عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-01-2026, 06:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محبة النبي صلى الله عليه وسلم

دلائل محبته صلى الله عليه وسلم ومظاهر تعظيمه:
إخوة الإسلام، اعلموا أن المحبة له شروطٌ وضوابط لا تتحقَّق المحبة إلا بها، أما المحبة القولية العارية عن الفعل والتطبيق، فتلك محبة كاذبة؛ قال الإمام ابن القيم في نويته:
شرطُ المحبةِ أن توافِقَ مَنْ تحبَّ
على محبَّته بلا عِصيانِ
فإذا ادَّعيتَ له المحبةَ مع خلافِكَ
ما يُحبُّ فأنت ذو بُهتانِ
أتحبُّ أعداء الحبيب وتدَّعي
حُبًّا له ما ذاك في إمكانِ
وكذا تُعادي جَاهدًا أَحبَابَه
أين المحبَّةُ يا أخا الشيطانِ[6]


وإليك بيان ذلك:
أولًا: تقديم النبي صلى الله عليه وسلم على كل أحدٍ:
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1].

وقال سبحانه: ﴿ ‌قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]، فعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقدَّم عليه شيءٌ مهما كان شأنُه!

ثانيًا: سلوك الأدب معه صلى الله عليه وسلم:
إخوة الإسلام، من دلائل محبته: سلوك الأدب معه صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال.

ويتحقق بالأمور التالية:
الثناء عليه، والصلاة والسلام عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وفي الموطن التي بيَّنها لنا صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

التأدب عند ذكره بألا يذكره مجرَّد الاسم، بل يُذكر مقرونًا بالنبوة أو الرسالة؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [النور: 63].

قال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا: يا رسول الله، في رِفقٍ ولينٍ، ولا تقولوا يا محمد بتجهُّم، وقال قتادة: أمرهم أن يُشرِّفوه ويُفخِّموه.

الأدب في مسجده وكذا عند قبره، وترك اللغط ورفع الصوت.

توقير حديثه والتأدب عند سماعه وعند دراسته، كما كان يفعل سلف الأمة وعلماؤها في إجلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان مالك إذا أراد أن يجلس (أي للتحديث)، توضأ وضوءَه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيَّب، ومشَّط لِحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقِّر به حديثَ رسول الله.

وكان سعيد بن المسيب وهو مريضٌ يقول: أقعدوني، فإني أعظِّم أن أحدِّث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعٌ".

ثالثًا: تصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به:
اعلموا علَّمني الله وإياكم أن تصديقه من أصول الإيمان وركائزه، ومن الشواهد في هذا الباب: ما ناله أبو بكر مِن لقب الصِّديق؛ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ فَمَنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَمِعُوا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُو أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَو رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُوبَكْرٍ الصِّدِّيقَ؛ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» [7].

رابعًا: اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته والاهتداء بهديه:
فطاعة الرسول هي المثال الحي والصادق لمحبته، ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

والاقتداء به صلى الله عليه وسلم من أكبر العلامات على حبه؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

فالمؤمن الذي يحب النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقلِّده في كل شيء في العبادة، وفي الأخلاق وفي السلوك، وفي المعاملات وفي الآداب؛ كما كان شأن الصحابة الكرام، فعن نافع قال: لو نظرتَ إلى ابن عمر في اتباعه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، لقلتَ: هذا مجنون.


خامسًا: الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم:
إن الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُصرته، علامة من علامات المحبة والإجلال، وقد سطَّر الصحابة أروعَ الأمثلة وأصدق الأعمال في الدفاع عن رسول الله وفدائه بالأموال والأولاد والأنفس في المنشَط والمكرَه؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8].

والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أنواع؛ نذكر منها:
1- نُصرة دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم بكل ما يَملِك المرءُ من مالٍ ونفس....

2- الدفاع عن سنته صلى الله عليه وسلم بحفظها وتنقيحها وحمايتها، ورد الشبهات عنها.

