عرض مشاركة واحدة
  #133  
قديم 26-01-2026, 04:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 327 الى صـــ 346
الحلقة (133)






التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه».
قلت: هو إذن من الأضداد، قال ثعلب: أخذت الشيء عنوة أي: قهرًا في عنف، وأخذته عنوة أي: صلحًا في رفق. قال أبو عمر: والصحيح في أرض خيبر كلها عنوة مغلوب عليها بخلاف فدك (١). وقال المنذري: اختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحًا أو جلا أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحًا وبعضها جلا عنه أهله. قال: وهذا هو الصحيح وعليه تدل السنن الواردة، ويندفع التضاد عن الأحاديث.
وسنذكر ذلك إن شاء الله بشواهده في ذكر خيبر وفي كتاب النكاح.
الحادي عشر:
دحية بفتح الدال وكسرها. وصفية قيل: كان اسمها قبل السبي زينب، فسمت بعد السبي والاصطفاء صفية، والصحيح أن هذا اسمها قبله، ووالدها: حيي بضم الحاء المهملة وكسرها.
الثاني عشر:
ظن بعضهم أن استرجاع الشارع صفية من دحية بعد أن أعطاها له كان هبة منه لها، فاستشكل عليه استرجاعه لها فأخذ يعتذر عنه بأعذار ولا يحتاج إليه، وقد أزال إشكال هذِه الرواية الروايات الثابتة أن صفية إنما صارت لدحية في مقسمه، وأنه - ﷺ - اشتراها منه بسبعة أرؤس (٢)، وقوله: («خذ جارية من السبي») يتبع قوله: إنها صارت

--------------------
(١) «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ٢٠٤.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٤١١، «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٣١ والحديث بهذِه الرواية عند مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، بابك فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها.



إليه في مقسمه، تقديره: أنه إنما أراد: خذ بطريق القسمة، وفهم دحية ذلك بقرائن، أو التصريح لم ينقله الرواي، فلم يأخذها إلا بالقسمة، ثم إن الشارع حصل عنده ما حصل أنها لا تصلح له من حيث أنها من بيت النبوة، وأنها من ولد هارون، ومن بيت الرياسة، فإنها من بيت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال المراد لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا الشهوة النفسانية، فإنه معصوم.
وقال النووي عن المازري وغيره: يحتمل ما جرى مع دحية وجهين:
أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه، وأذن له في غيرها.
والثاني: أنه أذن له في جارية من حشو السبي لا أفضلهن، فلما رأى الشارع أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا وشرفًا وجمالًا آثر ضمها؛ لئلا يتميز دحية بها وينتهك مرتبتها، فقطع الشارع هذِه المفاسد، وعوضه، كما جاء في رواية أخرى: أنها وقعت في سهمه، فاشتراها الشارع بسبعة أرؤس، والمراد: حصلت بالإذن في أخذ جارية ليوافق باقي الروايات، فأعطاه بدلها سبعة أرؤس تطبيبًا لقلبه لا أنه جرى عقد بيع، ثم هذا الإعطاء لدحية محمول على التنفيل. فإن قلت: إنه من أصل الغنيمة. فظاهر، وإن قلت: إنه من تخميس الخمس يكون هذا منه بعد أن ميز أو قبله، ويحسب منه. قال: وهذا الذي ذكرناه هو الصحيح المختار، وحكى القاضي معنى بعضه، ثم قال: والأولى عندي أن صفية كانت فيئا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني أبي الحُقَيْق كانوا صالحوا رسول الله - ﷺ -، وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وسألهم عن كنز حيي بن أخطب فكتموه وقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم


فانتقض عهدهم فسباهم. ذكر ذلك أبو عبيد وغيره، فصفية من سبيهم، فهى فيء لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ما رأى. وهذا تفريع منه على مذهبه أن الفيء لا يخمس، ومذهبنا أنه يخمس كالغنيمة (١).
الثالث عشر:
قوله: (فأعتقها النبي - ﷺ - وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة! ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها). فيه: استحباب عتق السيد أمته ويتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما أخرجاه (٢) من حديث أبي موسى كما سيأتي (٣) إن شاء الله.
قال ابن حزم: اتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه - عليه السلام - أعتقها، وجعل عتقها صداقها، قال قتادة في رواية: ثم جعل (٤)، فأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: هو سنة فاضلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تزوجه بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر، قال

-------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٢٠ - ٢٢٢، وانظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٥٩٢.
(٢) سيأتي برقم (٢٥٤٤) كتاب: العتق، باب: فضل من أدب جاريته وعلمها. وقد سلف برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله. ومسلم (١٥٤) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس …«.
(٣) وقع في الأصل فوق كلمة: أخرجاه رمز (د، س) إشارة إلى أبي داود والنسائي وقد وقع عندهما حديث أبي موسى بالفعل بلفظ:»من أعتق جاريته وتزوجها كان له أجران«، أبو داود (٢٠٥٣)، والنسائي ٦/ ١١٥.
(٤)»المحلى" ٩/ ٥٠٢.



أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ومالك وابن شبرمة والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة صداقها. قال أبو حنيفة وزفر ومحمد ومالك: إن فعل فلها عليه مهر مثلها وهي حرة.
ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوجه، فقال أبو حنيفة ومحمد: تسعى له في قيمتها. وقال مالك وزفر: لا شيء له عليها (١). استدل بهذا الحديث من قال بالأول، وروى ابن حزم في ذلك عن علي وابن مسعود وأنس وغيرهم.
ونقل النووي عن الجمهور أنه إذا أعتقها على أن يتزوج بها ويكون عتقها صداقها لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت، ولا يلزمها أن تتزوج به، بل له عليها قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانا، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها عليه المهر المسمى من قليل أوكثير، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها صح الصداق، ولا تبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة؛ لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف.
وأصحهما عند جمهورهم: لا يصح الصداق، بل يصح النكاح ويجب لها مهر المثل. ثم نقل عن أحمد وخلق جواز العتق على أن يكون عتقها صداقها، ويلزمها ذلك، ويصح الصداق عملًا بظاهر

------------------
(١) السابق ٩/ ٥٠١.


الحديث، وتأوله الآخرون بأن الصحيح الذي آختاره المحققون أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها بلا صداق وهذا من خصائصه - ﷺ - أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا في الحال ولا في المآل، وقال بعض أصحابنا: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها فقبلت فلزمها الوفاء به، وقال بعضهم: أعتقها وتزوجها على قيمتها وكانت مجهولة، ولا يجوز هذا ولا الذي قبله لغيره بل هما من الخصائص (١).
وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: قوله: جعل عتقها صداقها. هو من قول أنس لم يسنده فلعله تأويل منه إذ لم يسم لها صداق، وقال بعضهم: لا يخلو أن يكون تزوجها وهي مملوكة، وهذا لا يجوز بلا خلاف، أو يكون تزوجها بعد أن أعتقها فهذا نكاح بلا صداق.
وأجيب عن ذلك: بأنه لم يتزوجها إلا وهي حرة بعد صحة العتق لها، وذلك العتق الذي صح لها شرطَ أن يتزوجها به هو صداقها، وقد استوفته، كما لو كان له عليها شيء فتزوجها عليه.
فإن قلت: ثواب العتق معلوم فكيف فوّته حيث جعله في مقابلة النكاح الذي يمكن أن يكون في مقابلة دينار؟
فالجواب: كما قال ابن الجوزي: إن صفية بنت ملك، ومثلها لا يصح في المهر إلا بالكثير، ولم يكن بيده - ﷺ - ما يرضيها، ولم أن يقصر بها فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من الأموال الكثيرة.
فائدة: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن عون قال: كتب إلي نافع أن النبي - ﷺ - أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها،

---------------------
(١) «شرح مسلم» ٩/ ٢٢١ - ٢٢٢.


وجعل عتقها صداقها. أخبرني بذلك عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش (١)، قالوا: وابن عمر لا يرى بذلك فمحال أن يترك ما يرى إلا لفضل علم عنده بذلك، وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر: أنه كان يقول في الرجل يعتق الجارية ثم يتزوجها: كالراكب بدنته (٢). ثم روي عن ابن سيرين أنه كان يحب أن يجعل مع عتقها شيئًا (٣).
الرابع عشر:
قوله: (حتى إذا كان- بالطريق): جاء في «الصحيح»: فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء فحلت فبنى بها (٤). والسد بفتح السين وضمها: وهو جبل الروحاء، والروحاء بفتح الراء والحاء المهملة ممدود: قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة أو نحوها، وفي رواية: أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب. وفي رواية: أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني بصفية (٥).
الخامس عشر:
قوله: (جهزتها له أم سليم) وفي رواية: ثم أرسلها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها (٦)، أي: تستبرئ، فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها. وتجهيزها: تزيينها

--------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٠.
(٢) «سنن سعيد بن منصور» ١/ ٢٤٦ (٩١٦).
(٣) السابق ١/ ٢٤٧ (٩١٧).
(٤) سيأتي برقم (٢٢٣٥) كتاب: البيوع، باب: هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها.
(٥) سيأتي برقم (٤٢١٢، ٤٢١٣) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٦) مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها.



وتجميلها على جاري عادة العروس.
السادس عشر:
قوله: (فأهدتها له من الليل): فيه الزفاف في الليل، وقد جاء أنه - ﷺ - دخل عليها نهارًا؛ ففيه جواز الأمرين.
السابع عشر:
قوله: («من كان عنده شيء فليجئ به») كذا هو في البخاري بغير نون. قال النووي: وهو روايتنا، وفي بعضها: «فليجئني به»، وفيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول. قال النووي: وتجوز قبله وبعده (١). والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة (٢).
الثامن عشر:
فيه إدلال الكبير على أصحابه وطلب طعامهم في نحو هذا، وفيه أنه يستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم.
التاسع عشر:
قوله: (وبسط نطعا): هو بكسر النون وفتح الطاء على أفصح اللغات، وفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، وجمعه نطوع وأنطاع وأنطع.
العشرون:
قوله: (فحاسوا حيسا): الحيس: فصيح بالحاء المهملة، طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأَقِط الدبس، والقتيت. قال ابن سيده: الحيس: الأقط، يخلط بالتمر والسمن،
(١) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٢٢.
(٢) انظر: «البيان» ٩/ ٤٨١.



وحاسه حيسا وحيَّسه: خلطه. قال:
وإِذا تكونُ كريهةٌ أُدعى له … وإذا يحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُندُبُ (١)
وقال الجوهري: الحيس: الخلط، ومنه سمي الحيس، قال الراجز:
السمن والتمر (٢) معًا ثم الأَقِط … الحيس إلا أنه لم يختلط (٣)
كذا السنة، وقد خالفه ابن سيده فقال في «مخصصه»:
التمر والسمن جميعًا والأَقِط (٤)
وفي «الغريبين»: هو ثريد من أخلاط. وتوقف فيه الفارسي في «مجمعه».
وفيه: أن الوليمة تجعل بذلك عملا بقوله: (فكانت وليمة رسول الله - ﷺ -)، ولا يتوقف على شاة.
خاتمة:
من تراجم البخاري على هذا الحديث: باب ما يحقن بالأذان من الدماء، ولفظه فيه: كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح، وينظر فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا (دعا عليهم) (٥). الحديث (٦).

----------------------
(١) «المحكم» ٣/ ٣٢٥ مادة: الحاء والسين والياء.
(٢) في «الصحاح»: التمر والسمن.
(٣) «الصحاح» ٣/ ٩٢٠ - ٩٢١.
(٤) «المخصص» ١/ ٤٢٩.
(٥) في البخاري: أغار عليهم.
(٦) سيأتي برقم (٦١٠) كتاب: الأذان.



