سلسلة هدايات القرآن
حماده إسماعيل فوده
هدايات سورة الفاتحة
7- فما ظنُّكم بالله الرَّبِّ الرحيم؟!
بسمِ الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ: فنقفُ اليومَ مع قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1].
﴿ الرَّحْمَنِ ﴾: الذي وسِعتْ رحمتُه جميعَ الخلق، (الرَّحِيمُ) بالمؤمنين، وهما اسمانِ من أسماء الله تعالى.
﴿ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينِ ﴾، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: لَما جاء وصفُ الله سبحانه نفسَه بالربوبيةِ التي تعني أنه السيدُ المالكُ، المعبودُ الذي له مطلقُ التصرفِ في عباده، والتي قد يُفهم منها معنى الجبروتِ والقهرِ - جاء وصفُه بالرحمةِ بعدها؛ لينبسطَ أملُ العبدِ في العفو إن زلَّ، ويَقوى رجاؤُه إن هفا.
وأيضًا لَمَّا وصفَ اللهُ تعالى نفسَه بالربوبيةِ، بيَّن أن تربيتَه تعالى للعالمين ليست لحاجةٍ به إليهم؛ كجلْبِ مَنفعةٍ، أو دَفْعِ مَضرَّةٍ، وإنما هي لعمومِ رحمته وشمولِ إحسانِه.
﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هما اسمانِ مشتقَّانِ من الرحمة على وجه المبالغةِ، ورحمنٌ أشدُّ مبالغةً من رحيمٍ؛ وذلك لأن (رحمن) على وزنِ فَعْلان، وهذه الصيغةُ تفيد الكثرةَ والسعةَ، فالرحمنُ: ذو الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِه، والرحيمُ: ذو رحمةٍ خاصةٍ، يختصُّ بها عبادَه المؤمنين.
ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ:
الوقفةُ الأولى: الفاتحةُ من أرجى سُور القرآن، ألا ترى أنك تستفتحُ بذكرِ ألوهية الله (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، ثم ربوبيَّته (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ثم رحمته: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فما ظنُّكم بالله الربِّ الرحيمِ؟!
الوقفةُ الثانيةُ: ورد قولُه: ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ بعد قوله: ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ كالتعليلِ لها، فاللهُ ربٌّ للعالمين بالنعمِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ لأنه رحمنٌ رحيمٌ بهم.
الوقفةُ الثالثةُ: صفاتُ الله تعالى تدورُ بين الإجلالِ والإكرامِ؛ كما قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 78]، وهنا في سورةِ الفاتحةِ لَما تحدَّث ربُّنا تبارك وتعالى عما يدلُّ على جلالِه وعظمتِه في قوله تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، تحدَّث بما يدلُّ على إكرامِه ورحمتِه، في قوله سبحانه وبحمده: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾.
الوقفةُ الرابعةُ: وصفَ اللهُ تعالى نفسَه بعد قوله: ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ بأنه: ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾؛ لأنه لَما كان في اتِّصافِه بـ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ترهيبٌ، وهو الخوفُ من الله عزَّ وجلَّ؛ خوفًا من عقابِه أو سخطِه أو غضبِه، وهو خوفٌ محمودٌ يدفعُ المؤمنَ إلى الحرصِ على اجتنابِ ما يَكرَهُه اللهُ من المعاصي والذنوب، قرَنه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لِما تَضمَّنه من الترغيبِ، وهو الرجاءُ في الله عزَّ وجلَّ، رجاءٌ في رحمتهِ ولطفِه وعفوِه وفضلِه، وهو رجاءٌ محمودٌ يدفعُ المؤمنَ إلى الإكثارِ من الطاعات والحرصِ على فعلِ الخيرات؛ ليجمعَ سبحانه وبحمدِه في صفاتِه بين الرهبةِ منه والرغبةِ إليه، فيكونُ أعونَ على طاعتِه؛ بحيث يعيشُ المؤمنُ بقلبٍ يعتدلُ فيه الخوفُ من الله والرجاءُ فيه، فلا يَغلِبُ أحدُهما الآخرَ، فغلبةُ الخوفِ المحضِ قد تؤدِّي إلى القنوطِ واليأسِ، وغلبةُ الرجاءِ المحضِ قد تؤدي إلى التفريطِ والاتِّكالِ، أما الجمعُ بينهما فيُحفِّزُ المسلمَ على القيامِ بالطاعات وتركِ المنكرات، راجيًا ثوابَ الله، وخائفًا من عقابه.
الوقفةُ الخامسةُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: وجودُها في بداية القرآن يَبعثُ على حُسنِ الرجاء في الله عزَّ وجلَّ، وعدمِ القنوط من رحمته جلَّ وعلا مهما حدَث من العبد مِن تفريطٍ.
﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾: هذه الآيةُ الكريمةُ بها الكثيرُ من الهدايات غير التي وقفنا معها، ولِمَ لا وهي تتعلقُ باسمينِ عظيمينِ من أسماء الله الحسنى؟! وهذا ما سنَعرِفه إن قدَّرَ اللهُ لنا البقاءَ واللقاءَ في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وإلى أن أَلقاكم فيها، أسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يَهديَني وإياكم بهداياتِ القرآن الكريم، وصلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحْبه والتابعين.
تَم الاعتمادُ على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات.
وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها:
1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون.
2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجَعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع.
3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.
4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر.
5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق.
6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.
7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر.