
26-01-2026, 04:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,007
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (5)
من صـــ 347 الى صـــ 366
الحلقة (133)
وذكر ابن بطال وغيره عن سفيان بن عيينة أنه - ﷺ - إنما رد الخميصة؛ لأنها كانت سبب شغله، كما قال: «اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان» (١) قال: ولم يكن الشارع ليبعث إلى غيره بشيء يكرهه لنفسه، ألا ترى قوله لعائشة في الضب: «إنا لا نتصدق بما لا نأكل» (٢)، وكان أقوى خلق الله على دفع الوسوسة، ولكن كرهها لدفع الوسوسة كما قال لعائشة: «أميطي عنا قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي» (٣) قال: وفي رده الخميصة تنبيه منه وإعلام أنه يجب على أبي جهم من اجتنابه في الصلاة مثلما عليه؛ لأن أبا جهم أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشي الشارع، ولم يرد بردها عليه منعه من ملكها ولباسه في غيرها، وإنما معناها كمعنى الخلة التي أهداها لعمر وحرم عليه لباسها، وأباح له الانتفاع بها وبيعها. قال: وفيه دليل أن الواهب والمهدي إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها؛ إذ لا عار عليه في قبولها.
وذكر غيره أنه إنما كرهها لما فيها من الحرير.
----------------
(١) ذكر هذِه القصة البيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩، وأصل الحديث في البخاري برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت، ومسلم (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) سيأتي في الباب التالي برقم (٣٧٤).
١٥ - باب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ، هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ
٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي». [٥٩٥٩ - فتح: ١/ ٤٨٤]
ثم ساق حديث أَنَسٍ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي».
الكلام عليه من أوجه.
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه النسائي بألفاظ منها: «يا عائشة، أخري هذا، فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا» (٢) ومنها: فهتكه بيده، وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله» (٣).
ثانيها:
ذكر البخاري المصلب مع التصاوير لأن كلا منهما تعبد فكان بينهما مناسبة، وذكر هذا الحديث هنا لأنه لما تعرضت التصاوير له في صلاته نزعها عنه لأنها له، فإذا صلى فيها كان بطريق أولى.
-------------------
(١) سيأتي برقم (٥٩٥٩).
(٢) النسائي ٨/ ٢١٣. ولفظه: «يا عائشة حوّليه فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت ..»
(٣) السابق ٨/ ٢١٤.
ثالثها:
القِرام -بكسر القاف- ستر فيه رقم ونقوش، قاله الجوهري (١).
وقال الخليل: ثوب صوف ملون.
وقيل: ستر رقيق.
وقيل: من صوف غليظ جدًّا يفرش في الهودج، أو يغشى به (٢).
ومعنى «أميطي»: نحي. قال الكسائي: مطت عنه وأمطت: نحيت، وكذلك مطت غيري وأمطته، وأنكر ذلك الأصمعي وقال: مطت أنا وأمطت غيري (٣).
رابعها:
الحديث دال على عدم بطلان الصلاة بذلك؛ لأنه ذكر أنها عرضت له، ولم ينقل أنه قطعها ولا أعادها، وهو يشبه الحديث الذي في الباب قبله؛ لأنه لما نهي عن القرام الذي فيه التصاوير علم أن النهي عن لباسه أشد وآكد، وهذا كله على وجه الكراهة، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء، لما سلف من أنه - ﷺ - لم يعدها. قال المهلب: وإنما أمر باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي الشغل (٤).
-------------------
(١) «الصحاح» ٥/ ٢٠٠٩ مادة: (قرم).
(٢) «العين» ٥/ ١٥٩ مادة: (قرم).
(٣) انظر: «معجم تهذيب اللغة» ٤/ ٣٣٢٧ مادة: ماط، «لسان العرب» ٧/ ٤٣٠٨ مادة: (ميط).
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨.
خامسها:
فيه النهي عن الصور، وقيل: إنه منسوخ بحديث سهيل إلا ما كان رقمًا في ثوب (١)، وقيل: إنه مخصوص بخبر سهل، وذلك أنه كرهها في خاصة نفسه، وأباحها للباس للضرورة، حكاهما ابن التين.