وزعم المهلب أن الدم إنما يحقن بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد، والإقرار بالرسول.
قال ابن بطال: وهذا عند العلماء لمن بلغته الدعوة، وعلم ما الذي يدعو إليه داعي الإسلام، فكان يمسك عن هؤلاء؛ ليعلم إن كانوا (مجيبين) (١) للدعوة أم لا؛ وليس يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانا؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب للمسلمين، وينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم (٢).

--------------------
(١) في الأصل: مجابين، والمثبت من «شرح ابن بطال».
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٣٩.



١٣ - باب فِى كَمْ تُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى الثِّيَابِ؟
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ.

٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الُمؤمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِن مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. [٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ١/ ٤٨٢]
وهذا التعليق أسنده بنحوه ابن أبي شيبة: عن أبي أسامة، عن الجريري، عن عكرمة: أنه كان لا يرى بأسًا بالصلاة في القميص الواحد خصيفًا (١).
وبهذا الإسناد عنه: تصلي المرأة في درع وخمار خصيف (٢). قال: وحدثنا أبان بن صمعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقًا (٣). ثم أسند عن ميمونة: أنها صلت في درع وخمار. وفي أخرى: أنها صلت في درع واحد فضلا، وقد وضعت بعض كمها على رأسها (٤). وعن عائشة وعلي وابن عباس: تصلي في درع سابغ وخمار. وعن إبراهيم: في الدرع والجلباب. وعن عروة وغيره: في درع وخمار خصيف. وعن الحكم في درع وخمار. وعن حماد: في درع وملحفة تغطي رأسها. وعن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. وعن مجاهد وعطاء وابن سيرين: إذا حضرتها الصلاة وليس لها إلا ثوب واحد، قالوا: تتزر به (٥).

-----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣٨ (٦١٩٨).
(٢) السابق ٢/ ٣٧ (٦١٨٠).
(٣) السابق ٢/ ٣٨ (٦١٩٠).
(٤) السابق ٢/ ٣٦ (٦١٧٠، ٦١٦٩).
(٥) انظر السابق ٢/ ٣٦ - ٣٧ (٦١٦٨: ٦١٨٧).



واختلف العلماء في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت طائفة: تصلي في درع وخمار. روي ذلك عن ميمونة وعائشة وأم سلمة أمهات المؤمنين، وهو مروي عن ابن عباس كما سلف، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي (١).
وقالت طائفة: تصلي في ثلاثة أثواب، درع وخمار وحقو، وهو الإزار في لغة الأنصار. روي ذلك عن ابن عمر وعبيدة وعطاء (٢).
وقالت طائفة: تصلي في أربعة أثواب، وهو الخمار والدرع والإزار والملحفة. روي ذلك عن مجاهد (٣) وابن سيرين (٤).
وقال ابن المنذر: على المرأة أن تستر في الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أجيب ما روي عن المتقدمين في ذلك من الأمر بثلاثة أثواب أو أربعة إلا من طريق الاستحباب (٥)، وعند الشافعي: أن عورة الحرة ما سوى الوجه والكفين (٦)، وروي عن أحمد: أنها كلها عورة حتى ظفرها (٧)، وعند

--------------------
(١) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، «الأوسط» ٥/ ٧٣، «البيان» ٢/ ١٢١، وهو قول الإمام أحمد. «المغني» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) ورواه عنهما ابن أبي شيبة أيضًا في «المصنف» ٢/ ٣٧ (٦١٧٤، ٦١٧٥). ورواية عطاء (٦١٨٢) قال عطاء: في درع وخمار. ورواه أيضًا عن ابن سيرين (٦١٧٦، ٦١٧٧) أنها تصلي في ثلاثة أتواب، وانظر: «الأوسط» ٥/ ٧٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧ (٦١٨٤).
(٤) انظر: «الأوسط» ٥/ ٧٣ - ٧٤.
(٥) السابق ٥/ ٧٥.
(٦) انظر: «البيان» ٢/ ١١٨.
(٧) «مسائل أبي داود» (٢٨٠)، «المغني» ٢/ ٣٢٨، ونسب القول لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- وكان من فقهاء التابعين بالمدينة، وأحمد الفقهاء السبعة، وكان يقال له: راهب قريش.



