
27-01-2026, 10:46 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (5)
من صـــ 527 الى صـــ 546
الحلقة (143)
وقد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد، فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه، ولم يمس ماء (١)، وعن علي مثله (٢)، وروي ذلك عن عطاء (٣)، والنخعي وابن جبير (٤)، وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء ابن المسيب، والحسن وقالا: يمر مارًا ولا يجلس فيه (٥).
رابعها: (ما) من قوله: («ما دام في مصلاه») مصدرية ظرفية، أي: مدة دوام كونه في مصلاه، وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة أو غيرهم.
-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٣٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٦).
(٤) أثر ابن جبير رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٥).
٦٢ - باب بُنْيَانِ المَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِبنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى. [فتح: ١/ ٥٣٩]
٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الَمسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحجَارَةِ الَمنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. [فتح: ١/ ٥٤٠]
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) هذا التعليق يأتي مسندًا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب في المطر يوم الجمعة؟ (١)
قال البخاري: وَأَمَرَ عُمَر بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
في ابن ماجه بإسناد ضعيف نحو هذا عنه مرفوعا: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» (٢).
---------------
(١) سيأتي برقم (٦٦٩) كتاب: الأذان.
(٢) ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب (٧٤١)، قال البوصيري في «الزوائد» =
وقوله: (أكنَّ) قال ابن التين: رواه بضم الهمزة، وكسر الكاف على أنه رباعي، وهو قول أبي زيد، وأما الكسائي فقال: هو ثلاثي، تقول: كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، واكننته في نفسي. أسررته، وقال أبو زيد: كننته واكننته بمعنى في الكن، وفي النفس جميعًا.
وقوله: (وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)، قال: رويناه بضم التاء على أنه رباعي من أفتن، وأنكر ذلك الأصمعي وأجازه أبو عبيد، ويمكن أن يكون فهم هذا من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم، حيث نظر إلى أعلامها في الصلاة (١).
قال البخاري: وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا.
وهذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أبي قلابة عن أنس مرفوعا: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا، (أو) (٢) قال: يعمرونها قليلا» (٣).
-----------------
= (٢٤٩): إسناده ضعيف، فيه أبو إسحاق، كان يدلس، وهو كذاب.
وقال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٥٣٩: رجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المغلس، ففيه مقال. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٥٨)، قال: ضعيف جدًّا.
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث عائشة الذي سلف برقم (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلُّى في ثوبٍ له أعلام، ونظر إلى عَلَمها، ورواه مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهةَ الصلاة في ثوب له أعلام، ولفظه عند البخاري: عن عائشة أن النبي - ﷺ - صلَّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذِه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي».
(٢) كذا في «صحيح ابن خزيمة»، وفي (س) بدون الهمزة.
(٣) ابن خزيمة ٢/ ٢٨١ (١٣٢١). ضعف إسناده الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (١٣٢١)، لكنه روي بلفظ آخر عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، رواه أبو داود (٤٤٩)، والنسائي ٢/ =
وقال البخاري: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى.
وهذا أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه بعد أن روى عنه مرفوعًا: «ما أمرت بتشييد المساجد» (١).
و(الزخرفة): الزينة أي: لتزيننها ولتموهنها وأصل الزخرف: الذهب والنهي خوف شغل المصلي، أو لإخراج المال في غير وجهه أو لهما.
ثم ساق البخاري حديث نافع أنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَن المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ
-------------------
= ٣٢، وابن ماجه (٧٣٩)، وأحمد ٣/ ١٣٤، والدارمي ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤ (١٤٤٨)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٢، ٤٩٣ (١٦١٣، ١٦١٤). صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٧٦).
(١) «سنن أبي داود» (٤٤٨). وصححه ابن حبان ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (١٦١٥). وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٤٠: وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله.
قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٧٥) تعليقًا على قول ابن حجر: وقد وصله أبو فزارة، وهو ثقة، فيجب قبول زيادته. وقال أيضًا -أعني الألباني-: قال الشيخ القاري في «المرقاة»: وهو موقوف، لكنه في حكم المرفوع. اهـ.
