عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-01-2026, 03:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,638
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 267 الى صـــ 286
الحلقة (130)






وحينئذ نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
قال البخاري:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حيِنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ».
وهذا الحديث أخرجه مسلم (د. س) أيضًا هنا (١). وفي البيهقي من حديث داود ابن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قَالَت: إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة واطمأن، زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر غير صلاة الغداة. قالت: وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى (٢).
وما ذكره عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ» ثنا أسد بن موسى، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن: من صلاته - عليه السلام - صبيحة الإسراء: الظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا فلا يقاوم هذا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] فلا يعارض ما نحن فيه؛ لجواز أن يكون (ذكر) (٣) ذَلِكَ بعد زيادة

--------------------
= بقدر«وكان يعجبه الفأل الحسن. ثمَّ قال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث على آخرهم غير يوسف بن أبي بردة، والذي عندي أنهما لم يهملاه بجرح ولا بضعف، بل لقلة حديثه فإنه عزيز الحديث جدًّا. اهـ.»المستدرك«١/ ٣٢ كتاب: الإيمان، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٤٩٨٥).
(١) مسلم (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها.
(٢)»السنن الكبرى" ١/ ٣٦٣ كتاب: الصلاة، باب: عدد ركعات الصلوات الخمس.
(٣) سقط من (ج).



ركعتين في الحضر. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مطعم، والحسن، وابن جريج أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين: فقولها: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين. يجوز أن يكون قبل الإسراء إن عني بذلك قيام الليل، أو صلاة الغداة والعشي، فإنها كانت ركعتين ركعتين، وإليه الإشارة بقوله: (من صلى البردين دخل الجنة) (١)، كما سلف، والزيادة عند الإكمال، لكن الظاهر أن المراد حين فرضها ليلة الإسراء، ففي حديث معمر، عن، الزهري، عن عروة، عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى، وذكر ابن عبد البر، عن الحسن والشعبي في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه (٢). وأدعى بعضهم فيما حكاه المنذري أنه يحتمل أن يكون المراد، ففرضها ركعتين إن اختار المسافر ذلك فعل وجهها في المقدار لا في الإيجاب، والذي عليه الجمهور [ما] (٣)، على حكاه ابن بطال في حديث عائشة في الكتاب، كما أنها أفتت بخلاف ذلك، وأنها كانت تتم في السفر، لكنها قضت أن القصر ليس على الإيجاب، فلذلك أتمت (٤).
فائدة: زيادة ركعتين على ركعتين نسخ للأول لا زيادة صلاة خلافًا، كما نبه عليه السهيلي (٥).

---------------
(١) سيأتي برقم (٥٧٤) كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر.
ورواه مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.
(٢) «التمهيد» ٨/ ٤٣.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨، ١٠.
(٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٨٣.



٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ
وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [فتح: ١/ ٤٦٥]

٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطَيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بهذا. [٣٢٤ - مسلم ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٦٦]
ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة: الشافعي (١) وأحمد (٢) وأبي حنيفة (٣)، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، فرضها ونفلها، وظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في «قواعده» بعد أن قال: اتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق: إنها من سنن الصلاة (٤).

-----------------
(١) «الأم» ١/ ٧٧، «الحاوي» ٢/ ١٦٥، «أسنى المطالب» ١/ ١٧٠، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨٤، «مغني المحتاج» ١/ ١٨٤.
(٢) «الإفصاح» ١/ ٢٥٤، «المغني» ٢/ ٢٨٣، «الممتع» ١/ ٣٥٣، «المبدع» ١/ ٣٥٩.
(٣) «تحفة الفقهاء» ٢/ ٩٥، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٦، «فتح القدير» ١/ ٢٥٦.
(٤) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٢.



وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت: هل يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا إست قارئكم (١).
قلت: لا. لأنه كان فاقدًا لها، وأيضًا كان ذلك في أول الإسلام، وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة» (٢).
ومن حديث المسور أنه - ﷺ - قال له: «ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة» (٣).
وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عائشة مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار» (٤).
وهو المراد برواية أبي داود: صلاة حائض. والترمذي: صلاة الحائض (٥).
وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث أبي سعيد الخدري النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء (٦).
ثم قال البخاري: وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، ولذلك ساقه بعد أن بوب

---------------
(١) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٢) مسلم (٣٣٨) كتاب: الحيض، باب: تحريم النظر إلى العورات.
(٣) (٣٤١) كتاب: الحيض، باب: تحريم الاعتضاد بحفظ العورة.
(٤) ابن خزيمة ١/ ٣٨٠ (٧٧٥).
(٥) أبو داود (١٩٦)، والترمذي (٣٧٧) وقال: حسن، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٩٦).
(٦) سيأتي برقم (٣٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة.



بذلك، وهو ما رواه البيهقى عن طاوس، وقال مجاهد: فيها وارِ عوزتك ولو بعباءة (١).
وقال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على أنه ستر العورة (٢).
وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان (٣).
وقال ابن رشد: من حمل ﴿خُذُوا﴾ على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا لذلك بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي - ﷺ - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان (٤).
ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا. وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله
فنزلت الآية السالفة (٥)، وفي رواية وهب بن جرير: كانت المرأة إذا طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية (٦).
وعند الواحدي كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتعلق على أسفلها سيورًا مثل هذِه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو. وفي لفظ: وعلى فرجها خرقة (٧).

--------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٢٣.
(٢) «المحلى» ٣/ ٢٠٩.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٥.
(٤) «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٣.
(٥) مسلم (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
(٦) رواه الطبري في «التفسير» ٥/ ٤٦٩ (١٤٥١٢)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٢٣.
(٧) «أسباب نزول القرآن» ص ٢٢٨ - ٢٢٩.



وقال ابن عباس: المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيمًا له، فإن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلًا، فإذا أرادته نهارًا استعارت ثيابًا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبًا وقالوا: حتى ننظر إلى خلقها. فطافت عريانة وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كله … ....................
وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال: إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارًا عريانة، ففعلته أسبوعًا.
وفي «تفسير الثعالبي» (١) أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية عراة، الرجال نهارًا، والنساء ليلًا.
وفي الآية أقوال أُخر غريبة:
أحدها: أن الزينة: المشط، قاله عطية وأبو روق (٢).
ثانيها: رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي.
ثالثها: الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي جريرة، لكن وهاه العقيلي (٣)، والواجب من اللباس في الصلاة ما تستر به العورة وما زاد فحسن.

-----------------
(١) ٢/ ١١٦.
(٢) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ١٨٧، «تفسير الماوردي» ٢/ ٢١٨.
(٣) حديث أبي هريرة المشار إليه رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» ٤/ ٢١٢ من طريق مسلمة بن علي، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خذوا زينتكم في الصلاة»، قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «البسوا نعالكم». =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وقال العقيلي ولا يتابع عليه وذكر بأسانيده إلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري تضعيفهم لمحمد بن سلمة هذا.
ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢١٣ من طريق بقية عن علي القرشي، عن ابن عجلان عن صالح، عن أبي هريرة به.
وقال: وهذِه الأحاديث التي أمليتها يرويها علي بن أبي علي وهو مجهول يحدث عُن بقية بغير ما ذكرت.
ثم رواه من طريق محمد بن الفضل، عن كرز بن وبرة، عن عطاء، عن أبي هريرة به ٧/ ٣٥٤، ومن طريقه الجرجاني في «تاريخ جرجان» ١/ ٣٩٩، وأخرجه أبو نعيم أيضًا من طريق محمد بن الفضل به ٥/ ٨٣، وأخرجه أيضًا الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٨٤ (٩٦١) وقال: قال أحمد بن حنبل: محمد بن الفضل ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ١٤٩: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة به. قال أبي: هذا حديث منكر.
وقال أيضًا ١/ ١٥٥: سألت أبي عن حديث رواه بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة بمثله، قال أبي: هذا حديث منكر وعلي القرشي مجهول.
وقال الدارقطني في «العلل» ٩/ ٢٥، ٢٦: يرويه بقية واختلف عنه فرواه ابن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وغيره يرويه عن بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وهو أشبه.
وقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» ١/ ٢٣ - ٢٤: رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي إسناده: محمد بن الفضل كذاب، وقد رواه أبو الشيخ من طريق أخرى. ورواه العقيلي من طريق عباد، عن جويرية، وهو كذاب، ورواه الخطيب وابن مردويه من غير طريق هذين الكذابين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن أكثر من ثلاثين صحابيًا في الصلاة في النعال ما لا يحتاج معه إلى أحاديث الكذابين.



