٣) الدارقطني في «الغرائب والأفراد» كما في «أطرافه» لابن القيسراني ٢/ ٢٧٧ (١٣٦٢) وقال: غريب من حديث طلحة بن مصرف، عن سويد عنه. تفرد به عبد الله بن بزيع عن الحسن بن عمارة عنه. وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٠٤: إسناده ضعيف.
(٤) الترمذي (١٩٧).
بالاستدارة: التفاته في الحيعلتين فيكون موافقًا لسائر الروايات.
والحجاج ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله. قال: وروى حماد بن سلمة عن عون مرسلًا لم يقل عن أبيه (١).
هذا كلام البيهقي ونوقش فيه، فلم يتفرد عبد الرزاق، بل تابعه ابن مهدي عن سفيان، كما أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» ومؤمل أيضًا، كما أخرجه أبو عوانة (٢). ورواه الطبراني من حديث إدريس الأودي عن عون (٣)، فهذا متابع لسفيان، وكذا حماد بن سلمة وهشيم، كما أخرجه أبو الشيخ.
وفي الدارقطني من حديث كامل أبي العلاء عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أُمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه (٤).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه في موضعين:
الأول: الالتفات في الحيعلتين؛ وهو سنة؛ ليعم الناس بإسماعه، وخص بذلك؛ لأنه دعاء والباقي ذكر.
وأصح الأوجه عندنا أن يجعل الأولى يمينًا والثانية شمالًا، وثانيهما: يقسمان للجهتين، وثالثهما: يلتفت يمينًا فيحيعل، ثم يستقبل، ثم يلتفت فيحيعل وكذلك الشمال.
-------------------
(١) البيهقي ١/ ٣٩٦.
(٢) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٧٥ (٩٦٢).
(٣) «المعجم الكبير» ٢٢/ ١٠١ (٢٤٧).
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٣٩. وفيه: ويستدير في إقامته. ولمزيد من التفصيل حول كلام البيهقي وردود أهل العلم عليه انظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٣٧٥ - ٣٧٨، «البدر المنير» ٣/ ٣٧٣ - ٣٨٠، «فتح الباري» ٢/ ١١٥ - ١١٦، «الجوهر النقي» ١/ ٣٩٦، «صحيح أبي داود» (٥٣٣)، «الثمر المستطاب» ١/ ١٦٧ - ١٦٩.
فرع:
يلتفت أيضًا في الإقامة على أصح الأوجه. ثالثها: إن كبر المسجد.
الثاني: المراد بالالتفات: أن يلوي عنقه ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وسواء المناره وغيرها. وقيل: يستدير في الحيعلة في البلد الكبير، وكره ابن سيرين الاستدارة فيه (١)، وفي «المدونة» أنكرها مالك إنكارًا شديدًا. قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: إن كان يريد أن يسمع فلا بأس به (٢). وقال مالك في «المختصر»: لا بأس أن يستدير عن يمينه وشماله وخلفه وليس عليه استقبال القبلة في أذانه (٣).
وفي «المدونة» لابن نافع: أرى أن يدور ويلتفت حتى يبلغ حي على الصلاة. وكذلك قال ابن الماجشون ورآه من حد الأذان. قال ابن بطال: وحديث أبي جحيفة حجة على من أنكر الاستدارة؛ لأن قوله: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا) وها هنا يدل على استدارته (٤). قلت: ذلك غير لازم؛ إذ المراد الالتفات بالعنق كما سلف مصرحًا به، ثم ذكر حديث الحجاج السالف بذكر الاستدارة، ثم قال: ولا يخلو فعل بلال أن يكون عن إعلام رسول الله - ﷺ - له بذلك، أو رآه يفعله فلم ينكره، فصار حجة وسنة (٥). وهو عجيب منه، فكأنه لم يعلم حال حجاج بن أرطأة. وما أحسن قول البيهقي السالف فيه الحجاج ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله.
------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٠ (٢١٧٧).
(٢) «المدونة» ١/ ٦٢.
(٣) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ١٦١ - ١٦٢.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٨.
(٥) المصدر السابق.
وأما ما ذكره البخاري عن بلال حيث قال: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه، وهذا الأثر رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا (هشيم) (١)، عن حجاج، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن وقد جعل إصبعيه في أذنيه، ثم قال: باب إدخال الإصبعين في الأذنين عند الأذان، إن صح الخبر فإني لست أحفظ هذِه اللفظة إلا عن حجاج بن أرطاة، ولست أفهم أسمع الحجاج هذا الخبر من عون أم لا؟ فأنا أشك في صحة هذا الخبر؛ لهذِه العلة (٢). ورواه أبو عوانة والبزار من حديث الحجاج أيضًا (٣).
