عرض مشاركة واحدة
  #127  
قديم 26-01-2026, 12:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 207 الى صـــ 226
الحلقة (127)






وقوله: ما (رزئنا). أي: نقصنا. قَالَ ابن التين: ورويناه بكسر الزاي وفتحها. ولم يذكر ابن قرقول غير الكسر، قَالَ: وقال أبو زيد الأنصاري: رزأته أرزأه رزءًا إذا أصبت منه. وذكر ابن الأثير أن ما نقصنا منه شيئًا ولا أخذنا (١).
وقوله: («هُوَ الذِي أَسْقَانَا»). أي: جعل لنا سقيًا، يقال: سقى وأسقى بمعنى، وقيل باختلاف.
والصِرم -بكسر الصاد المهملة وسكون الراء-: الجماعة ينزلون بإبلهم (ناحية) (٢) عَلَى ماءٍ، والجمع: أصرام. فأما الصرمه -بالهاء-: فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين.
وقال ابن سيده: الصِرم: الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، والصِرم أيضًا: الجماعة من ذلك (٣).
وفيه: مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به، كما حفظ النبي - ﷺ - هذِه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذمامها وإن كانت من صميمهم، فهي من أدناهم، وكان ترك الغارة (٤) عَلَى قومها سببًا لإسلامها وإسلامهم وسعادتهم.
وفيه: بيان مقدار الانتفاع بالاستئلاف عَلَى الإسلام؛ لأن قعودهم عن الغارةِ عَلَى قومها كان استئلافًا لهم، فعلم القومُ قدر ذَلِكَ وبادروا إلى الإسلام رعايةً لذلك الحق.

--------------------
(١) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٢١٨.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) «المحكم» ٨/ ٢١٣.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللغة الفصحى (…).



٧ - باب إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفسِهِ المَرَضَ أَوِ المَوْتَ أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُعَنِّفْ.

٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَرٌ- عَنْ شعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الَماءَ لَا يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هذا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى- قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّار. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥]

٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَي قَالَ: حَدَّثَنَا الأعمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الَماءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارِ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ -: «كَانَ يَكْفِيكَ»؟ قَالَ: أَلمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بهذِه الآيَةِ؟ فَمَا دَرى عَبْدُ اللهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هذا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الَماءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ لهذا؟ قَالَ: نَعَمْ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥].
وهذا الحديث أسنده أبو داود مطولًا وفيه أن ذَلِكَ كان في غزوة السلاسل (١). وفي أخرى له: فغسل مَغابِنَه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم (٢).

-------------------
(١) يعني حديث التعليق. أبو داود (٣٣٤)
(٢) أبو داود (٣٣٥).



وروى هذِه أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» (١)، والحاكمُ في «مستدركه»، ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط الشيخين. قَالَ: والذي عندي أنهما لم يخرجاه لحديث جرير -يعني: الرواية الأولى- ثم ساقها، ثم قَالَ: هذا لا يعلل الآخر، فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهلِ البصرة (٢). يعني: أن رواية الوضوء يرويها مصري عن مصري، ورواية التيمم يرويها بصري عن مصري.
قَالَ البيهقي: ويحتمل أن يكون فعل ما نقل في الروايتين جميعًا، فغسل ما أمكنه وتيمم للباقي (٣).
ثم ذكر البخاري حديث عمَّار من طريقيه بطولهما.
ولا شك أن من خاف التلف من استعمال الماء أبيح له التيمم مع وجوده، وهو إجماع (٤). وهل يلحق به خوف الزيادة فيه فقط؟ فيه قولان للعلماء والشافعي، والأصح عنده: نعم (٥)، وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة والثوري (٦).
وعن مالك رواية أخرى بالمنع (٧). وقال عطاء والحسن البصري في رواية: لا يستباح التيمم بالمرض أصلًا (٨).

-----------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٤/ ١٤٢ (١٣١٥).
(٢) «المستدرك» ١/ ١٧٧.
(٣) «السنن الكبرى» ١/ ٢٢٦.
(٤) انظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» ١/ ٢٣٩ (٣٦٨).
(٥) «الأم» ١/ ٤٠، «روضة الطالبين» ١/ ٩٨.
(٦) انظر: «الهداية» ١/ ٢٦، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٠، «التفريع» ١/ ٢٠٢، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٥٨.
(٧) «البيان والتحصيل» ١/ ٦٩، «النوادر والزيادات» ١/ ١١٠.
(٨) رواه عن عطاء عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢٢٦ (٨٧٥)، وحكاه عن الحسن القرطبي في «تفسيره» ٥/ ٢١٦، وابن قدامة في «المغني» ١/ ٢٦١.