قال الخطابي: ويشبه أنها سترت عورة من بيتها لعلمها بنهيه - ﷺ - عن ستر الجدر (٢)، ويحتمل أن يكون النهي مع هذا أو بعده.
---------------
(١) رواه الترمذي (١٧٥٠)، والنسائي ٨/ ٢١٢، وفي «الكبرى» (٩٧٦٦)، ومالك ٢/ ١٤٣ - ١٤٤ (٢٠٣٤) برواية أبي مصعب، وأحمد ٣/ ٤٨٦، والطحاوي ٤/ ٢٨٥ في «شرح معاني الآثار»، وابن حبان في «صحيحه» ١٣/ ١٦٢ (٥٨٥١)، وصححه الألباني في «غاية المرام» ١/ ١٠٢.
(٢) انظر: «أعلام الحديث» ١/ ٣٥٨.
١٦ - باب مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ
٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الَخيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا -كَالْكَارِهِ لَهُ- وَقَالَ: «لَا يَنْبَغِي هذا لِلْمُتَّقِينَ». [٥٨٠١ - مسلم: ٢٠٧٥ - فتح: ١/ ٤٨٤]
ثم ساق بإسناده من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا- كَالْكَارِهِ لَهُ- وَقَالَ: «لَا يَنْبَغِي هذا لِلْمُتَقِينَ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم في اللباس (١)، والنسائي منه (٢)، والبخاري أيضًا هناك (٣).
ثانيها:
(فروج) بفتح الفاء ثم راء مضمومة مشددة: قال ابن الجوزي: كذا ضبطناه عن شيوخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويقال: بضم الفاء من غير تشديد على وزن خروج على غير المعدى. وقال القرطبي: قيد بفتح الفاء وضمها، والضم المعروف، وأما الراء فمضمومة، على كل حال مشددة، وقد تخفف (٤).
-------------------
(١) مسلم (٢٠٧٥) باب: تحريم استعمال إناء الذهب …
(٢) النسائي ٢/ ٧٢ كتاب: القبلة، باب: الصلاة في الحرير، وليس كما يوهم عزو المصنف.
(٣) سيأتي برقم (٥٨٠١) باب: القباء وفروج حرير …
(٤) «المفهم» ٥/ ٣٩٨.
وقال ابن قرقول: هو بفتح الفاء والتشديد في الراء، ويقال تخفيفها أيضًا. وهو كما قال البخاري في كتاب اللباس: القباء الذي شق من خلفه. وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يتشمر فيه للحرب والأسفار (١). قلت: وهو لبس الأعاجم.
ثالثها: قيل: إن لبسه كان قبل تحريم الحرير على الرجال. قال النووي: ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه، ولهذا قال في حديث جابر عند مسلم: صلى في قباء ديباج ثم نزعه. وقال: «نهاني عنه جبريل» فيكون أول التحريم هذا (٢). قال ابن حزم: وروينا عن أبي الخير أنه سأل عقبة بن عامر الجهني عن لبنة حرير في جبة فقال: ليس بها بأس (٣).
رابعها: قوله: («لا ينبغي هذا للمتقين») وفي رواية: «إن هذا ليس من لباس المتقين» (٤) أي: المؤمنين، فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له.
خامسها: اختلف العلماء في الصلاة في الثوب الحرير:
فقال الشافعي وأبو ثور: يحرم وتصح. وقال ابن القاسم عن مالك:
من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره. وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره. وهو قول
-------------------
(١) السابق ٥/ ٣٩٧.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١٤/ ٥٢.
(٣) «المحلى» ٤/ ٤٠.
(٤) رواه الطبراني ١٧/ ٢٧٥ (٧٥٨).
أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة فيه للترهيب على العدو والمباهاة. وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك يجوز يعيد. ومن أجاز الصلاة فيه احتج بأنه لم يرد عن الشارع الإعادة، وهو عجيب؛ لأنه إذ ذاك مباحًا، ومن لم يجزها أحد لعموم تحريمه - ﷺ - لباس الحرير للرجال (١).