وروى أبو الشيخ بن حيان من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه (٤). ومن حديث عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد و(عُمير) (٥) وعمار ابني حفص، عن آبائهم، عن
-----------------
(١) كذا بالأصل، وفي ابن خزيمة هشام، ولعله تصحيف، ففي ترجمة يعقوب بن إبراهيم الدورقي من «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣١١ - ٣١٤ (٧٠٨٣): روى عن هشيم ابن بشير، وليس له رواية عن راوٍ يسمى هشام، وأيضًا في ترجمة حجاج بن أرطأة من «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٢٠ - ٤٢٨ (١١١٢) روى عنه هشيم بن بشير، وليس لراوٍ يسمى هشام رواية عنه.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢٠٣ (٣٨٨). وبوب ابن خزيمة أولًا وقال ما ذكره المصنف، ثم أورد الحديث، وكلام المصنف يوهم أن ابن خزيمة أورد الحديث أولًا. وقال الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٣٨٨): إسناده ضعيف لعنعنة حجاج بن أرطأة، فإنه مدلس .. اهـ.
(٣) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٧٤ (٩٦٠).
(٤) رواه البيهقي ١/ ٣٩٦. من طريق أبي محمد بن حيان ورواه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٥٠٧ - ٥٠٨، من طريق آخر بنحوه.
(٥) كذا بالأصل، وفي مصادر تخريج الحديث الآتي ذكرها: عمر.
أجدادهم، عن بلال أن النبي - ﷺ - قال له: «إذا أذنت فاجعل إصبعك في أذنيك؛ فإنه أرفع لصوتك» (١).
ومن حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد فذكر حديث الأذان، وفيه: (جعل إصبعيه في أذنيه ونادى). يعني: الذي رآه عبد الله في نومه (٢)، وأخرج حديث سعد القرظ ابنُ ماجه: أنه - عليه السلام - أمر بلالًا أن يجعل يديه في أذنيه إذا أذن، وقال: «إنه أرفع لصوتك» (٣).
وذكر ابن المنذر في «إشرافه»، عن أبي محذورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه فقال: روينا عن بلال وأبي محذورة أنهما كانا يجعلان أصابعهما في آذانهما.
قال البيهقي: وروينا عن ابن سيرين أن بلالًا جعل إصبعيه في أذنيه في بعض أذانه أو في الإقامة (٤). وروى ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين أنه
-------------------
(١) رواه البيهقي ١/ ٣٩٦، من طريق أبي محمد بن حيان وبنحوه رواه الطبراني ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (١٠٧٢). قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٣٤: فيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، وهو ضعيف. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٥٠: سند ضعيف؛ لأن مداره على عبد الرحمن بن سعد، وقد عرفت ضعفه.
(٢) رواه أبو الشيخ في كتاب «الأذان» كما في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٠٣ و«نصب الراية» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
وقال الزيلعي: يريد بن أبي زياد متكلم فيه، وعبد الرحمن عن عبد الله بن زيد تقدم قول من قال: فيه انقطاع أ. هـ.
(٣) ابن ماجه (٧١٠)، ورواه أيضًا الطبراني ٦/ ٣٩ (٥٤٤٨) مطولًا، وفي «الصغير» ٢/ ٢٨١ (١١٧٠) مختصرًا. قال البوصيري في «الزوائد» (٢٣٦): إسناده ضعيف؛ لضعف أولاد سعد القرظ، عمار وابنه سعد وابن عبد الرحمن. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٣١).
(٤) «سنن البيهقي» ١/ ٣٩٦.
كان إذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه (١) وفي رواية عنه قال: إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ووضع إصبعيه في أذنيه (٢) وفي «الصلاة» لأبي نعيم عن سهل أبي أسد قال: من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك، وكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا سعيد بن جبير، وأمر به الشعبي وشريك (٣).
قال ابن المنذر: وبه قال الحسن وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (٤) وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا، وهو قول الأوزاعي (٥). وقال مالك: ذلك واسع (٦)، وقال ابن بطال: إنه مباح عند العلماء (٧) وفي جعل الإصبعين في الأذنين فائدتان:
إحداهما: أنه أرفع للصوت كما سلف.
الثانية: أنه ربما لا يسمع صوت الأذان من به صمم أو بعد فيستدل بوضع إصبعيه على أذنيه على ذلك. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: إن جعل إحدى يديه على أذنيه فحسن (٨)، وهي رواية عن أحمد اختارها الخرقي.
-------------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩١ (٢١٨٧).
(٢) المصدر السابق رقم (٢١٨٤).
(٣) «الصلاة» لأبي نعيم الفضل بن دكين (٢١٣ - ٢١٧) ط. مكتبة الغرباء الأثرية.
(٤) «الأوسط» ٣/ ٢٧.
(٥) «سنن الترمذي» ١/ ٣٧٧ عقب الرواية (١٩٧).
(٦) «المدونة» ١/ ٦٣.
(٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٨.
(٨) انظر «البناية» ٢/ ١٠٣.
فرع: لم يبين في الحديث ما هي الإصبع، ونص النووي في «نكته» على أنها المسبحة.
فرع: لو كان في إحدج يديه علة تمنع من ذلك جعل الإصبع الأخرى في صماخه.
فرع: صرح الروياني أن ذلك لا يستحب في الإقامة؛ لفقد المعنى الذي
علل به، وقد أسلفنا عن بعضهم قريبا أنه يستحب فيها أيضًا. وأما قول البخاري: وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه، فهذا رواه ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن بشير قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير قال سفيان: فقلت له: رأيته يجعل أصابعه في أذنيه؟ قال: لا (١).
وأما قول البخاري: (وقال إيراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء)، فهذا رواه ابن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عنه أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم ينزل فيتوضأ. وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور عنه: لا بأس أن يؤذن على غير وضوءٍ، ثم روى عن قتادة أنه كان لا يرى بأسًا بذلك، فإذا أراد أن يقيم توضأ. وعن عبد الرحمن بن الأسود أنه كان يؤذن على غير وضوء. وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر.
وعن حماد: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء (٢)، وقال إبراهيم النخعي فيما حكاه البيهقي: كانوا لا يرون بأسًا به. قال: وبه قال الحسن وقتادة، والكلام فيه يرجع إلى استحباب الطهارة في الأذكار (٣).
--------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩١ (٢١٨٥).
(٢) «المصنف» ١/ ١٩١ - ١٩٢ (١٨٨ - ٢١٩٢، ٢١٩٤).
(٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣٩٧.
وأما قول البخاري: (وقال عطاء: الوضوء حق وسنة)، وهذا رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء (١)، ثم روى عن الأوزاعي عن الزهري، قال أبو هريرة: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئ (٢)، ورواه يونس عن الزهري، وهذا مرسل.
وقال الترمذي: حديث يونس أصح من حديث معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «لا يؤذن المؤذن إلا متوضئ»، وضعفها بمعاوية بن يحيى الصدفي، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري (٣).
ورواه البيهقي من حديث عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة، يؤذن وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (٤).
ورواه أبو الشيخ في كتاب «الأذان» من حديث ابن عباس مرفوعًا:
نا ابن عباس: إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر. وأمر به مجاهد مؤذنه، كما أخرجه ابن أبي شيبة (٥). واختلف أهل العلم في الأذان على غير وضوء: فالذي ذهب إليه أبو حنيفة: أنه جائز ويكره الإقامة على غير وضوء، أو يؤذن وهو جنب (٦).
وبالكراهة أعني: كراهة الأذان على غير وضوء يقول الشافعى (٧)
-------------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٦).
(٢) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٥).
(٣) انظر: «سنن الترمذي» ١/ ٣٩٠ عقب الرواية (٢٠١).
(٤) «سنن البيهقي» ١/ ٣٩٧.
(٥) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٦).
(٦) انظر: «الهداية» ١/ ٤٦.
(٧) انظر: «البيان» ٢/ ٧١.
إسحاق والأوزاعي وأبو ثور، ورواية عن عطاء: ورخص فيه بعضهم.
وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد (١) وممن أجازه الحسن وحماد ورواية عن عطاء (٢)، وهو قول مالك (٣) والثوري. وقول عائشة: كان - عليه السلام - يذكر الله على كل أحيانه (٤) حجة لمن لم يوجبه.
وقال أبو الفرج من المالكية: لا بأس بأذان الجنب، وأجازه سحنون في غير المسجد. وقال ابن القاسم: لا يؤذن الجنب، وكرهه ابن وهب (٥).
وأما قول البخاري: قالت عائشة - رضي الله عنها - كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه، فهذا التعليق أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله البهي عنها (٦) وقال الترمذي حسن غريب (٧).