وكرهه طاوس (١). وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماءِ، فأما مع وجوده فلا، وهو قول أبي يوسف ومحمد (٢).
والدليل عَلَى أن من خاف الزيادة في المرض يباح له التيمم ما احتج به أبو موسى عَلَى ابن مسعود من الآية، ولم يفرق بين مرض يخاف منه التلف أو الزيادة، فهو عام في كل مرض، وقياسًا عَلَى سائر الرخص كالفطر وترك القيام والاضطرار، فإنه لا يعتبر فيها خوف التلف بل الجزع الشديد كاف.
وحديث عمرو دال لجواز التيمم للخائف من استعمال الماء وللجنب، خلاف ما روي عن (عمر) (٣) وابن مسعود، ولأجل البرد المفضي إلى محذور، وأن المتيمم يصلي بالمتطهرين، وأنه لا إعادة عليه إذ لم يذكر.
وفيه خلاف للشافعي والسلف، والأصح: وجوبه (٤)، وقام الإجماع عَلَى أن المسافر إذا كان معه ماءٌ وخاف العطش أنه يتيمم ويشربه (٥)، وأن الجنب يجوز له التيمم، إلا ما ذكر عن عمر وابن مسعود، فإنهما منعاه له (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كنُتُمْ جُنُبًا فَأطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣].

------------------
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢٢٤ (٨٦٨).
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٠، «المبسوط» ١/ ١١٢.
(٣) في (ج): عمرو.
(٤) «الأم» ١/ ٤٠.
(٥) انظر: «الإجماع» ص ٣٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١٤٥ (١٦٦٧)، (١٦٦٨).



وقد روي مثل هذا عن ابن عمر، واختلف فيه عن عليٍّ (١)، وخفيت عليهم السُّنَّة في ذَلِكَ من رواية عمار وعمران بن الحصين، وإنما استراب عمر عمارًا في ذَلِكَ؛ لأنه كان حاضرًا معه، فلم يذكر القصة وأنسيها، فارتاب ولم يقنع بقوله.
وكان عمر وابن مسعود لما كان من رأيهما أن الملامسة في الآية هي ما دون الجماع، وكان التيمم في الآية يعقب الملامسة منعا الجنب التيمم، ورأيا أن التيمم إنما جعل بدلًا من الوضوء، (ولم) (٢) يجعل بدلًا من الغسل، فكان من رأي ابن عباس وأبي موسى الجماع وأجاز للجنب التيمم، ألا ترى أن أبا موسى حاج ابن مسعود بالآية التي في سورة النساء، فإن الملامسة فيها الجماع، فلم يدفعه ابن مسعود عن ذَلِكَ، ولا قدر أن يخالفه في تأويله للآية، فلجأ إلى قوله: إنه لو رخص لهم في هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء يتيمم.
وقد ذكر ابن أبي شيبة قَالَ: حَدَّثنَا سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن الضحاك قَالَ: رجع عبد الله عن قوله في تيمم الجنب (٣). ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار -من قَالَ بأن الملامسة: الجماع، ومن قَالَ بأنها دونه- بقول عمر وابن مسعود، وصاروا إلى حديثِ عمَّارٍ وعمران بن الحصين في ذَلِكَ.
إلا أنهم اختلفوا ثم أجازوا للجنب التيمم، فمن قَالَ: الملامسة: الجماع، أوجب التيمم بالقرآن، وهو قول الكوفيين، ومن قَالَ: إنها ما دون الجماع. أوجبه بحديث عمار وعمران، وهو قول مالك.

---------------
(١) «السابق» ١/ ١٤٨ (١٦٩٩).
(٢) في (ج): ولا.
(٣) «المصنف» ١/ ١٤٥ (١٦٦٩).



قَالَ المهلب: وفي قول أبي موسى لابن مسعود: (فدعنا من قول عمَّار، كيف تصنع بهذِه الآية؟) فيه: الانتقال في الحجاج مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك أنه يجوز للمتناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، ألا ترى أن إبراهيم - ﷺ - إذ قَالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، قَالَ له النمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لم يحتج أن يوقفه عَلَى كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى مسكت من الحجاج فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] (١).
----------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٤٩٢.


٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ قَالَ: كنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الَماءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بهذِه الآيَةِ فِي سُورَةِ الَمائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هذا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الَماءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْت: وِإنَّمَا كَرِهْتُمْ هذا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةِ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الَماءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَزَادَ يَعْلَى، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألِمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». وَمَسَحَ وَجْهَة وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً؟ [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥]
ذكر فيه حديث أبي موسى مع عبد الله، وقوله: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ. إلى قوله: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ .. الحديث. وقد سلف فقهه فيما مضى.
وقوله: (زَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ) إلى آخره. هذا وصله الإسماعيلي عن ابن زيدان عن أحمد بن حازم عن يعلى به.
واختلف العلماء في صفة التيمم عَلَى أقوالٍ:


أحدها: أنه ضربةٌ واحدة، وعليه بوب البخاري، وهو أصح من رواية ضربتين كما سلف.
وثانيها: أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، روي هذا عن ابن عمر والشعبي والحسن (١) وهو قول مالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي (٢)، وذكره الطحاوي عن الأوزاعي (٣).
وهؤلاء كلهم لا يجزئه عندهم المسح دون المرفقين إلا مالكًا، فإن الفرض عنده إلى الكوعين (٤). وروي عن عليٍّ مثل هذا: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين (٥)، وهذا قولٌ ثالث.
وفيه قول رابع: أنه ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه إلى مرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي (٦).
وفيه قول خامس: أنه ضربة واحدة للوجه والكفين إلى الكوعين، روي هذا عن عطاء (٧) ومكحول (٨)، ورواية عن الشعبي (٩)، وهو قول

-------------------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ - ٢١٣ (٨١٧، ٨٢٠، ٨٢٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ١٤١ - ١٤٦ (١٦٧٣، ١٦٧٥، ١٦٧٦).
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ٢٦، «المبسوط» ١/ ١٢١، «المنتقى» ١/ ١١٤، «الذخيرة» ١/ ٣٥٢، «الأم» ١/ ٤٢.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٦.
(٤) «المنتقى» ١/ ١١٤.
(٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢١٣ (٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١/ ٢١٢.
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٧.
(٧) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ (٨١٦).
(٨) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٧ (١٦٩٦).
(٩) رواها عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١٣ (٨٢٦).



الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر (١). وروى ابن القاسم عن مالك: إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أرجو أن تجزئه، ولا إعادة عليه. والاختيار عنده ضربتان (٢).
وحجة من جعله إلى المرفقين القياس عَلَى الوضوء، وابتغوا فعل ابن عمر، وقد روي من حديث ابن عمر أيضًا مرفوعًا، صححه الحاكم (٣).
وقالوا: لما كان غسل الوجه بالماءِ غير غسل اليدين، فكذلك يجب أن تكون الضربة للوجه في التيمم غير الضربة لليدين.
والقول الرابع شاذٌ لا سلف له فيه، وأصح ما في حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة لكفيه ووجهه. رواه الثوري وأبو معاوية وجماعة عن الأعمش عن أبي وائل. وسائر أحاديث عمَّار مختلف فيها.
واحتج لهذا القول أيضًا بأنه إذا ضرب يديه إلى الأرض، فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ في حد الذقن لا يبقى في يديه شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذَلِكَ ولم يحتج أن يعيد ضرب يديه عَلَى الأرض لم يحتج أن يضرب بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شرطه أن يماس كل جزء من الأعضاء.
وفي المسألة قول سادس غريب: أنه يضرب أربع ضربات: ضربتان للوجه، وضربتان لليدين، حكاه ابن بزيزة في «شرح أحكام عبد الحق» ثم قَالَ: وليس له أصل في السنة، وما أقصر في ذَلِكَ، ثم قَالَ: وقال

--------------------
(١) «الأوسط» ٢/ ٣٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٥٢.
(٣) «المستدرك» ١/ ١٧٩، ١٨٠.



بعض العلماء: يتيمم الجنب إلى المنكبين. وغيره إلى الكوعين. ثم قَالَ وهو قول ضعيف. وهو كما قَالَ أيضًا.
وفي «قواعد ابن رشد» رُوِي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث، والفرض اثنتان (١). وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات، الثالثة لهما جميعًا. وفي رواية عنه: ضربة للوجه، وضربة للكف، وضربة للذراعين (٢).