---------------
(١) «طرح التثريب» ٣/ ٢١٩، وانظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٦٢، «المنتقى» ١/ ١٤٩، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٦٨٤ - ١٦٨٧، «المجموع» ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، «المغني» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
١٧ - باب الصَّلَاةِ فيِ الثَّوْبِ الأَحْمَرِ
٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمُّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ١/ ٤٨٥]
ساق فيه حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره في باب: سترة الإمام سترة من خلفه (١) وبعده بقليل في باب الصلاة إلى العنزة (٢)، وأخرجه في اللباس أيضا في باب القبة الحمراء من أدم (٣).
--------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٩٩).
(٣) سيأتي برقم (٥٨٥٩).
وأخرجه مسلم (١) والأربعة (٢) (٣)، وسلف أيضًا بعضه في باب استعمال فضل وضوء الناس (٤)، ويأتي بعضه في باب السترة بمكة وغيرها (٥).
ثانيها:
قوله: (في قبة حمراء): هذا قد جاء مصرحًا به أنه كان بالأبطح بمكة (٦)، وهو الموضع المعروف، ويقال له: البطحاء. ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو المحصب. وهو خيف بني كنانة، وزعم بعضهم أنه ذو طوى، وليس كذلك كما نبه عليه ابن قرقول.
ثالثها:
(الأدم): بالفتح جمع أديم، وهو الجلد ما كان، وقيل: الأحمر. وقيل: المدبوغ. ذكره في «المحكم» (٧)، وقيل: باطن الجلد، قاله في «الجامع» (٨).
رابعها:
(الحلة): بضم الحاء، إزار ورداء، سميا بذلك لأن كل واحد يحل على الآخر، ولا يقال: حلة لثوب واحد إلا أن يكون له بطانة، ووقع في
-----------------
(١) مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٢) أبو داود (٥٢٠) والترمذي (١٩٧)، والنسائي ٢/ ٧٣، وابن ماجه (٧١١).
(٣) في هامش الأصل بخط ناسخها: من خط الشيخ: الكل في الصلاة خلا النسائي ففي الطهارة والحج والزينة.
(٤) سلف برقم (١٨٧) كتاب: الوضوء.
(٥) سيأتي برقم (٥٠١).
(٦) سيأتي برقم (٦٣٣) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة …
(٧) «المحكم» ١٠/ ٩٧ مادة: (أدم).
(٨) انظر: «مختار الصحاح» ٥/ ١٨٥٨ - ١٨٥٩ مادة: (أدم)، «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٣ باب: الهمزة مع الدال.
«سنن البيهقي» في الجنائز: تقييدها بالحمرة غالبًا (١).
خامسها:
(الوَضوء) هنا بفتح الواو، و(العنزة): سلف بيانها في الطهارة، ومعنى ركزها: أثبتها، وقد أوضحت كل ذلك في «شرح العمدة» (٢).
سادسها:
فيه أنه لا بأس بلباس الأحمر، وأنه غير قادح في الزاهد، وهو راد على من زعم كره لباسه، وزعم بعضهم أن لبسها كان لأجل الغزو، وفيه نظر؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يبق له عدو إذ ذاك، وحديث النهي عنه مؤول بما صبغ بالعصفر.
سابعها:
قوله: (يبتدرون): أي: يستبقوا (٣) إليه تبركًا بآثاره الشريفة، وفيه التبرك بآثار الصالحين، واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم (٤).
ثامنها:
قوله: (مشمرًا): أي: رافعًا إلى أنصاف ساقيه، ونحو ذلك كما جاء في الرواية الأخرى: كأني أنظر إلى بياض ساقيه (٥). ففيه: رفع الثوب عن الكعبين.
-----------------
(١) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ٤٠٠ من حديث ابن عباس. قال: قال عثمان: في ثلاثة أثواب حلة حمراء وقميصه الذي مات فيه - ﷺ -.
(٢) «الإعلام بفوائد الأحكام» ١/ ٢٢١، ٤٧٨.
(٣) كذا بالأصل، والأولى: يستبقون.
