عرض مشاركة واحدة
  #107  
قديم 24-01-2026, 04:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,886
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 467 الى صـــ 486
الحلقة (107)






هو مذهب أبي حنيفة -أعني: في عظم الفيل ونحوه-، وخالف مالك والشافعي فقالا بنجاسته لا يدهن فيه ولا يمتشط، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة (١) قَالَ: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر (٢). وخالف الشافعي فقال: الذكاة لا تعمل في السباع (٣).
وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة.
وفي لفظ: إنه كان يكره عظام الفيل (٤) -يعني: مطلقًا-، وفي «المصنف»: وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس (٥).
وأما حديث ابن عباس الموقوف: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال (٦).

----------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: المعروف عن مالك هذا فقط، وأبو حنيفة لم يوافقه على هذا، وكذا حكاه النووي عن مالك وحده.
(٢) كذا وقع في الأصل، وهو خطأ كما قال الناسخ، وقد جاءت هذِه الفقرة على الصواب عند ابن بطال ١/ ٣٥٠ فقال: وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو طاهر عند أبي حنيفة، نجس عند مالك والشافعي، لا يدهن ولا يمتشط إلا أن مالكًا قال: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في السباع.
ثم كررها ابن بطال ١/ ٣٥١ على الخطأ فقال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن ذكي الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في السباع.
فلعل المصنف قد نقلها من ابن بطال أو ممن نقل عن ابن بطال.
(٣) انظر «بدائع الصنائع» ١/ ٦٣، «المجموع» ١/ ٢٩١، «المغني» ١/ ٩٧، ٩٨، «الذخيرة» ١/ ١٨٣، ١٨٤.
(٤) رواه عن الشافعي البيهقي في «السنن» ١/ ٢٦.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ٢٣٢، ٢٣٣ (٢٥٥٤٤ - ٢٥٥٤٧).
(٦) رواه الدارقطني في «سننه» ١/ ٤٧ - ٤٨، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٣، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٠. وقال الدارقطني: عبد الجبار ضعيف. =



فتفرد به أبو بكر الهذلي، عن الزهري كما قَالَ يحيى بن معين وليس بشيء، قَالَ البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم -وهو ضعيف- عن الزهري شيئًا معناه (١).
وحديث أم سلمة مرفوعًا: «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء» (٢) إنما رواه يوسف بن السفر، وهو متروك، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل ولم يطلق تحريمهما؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتشاط بها.
قَالَ ابن حبيب: وأجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف وأصبغ الامتشاط بها والادهان فيها، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن وهب، قَالَ: إذا غليت جاز بيعها، وجعله كالدباغ لجلد الميتة يدبغ أنه يباع.

------------------
= وقال البيهقي أيضًا عقب حديث ابن عباس الذي في الصحيحين: «إنما حرم أكلها»: وقد روى أبو بكر الهذلي، عن الزهري في هذا الحديث زيادة لم يتابعه عليها ثقة. وقد روى هذِه الزيادة الدارقطني في «سننه» ١/ ٤٨، ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٩٠.
وقال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك، ورواه البيهقي في «سننه» أيضًا ١/ ٢٣، وروى البيهقي بإسناده إلى يحيى بن معين. قال: أبو بكر الهذلي ليس بشيء.
(١) «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) رواه الدارقطني ١/ ٤٧، والطبراني في «الكبير» ٢٣/ ٢٥٨ (٥٣٨) مختصرًا، والبيهقي ١/ ٢٤، وابن الجوزي في «تحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٠، ٩١، وقال الدراقطني: لم يأت به غير يوسف بن السفر، وهو متروك يكذب. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢١٨: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه يوسف بن السفر، وقد أجمعوا على ضعفه.



وقال الليث وابن وهب: إن غلي العظم في ماء سخن وطبخ، جاز الادهان به والامتشاط (١).
فائدة:
قول الزهري: يُدْهنون يجوز في قراءته ثلاثة أوجهٍ: ضم الياء وإسكان الدال، أي: يُدهنون رءوسهم ولحاهم ونحو ذَلِكَ.
وثانيها: تشديد الدال وفتح الهاء وتشديدها.
ثالثها: فتح الدال وتشديدها وكسر الهاء من ادَّهن افتعل. قَالَ
السفاقسي: وهو ما رويناه وقدم الأول وقال: الآخران جائزان.
قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ.
وهذا التعليق عن ابن سيرين أسنده عبد الرزاق في «مصنفه» فقَالَ: حَدَّثنَا الثوري عن هشام، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج بأسًا (٢)، وهذا إسناد صحيح، ورخص في بيعه عروة وابن وهب (٣).
قَالَ ابن بطال: ومن أجازه فهو عنده طاهر (٤).
قَالَ ابن سيده: والعاج: أنياب الفِيَلَة. ولا يسمى غير الناب عاجًا (٥). وقال القزاز: أنكر الخليل أن يسمى غيره عاجًا وذكر غيرهما أن الذبل يسمى عاجًا، وممن صرح به الخطابي، حيث قَالَ:

---------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٨ (٢١١).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٩ (٢١٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢٣٢ (٢٥٥٤١، ٢٥٥٤٢، ٢٥٥٤٣).
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥١.
(٥) «المحكم» ٢/ ٢٠٤.



العاج: الذبل (١). وأنكر عليه (٢)، وفي «الصحاح» و«المجمل»: العاج: عظم الفيل (٣). وفي «الصحاح» أيضًا: المسك: السوار من عاج أو ذبل (٤) فغاير بينهما.
وروي أنه - ﷺ - امتشط بمشط من عاج (٥).

-------------------
(١) «معالم السنن» ٤/ ١٩٧ وتتمة كلامه: فأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب الفيلة.
(٢) قلت: قد أنكر على الخطابي قوله هذا غيرُ واحد من العلماء، منهم التوربشتي فيما نقله عنه شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» ١١/ ٢٧٠ قال: قال التوربشتي بعدما نقل عبارة الخطابي هذِه: من العجيب العدول عن اللغة المشهورة إلى ما لم يشتهر بين أهل اللسان، والمشهور أن العاج عظم أنياب الفيلة وعلى هذا يفسره الناس أولهم وآخرهم. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٤٣: وفي كلام الخطابي نظر. وكذا قال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ١٢٠.
وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ١/ ٢٧: كان الواجب عليه اتباع الحديث وترك رأيه ولم يفعل كذلك، بل رد الحديث إلى رأيه وأوهم بقوله: الذي تعرفه العامة. أنه ليس من صحيح لغة العربي وليس كذلك.
(٣) «الصحاح» ١/ ٣٣٢، «المجمل» ٢/ ٦٤١.
(٤) «الصحاح» ٤/ ١٦٠٨.
(٥) رواه البيهقي في «سننه» ١/ ٢٦، وضعفه وقال الذهبي في «المهذب» ١/ ٢٧: وهذا لا يصح.
وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ١/ ٢٧: وقال في «الخلافيات»: عمرو بن خالد الواسطي. ضعيف، والمفهوم من كلامه ها هنا أن الواسطي مجهول، وهو ليس كذلك.
وقال الألباني في «الضعيفة» ١٠/ ٤١١: وأنا أظن أنه عمرو بن خالد القرشي أبو خالد الكوفي نزيل واسط، وهو مشهور بالكذب والوضع. ولذا ضعفه في «الضعيفة» برقم (٤٨٤٦).