ثم قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». قال البخاري: وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ (١).
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزره ولو بشوكة» (٢)، وفي رواية: إني أكون في الصيد وأصلي ليس علي
(١) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦: (ويذكر عن سلمة) قد بين السبب في ترك جزمه به بقوله: (وفي إسناده نظر). وقد وصله المصنف في «تاريخه» وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان واللفظ له من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله - ﷺ - إني رجل أتصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «».
ورواه البخاري أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة زاد في الإسناد رجلا، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل، عن عطاف بن خالد قال: حدثنا موسى بن إبراهيم. قال حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو يتكون التصريح في رواية عطاف وهمًا.
فهذا وجه النظر في إسناده، وأما من صححه فاعتمد رواية الدراوردي وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها، وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي، وأما قول ابن القطان: إن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم؛ لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بعد أن كان يكونا جميعًا رويا الحديث وحمله عنهما الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، والله أعلم.
(٢) أبو داود (٦٣٢)، والنسائي ٢/ ٧٠، وصححه ابن خزيمة ١/ ٣٨١ (٧٧٨)، ابن حبان ٦/ ٧١ (٢٢٩٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٥٠. وقال صحيح ووافقه الذهبي. وقال النووي في «خلاصة الأحكام» (٩٦٧) ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨: إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٤٣).



إلا قميص واحد، قال: «فزره، وإن لم تجد إلا شوكة» (١).
وموسى هذا، قال ابن القطان: إنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث (٢).
ولعل هذا هو الذي أشار إليه البخاري بالنظر السالف، وقد قال في حقه في كتاب «الضعفاء»: موسى بن إبراهيم (٣) في حديثه مناكير (٤)، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة. وفي رواية: وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحد فأزره؟ قال: «نعم، ولو بشوكة» (٥)
ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» عن إسحاق بن إبراهيم ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فأزره ولو بشوكة» (٦)

--------------------
(١) هذا الرواية بهذِه اللفظة عند الطبرانى في «الكبير» ٧/ ٢٩ (٦٢٧٩) ونحوها عند أحمد ٤/ ٤٩.
(٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٥٣٧.
(٣) لم أجد هذا القول في موسى بن إبراهيم، لكن قوله: في حديثه مناكير قبل في موسى بن محمد بن إبراهيم.
(٤) «الضعفاء الصغير» ص ١٠٧ (٣٤٧) ووقع فيه موسى بن محمد بن إبراهيم وليس موسى بن إبراهيم.
(٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٨١ (٧٧٧، ٧٧٨).
(٦) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٧١ (٢٢٩٤).



ورواه الحاكم أيضًا في «مستدركه» وقال: هذا حديث مدني صحيح (١).
قلت: وظهر بهذِه الرواية أن موسى (٢) هذا غير السالف الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا ولكنه دون ذاك، وقد قيل: عن موسى بن محمد (٣) بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ذكره ابن بطال في «شرحه» (٤)، فهذا اختلاف آخر.
وقوله: (يأزره ولو بشوكة) أي: يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال: زررت له القميص أزره -بالضم- زرًا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارًا.
وقال ابن سيده: الزر: الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور وأزر القميص جعل له زرًا، وأزره: شد عليه أزراره، وقال ابن الأعرابي: زر القميص إذا كان محلولًا، فشده وأزره لم يكن له زر فجعل له، وزر الرجل: شد زره، عن اللحياني (٥).