وهذِه الزيادة الموقوفة قد روى معناها مرفوعًا عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه (٧٤٠)، ولفظه: «أراكم ستُشرِّفون مساجدكم بعدي كما شَرَّفَت اليهود كنائسها، وكما شَرَّقَت النصارى بِيَعَها». وقد ضعفه البوصيري في «الزوائد» (٢٤٨)، قال: هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس، وهو كذاب. وضعفه أيضًا الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٦٠.
مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
قوله: (باللبن) رويناه بفتح اللام وكسر الباء، كما قال ابن التين، وقال ابن السكيت: من العرب من يقول: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد.
قال السهيلي: نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، فلما كان عثمان بناه بالحجارة كما سلف، وجعل قبلته من الحجارة (١).
و(القصة): بالقاف والصاد المهملة: الحصن، وقال الخطابي: شيء يشبهه، وليس منه (٢).
و(الساج): نوع من الخشب يجاء به من الهند (٣)، ثم بناه عبد الله بن الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي ووسعه، وزاد فيه سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المامون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه.
قال السهيلي: ولم يبلغنا أن أحدًا غيَّر منه شيئًا.
قال ابن بطال: جاءت الآثار عن النبي - ﷺ - بكراهة تشييد المساجد، وتزيينها، فروى حبيب ابن الشهيد، عن الحسن قال: لما بني المسجد قالوا: يا رسول الله، كيف نبنيه؟ قال: «ليس لي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى» (٤) (٥).
------------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٢) «معالم السنن» ١/ ١٢١. والقصَّة والقصَّة والقَمق: الجَصّ، لغة حجازية، وقيل: الحجارة من الجَصِّ، وقد قصَّصَ داره أَيْ جصَّصَها. انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٥٢، «لسان العرب» ٦/ ٣٦٥٢، مادة: قصص.
(٣) الساج: جمع ساجة، الساجة: الخشبة الواحدة المشَرُجَعَة المرَبَّعَة، كما جلبت من الهند، ويقال للساجة التي يُشَقّ منها الباب: السَّليجة. انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٨٦، «لسان العرب» ٤/ ٢١٤١، مادة: سوج، «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٤) تقدم تخريجه في حديث (٤٢٨).
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٩٦ - ٩٧.
وقال أُبي: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم (١)، وقد سلف حديث: «ما أمرت بتشييد المساجد».
وقال ابن عباس: أمرنا أن نبني المساجد جمًا والمدائن شرفًا (٢)، وقال مجاهد: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف (٣).
----------------
(١) لم أجده في رواية أبي، وإنما رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٤٨)، ٦/ ١٤٨ (٣٠٢٢٣) عن سعيد بن أبي سعيد، قال: قال أبي: … فذكره. وعزاه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥١) إلى «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٠٠/ ٢ - مخطوط الظاهرية) وذكره عن سعيد بن أبي سعيد مرفوعًا، وقال: وهذا إسناد مرسل حسن. اهـ. ورواه عن أبي الدرداء موقوفًا ابن المبارك في «الزهد» (٧٩٧) عن بكر بن سوادة، عن أبي الدرداء به مع تقديم وتأخير في لفظه. وضعفه السيوطي في «الجامع الصغير» (٥٨٦)، وضعفه أيضًا المناوي في «فيض القدير» ١/ ٤٧٠. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٥).
وقال الألباني في «الصحيحة»: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، ولكني لا أدري إذا كان بكر بن سوادة سمع من أبي الدرداء أم لا؟ ولكنه شاهد لا بأس به للمرسل، وهو وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، لاسيما وقد روي عنه مرفوعًا. ذكره كذلك الحكيم الترمذي في «كتاب الأكياس والمغترين» ص ٧٨ - مخطوط الظاهرية، وكذلك عزاه السيوطي في «الجامع» إلى الحكيم عنه، يعني في «نوادر الأصول» وذكر المناوي أن إسناده ضعيف. والله أعلم. اهـ.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٥١)، والبيهقي ٢/ ٤٣٩، وذكر السيوطي من رواية ابن أبي شيبة مرفوعًا وأشار إلى حسنه في «الجامع الصغير» (١٠٦٧)، لكني لم أقف عليه في «مصنف ابن أبي شيبة» عن ابن عباس مرفوعًا، وإنما وجدته موقوفًا كما سلف. وضعف الألباني رفعه في «ضعيف الجامع» (٥٤)، وضعف الموقوف أيضًا في «الضعيفة» (١٧٣١).