مالك: أنها إذا صلت وبدنها مكشوف أعادت في الوقت (١)، وقال أبو حنيفة والثوري: لا تعيد أبدًا، وقدمها عورة (٢).
فائدة: قوله: (وارت) أي: أخفت وسترت ومنه ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ و﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾.
ثم ساق حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ من الغلس.
والكلام عليه من أوجه، ويأتي في الصلاة أيضًا (٣):
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم (٤)، والأربعة (٥).
ووجه إيراده هنا ما فهمه من التلفع، وسيأتي حقيقته.
ثانيها:
(كان) هذِه تعطي المداومة والاستمرار على الشيء، ومن عادته - ﷺ - أن يصلي الصبح في هذا الوقت. نعم أسفر بها مرة كما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: أنه - ﷺ - صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات - ﷺ - لم يعد إلى أن

------------------
(١) «المدونة» ١/ ٩٤، «بداية المجتهد»١/ ٢٢٧.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ٢٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠٧. وفيه أن قدمها ليست بعورة.
(٣) سيأتي برقم (٥٧٨) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الفجر.
(٤) مسلم (٦٤٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالصبح …
(٥) «سنن أبي داود» (٤٢٣)، «سنن الترمذي» (١٥٣)، «سنن النسائي» ١/ ٢٧١، «سنن ابن ماجه» (٦٦٩).



يسفر (١). صححه ابن حبان (٢)، وقال الخطابي: صحيح الإسناد (٣).
ثالثها:
معنى (يشهد) هنا: يحضر ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: حضر.
رابعها:
(النساء). من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، إذ الواحد امرأة، وله نظائر كثيرة.
خامسها:
(متلفعات). بالعين المهملة بعد الفاء أي: متلفحات، وروي بالفاء المكررة بدل العين، والأكثر على خلافه كما قاله ابن التين قبيل الجمعة، ومعناهما متقارب، إلا أن التلفع، مستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن حبيب: لا يكون إلا بالتغطية (٤)، وعن الأصمعي: أن التلفع أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبا منه، فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل ما وصفنا من الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد (٥).

-----------------
(١) أبو داود (٣٩٤).
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٩٨ (١٤٤٩).
(٣) «معالم السنن» ١/ ١١٥، وقال المنذري في «مختصره» ١/ ٢٣٣: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله - ﷺ - وهذِه الزيادة في قصة الأسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة مقبولة من الثقة. وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٥٥: رواه أبو داود بإسناد حسن. وقواه الحافظ في «الفتح» ٢/ ٥ فقال: رواه أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤١٨): إسناده حسن.
(٤) ذكره الباجي في «المنتقى» ١/ ٩.
(٥) انظر: «تنوير الحوالك» ص ٢١.



سادسها:
(المروط). جمع مرط بكسر الميم، أكسية معلمة تكون من خز، وتكون من صوف، وتكون من كتان، وقيل: الإزار. وقيل: لا يكون إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء.
سابعها:
(الغلس): اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل، والغبش قريب منه، لكن الغلس آخر الليل، والغبش قد يكون في أوله وفي آخره.
ثامنها:
قولها: (ما يعرفهن أحد من الغلس). أي: أنساء هن أم رجال، إنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، وأبعد من قال: ما تعرف أعيانهن.
تاسعها:
فيه دلالة لمذهب الجمهور أن التغليس بالصبح أفضل.
وبه قال مالك والشافعي وأحمد (١)، وقال أبو حنيفة (٢): الإسفار بها
أفضل لحديث: دا أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجردا (٣)، وعنه أجوبة وإن

--------------------
(١) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، «عيون المجالس» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠، «حلية العلماء»
١/ ٢٠، «المغني» ٢/ ٤٤.
(٢) «الهداية» ١/ ٤٢.
(٣) رواه أبو داود (٤٢٤) من حديث رافع بن خديج، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه والطيالسي في «مسنده» ٢/ ٢٦٤ (١٠٠١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٨، والبغوي في «شرح السنة» (٣٥٤) وآخرون ورواه النسائي في «سننه» ١/ ٢٧٢ من طريق محمود بن لبيد عن رجال من قومه.
وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقال الخطابي في «المعالم» حديث حسن ٢/ ١٩٧، وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٥٨).



صححه الترمذي ذكرتها في «شرحي للعمدة» (١).
منها: أنه محمول على تحقق الفجر أو على الليالي المقمرة (٢)، ووهم الطحاوي حيث ادعى أنه ناسخ لحديث التغليس (٣)، وعن أحمد فيما حكاه ابن قدامة: أنه إذا اجتمع الجيران فالتغليس أفضل، وإن تأخروا فالتأخير أفضل (٤). قال الطحاوي: إن كان من عزمه التطويل شرع بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، ولا يشرع بالإسفار، وزعم أنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (٥).
عاشرها:
فيه دلالة على خروج النساء، وهو جائز بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب.
وشرح الحديث مبسوط جدًّا في «شرحي للعمدة» فراجعه منه (٦).

-----------------------
(١) «الإعلام شرح العمدة» ٢/ ٢٣٦ - ٢٤٢.«٤/ ٣٣٧ - ٣٤٣.
(٢)»الإعلام بفوائد عمدة الأحكام«٢/ ٢٣٦.
(٣)»شرح معاني الآثار«١/ ١٨٤.
(٤)»المغني«٢/ ٤٤.
(٥)»شرح معاني الآثار«١/ ١٨٤.
(٦)»الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٢٣٦.



١٤ - باب إِذَا صَلَّى فِى ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا
٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةِ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِه إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْني آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَني». [٧٥٢، ٥٨١٧ - مسلم: ٥٥٦ - فتح: ١/ ٤٨٢]
ساق بإسناده من حديث ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّه - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِه إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي».
ثم قال: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي».
والكلام على ذلك من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أعني: الأول ذكره قريبًا في الالتفات (١)، واللباس أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي في الصلاة (٥)،

----------------
(١) سيأتي برقم (٧٥٢) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٥٨١٧) باب: الأكيسة والخمائص.
(٣) مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام.
(٤) أبو داود (٩١٤).
(٥) النسائي ٢/ ٧٢ كتاب: القبلة، باب: الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام.



وابن ماجه في اللباس أيضًا (١).
والتعليق الثاني أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، عن هشام (٢)، وأبو داود عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه (٣)، ورواه أبو معمر فقال عمرة عن عائشة. قال الإسماعيلي: ولعله غلط منه، والصحيح عروة، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق، وذكره خلف.
ثانيها:
الخميصة: بفتح الخاء المعجمة، كساء رقيق مربع له علمان أو أعلام، ويكون من خز، أو صوف، وقيل: لا يسمى بذلك إلا أن تكون سوداء معلمة سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن (٤).
ثالثها:
أبو جهم: اسمه: عامر، وقيل: عبيد بن حذيفة القرشي العَدوي، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وبسببه كان حرب زُجاجة، مات في آخر خلافة معاوية، وهو غير أبي جهيم المصغر المذكور في المرور (٥).

-------------------
(١) ابن ماجه (٣٥٥٥).
(٢) مسلم (٥٥٦/ ٦٣).
(٣) أبو داود (٩١٥).
(٤) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٢٦٦ مادة: خمص.
(٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ١٨٩ (٢٩٢٩)، «أسد الغابة» ٦/ ٥٧ (٥٧٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٥٥٦ (١١٧)، «الإصابة» ٤/ ٣٥ (٢٠٧).