---------------------
(١) لم أقف عليه في المطبوع.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الأول من الثالث من تجزئة المصنف.



٩ - باب
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الُخزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا مُغتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». [انظر: ٣٤٤ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١/ ٤٥٧]
ذكر فيه حديث عمران بن الحصين، وقد سلف الكلام عليه آخر الوضوء، ولله الحمد والمنة.


٨

كِتابُ الصَّلَاةِ


٨ - كِتابُ الصَّلَاةِ (١)
الصلاة في اللغة: الدعاء والاستغفار. وقيل فيه أقوال أخر منها: التعظيم، واللزوم، والرحمة، والتقرب، والاستقامة.
وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة.

١ - باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ فيِ الإِسْرَاءِ.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا -يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -- بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. [انظر: ٧]

٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ

------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين قراءة عليَّ ومقابلة عليَّ كتبه مؤلفه.


بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدَمُ. وهذِه الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ التي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أنَهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - بإِدْرِيسُ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِبْرَاهِيمُ - ﷺ -». قَالَ ابن شِهَاب: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأنصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَريفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابن حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أَمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعَني فَوَضَعَ شَطْرَهَا،

فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ. فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ». [١٦٣٦، ٣٣٤٢ - مسلم: ١٦٣ - فتح: ١/ ٤٥٨].

٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -أُمِّ الُمؤْمِنِينَ- قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الَحضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الَحضَرِ. [١٠٩٠، ٣٩٣٥ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ١/ ٤٦٤]
وهذا التعليق ساقه البخاري مسندًا كما سلف في الوحي (١). وتقدم هناك الكلام عليه واضحًا.
ثم ساق البخاري حديث الزهري، عن أنس، عن أبي ذر في الإسراء بطوله.
وقد أخرجه هنا، وفي الحج (٢)، وأحاديث الأنبياء (٣)، وذكر بني إسرائيل (٤). وأخرجه مسلم في الإيمان (٥).

-----------------------
(١) سلف برقم (٧) كتاب: بدء الوحي.
(٢) سيأتي برقم (١٦٣٦)، باب: ما جاء في زمزم.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٤٢)، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -.
(٤) ليس فيه. ولعل المصنف أخطأ تبعًا لصاحب «التحفة» (١١٩٠١) حيث جاء فيها: وفي ذكر بني إسرائيل (أحاديث الأنبياء) عن أحمد بن صالح … وعلق ابن حجر علهيا بقوله: قلتُ: بل هي في ذكر إدريس في أحاديث الأنبياء. وقول ابن حجر هو الصواب.
(٥) مسلم (١٦٣) باب: بَدْء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.



قَالَ الدارقطني: ورواه الزهري -يعني مرة عن أبي، وأحسبه سقط عليه ذر، فجعله أبي بن كعب، ووهم فيه. ورواه قتادة عن أنس، عن مالك بن أبي صعصعة بطوله، وروى بعضه شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا قصة النهرين، ويشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحا؛ لأن الرواة أثبات.
وروى قتادة عن أنس مرفوعًا: «فُرض عليَّ الصلاة» وهو (صحيح) (١) عنه (٢).
وقال الحاكم في «الإكليل»: حديث المعراج صحيح، صح سنده بلا خلاف بين الأئمة، نقله العدل عن العدل. ومدار الروايات الصحيحة فيه عَلَى أنس. وقد سمع بعضه من النبي - ﷺ -، وبعضه من أبي ذر، وبعضه من مالك، وبعضه من أبي هريرة.
وقال ابن الجوزي: روى حديث المعراج والإسراء جماعة منهم علي، وابن مسعود، وأُبي، وحذيفة، وأبو سعيد، وجابر، وأبو هريرة، وابن عباس، وأم هانئ.
ثم متى صلى رسول الله - ﷺ -؟
روى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» من حديث أسامة، عن أبيه زيد أن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - في أول ما أوحي إليه، فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة فنضح بها (فرجه) (٣) (٤).

-------------------
(١) من (ج).
(٢) «العلل» ٦/ ٢٣٣ - ٢٣٥.
(٣) في (ج): وجهه.
(٤) «بغية الباحث» (٦٧).



