الموضوع: مكارم الأخلاق
عرض مشاركة واحدة
  #29  
قديم 27-01-2026, 06:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,865
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مكارم الأخلاق

مكارم الأخلاق.. اتقوا الشُحّ!

صاحبي لا يحب السفر بالطائرة، وأنا لا أحب السفر برًا؛ ذلك أن التعب والانتظار عند المراكز الحدودية، مع عدم توفر خدمات مميزة على الطريق تجعل -بالنسبة لي- كلفة السفر برًا أعلى. - لنذهب إلى البحرين ليلة واحدة، نزور (أبا ليلى).
بعد نقاش وتأكيد أنه لن نواجه أي تأخير في الحدود، وأنه وسائقه سيتوليان القيادة، وافقت. انطلقنا بعد صلاة الفجر وقبل الشروق، يوم الثلاثاء، وبالفعل كانت عملية العبور إلى المملكة ثم الدخول إلى البحرين ميسّرة، كما وعد صاحبي، في الطريق كان لدينا الوقت للحديث عن أمورة كثيرة. - بعض من يسافر معي برًا يستكثر أن يشارك في مصاريف الرحلة، مع أني لا أنتظر من أحد المشاركة، ولا يزدني ولا ينقصني ذلك شيئا، ولكن أستغرب كيف يستثقل أن يدفع ثمن وجبة غداء أو تعبئة وقود أو ثمن غرفة في استراحة على الطريق! - ربما يظن أنه ضيف معك، وعلى المضيف أن يكرم ضيفه. - كلا، هذا طبعه دائما حتى وهو في البلد، يضيق صدره إذا زاره أحد، وإذا خرج لا يأخذ حافظة النقود والبطاقات معه! - ربما يكون بخيلا، يحب جمع المال، وربما يكون قليل المال! - بل الأولى يا (أبا حاتم). قالها صاحبي مبتسما.
- إن الشح خُلق رديء لا ينبغي أن يكون في المسلم؛ ففي حديث جابر بن عبدالله بن حرام - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» (مسلم). قاطعني: - وما الفرق بين الشح والبخل؟ - الشح أشد من البخل، وهو الحرص الشديد على اكتساب المال وجمعه، بينما البخل منع المال بعد الحصول عليه؛ فالبخل نتيجة للشح! وقيل: إنهما يجتمعان في المعنى إذا تفرقا ويختلفان في المعنى إذا اجتمعا، وقيل البخل منع الواجب، والشح منع حتى المستحب. - توقفنا بعد أن دخلنا أراضي المملكة، نرتاح لوجبة الإفطار، أخذنا مكان مميزا على كثبة رملية تناثرت عليها بعض النباتات الصحراوية، توليت والسائق تهيئة المكان، بينما تولى صاحبي إعداد القهوة والشاي، تابعنا حديثنا أثناء الأكل. - لنرجع إلى الأحاديث في ذم البخل والشح! - نعم عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» (صحيح الترمذي)، وعن ابن عمرو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» (السلسلة الصحيحة).
والحديث المعروف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين، عليهما جُنّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما؛ فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشي أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها، قال: فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع» (متفق عليه). - أعتقد هذا الحديث يحتاج إلى توضيح. - هو تشبيه للبخيل والمتصدق برجلين ألبسا درعين من حديد من الصدر إلى أدنى الرقبة (الترقوة)، فإذا تصدق الرجل اتسع الدرع ونزل عن صدره، حتى ينزل إلى أطراف قدميه ويمحو أثر مشيه، والبخيل كلما امتنع عن البذل ضاق عليه الدرع وضيقت على صدره، ولعل التشبيه يبين أن الصدقة تشرح الصدر وتزيل الذنب، والبخل يضيق الصدر ويتعب البخيل في الدنيا والآخرة. - ربما قرأت في بعض كتب ابن القيم -رحمه الله- أن العبد (مجبول على الشح)، وذلك -أظن- عند قول الله -تعالى-: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
- دعني أبحث لك في المكتبة الشاملة التي أحملها في هاتفي. وفي أقل من دقيقة استخرجت ما يريد صاحبي. قال ابن القيم: والمتصدق كلما تصدق بصدقة، انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره؛ فهو بمنزلة اتساع تلك الجُبّة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال -تعالى-: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن:16)، و كان عبدالرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقاص، يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: ربّ قِني شح نفسي رب قني شح نفسي؛ فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: إذا وقيت شَح نفسي فقد أفلحت. (الوابل الصيب), {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)؛ فالإيثار ضد الشح؛ فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده؛ فإذا حصل بيده شيء شحّ عليه وبخل بإخراجه؛ فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل. (مدارج السالكين).
- لقد أصبحت خبيرًا في استخدام الهاتف للوصول إلى جميع الكتب، أغبطك على ذلك؛ فأنا لا أجيد إلا استخدامه للمكالمات والرسائل! دعني أقرأ من بعض الأحاديث في هذا الباب: عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (مسلم), وأما اقتران البرهان بالصدقة فهو أن الله -تعالى- جبل الإنسان على الشح وقال: { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} (المعارج:19)، يعني في أصل نشأته {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} (المعارج)، وقال {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}؛ فنسب الشح لنفس الإنسان وأصل ذلك أنه استفاد وجوده من الله؛ ففطر على الاستفادة لا على الإفادة؛ فما تعطي حقيقته أن يتصدّق، فإذا تصدق كانت صدقته برهاناً على أنه قد وُقي شُح نفسه، الذي جبله الله عليه؛ فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة بُرهان»، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «شرّ ما في رجل شح هالع وجبن خالع» (صحيح الترغيب).



اعداد: د. أمير الحداد





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.46%)]