(٤) سلف تعليقنا على هذا الكلام وبينا فساده، فراجعه.
(٥) رواه مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. وفي البخاري (٣٥٦٦) =
تاسعها:
صلاته هذِه هي الظهر، وجاء أنه صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، ففيه: أن المطلوب قصر الرباعية في السفر، وإن كان قرب بلد.
عاشرها:
قوله: (ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة): يريد أمامها كما جاء في رواية أخرى، وقد جاء في رواية: يمر من ورائها المرأة والحمار، وفي رواية أخرى: يمر بين يديه المرأة والحمار. وأمام ووراء من الأضداد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] يريد: أمامهم. واختلف: هل سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو هي سترة له خاصة والإمام سترتهم؟ وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله.
----------------
= بلفظ: «وبيض ساقيه».
١٨ - باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبِر وَالْخَشَبِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. وَصَلَّى ابن عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ.
٣٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الِمنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَامَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّر وَقَامَ النَّاسُ خَلْفِهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الِمنْبَرِ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى حَتَّى سَجَدَ بِالأرْضِ، فهذا شَأْنُهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَأَلنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله عَنْ هذا الَحدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بهذا الَحدِيثِ. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هذا كَثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا. [٤٤٨، ٩١٧، ٢٠٩٤، ٢٥٦٩ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٤٨٦]
٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا». وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». [٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ - مسلم: ٤١١ - فتح: ١/ ٤٨٧]
أصل المنبر من النبر وهو الارتفاع، وسطح كل شيء أعلاه، صرح به الجوهري (١) وغيره.
قَالَ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ.
الجمْد: بفتح الجيم وضمها كما قال ابن التين، مثل عَشْر، وعُشْر، مكان صلب مرتفع، وقال ابن قرقول: إنه بسكون الميم، وفي كتاب الأصيلي: والصواب: السكون، وهو الماء الجامد من شدة البرد بدليل الترجمة. وقال صاحب «المحكم»: الجمد: الثلج (٢)، زاد ابن عديس الفتح، وقال ابن جعفر هو بالفتح. وقال غيره: هو بالفتح والضم، وبضمهما: ما ارتفع من الأرض. وقال الفارابي: الجمد ما جمد من الماء نقيض الذوب، وهو مصدر. وقال الجوهري: هو بالتحريك جمع جامد والجمْد والجمُد مكان صلب مرتفع، والجمع أجماد وجماد (٣).
و(القناطر): جمع قنطرة، وهو كما قال ابن سيده: ما ارتفع من البنيان (٤). وقال الجوهري: هو الجسر (٥) أي: الذي يجعل على النهر يعبر عليه.
وقوله: (إذا كان بينهما سترة). لأنه إذًا كالبعيد قربت النجاسة منه أو بعدت، وفي «المدونة»: من صلى وأمامه جدار أو مرحاض أجزأه (٦)، وقال ابن حبيب: إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدًّا (٧).
-------------------
(١) «الصحاح» ٢/ ٨٢١، مادة: (نبر).
(٢) «المحكم» ٧/ ٢٤٥ مادة: (جرم).
(٣) «الصحاح» ٢/ ٤٥٩ مادة: (جمد).
(٤) «المحكم» ٦/ ٣٨٥ ما دة: القاف والطاء.
(٥) «الصحاح» ٢/ ٧٩٦.
(٦) «المدونة» ١/ ٨٩.
(٧) انظر: «مواهب الجليل» ٢/ ٦٥.
قال البخاري: وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. لذا ذكره بصيغة الجزم، وابن أبي شيبة رواه في «مصنفه» عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، وفيه مقال. قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (١)، وقد صح عن غير واحد. رواه ابن أبي شيبة عن أنس، وسالم بن عبد الله، وغيرهما (٢)، ولا بأس أن يصلي المأموم على السطح والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين (٣)، وهو قول مالك في غير الجمعة (٤)، وقال [الليث] (٥): لا بأس أن يصلي الجمعة ركعتين على ظهر المسجد، وفي الدور على الدكاكين، وفي الطرق إذا اتصلت الصفوف ورأى الناس بعضهم بعضًا حتى يصلوا بصلاة الإمام (٦)، وعن الشافعي مثله (٧).