رابعها:
الأنبجانية: بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء الموحدة وكسرها، وبتشديد الياء المثناة تحت، وتخفيفها. قيل: إنه نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وقيل غير ذلك، وهو كساء غليظ لا علم له، فإن كان فهو الخميصة (١).
وقوله: «وائتوني بأنبجانية أبي جهم» روي بتشديد الياء المثناة تحت، والتأنيث على الإضافة (٢)، وعلى التذكير (٣) (٤) أيضًا كما جاء في الرواية الأخرى: كساء له أنبجانيًّا (٥).
خامسها:
معنى: «ألهتني» شغلتني عن جمال الحضور والتدبر، وفي «الموطأ»: «فإنها كادت تفتني» (٦).
وفيه: أن الخميصة أهداها له أبو جهم، وقيل: بل هو الذي أهداها أولًا له، حكاه ابن الأثير (٧).
وقوله: («تفتنني»). قال ابن التين: رويناه بفتح التاء على أنه ثلاثي، وبالإدغام مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] ويصح أن يكون بضم التاء يقال: فتنته وأفتنه، وأنكر الأصمعي

------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ١/ ١٤٥ مادة: انبج، ٧/ ٤٣٢٠ مادة: نبج.
(٢) في الأصل أعلى هذِه الكلمة تعليق ونصه: أي: للظاهر.
(٣) في هامش الأصل: قال ابن التين: وعلى الحرف في بعض الكتب بالخاء المعجمة، سماعي بالجيم. قلت: وهذا غريب وعلق عليه (لا … إلى) إشارة إلى حذفه.
(٤) في الأصل أعلى هذِه الكلمة تعليق ونصه: أي: بإضافته للضمير.
(٥) مسلم (٥٥٦/ ٦٣) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة في ثوب له أعلام.
(٦) «الموطأ» ص ٨١ (٧٢) برواية يحيى بن يحيى.
(٧) «أسد الغابة» ٦/ ٥٨ في ترجمة أبي جهم.



الثاني، ومعنى آنفًا: الساعة، وفي أبي داود: «شغلتني أعلام هذِه»، وأخذ كرديًّا كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله! الخميصة كانت خيرًا من الكردي (١). وعند أبي موسى المديني: «ردوها عليه، وخذوا أنبجانيته» لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه، وهذا أولى من تأويل بعضهم أن فعل هذا إذلالا؛ لعلمه بأنه يؤثر هذا ويفرح به، ولا يلزم من ذلك أن أبا جهم كان يصلي فيها كما في حُلة عطارد (٢)، ولا يقال: إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه قد نقل أن أبا جهم كان أعمى فالإلهاء مفقود عنده، ولعله علم أنه لا يصلي بها أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا، فالشارع كما قال: «كل، فإني أناجي من لا تناجي» (٣). حكاه ابن التين.
سادسها: في فوائده:
الأولى: جواز لبس الثوب ذي العلم، وجواز الصلاة فيه.
الثانية: اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو إجماع، وإن حكي عن بعض السلف والزهاد ما لا يصح عمن يعتمد به في الإجماع.
الثالثة: طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه؛ ولهذا قال أصحابنا: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه.

--------------------
(١) «سنن أبي داود» (٩١٤).
(٢) سيأتي برقم (٨٨٦) كتاب: الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد من حديث عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه -.
(٣) سيأتي برقم (٨٥٥) كتاب: الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث.



الرابعة: المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها.
الخامسة: منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطيء أحدهم موضع قدميه إذا مشى.
السادسة: تكنية الإمام والعالم لمن هو دونه (١).
وفيه غير ذلك مما أوضحته في «شرح العمدة» فليراجع منه (٢).
وذكر ابن الجوزي في الحديث سؤالين:
أحدهما: كيف يخاف الافتتان بعلم من لم يلتفت إلى الأكوان دليله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧].
وأجاب بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رد إلى طبعه البشري فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر.
الثاني: المراقبة في الصلاة شغلت خلقُا من أتباعه، حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم؟!
وأجاب: بأن أولئك كانوا يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل فقال: «لست كأحدكم» (٣) وإذا سلك طريق غيرهم قال: «إنما أنا بشر» (٤) فرد إلى حالة الطبع فنزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل.

-------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧.
(٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٢ - ٧٠.
(٣) سيأتي برقم (١٩٦١) كتاب: الصوم، باب: الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام.
(٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٢٤٥٨) كتاب: المظالم، باب: ثم من خاصم في باطل وهو يعلمه.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:17 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.37 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (1.43%)]