(٣) لم أقف عليه من قول مجاهد، وإنما وقفت عليه من رواية ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٥ (٣١٥٤)، والطبراني ١٢/ ٤٠٧ (١٣٤٩٩)، والبيهقي ٢/ ٤٣٩. وذكره الهيثمي ٢/ ١٦، وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، =
وهذِه الآثار مع ما ذكره البخاري في الباب تدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنيانها، ألا ترى أن عمر قال للذي أمره ببناء المسجد: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وكان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكنه في المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه، ثم كثر المال زمن عثمان فلم يزد أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصرا عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الشارع لكراهة ذلك، وليقتدي بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة بها.
روى برد أبو العلاء، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جمعت الأنصار مالًا، فقالوا: يا رسول الله، ابن بهذا المسجد، فقال: «إذا يعجب ذلك المنافقين» (١)، فدل على أن المؤمنين لا يعجبهم ذلك.
----------------
= ورجاله رجال الصحيح، غير ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه.
وضعفه الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٦٣، قال: وهو ضعيف لما علمت من حال ليث.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
٦٣ - باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ
وَقَولِ اللهِ -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الَحذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلابِنهِ عَليٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الَمسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ. [٢٨١٢ - فتح: ١/ ٥٤١]
سبب نزولها: أنه لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون، فعيروه بالكفر وأغلظ له علي، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا دون محاسننا، فقال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم. إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله هذِه الآية.
وقوله: (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) قيل: سجودهم للأصنام واتخاذها آلهة.
ثم ساق البخاري حديث عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ.
وهذا الحديث ذكره البخاري في الجهاد (١).
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
ابن ابن عباس هو السجاد؛ لكثرة عبادته، الثقة ولد ليلة قتل علي في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكني بكنيته، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا احتمل لك الاسم والكنية جميعًا، فغير كنيته فصيرها أبا محمد، ولي الخلافة (٢)، وكان له خمسمائة شجرة، فصلى عند أصل كل شجرة ركعتين، فكان يصلي في اليوم ألف ركعة، مات بعد العشر ومائة، إما سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، عن ثمانٍ أو تسع وسبعين سنة، روى له الجماعة خلا البخاري ففي الأدب (٣).
الثانية:
قوله: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ) فيه: أن العالم يبعث ولده إلى عالم آخر ليتعلم منه؛ لأن العلم لا يحويه أحد.
وقوله: (في حائطه) أي: بستانه.
وقوله: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا) فيه: أن العالم يتهيأ للحديث ويجلس له جلسة تأهبًا لذلك، ومعنى (أنشا يحدثنا): أخذ في الحديث.
----------------
(١) سيأتي برقم (٢٨١٢) باب: مَسْح الغبار عن الرأس في سبيل الله.
(٢) في هامش (س): قوله: (ولي الخلافة) ينبغي أن تكون بعد قوله: (…) لا في هذا المكان، فإنه يوهم أنه تولى الخلافة، وليس كذلك، والله أعلم.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٣١٢ - ٣١٤، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٩٢ (١٠٥٦)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٥ - ٤٥ (٤٠٩٧)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ١٨٠.
وقوله: (لبنة ..) إلى آخره، فيه: ارتكاب المشقة في عمل البر.
قال ابن إسحاق: وعمار أول من بنى لله مسجدًا (١). قال السهيلي: فكيف أضاف إليه بنيانه، وقد بناه معه الناس (٢)؟!
فنقول: إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأن عمارًا هو الذي أشار على رسول الله - ﷺ - ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول الله - ﷺ - استتم بنيانه عمار، كذا ذكره ابن إسحاق (٣).
الثالثة:
التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجزى الإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، والولد الصالح يدعو له بعد موته، قال المهلب: وفيه: بيان ما اختلف فيه من قصة عمار (٤).
وقوله: «يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار» إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي بن أبي طالب عمارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم الصحابة الذين
------------------
(١) حكى هذا القول عن ابن إسحاق السهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨ باعتباره أثرًا، وهذا الأثر رواه عن القاسم بن عبد الرحمن ابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢٥٠، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٩ (٣٢٢٤٣)، ٧/ ٢٥١ (٣٥٧٧٢)، ٧/ ٣٤١ (٣٦٥٩٢)، وابن أبي عاصم في «الأوائل» ١/ ٩١ - ٩٢ (١١٥)، والطبراني ٩/ ١٩٥ - ١٩٦ (٨٩٦١)، وفي «الأوائل» ١/ ١٠٩ (٨٠)، والحاكم ٣/ ٣٨٥. ذكره الهيثمي ٢/ ١٠، ٥/ ٢٧١، وقال: رواه الطبراني، وإسناده منقطع.
(٢) «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٣) نقل قوله السهيلي، انظر التخريج السابق.
(٤) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٩٨.
أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال المفسرون: وهم أصحاب محمد - ﷺ -، وقد صح أن عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة النبي - ﷺ - أن أمته لا تجتمع على ضلال (١).
-----------------
(١) يشير إلى حديث: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»، وقد ورد بألفاظ مختلفة ومن طرق مختلفة، منها: ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا (٢١٦٧)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والحاكم ١/ ١١٦.
وما رواه أبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري بلفظ: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة».
قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: هذا حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال، منها لأبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا -وذكره- وفي إسناده انقطاع، وللترمذي والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا -وذكره- وفيه سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف.
وما رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢١٦٦) بلفظ: «يد الله مع الجماعة»، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. والحاكم ١/ ١١٦ بلفظ: «لا يجمع الله أمتي -أو قال: هذِه الأمة- على الضلالة أبدًا ويد الله على الجماعة».
قال الألباني في «المشكاة» (١٧٣) تعليقًا على حديث ابن عمر: علته سليمان المدني، وهو ابن سفيان، وهو ضعيف، لكن الجملة الأولى من الحديث صحيحة - يقصد: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»- لها شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما بسند صحيح. اهـ. وقد صححه الألباني أيضًا من حديث ابن عمر في «صحيح الجامع» (١٨٤٨).
وروى ابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٦ (٣٧١٨١) عن بشير بن عمرو قال: شيعنا ابن مسعود حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستانًا، فقضى الحاجة ثم توضأ ومسح على جوربيه، ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء، فقلنا له: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن لا ندري هل نلقاك أم لا، قال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح =
وفيه: أن عمارًا فهم عن النبي - ﷺ - أن هذِه الفتنة في الذين يستعاذ بالله منها، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أهو مأجور أم مأثوم إلا بغلبة الظن، فلو كان مأجورًا لما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث المروي: «لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها حصاد المنافقين» (١).
الرابعة:
فيه: فضيلة ظاهرة لعمار وهو علم من أعلام النبوة؛ لأن الشارع أخبر بما يكون فكان كما قال.
----------------
= بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة ..
صحح إسناده الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١ قال تعليقًا عليه: ومثله- يعني قول ابن مسعود: وعليكم بالجماعة .. - لا يقال من قبل الرأي.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ: «لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان، فإنها تبين المنافقين» عن على مرفوعًا، رواه أبو الشيخ الأنصاري في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٣/ ٥٤١ (٦٩٧)، والديلمي كما في دا الفردوس بماثور الخطاب«٥/ ٣٨ (٧٣٩٠)، وعزاه الحافظ في»الفتح«١٣/ ٤٤ لأبي نعيم لكن بلفظ»تبير المنافقين«بدلًا من»تبين المنافقين«، وقال: في سنده ضعيف ومجهول.
وذكره السيوطي في»الدر المنثور«(٤٤٥) وعزاه للديلمي بلفظ:»تبين المنافقين«، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة أخرى من المخطوط بلفظ:»تنثر المنافقين«.
وذكره محمد طاهر بن علي الهندي في»تذكرة الموضوعات«ص ٢٢٢ وعزاه لـ»الذيل، بلفظ: «لا تكرهوا الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين». وقال ابن تيمية: موضوع.
وقد أورده الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٤٣ بلفظ المصنف: «لا تستعيذوا بالله …» وقال: قد سئل ابن وهب قديمًا عنه، فقال: إنه باطل.
٦٤ - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ
٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ: «مُرِي غُلَامَكِ النَجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ». [انظر: ٣٣٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٥٤٣]
٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْن أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتِ الِمنْبَرَ. [٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٣]
ذكر فيه حديث سهل: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى امْرَأَةٍ: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ».
وحديث جابر أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ.
أما حديث سهل تقدم في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب (١)، وسيأتي في البيوع أيضًا (٢)، وحديث جابر يأتي في البيوع (٣)، وعلامات النبوة (٤).
وهو دال لما ترجم له، وهو الاستعانة بأهل الصناعات والقدرة في كل شيء يشمل المسلمين نفعه، والنادر إلى ذلك مشكور له فعله.
فإن قلت: حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن حديث
----------------
(١) سلف برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٢٠٩٤) باب: النجَّار.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٩٥) باب: النجَّار.
(٤) سيأتي برقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) كتاب: المناقب.
سهل: أنه - ﷺ - سأل المرأة أن تأمر غلامها بعمل المنبر، وحديث جابر أن المرأة سألت ذلك.
وأجيب: بأنه يحتمل أن تكون المرأة بدأت رسول الله بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها أمكن أن تنظر الغلام بعمله، فتعلقت نفسه - ﷺ - به فاستنجزها إتمامه، وإكمال عدتها إذ علم - ﷺ - طيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، وقد أسلفنا ذلك في باب الصلاة في السطوح، وقد يمكن أن يكون إرساله لها ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام في الأعواد، وأن يكون ذلك منبرًا.
وفيه: أن من وعد غيره لعدة أنه يجوز استنجازه فيها، وتحريكه في إتمامها.
٦٥ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا
٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الَخوْلَانِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - ﷺ -: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وِإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ». [مسلم: ٥٣٣ - فتع: ١/ ٥٤٤]
ذكر فيه عن عثمان أنه قال عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - ﷺ -: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإنِّي سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضا في آخر كتابه (٢) وهي سنة مشهورة رواها جماعات عن عثمان - رضي الله عنه -:
منهم: عمر؛ أخرجه ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: «من بنى (لله) (٣) مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة» (٤)، ولأبي نعيم: «لا يريد به رياءً ولا سمعة» (٥)
--------------
(١) في هامش (س): أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، وفي آخر كتابه فاعلمه.
(٢) مسلم (٥٣٣) كتاب: المساجد، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها، وبعد حديث (٢٩٨٣) (٥٣٣/ ٤٣ - ٤٤) كتاب: الزهد والرقائق، باب: فضل بناء المساجد.
(٣) ليست في المطبوع من «صحيح ابن حبان».
(٤) ابن حبان ٤/ ٤٨٦ (١٦٠٨)، ١٠/ ٤٨٦ (٤٦٢٨).
(٥) ورواه بهذا اللفظ من حديث عائشة الطبراني في «الأوسط» ٧/ ١١١ (٧٠٠٥).
ذكره الهيثمي ٢/ ٨، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه يحيى القطان وجماعة، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى. =
ومنهم علي أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف بلفظ: «من بنى لله مسجدًا من ماله» (١).
ومنهم جابر أخرجه ابن خزيمة بلفظ: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حر (٢) من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى (لله) (٣) مسجدًا كمفحص قطاة أو أصفر بنى الله (له) (٤) بيتا في الجنة». (٥)
ومنهم أبو ذر أخرجه أبو نعيم بلفظ: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص (٦) قطاة» (٧) وقال أبو حاتم الرازي: نفس الحديث موقوف، وهو أصح (٨).
ومنهم: أبو بكر: «من بنى مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة» (٩)؛ قال أبو حاتم الرازي: منكر (١٠).
---------------
= وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٩٩)، قال: حسن أو صحيح بشواهده.
(١) «سنن ابن ماجه» (٧٣٧). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٩٣: هذا إسناد ضعيف؛ الوليد مدلس، وابن لهيعة ضعيف.
(٢) في «صحيح ابن خزيمة»: حري.
(٣) لفظ الجلالة ليس في المطبوع من «صحيح ابن خزيمة».
(٤) من «صحيح ابن خزيمة» وليست في (س).
(٥) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٦٩ (١٢٩٢).
(٦) في «حلية الأولياء» بروايتين عن أبي ذر، إحداها بلفظ: «مثل مفحص». والأخرى بلفظ: «مفحص».
(٧) «حلية الأولياء» ٤/ ٢١٧.