-----------------
(١) المستدرك «١/ ٢٥٠.
(٢) هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، ذكره ابن حبان في»الثقات«. قال ابن المديني: موسى بن إبراهيم وسط. قال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف. وقد فرق البخاري بينهما أيضًا. انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٧/ ٢٧٩ (١١٨٤)،»الجرح والتعديل«٨/ ١٣٣ (٦٠٣)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ٤٠٢،»تهذيب الكمال«٢٩/ ١٨ (٦٢٣٣).
(٣) في الأصل: محمد بن محمد بن إبراهيم، جاءت هكذا مكررة، والصواب ما أثبتناه.
(٤)»شرح صحيح البخاري«لابن بطال ٢/ ١٧.
(٥)»المحكم" ٩/ ٧، مادة: (زرر).



وفي «الفصيح»: أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء (١). وأورد البخاري هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة، إذ لو كان سنة لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ليس عليه سراويل ولا رداء (٢)، وهو قول الشافعي والكوفيين وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من عيب عورته أعاد الصلاة عندهم (٣).
ثم قال البخاري رحمه الله: وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى.
وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد روى أبو داود بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية: هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى (٤).
ثم قال البخاري رحمه الله: وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٥).
يريد بذلك نداء علي - رضي الله عنه - في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكأن البخاري أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما كان في الطواف صلاة وقد أمر بالستر فالصلاة أولى؛ لذا خطر لي في استنباطه كما خطر لي في استنباط ما قبله، ثم رأيت ابن المنير لما ذكر قوله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إلى آخره.

----------------
(١) «فصيح ثعلب» ص ١١.
(٢) «المدونة» ١/ ٩٥.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٧ - ٣٨٠، «المجموع» ٣/ ١٧٩ - ١٨٠، «المغني» ٢/ ٢٩٥.
(٤) «سنن أبي داود» (٣٦٦)، ورواه ابن خزيمة (٧٧٦)، وابن حبان ٦/ ١٠١ (٢٣٣١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» الألباني (٣٩٢).
(٥) سيأتي برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة.



قال: ذكر فيه حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج الحيض. وليس فيه ما يدل على الصلاة الذي يجامع منه، لكن في أبي داود، ثم ذكر حديث أم حبيبة السالف، وقد علمت أن وجه الاستنباط منه، وحديث أم عطية ذكره لفائدة أخرى سأبديها.
ثم ساق البخاري رحمه الله حديث أم عطية. وفيه: قَالَتِ أمْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
وهذِه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها في رواية، قلت: يا رسول الله، إحدانا … الحديث.
وذكر البخاري بعضه معلقًا في كتاب الحيض (١)، وسيأتي بطوله في العيدين (٢) إن شاء الله.
ثم قال البخاري: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ.
وعبد الله هذا هو الغُداني نسبة إلى غدان بن يربوع بن حنظلة (٣)

----------------
(١) سبق في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. قبل حديث رقم (٣٠٥) وقد ساقه البخاري أيضًا مسندًا في نفس الكتاب -الحيض- برقم (٣٢٤) باب: شهود الحائض العيدين …
(٢) سيأتي فيه مترجمًا عليه في أكثر من موضع بأرقام (٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١).
(٣) هو عبد الله بن رجاء الغداني البصري، روى عن إسحاق بن يزيد الكوفي، وعمران بن دوار القطان، وجرير بن أيوب البجلي، روى عنه البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وروى الدارمي، عن يحيى بن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وسُئل أبو زرعة عنه فجعل يثني عليه وقال: حسن الحديث عن إسرائيل، وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وقال النسائي: عبد الله بن رجاء المكي والبصري كلاهما ليس بهما بأس، وذكره ابن حبان =



