عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 27-01-2026, 12:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,910
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة هدايات القرآن

سلسلة هدايات القرآن

حماده إسماعيل فوده


هدايات سورة الفاتحة

8-الحرمانُ أن نُحرَمَ منها وقد وَسِعت الخلائقَ أجمعَ


بسمِ الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ:
فأيها الكرامُ، لا زِلنا مع هداياتِ الآية الثالثة من سورةِ الفاتحة، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، وتوقَّفنا في الحلقةِ الماضيةِ عند الوقفةِ الخامسةِ مع الآيةِ الكريمةِ، ومضمونُها أن وجودَ قولِ الله عزَّ وجلَّ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ في بدايةِ القرآنِ، يبعثُ على حسنِ الرجاءِ في الله عزَّ وجلَّ، وعدمِ القنوطِ من رحمتهِ جلَّ وعلا، مهما حدثَ من العبدِ مِن تفريطٍ.

واليومَ إن شاءَ اللهُ تعالى نستأنفُ وقفاتِنا مع الآيةِ الكريمةِ:
الوقفةُ السادسةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هل رأيتَ كم هي عظيمةٌ رحمةُ أمِّك بك؟ فاعلَم أن رحمةَ اللهِ بكَ أعظمُ وأوسعُ منها بكثيرٍ، فلو لم يعلم الناسُ عن ربِّهم إلا هذين الاسمينِ، لكانَ كافيًا بأن يُبدِّدَ كلَّ أحزانِهم ومتاعبِهم!

الوقفةُ السابعةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: قال أهلُ العلمِ: هذانِ الاسمانِ يفتحانِ لمن عَقَلَ أَوسعَ أبوابِ المحبةِ لله والرجاءِ فيه، وتنويعُ الاسمين مع أن المصدرَ واحدٌ - وهو الرحمةُ - دليلُ سَعتِها.

الوقفةُ الثامنةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: ولأنه كذلكَ، فقد أرادَ لنا الخيرَ أكثرَ مما نريدُه لأنفسِنا؛ فجعلَ مفتاحَ الخير طلبَ الهدايةِ في كلِّ ركعةٍ من كلِّ صلاةٍ.

الوقفةُ التاسعةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: سبحانه وبحمده، تعالى وتقدَّسَ وَسِعتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ؛ قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، فالحرمانُ هو أن نُحرَمَ هذه الرحمةَ، وقد وسِعت الخلائقَ أجمعَ، فكلما كنتَ لله أَتقى يا عبد الله، كنتَ لرحمتِه أَقربَ، ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

إذا قرأتَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فثِقْ أنَّ قضاءَ الله أرحمُ بك، ورُبَّما نزلَ في ثوبِ بلاءٍ ليُطهِّرَك!

الوقفةُ العاشرةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: تُفيد أنَّه ينبغي على العبدِ نشرُ خلقِ الرحمةِ والتراحمِ، وتطبيقُها على نفسِه وعلى مجتمعِه المحيطِ به، فرحمةُ العبدِ بمخلوقاتِ الله تعالى، تَستجلبُ وتَستدعي رحمةَ الله عليه، فالراحمون يَرحَمُهم الرحمنُ؛ كما قال النبيُّ العدنانُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن تبِعهم بإحسانٍ.

الوقفةُ الحادية عشرة: من أعظمِ أسماءِ الله تعالى التي لا يُشاركه فيها مخلوقٌ - اسمُ (الرَّحْمَنِ)، فحَرِيٌّ بالمسلمِ أن يدعوَ به، وأن يَلهَجَ لسانُه بذكرِه؛ قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110].

الوقفةُ الثانية عشرة أيها الكرامُ: تضمَّنت هذه الآيةُ اسمينِ عظيمينِ من أسماءِ الله الحسنى، (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، تعرَّضنا في بعضِ الوقفاتِ السابقةِ إلى معاني هذين الاسمين العظيمينِ، ويَحسُنُ بنا قبل أن نَختِمَ حديثَنا حول هداياتِ هذه الآيةِ الكريمةِ أن نقفَ وقفةً مع التعبدِ لله عزَّ وجلَّ بهذين الاسمين.

فكيف نتعبَّدُ للهِ عزَّ وجلَّ باسْمَيه العظيمينِ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟
التعبدُ بهذين الاسمين العظيمينِ أيها الكرامُ يكون بعدةِ أمورٍ:
أولًا: اليقينُ التامُّ بمعناهما في القلبِ، ومن ذلك: أن تَستشعرَ سَعةَ رحمةِ الله التي شَمِلتْ كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، وكذلك أن تتفكَّرَ في مظاهرِ رحمتِه سبحانه في الدنيا والآخرةِ؛ مثل: الهداية، والمغفرة، والنعم التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى.

ثانيًا: الإكثارُ من الدعاءِ بهما، ومن ذلك الدعاءُ بـ"يا رحمنُ، يا رحيمُ، ارحَمني برحمتِك التي وسِعتْ كلَّ شيءٍ"، أو "يا رحمنُ، يا رحيمُ، ارزُقني الرحمةَ بِمَن حولي مِن خلقِك"، ونحو ذلك من الأدعية بهذين الاسمين العظيمينِ.

ثالثًا: التخلقُ بصفاتِ الرحمةِ، ومن ذلك: أن تَرْحَمَ الخلقَ؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنما يَرحمُ اللهُ من عبادِه الرُّحماءَ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمنُ، ارحَموا أهلَ الأرضِ يَرحَمْكم مَن في السماءِ".

ومِن ذلك أيضًا أن تكون لينًا في التعامل، سواءٌ مع الأهلِ، أو الجيرانِ، أو حتى الحيواناتِ، وأن تُشفقَ على الضُّعفاءِ؛ كالأيتامِ والمساكين؛ اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأن تَنشُرَ الرحمةَ بين الناسِ بقولِك وفِعلِك.

أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ ألَّا يَحرمني وإياكم من الآثارِ الإيمانيةِ لهذين الاسمين العظيمينِ، وأن يوفِّقني وإياكم للتعبدِ له بمقتضاهما على الوجهِ الذي يُرضيه سبحانه.

وإلى أن أَلقاكم في المقالِ القادمِ إن شاءَ اللهُ تعالى، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه والتابعين.

تَمَّ الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات.

وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها:
1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون.

2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع.

3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.

4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر.

5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق.

6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.

7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]