3- نشر سنته صلى الله عليه وسلم وتبليغها، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بذلك في أحاديث كثيرة؛ كقوله: "فليُبلغ الشاهد الغائبَ"، وقوله: "بلِّغوا عني ولو آية".

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
أما بعد:
رابعًا: حال الصحابة في محبتهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم:
ترجَّم الصحابة رضوان الله عليهم حبَّ النبي صلى الله عليه وسلم ترجمةً عملية، فبذلوا أرواحهم وأموالهم رخيصةً في سبيل الله، وطاعة وحبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبَّر عن ذلك سعد بن معاذ رضي الله عنه حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ابن هشام وغيره في السيرة النبوية -: "يا رسول الله، هذه أموالنا بين يديك، خذْ منها ما شئتَ ودَعْ منها ما شئت، وما أخذته منها كان أحبَّ إلينا مما ترَكته، لو استعرَضتَ بنا البحر لَخُضناه معك، ما تخلَّف منا أحدٌ، إنا والله لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، فامضِ بنا يا رسول الله حيث أمرك الله"[8].

فكان لسان حالهم ومقالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم:
هو المُقَّدم في نفسي علي
وأهل بيتي وأحبابي وخِلاني




وقد سُئِل علي رضي الله عنه: كيف كان حبُّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ".

خبيب بن عدي رضي الله عنه حبٌّ فاق الخيال:
في حادثة الغدر التي قامت بها عَضَلٌ والقَارَةُ، وعرفت في السيرة بـ«يوم الرجيع»، كان من آثارها أن بيعَ زيد بن الدَّثِنة وخبيب بن عدي إلى قريش، فلما قدِّم زيد ليُقتل قال له أبو سفيان: أُنشدك بالله يا زيد، أتُحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك تُضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا، كحب أصحاب محمد محمدًا[9].

ولأبي بكر رضي الله عنه مواقفُ لا تُعد:
منها ما أخبر به أبوسعيد الخدري قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «إن عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيه مِن زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجِبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خيَّره الله أن يُؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمَنا به[10].

وصدق أبو بكر، وصدق الصحابة رضي الله عنهم، فلقد فَدَوْه بأنفسهم، وكثيرٌ منهم استشهد بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

محبة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم:
امرأة من بني دينار في غزوة أحد، أُصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نعوهم لها قالت: "ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تُحبين، قالت: أَرونيه حتى أنظُر إليه، فأُشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مُصيبة بعدك جللٌ؛ أي: صغيرة "[11].

محبة الغلمان للنبي العدنان صلى الله عليه وسلم:
قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (بينما أنا واقفٌ في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنَّيت لو كنتُ بين أَضلُعٍ منهما، فغمَزني أحدهما، فقال: يا عمُّ، هل تَعرِف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أُخبِرْت أنه يَسُبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيتُه لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجَّبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، قال: فلم أَنشِبْ أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتَدَراه بسيفيهما حتى قتَلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه، فقال: أيُّكما قتَله؟ فقال كل واحدٍ منهما: أنا قتلته، فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتَله، وقضى بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء)[12].

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد صاحبِ الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وعن التابعين ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

[1] كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد» (ص154).

[2] الرسالة التبوكية، ابن القيم، ص (29-30).

[3] تفسير ابن كثير، (1/ 358).

[4] أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44) (69)، والنسائي 8/ 115، وأبو يعلى (3895)

[5] أخرجه البخاري (3694)، و(6264)، و(6632).

[6] شرح النونية؛ للهراس (2/ 134).

[7] المستدرك 3/62، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه"، ووافقه الذهبي.

[8] البداية لابن كثير (4/ 65)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (3/ 326) في أمر خبيب.

[9] سيرة ابن هشام، 2/ 172.

[10] متفق عليه (خ 3904، م 2382).

[11] رواه ابن هشام في السيرة (3/ 43)، وعنه أورده ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 47)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (3/ 302) بنحوه.

[12] أخرجه البخاري (3141) و (3964)، ومسلم (1752)، وأبو يعلى (866)، والطحاوي 3/227 -228، وابن حبان (4840).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.33%)]