ووهم من جعل أنه المكي (١)، وعمران هو ابن داور (٢)، الراء في آخره، وفيه ضعف. استشهد به البخاري هنا وفي غزوة ذات الرقاع (٣)، فروي له في كتاب «الأدب» (٤) والأربعة (٥).
-------------
= في «الثقات»، وقال عنه يعقوب بن سفيان: ثقة، وروى الدوري عن يحيى بن معين أنه ليس من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال عنه الذهبي: من ثقات البصريين ومسنديهم، وقال عنه ابن حجر: صدوق يهم قليلًا.
انظر: «تاريخ الدارمي» ص ١٨١ (٦٥٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٥٥ (٢٥٥)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٥٢، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٩٥ (٣٢٦٢)، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٣٢، «تقريب التهذيب» (٣٣١٢).
(١) هو عبد الله بن رجاء المكي أبو عمران، روى عن سفيان الثوري، وروى عنه أحمد بن حنبل وحسنه ووثقه ابن معين وقال: أبو حاتم صدوق، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، ووثقه ابن حبان، ومحمد بن سعد، وقال الذهبي: كان صدوقًا محدثًا، وقال ابن حجر: ثقة تغير حفظه قليلًا.
انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٥/ ٥٠٠. «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٠٠، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٨)، «تقريب التهذيب» ص ٣٠٢ (٣٣١٣).
(٢) هو عمران بن داور القطان، روى عن بكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري، روى عنه عبد الله بن رجاء الغدائي وأبو علي الحنفي، قال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق يهم. وذكره العقيلي في «الضعفاء». وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه انظر: «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣٠٠ (١٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ص ٤٢٩ (٥١٥٤)، «الكامل» ٦/ ١٦٢ (١٢٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٢٨.
(٣) سيأتي برقم (٤١٢٥).
(٤) «الأدب المفرد» (٨٢٥).
(٥) «سنن أبي داود» (١١٣٦)، «سنن الترمذي» (٥٣٩)، «سنن النسائي» ١/ ١٩٣، ١٩٤، «سنن ابن ماجه» (١٣٠٧).



وهذا الأثر وصله الطبراني في «معجمه الكبير» فقال: حدثنا على بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء فذكره (١)، وساق البخاري هذا التصريح بسماع ابن سيرين من أم عطية وروي ذلك عن أختها حفصة، وصحح الدارقطني رواية ابن سيرين عن أم عطية (٢).
والجلباب كالملاءة، وكأن البخاري ساق حديث أم عطية في الباب لأن الشارع - ﷺ - أمر بإلباس الجلباب، وما ذاك إلا أنه يوم زينة، وإذا كان كذلك فالمصلي أحق بالبر؛ لأنه يناجي ربه، كذا خطر لي فيه.

---------------
(١) «المعجم الكبير» ٢٥/ ٥٠.
(٢) «علل الدارقطني» ١٥/ ٣٧٣ (٤٠٧٩).



٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - عاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ.

٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّى فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِى أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠ - مسلم ٣٠٠٨ - فتح: ١/ ٤٦٧]

٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ. [انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٥١٨ - فتح: ١/ ٤٦٨]
هذا التعليق خرجه مسندًا في باب: إذا كان الثوب ضيقًا (١) كما ستعلمه قريبًا بزيادة، والإزار يذكر ويؤنث، سمِّي إزارًا؛ لأنه يشد به الظهر، قال تعالى: ﴿فَأَزَرَهُ﴾ نبه عليه الداودي، وفي «المحكم» (٢) أنه الملحفة، ويقال: فيه مئزر. عن اللحياني.
ثم ساق حديث واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وهذا الطريق انفرد به البخاري، وفي مسلم أن القائل فيه عبادة بن

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٦١).
(٢) «المحكم» ٩/ ٦٤.



الوليد بن عبادة بن الصامت (١).
ثم ساق من حديث محمد أيضًا قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحد.
والمشجب -بكسر الميم- أعواد متداخلة يجعل عليها الثياب، ويؤخذ من فعل جابر أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه، توسعة على العامة، وليقتدي به، ألا ترى أنه صلى في ثوب واحد وثيابه على الشجب، ففي ذلك جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول عامة الفقهاء، إلا أنه قد روي عن ابن عمر خلاف ذلك، وروي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، روى ابن أبي شيبة عنه: لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض (٢).
وروي عن مجاهد: لا يُصلى في ثوب واحد إلا أن لا يجد غيره (٣).
وقول ابن بطال: إن ابن عمر لم يتابع على قوله (٤). فيه نظر إذن، نعم عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة: جابر، وأبي هريرة، وعمر بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع (٥).

------------------
(١) مسلم (٣٠٠٨) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر.
(٢) «المصنف» ١/ ٢٧٩ (٣٢٠٥).
(٣) السابق.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩.
(٥) هذِه الأحاديث بجملتها في الصحيح وسيتعرض المصنف لها بالشرح والتعليق في هذا الباب وفي الباب بعده.



وعقد الإزار على القفا في الصلاة إذا لم يكن مع الإزار سراويل ولا مئزر، ومعنى الحديث السالف في الباب قبله: «يزره ولو بشوكة». وهو باليد في ستر العورة في الصلاة؛ لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم تبد عورته؛ فلذلك كانت الصحابة تعقد من أزرهم في الصلاة إذا لم يكن تحتها ثوب آخر.
نعم، في «صحيح ابن حبان» من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتدِ» (١)، ولابن القطان صحيحًا: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه فالله أحق أن يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر ولا يشتمل» (٢).
والمراد بالأحمق في حديث جابر: الجاهل كما سيأتي في باب الصلاة بغير رداء، لا بأس للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه، وأنكر على العلماء ما غاب عنه علمه من السنة.

----------------
(١) ابن حبان ٤/ ٦١٣ (١٧١٣).
(٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٨٣.



٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهْوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: التَحَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.

٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [٣٥٥، ٣٥٦ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٨]

٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩]

٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩]

٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم ٣٣٦ - فتح: ١/ ٤٦٩]


٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». [٣٦٥ - مسلم: ٥١٥ - فتح: ١/ ٤٧٠]
وهذا ذكره بعد مسندًا (١)، والعاتق: يذكر ويؤنث.
ثم ساق من حديث عمر بن أبي سلمة أنه - ﷺ - صَلّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
ثم ساق من حديثه أيضًا أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
ثم ساق حديثه أيضا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
ثم ساق حديث أبي مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَابٍ- عن أُمِّ هَانِئٍ أنها ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هذِه؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا يا أمَّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابن أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». ثم قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلكَ ضُحًى.
ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟».

---------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٧).


أما حديث عمر بن أبي سلمة فخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١) والأربعة (٢) وأما حديث أم هانئ: فسلف في الغسل مختصرًا (٣).
وأما حديث أبو هريرة: فأخرجه مسلم أيضًا (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧)، وبقية الباب سلف في الباب قبله وهو صريح وهو قوله - عليه السلام -: «أوَلكلكم ثوبان».
والتوشح أن يأخذ طرف الثوب، الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الطرف الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، صرح به ابن سيده (٨) وغيره.
قال الجوهري: والتحفت بالثوب تغطيت به وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به والتوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به؛ لأن فيه مخالفة طرفي الثوب على عاتقه كما فعله الشارع وأمر به واشتمال الصماء المنهي عنه خلاف هذا، ومعنى مخالفته بين طرفيه لئلا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، وقد يقال: المعنى: عدم السقوط إذا ركع وإذا سجد.
ثم في حديث أم هانئ فوائد فلنوردها مختصرة:
فيه: سلام المرأة والتلبية والملاطفة بقوله: مرحبًا أي صادفت رحبًا وسعة.

-----------------
(١) مسلم (٥١٧) باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه.
(٢) أبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي ٢/ ٧٠، وابن ماجه (١٠٤٩).
(٣) سلف برقم (٢٨٠) باب: التستر في الغسل عند الناس.
(٤) مسلم (٥١٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه.
(٥) أبو داود (٦٢٥).
(٦) النسائي ٢/ ٦٩ - ٧٠.
(٧) ابن ماجه (١٠٤٧).
(٨) «المحكم» ٣/ ٣٦١.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 01-05-2026 الساعة 03:52 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.04 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]