ورواه ابن ماجه بلفظ: «علمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي» (١).
وفي «صحيح مسلم» من حديث قتادة، عن زرارة: أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو .. الحديث. وفيه أنه سأل عائشة عن قيام رسول الله - ﷺ -، فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ [المزمل: ١] قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذِه السورة، فقام - ﷺ - وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حَتَّى أنزل في آخرها التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة (٢).
وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
ولا خلاف -كما قاله عياض وغيره- أن خديجة صلت مع الشارع بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: (بثلاث) (٣) سنين، وقيل: بخمس (٤)، وقيل: بأربع.
واستشكله بعضهم بأن الزبير بن بكار روى في «أنسابه» من حديث عائشة، قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (٥).

--------------------
(١) «سنن ابن ماجه» (٤٦٢) قال البوصيري في «زوائده» ص ٩٧: إسناد حديث ابن ماجه ضعيف لضعف ابن لهيعة. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٧٥): حسن دون الأمر.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٤٦) باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض.
(٣) في (ج): ثلاث.
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(٥) رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ ٤٥١ (١٠٩٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» =



وأجيب: لعلها أرادت قبل فرضها ليلة الإسراء. وعن مقاتل بن سليمان: فرض الله الصلاة في أول الإسلام ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرض الخمس ليلة المعواج (١). قلت: وإلى ذَلِكَ الإشارة بقوله - ﷺ -: «من صلى البردين دخل الجنة» (٢)
وقد جاء في حديث أنه صلى عند الزوال من أول النبوة. وفي «الصحيح» من حديث عائشة: فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - فرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر عَلَى الأولى، وسيأتي (٣). وفي رواية: بعد الهجرة بسنة.
وقال القزاز: فرضت أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، إلى ليلة الإسراء فرضت عليه الخمس بغير أوقات، فكان الرجل يصليها في وقت واحد إن شاء، وإن شاء فرقها. ثم لما هاجر صلاها بأوقات ركعتين ركعتين. ثم زيد في صلاة الحضر، وفرض الوضوء والغسل. ولم أره لغيره.
وقال أبو عمر: روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين. وكذلك قَالَ نافع بن جبير، والحسن، وهو قول ابن جريج، وروي مرفوعًا من حديث العنبري (٤) وغيره ما يدل على ذلك (٥).

--------------------
= ٩/ ٢٢٠: وفيه محمد بن الحسن بن زبالة، وهو ضعيف. اهـ.
(١) ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» ١/ ٩١.
(٢) يأتي برقم (٥٧٤) باب: فضل صلاة الفجر.
(٣) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟
(٤) في «التمهيد»: القشيري.
(٥) «التمهيد» ٨/ ٣٣ - ٣٤.



وقال أبو محمد بن حزم: لم يأت قط أثر -يعني: صحيحًا- أن الوضوء كان فرضًا بمكة (١).
وقام الإجماع عَلَى أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء (٢). وفي «مسند أحمد»: فرضت ركعتان ركعتان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا (٣).
وأول أبو عمر قول عائشة: فرضت: تقدرت. والفرض لغة: التقدير (٤).
وزعم السهيلي أن الزيادة تسمى نسخًا؛ لأنه رفع الحكم، وقد ارتفع، وإنما الزيادة في العدد حَتَّى كملت خمسًا بعد أن كانت اثنتين، فيسمى نسخًا عند الحنفية (٥).
واختلف العلماء -فيما حكاه الدمياطي- في الإسراء والمعراج هل (كانا) (٦) في ليلة واحدة أو كان المعراج مرة أو مرات؟ وهل كان المعراج قبل الإسراء؟
وظاهر إيراد البخاري يدل عَلَى اتحاد المعراج والإسراء؛ لأنه قَالَ أولًا كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء».
قَالَ ابن قتيبة: أسري برسول الله - ﷺ - بعد سنة ونصف من رجوعه -يعني: من الطائف إلى مكة- ثم قَالَ: إن الإسراء والمعراج كانا في ليلة

--------------------
(١) «المحلى» ١/ ٢٠٤.
(٢) انظر: «تفسير القرطبي» ١٠/ ٢٠٨.
(٣) «مسند أحمد» ٦/ ٢٧٢.
(٤) «التمهيد» ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥.
(٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٨٣.
(٦) في (ج): كانتا.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 01-05-2026 الساعة 03:41 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.03 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]