وروى أبو داود أنه - ﷺ - قَالَ لثوبان: «اشتر لفاطمة سوارين من عاج» (١) لكنهما ضعيفان، ثم العاج هو: الذبل كما قدمناه، وهو بذال معجمة، ثم باء موحدة، ثم لام، وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية، صرح به الأصمعي وابن قتيبة وغيرهما من أهل اللغة. وقال أبو علي البغدادي (٢): العرب تسمي كل عظم عاجًا.
-----------------------
(١) أبو داود (٤٢١٣)، ورواه أحمد ٥/ ٢٧٥، والطبراني ٢/ ١٠٣ (١٤٥٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٧٠ - ٧١ الترجمة (٤٣٤). وقال: وحميد الشامي هذا إنما أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه ولم أعلم له غيره، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٦، «شعب الإيمان» (٥٦٥٩) مختصرًا. وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٣١٥ (١٣٣٦)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٢ - ٩٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٧/ ٤١٣ - ٤١٤، و١٢/ ١١١ - ١١٢.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في «تاريخه» (٢٦٨): قلت: فحميد الشامي كيف حديثه الذي يروي حديث ثوبان، عن سليمان المنبهي؟ فقال: ما أعرفهما.
وقال ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٩٣: هذا الحديث لا يصح. حميد وسليمان مجهولان. قال أحمد: لا أعرف حميدًا. وقال الذهبي في «المغني» (١٧٨٩):
روى عنه ابن جحادة خبرًا منكرًا في ذكر فاطمة، لا يعرف، ولينه بعضهم، وقال في «التنقيح» ١/ ١٤٠: فحميد وشيخه مجهولان. وقال الألباني في «المشكاة» (٤٤٧١): وإسناده ضعيف.
(٢) هو أبو علي، إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عيدون البغدادي القالي العلامة اللغوي، صاحب كتاب «الأمالي» في الأدب أخذ العربية عن ابن دريد، وأبي بكر بن الأنباري، وابن درستويه، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى، ودخل بغداد في ٣٠٥ هـ، وأقام بها إلى سنة ٣٢٨ هـ وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصدًا الأندلس. له كتاب «المقصور والممدود»، «الإبل ونتاجها وجميع أحوالها»، «أفعل من كذا»، «البارع في اللغة»، «البارع في غريب الحديث»، «تفسير غريب أبي تمام»، «الخيل»، «تبويب لحن العامة للسجستاني». وانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٤٥، «تاريخ الإسلام» ٢٦/ ١٣٨ - ١٣٩، «وفيات الأعيان» ١/ ٢٢٦، «شذرات الذهب» ٣/ ١٨.



قُلْتُ: فلا يكون العظم -أعني: عظم الفيل- هنا مرادًا؛ لأنه ميتة فلا تستعمل، وواحدة العاج عاجة.
ثم ذكر البخاري في الباب حديث ميمونة وحديث أبي هريرة.
أما حديث ميمونة فقال فيه:
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَن ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ».
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، «ثَنَا مَعْنٌ، ثنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ:»خُذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ«. قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ.
وهذا الحديث أخرجه في الذبائح (١) أيضًا وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي في الأطعمة (٢) والنسائي في الذبائح (٣)، وأفاد البخاري بالطريق الثاني، -وإن كان نازلًا- متابعة إسماعيل وقول معن السالف.
وفي إسناده اختلاف كثير بينه الدارقطني، حيث روي تارة بإسقاط ميمونة من حديث الزهري ومالك، وتارة بإسقاط ابن عباس، وتارة

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٥٥٣٨، ٥٥٤٠) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب.
(٢)»سنن أبي داود«(٣٨٤١)،»سنن الترمذي«(١٧٩٨).
(٣)»سنن النسائي" ٧/ ١٧٨.



من حديث ابن مسعود، وتارة من حديث سالم، عن أبيه قَالَ: وهو وهم (١). وقال أبو عمر: هذا اضطراب شديد من مالك (٢).
ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة (٣) وقال الإسماعيلي: الحديث معلول، وفي رواية سئل الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد تقع فيه الفأرة أو غيرها فقال: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطرح، ثم أكل (٤).
وفي سنن أبي داود: «إن كان مائعًا فلا تقربوه» (٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فالإجماع قائم كما نقله ابن عبد البر على أن الفأرة وشبهها من الحيوان تموت في سمن جامد أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره، إذا استوثق أن الميتة لا تصل إليه.
وكذا أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعًا ذائبًا، فماتت فيه فأرة أو وقعت فيه وهي ميتة، أنه نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة أو حية، فماتت ينجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور

--------------------
(١) «علل الدارقطني» ٧/ ٢٨٥، ٢٨٧ (١٣٥٧).
(٢) «التمهيد» ٩/ ٣٤.
(٣) «سنن أبي داود» (٣٨٤٢). قال الألباني في «ضعيف أبي داود»: شاذ.
(٤) سيأتي برقم (٥٥٣٩) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب.
(٥) «سنن أبي داود» (٣٨٤٢)، ورواه أحمد ٢/ ٢٦٥، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٧ (١٣٩٣)، والبيهقي ٩/ ٣٥٣، والبغوي في «شرح السنة» ٢٥٧/ ١١ (٢٨١٢). قال الترمذي: في «العلل» ٢/ ٧٥٩: ليس له أصل، وقال أبو حاتم في: «العلل» ٢/ ١٢: وهم.



الفقهاء وجماعة العلماء، وقد شذ قوم (١) فجعلوا المائع كله كالجامد، ولا وجه للاشتغال بشذوذهم، ولا هم عند أهل العلم ممن يُعد لهم خلاف.
وسلك ابن علي (٢) في ذَلِكَ مسلكهم، إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه يتبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل، وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن.
قَالَ: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته.
فقالت طائفة من العلماء: لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه، وممن قَالَ ذَلِكَ: الحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، محتجين بالرواية السالفة: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» ولعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز.
وقال آخرون بجواز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري، أما الأكل فمجمع على تحريمه، إلا الشذوذ الذي ذكرناه، كما نبه عليه ابن عبد البر (٣).
وأما الاستصباح فروي عن علي (٤) وابن عمر (٥) أنهما أجازا ذَلِكَ، ومن حجتهم في تحريم بيعها قوله: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم

--------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: […] ذهب إليه البخاري في الصحيح وهو مذهب غيره أيضًا.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: يعني: داود الظاهري.
(٣)»التمهيد«٩/ ٤٠ - ٤١، ٤٢.
(٤) رواه ابن المنذر في»الأوسط«٢/ ٢٨٥.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٧ (٢٤٣٨٧)، وابن المنذر في»الأوسط" ٢/ ٢٨٦.



الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١).
وقال آخرون: ينتفع به وجائز أن يبيعه ويبِّين ولا يأكله، وممن قَالَ ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي عن أبي موسى الأشعري (٢) والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، «وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به وانتفعوا» والبيع من باب الانتفاع (٣).
وأما قوله في حديث عبد الرزاق: «وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» يحتمل أن يريد به الأكل. وقد أجرى - ﷺ - التحريم في شحوم الميتة في كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة الانتفاع به، فدل على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات.
وأما الزيت يقع فيه الميتة، فإنها تنجس بالمجاورة، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره.
وأما قوله: «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». فإنما خرج على شحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة،

-----------------------
(١) الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد في «المسند» ١/ ٢٤٧ من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود (٣٤٨٨)، وكذا البيهقي ٦/ ١٣ بزيادة لفظ «ثلاثًا» فقال: «لعن الله اليهود ثلاثًا» والحديث عند البخاري من حديث جابر بن عبد الله (٢٢٣٦) في البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١) في المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. بلفظ: «قاتل الله اليهود، إن الله لمَّا حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» وفي الباب عن عمر بن الخطاب.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٨٧ (٢٩٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ١٢٧ (٢٤٣٨٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٨٦.
(٣) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧.



وروي عن مالك أيضًا (١)، وصفته: أن تَعْمُد إلى ثلاث آوان أو أكثر، فيجعل الزيت النجس في واحدة منها، حتى يكون نصفها أو نحوه، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من على الماء، ثم يجعل في آخر ويعمل به كذلك، ثم في آخر. وهو قول ليس لقائله سلف، ولا تسكن إليه النفس؛ لأنه لو كان جائزًا لما خفي على المتقدمين.
وقد روي عن عطاء قولُ تفرد به، روى عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه، قَالَ: ذكروا أنه يدهن به السفن ولا يمس، ولكن يؤخذ بعود. قُلْتُ: يدهن به غير السفن؟ قَالَ: لم أعلم. قُلْتُ: وأين يدهن به من السفن؟ قَالَ: ظهورها ولا يدهن بطونها. قُلْتُ: فلابد أن تمس؟ قَالَ: تغسل اليد من مسه (٢).
وقد روي من حديث جابر المنعُ من الدهن به (٣)، وعند سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر، فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أزيل ذَلِكَ منه ولم ينجس، وإن ماتت فيه ينجس وإن كثر (٤).
ووقع في كلام ابن العربي أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، ولا نعلم عندنا خلافًا في طهارتها في حال حياتها (٦).

-------------------
(١) الذي في «النوادر والزيادات» ١/ ١٤٢: وروى ابن رشيد عن ابن نافع عن مالك في الزيت إذا أصابته النجاسة أنه يغسل.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٧ (٢٠٨).
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٦) كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٤/ ٣٨٠، «المنتقى» ٧/ ٢٩٢.
(٥) «عارضة الأحوذي» ٧/ ٣٠٠.
(٦) انظر: «الوسيط» ١/ ٤٧، «روضة الطالبين» ١/ ١٣.