قال البخاري: وَصَلَّى ابن عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ.
ثم ذكر البخاري حديثين:
أحدهما: حديث سهل بن سعد في شأن المنبر.
والثاني: حديث أنس في المشربة، وهي الغرفة، وصلى على ألواحها وخشبها (٨). وهو موضع الترجمة، وذكر ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه كان مريضًا فكان يصلي قاعدًا، فجعل له وسادة، وجعل له لوح عليها فسجد عليه (٩).
-------------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣٥ (٦١٥٨).
(٢) السابق ٢/ ٣٥ (٦١٦٠).
(٣) انظر: «المغني» ٣/ ٤٤ - ٤٥.
(٤) «المدونة» ١/ ٨٢، ١٤١.
(٥) في الأصل (مالك)، والمثبت من شرح ابن بطال، وهو الصحيح.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢.
(٧) انظر: «مختصر المزني» ص ٤٠، «البيان» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١، «المجموع» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١.
(٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: وكذا صلاته على المنبر.
(٩) «المصنف» ١/ ٢٤٦ (٢٨٣٣).
وكره قوم السجود على العود: روي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود أخرجهما ابن أبي شيبة: قال علقمة: دخل عبد الله على أخيه عبدة يعوده فوجده يصلي على عود فطرحه، وقال: إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، وإن لم تستطع فأومئ إيماء. وكرهه الحسن وابن سيرين (١).
وروى ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يحمل معه لبنة في السفينة (٢). يعني: يسجد عليها، وابن أبي شيبة وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه، وحجتهم الإتباع في المنبر والمشربة.
فأما حديث سهل فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أن البخاري ذكره قريبًا (٣)، وفي الجمعة (٤)، والهبة أيضًا (٥)، وأخرجه مسلم (٦)، وأبو داود (٧)، والنسائي (٨)، وابن ماجه (٩).
ثانيها:
قوله: (من أي شيء المنبر؟) أي: منبر رسول الله - ﷺ -، (والأثل) الطرفاء؛ ولهذا جاء هنا (من أثل الغابة) وفي أخرى: من طرفاء الغابة، وقيل: إنه يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، والغابة: من عوالي المدينة من جهة الشام، والغابة: المكان الملتف بالشجر، والغابة:
------------------------
(١) السابق ١/ ٢٤٦ (٢٨٢٩، ٢٨٣٠ - ٢٨٣٢).
(٢) السابق ٢/ ٧٢ (٦٦٠٤).
(٣) سيأتي برقم (٤٤٨) باب: الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد.
(٤) سيأتي برقم (٩١٧) باب: الخطبة على المنبر.
(٥) سيأتي برقم (٢٥٦٩) باب: من استوهب في أصحابه شيئًا.
(٦) مسلم (٥٤٤) كتاب: المساجد، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.
(٧) أبو داود (١٠٨٠).
(٨) النسائي ٢/ ٥٧ - ٥٨.
(٩) ابن ماجه (١٤١٦).
اسم لقرية أيضًا بالبحرين، وقال ابن بَشكوال: في بعض الروايات: من أثلة كانت قريبة من المسجد.
ثالثها:
صانع المنبر: هل هو ميمون النجار، أو قبيصة المخزومي، أو صُباح غلام العباس، أو إبراهيم، أو باقوم -بالميم وباللام- غلام سعيد بن العاصي، أقوال ذكرها ابن الأثير (١)، وقال ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: للعباس، وقيل: لامرأة من الأنصار. قال ابن سعد: في السنة السابعة: ويقال: في الثامنة، وهو أول منبر عمل في الإسلام، وقيل: صنعه مينا ذكره المنذري، وفي أبي داود: أنه تميم الداري (٢).
رابعها:
قوله: (ما بقي من الناس أعلم به مني). فيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليوجه إلى حفظه.