(٨) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٩٧ (٢٦١).
(٩) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٤٦ (٧١١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٤.
وذكره الهيثمي ٢/ ٨، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: وهب بن حفص، وهو ضعيف.
(١٠) «علل أبن أبي حاتم» ١/ ١٤٠ (٣٩٠).
ومنهم أنس أخرجه أبو عيسى بلفظ: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا» (١)؛ وأخرجه أبو نعيم بلفظ: «من بنى لله مسجدًا في الدنيا يريد به وجه الله» قالوا: إذن نكثر يا رسول الله، قال: «الله أكثر» (٢)، وفي لفظ: «كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدًا، فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة» (٣).
ومنهم: أبو هريرة أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» بلفظ: «من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا بنى الله له بيتًا في الجنة من الدر والياقوت» (٤). قال أبو زرعة: هو وهم، وقال ابن أبي حاتم: الصحيح أنه موقوف (٥).
---------------
(١) «سنن الترمذي» (٣١٩). وقد ضعفه العلامة أحمد شاكر في تعليقه عليه، وضعفه أيضًا العلامة الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٥٠٩).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ووجدته من حديث أنس مرفوعًا لابن عدي في «الكامل» ٦/ ٤٧ بلفظ: «من بنى لله مسجدًا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة». قالوا: يا رسول الله، إذن يكثر. قال: «فالله أكثر». وفي سنده عمر بن رديح، وقد ضعفه ابن عدي.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ مقارب دون لفظ: «فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة»، رواه من حديث أنس مطولًا مرفوعًا أبو داود (٥٢٣٧) بلفظ: «.. أما إن كلَّ بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا»- يعني: ما لابد منه. وأحمد ٣/ ٢٢٠ بلفظ: «أما إن كل بناء هدٌّ على صاحبه يوم القيامة، إلَّا ما كان في مسجد- أو في بناء مسجد ..»، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (٢٨٤) بلفظ: «كل بناء وبال على أهله يوم القيامة إلا مسجد ..»، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٣٩٠ - ٣٩١ (١٠٧٠٥، ١٠٧٠٧) بلفظ ابن أبي الدنيا. وجود إسناد أبي داود الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٠٥٤). وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٢٢).
(٤) «شعب الإيمان» ٣/ ٨٠ (٢٩٣٧) بلفظ: «من بنى لله بيتًا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت». فيه سنده سليمان بن داود اليمامي، وهو منكر الحديث. انظر: «لسان الميزان» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩ (٣٩٠٣).
(٥) «علل الحديث» ١/ ١٧٨.
وروي أيضا من حديث معاذ (١)، وواثلة (٢)، وعمرو بن عبسة (٣) وأبي أمامة (٤)، وعائشة (٥)، وأبي قرصافة (٦)، وابن عمر (٧)
--------------
(١) رواه الإسماعيلي في «المعجم» ٢/ ٧٠١ - ٧٠٢، والسهمي في «تاريخ جرجان» ص ١١٢، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٠٦ (٦٨٢) وقال: هذا حديث لا يصح، قال الفلاس: كان عاصم بن سليمان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال الدارقطني: كذاب.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٩٠، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٧١، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٧٧ - ١٧٨ (٩٢٠)، والطبراني ٢٢/ (٢١٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٦٨. وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، وفيه الحسن بن يحيى الخُشني، ضعفه الدارقطني وابن معين في رواية، ووثقه في رواية، ووثقه دحيم وأبو حاتم.
(٣) رواه النسائي ٢/ ٣١، وفي «الكبرى» ٣/ ٢٥٥ (٧٦٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٣٩ - ٤٠ (١٣٢٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ١٨٨ (١١٦٢)، والبغوي في «شرح السنة» ٩/ ٣٥٥ (٢٤٢٠). صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٣٠).
(٤) رواه الطبراني ٨/ ٢٢٥ (٧٨٨٩). ذكر الهيثمي ٢/ ٨ وقال: وفيه علي بن زيد، وهو ضعيف.