وعبد الله البهي خَرَّج له البخاري في كتاب «الأدب» خارج الصحيح، ووجه مناسبة هذا الحديث، بالترجمة أنه أراد أن يحتج على جواز الاستدارة وعدم اشتراط القبلة في الأذان، فإن المشترط لذلك ألحقه بالصلاة فأبطل هذا الإلحاق؛ لمخالفته لحكم الصلاة في الطهارة، فإذا خالفها في الطهارة وهي إحدى شرائطها آذن ذلك
---------------
(١) انظر: «المغنى» ٢/ ٦٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٢ (٢١٩٢ - ٢١٩٤).
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٦٤.
(٤) رواه مسلم (٣٧٣) كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها.
وهو عند البخاري في عدة مواضع معلقًا.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٦) «صحيح مسلم» (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، وابن ماجه (٣٠٢)، عن عروة عنها.
(٧) «سنن الترمذى» ٥/ ٤٦٣ عقب الرواية (٣٣٨٤).
بمخالفته لها في الاستقبال، وبطريق الأولى فإن الطهارة أدخل في الاشتراط من الاستقبال، ويؤيده أن بعضهم قال: يستدير عند حي على الصلاة، فإن هذِه ليست ذكر، إنما هي خطاب للناس فبعدت عن سنة الصلاة فسقط اعتبار الصلاة فيها، نبه عليه ابن المنير (١).
فرع:
يقوم التيمم مقام الطهارة إذا كان يبيح الصلاة.
------------------
(١) «المتواري» ص ٩٦.
٢٠ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ.
وَكَرِهَ ابن سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. ولكن لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَحُّ.
٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [مسلم: ٦٠٣ - فتح: ٢/ ١١٦]
وَكَرِهَ ابن سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. ولكن لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ.
وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن أزهر عن ابن عون قال: كان محمد يكره أن يقول: فاتتنا الصلاة ويقول: لم ندرك مع بني فلان (١).
قال البخاري: (وقول النبي - ﷺ - أصح) يعني به الحديث الذي يذكره بعد، وفيه: «وما فاتكم فأتمو» بغير كرا هة، لذلك فهو أصح. وهو حديث يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أتيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَأتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث يحيى بن أبي كثير أيضًا، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره (٢) فذكره مزيلًا شائبة الانقطاع
----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٢٦٦ (٨٨٢٦).
(٢) مسلم (٦٠٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا. ووقع في النسخة (ج) فوق كلمة مسلم، د ت س، إشارة إلى أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، فلا أعلم أهي من قول =
من المدلس (١). ولأبي نعيم والإسماعيلي: «وما فاتكم فاقضوا»، وستعرف زيادة في ذلك في الباب الذي بعده. والجلبة: الأصوات، أي: أصوات رجال وحركة أفعالهم، وفيه إباحة سماع المصلى لمثل هذا؛ لأنه شيء يفجأه، وفيه سؤله - ﷺ - عما سمعه.
وقوله: (استعجلنا) أي: أنفسنا إلى الصلاة.
وقوله: «لا تفعلوا» أي: لا تستعجلوا ولا تسرعوا؛ ونهى عن ذلك؛ لأنه في صلاة، كما جاء في الحديث: «إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة» (٢)، ولأنه ينافي الوقار والسكينة.
-----------------
= المصنف أم زيادة من الناسخ؛ وذلك لأن هناك حديثين يرويهما يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة، عن أبيه.
الأول: حديثنا هذا وقد أخرجه البخاري ومسلم وليس هو في «السنن».
الثاني: ولفظه: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
وسيأتي برقم (٦٣٧) باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟
وأخرجه مسلم (٦٠٤) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة، وأبو داود (٥٣٩)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي ٢/ ٣١.
اعتبرهما وأظن المصنف حديثًا واحدًا كما سيأتي كلامه في حديث (٦٣٧) ناقلًا أن أبا مسعود والحميدي اعتبرهما حديثين. قلت: وكذا المزي في «التحفة» ٩/ ٢٥٢ (١٢١٠٦) فذكر الحديث الآتي (٦٣٧) ولفظه: «إذا أقيمت الصلاة ..» وذكر مواضعه عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي كما خرجناه آنفًا ثم ذكر في موضع آخر ٩/ ٢٥٧ (١٢١١١) حديثنا هذا، ثم ذكر مواضعه في البخاري ومسلم فقط وفعله هذا أولى بالصواب، ولعل المصنف اعتبرهما حديثًا واحدًا؛ لأن البخاري أخرجهما بسند واحد. والله أعلم.
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى أن يحيى بن أبي كثير مشهور بالتدليس. قال الحافظ في «التقريب» (٧٦٣٢): ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل.
(٢) رواه مسلم برقم (٦٠٢/ ١٥٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًا. من حديث أبي هريرة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|