خامسها:
في «الصحيح» كما سيأتي في إيتاء الصلاة: أنه - ﷺ - أرسل إلى امرأة:
------------
(١) لم أقف على ما نسبه المصنف لابن الأثير أنه ذكر الاختلاف في اسم صانع المنبر ولكن رأيته في «أسد الغابة» في ترجمة «باقوم الروم» ١/ ١٩٥ ترجمة (٣٥٨) فقال بعد أن ترجم له: يروى عنه صالح مولى التوأمة: أنه صنع لرسول الله - ﷺ - منبره من طرفاء، ثلاث درجات القعدة ودرجتيه. أخرجه الثلاثة. وقال أبو عمر: إسناده ليس بالقائم. ثم رأيت ابن حجر قد ذكر هذا الاختلاف في «الفتح» ٢/ ٣٩٩، وذكر سبعة أسماء ورجح أن يكون ميمون.
(٢) رواه أبو داود (١٠٨١) عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - لما بدَّن قال له تميم الداري ألا اتخذ لك منبرًا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك قال: «بلى». فاتخذ له منبرًا مرقاتين. وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٩٨: إسناده جيد. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩٣).
«انظري كلامك النجار يعمل لي أعوادا» (١) وفيه: أن امرأة، قالت له ذلك فلعلها ابتدأت بذلك ثم أرسل وكان ثلاث درجات، ومن قال كان درجتين أسقط موضع المقام.
سادسها:
فيه دلالة على ما ترجم له وهو الصلاة على المنبر، وقد علل صلاته عليه وارتفاعه على المأمومين بالإتباع له والتعليم فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلا لحاجة كمثل هذا فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد (٢) كما حكاه البخاري والليث، وعن مالك المنع والأوزاعي أيضًا (٣)، وحكي أيضًا عن أبي حنيفة كما ذكره ابن حزم لكن المعروف عنه الكراهة، وإجازته في مقدار قامة فأقل، وأجاز مالك في الارتفاع اليسير، وعلل المنع بأنه يفعل على وجه الكبر، والشارع معصوم منه (٤).
سابعها:
القهقرى: المشي إلى خلف، وأصلها مصدر قهقر، وفي نصبها مذاهب، وقد أوضحتها مع فوائد هذا الحديث في «شرح العمدة» فراجعه منه (٥)، ورجوعه القهقرى خوف الاستدبار، وهو عمل يسير؛ لأنه مشي خطوتين.
-------------------
(١) مسلم (٥٤٤) كتاب: المساجد، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.
(٢) «الأم» ١/ ١٥٢، «المحرر» ١/ ١٢٣، «النكت والفوائد السنية» ١/ ١٢٣.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨٢، «المغني» ٣/ ٤٧.
(٤) «المحلى» ٤/ ٨٤ - ٨٦، وانظر: «المبسوط» ١/ ٣٩ - ٤٠، «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٦، «التاج والإكليل» ٢/ ٤٥٤.
(٥) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ١١٩.
وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري أيضًا في الصيام (١) والنذور (٢) والمظالم (٣)، ومسلم أيضًا (٤) في الصلاة والصوم (٥).
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
معنى (جحشت ساقه): خدشت، أي: أصابه وجع منعه القيام، وكان ذلك في ذي الحجة، سنة خمس من الهجرة، وقوله: (آلى). أي: حلف، وليس الإيلاء المعروف، (والمشربة): بشين معجمة، ثم راء مضمومة أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل: الغرفة، وقيل: الخزانة هي بمنزلة السطح لما تحتها. والجذع: بالذال المعجمة.
وقوله: («إنما جعل الإمام») لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول الثاني لجعل؛ لأنها هنا بمعنى صير، والتقدير: إنما جعل الإمام إمامًا. والأول: ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى: «ليؤتم به» ليقتدى به.
ثانيها:
قوله: («فإذا كبر فكبروا») هذِه فاء التعقيب فتقتضي أن تكون أفعال
المأموم القولية والفعلية عقب أفعال الإمام (… ...) (٦)، فنبه بالتكبير على القولية وأفعال الإمام القولية والفعلية فيه، وبالركوع على الفعلية، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يكبر مع الإمام لا قبله، وصاحباه وافقا الشافعي في
---------------
(١) سيأتي برقم (١٩١١)، باب: قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا».
(٢) سيأتي برقم (٦٦٨٤)، باب: من حلف أن لا يدخل على أهله شهرًا.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٦٩)، باب: الغرفة والعلية المشرفة في السطوح وغيرها.
(٤) مسلم (٤١١)، باب: ائتمام المأموم بالإمام.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) قدر ثلاث كلمات غير واضحة بالأصل.
كونه بعده (١).
ثالثها:
إنما تقتضي الحصر للإمام والمتابعة في كل شيء، حتى النية والهيئة من الموقف وغيره، وقد اختلف في ذلك العلماء، فقال الشافعي وطائفة: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصا بالأفعال الظاهرة (٢)، وقال مالك وأبو حنيفة: يضر اختلافها، وجعلا اختلاف النيات داخلا تحت الحصر في الحديث (٣)، وقال مالك وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عاما فيما عدا ذلك (٤)، وقد أوضحت الكلام على ذلك في «شرحي للعمدة» (٥).
رابعها:
قوله: «وإن صلى قائما فصلوا قياما») وهذا الحديث ذكره بعد أن صلى جالسًا (وهم) (٦) قيام عند الشافعية، [وغيرهم] (٧) ومنهم البخاري والحنفية والجمهور منسوخ بحديث عائشة الآتي: أنه - ﷺ - صلى قاعدًا، وأبو بكر والناس قيام، وكان هذا في مرض موته (٨). ونقله البخاري في «صحيحه» في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. عن الحميدي (٩)، وأبى
--------------------
(١) انظر: «المجموع» ٤/ ١٦٨.
(٢) السا بق ٤/ ١٦٨.
(٣) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٨٨، «عقد الجواهر الثمنية» ١/ ١٤٣.
(٤) انظر: «الاستذكار» ٥/ ٣٨١ - ٣٨٧.
(٥) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٥٤ - ٥٧٦.
(٦) كلمة غير مقروءة بالمخطوطة وما أثبتناه يقتضيه السياق. انظر: «الإعلام» ٢/ ٥٦٤.
(٧) زيادة يقتضيها السياق.
(٨) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٦٤.
(٩) سيأتي برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان.
ذلك ابن حبان (١) كما أوضحته في الشرح المذكور، فسارع إليه (٢)، وقد أوجب أحمد وابن المنذر وابن حزم والأوزاعي قعود المأموم عند قعود الإمام (٣)، وقال مالك في المشهور عنه وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسًا (٤) لحديث: «لا يؤم أحد بعدي جالسا» (٥) لكنه مرسل واه، ومن زعم اختصاص ذلك به فقد أبعد، وسيأتي الكلام على حلفه وقوله: («إن الشهر تسع وعشرون») في موضعه إن شاء الله. وهذِه الصلاة الظاهر أنها مكتوبة؛ لقوله في بعض طرق الحديث: «فحضرت الصلاة»، وأشار ابن القاسم إلى أن ذلك كان في النافلة كما حكاه القرطبي (٦).
-------------------------
(١) «صحيح ابن حبَّان» ٥/ ٤٧١ - ٤٧٥.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٥٤ - ٥٧٦.
(٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٨٨، «المغني» ٣/ ٦١، «المحلى» ٣/ ٥٩ - ٦٣.
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٣٩، «الكافي» ص ٤٦.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٦٣ (٤٠٨٨)، ومالك (١٥٩) برواية محمد بن الحسن الشيباني، والدارقطني ١/ ٣٩٨، والبيهقي ٣/ ٨٠.
قال الدارقطني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل لا يقوم به حجة.
قال الشافعي في «الرسالة» ص ٢٥٥ - ٢٥٦ وقد أوهم بعض الناس، فقال: لا يؤمنَّ أحد بعد النبي جالسًا، واحتج بحديث رواه منقطع عن رجل مرغوب الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد.
وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «الرسالة» هذا الحديث غاية في الضعف.
(٦) «المفهم» ٢/ ٤٦.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|