(٥) رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» ١/ ٤٣٦، والبزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٤)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٧ (٦٥٨٦)، ٧/ ١١١ (٧٠٠٥)، ذكره الهيثمي ٢/ ٨ من طريقين، قال في أحدهما: رواه البزار والطبراني في «الأوسط» باختصار، وفيه: كثير بن عبد الرحمن، ضعفه العقيلي وذكره ابن حبان في «الثقات». اهـ. وقال في الطريق الآخر: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه يحيى القطان وجماعة، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى. اهـ.
وجوَّد إسناد أبي عبيد في «غريبه» الشوكانيُّ في «نيل الأوطار» ٢/ ١٤٨.
(٦) رواه الطبراني ٣/ ١٩ (٢٥٢١). ذكره الهيثمي ٢/ ٩ وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفي إسناده مجاهيل. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٦٧٥).
(٧) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٣)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ١٩٤ =
وابن عمرو (١)، وأبي سعيد (٢)، وأم حبيبة (٣)، وغيرهم (٤).
والمساجد بيوت الله وقد أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وحسبك بهذا شرفًا لها، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية، فهي أفضل بيوت الدنيا وخير بقاع الأرض، وقد تفضل الله تعالى على بانيها بأن بنى له
-----------------
= (٦١٦٧)، قال البزار: لا نعلمه إلا عن ابن عمر بهذا الإسناد، والحكم ليِّن الحديث، وقد روى عنه جماعة كثيرة.
وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه البزار والطبراني في «الأوسط» إلا أنه قال- يقصد الطبراني-: «ولو كمفحص قطاةٍ»، وفيه الحكم بن ظهير وهو متروك.
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٢١. وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو متكلم فيه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه الطبراني ٢٣/ ٢٣١ (٤٣٧)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٥٠، ٨/ ٤٢٦.
(٤) رواه أيضًا من حديث ابن عباس أحمد ١/ ٢٤١، والبزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٢). وقال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وجابر تكلم فيه جماعة، ولا نعلم أحدًا قدوة ترك حديثه. اهـ.، وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف.
ورواه أيضًا من حديث أسماء بنت يزيد أحمد ٦/ ٤٦١، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ١/ ٤٥٧ (٤٤٨)، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ١٢٦، والطبراني ٢٤/ (٤٦٨)، وفي «الأوسط» ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢ (٨٤٥٩). ذكره الهيثمي ٢/ ٨. وقال: ورجاله موثقون. والحديث: فيه محمود بن عمرو الأنصاري، قال الحافظ في «التقريب» (٦٥١٤): مقبول.
وروي أيضًا عن غير هؤلاء، ذكر الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ١٤٨ نقلًا عنه لابن منده في كتابه «المستخرج من كتب الناس» أنه رواه عن النبي - ﷺ - رافع بن خديج، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وفضالة بن عبيد، وقدامة بن عبد الله العامري ومعاوية بن حيدة، والمغيرة بن شعبة، والمقداد بن معد يكرب، وأبو سعيد الخدري.
قصرًا في الجنة، وأجر المسجد جارٍ لمن بناه في حياته وبعد مماته، ما دام يذكر الله فيه، ويصلى فيه، وهذا مما جاءت المجازاة فيه من جنس الفعل.
وقوله: (حين بنى مسجد الرسول) […] (١) حين بناه بالحجارة وزاد فيه كما تقدم.
وقوله: (يبتغي به وجه الله) أي: مخلصا في بنائه له، ومن كتب اسمه عليه. فهو بعيد من الإخلاص كما نبه عليه ابن الجوزي؛ لأن المخلص يكتفي برؤية العمل المعمول معه، وقد كان حسان بن أبي حسان يشتري أهل البيت فيعتقهم ولا يخبرهم من هو.
وقوله: «بنى الله له مثله في الجنة» يحتمل أن يكون مثله في المسمى، وأما السعة فمعلوم فضلها أو فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا؛ بسبب إضافته إلى الرب تعالى، وقد بشر الشارع خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (٢)، والآخر يضاعف بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص، ولما فهم عثمان هذا المعنى سابق في بناء المسجد، وحسنه وأخلص فيه وتابعوه.
---------------
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) يشير إلى حديث عبد الله بن أبي أوفي، الآتي برقم (١٧٩٢) كتاب: العمرة، باب: متى يُحِلُّ المعتمر، وبرقم (٣٨١٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي - ﷺ - خديجة، وفضلها رضي الله عنها. ورواه مسلم (٢٤٣٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|