وحاصل الحديث فوائد: إلقاء ما نجس من الطعام مع العين النجسة، وأكل ما لم يصبه، وأن هذا حكم الجامد (١).
أما المائع فمخالف له كما سلف في الرواية الأخرى «وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» جمعًا بين الروايتين، وعن سحنون: أنه إذا طال مكث الميتة يطرح السمن كله؛ أي: لأنه قد يذوب في بعض تلك الأحوال، فتخالطه النجاسة، حكاه الداودي في «شرحه».
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ كَلْم يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
عبد الله هو ابن المبارك وقد سلف. وأحمد شيخ البخاري فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أحمد بن محمد بن موسى عُرف بمِرْدويه، قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر (٢) حامد بن محمود بن علي

------------------------
(١) انظر: «المغني» ١/ ٥٣.
(٢) هو أبو نصر حامد بن محمود بن عليّ بن عبد الصمد الرازي من أهل الري فقيه فاضل مناظر حسن السيرة جميل الأمر تفقه بنيسابور وببخارى وبرع في الفقه وكان راغبًا في سماع الحديث حريصًا على كتابته.
تنبيه: في الأصل: الفزاري، ولعل الصواب الرازي كما في مصادر الترجمة.
انظر ترجمته في: «التحبير في المعجم الكبير» ص ٢٤٣، «التدوين في أخبار قزوين» ١/ ٣٤٣، ٢/ ٤٦٧.



الفزاري في كتابه «مختصر البخاري»، وأخرج له مع البخاري أبو داود، والنسائي، وقال: لا بأس به، وهو المروزي السمسار، قدم بغداد، وأغفله الخطيب. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (١).
ثانيها: أنه أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي الماخواني -قرية من قرى مرو- عرف بشبويه، قاله الدارقطني، وهذا روى عنه أبو داود، ومات سنة تسع وعشرين -أو ثلاثين- ومائتين (٢).
ثالثها: أنه لا يعرف، قَالَ أبو أحمد بن عدي: أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن معمر لا يعرف (٣).

------------------
(١) هو أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار المعروف بمردويه، وربما نسب إلى جده. ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة فيمن قدم بغداد، ولم يذكره الخطيب في «تاريخه». وفي كتاب: «الزهرة» كان فقيهًا ويعرف بصاحب ابن المبارك، روى عنه -يعني: البخاري- اثني عشر حديثًا. وقال ابن وضاح: ابن مردويه خرساني ثقة ثبت.
انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١/ ٤٧٣ (١٠٠). و«إكمال مغلطاي» ١/ ١٣٩ (١٤٦)، و«تهذيب التهذيب» ١/ ٤٥.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد الخزاعي، أبو الحسن ابن شبويه المروزي الماخواتي. وهو والد عبد الله بن أحمد بن شبويه.
قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: أحمد شبويه ثقة.
روى البخاري في الوضوء، والأضاحي، والجهاد عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، فقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه هذا، وقال أبو نصر الكلاباذي، وغير واحد: إنه أحمد بن محمد بن موسى مردويه المروزي السمسار، فأيهما كان، فهو ثقة. وجزم ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٤٤ أنه ابن مردويه.
انظر: ترجمته في: «معرفة الثقات» ١/ ١٩٢ (٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٥ (٧١)، «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٣ (٩٤)، «إكمال مغلطاي» ١/ ١١٢ (١٤٢).
(٣) «أسامي من روى عنهم البخاري» ص ٨٦ (٢٢).



ثانيها:
هذا الحديث أخرجه مسلم في الجهاد (١).
ثالثها:
الكَلم -بفتح الكاف- الجرح. ويكْلمه بإسكان الكاف. والعرف -بفتح العين- الرائحة.
رابعها:
مجيئه يوم القيامة كهيئتها تفجر له فوائد:
الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجب.
الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف، بانتشار رائحة المسك من جرحه الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى.
الثالثة: أن هذا الدم خلعة خلعها الله عليه في الحقيقة أكرمه بها في الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة.
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعًا (٢)

----------------------
(١) مسلم (١٨٧٦/ ١٠٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٢) قال أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٣٧٣:
أنشدني منصور بن محمد المفري قال: أنشدني أحمد بن نصر بن منصور الشاذابي المقري قال قيل لأبي بكر الشبلي: مزقت وأبليت كل ملبوسك والعيد قد أقبل والناس يتزينون وأنت هكذا؟ فأنشأ يقول:
قالوا أتى العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حبه جزعا
فقر وصبر هما ثوباي تحتهما … لب يرى إلفَهُ الأعياد والجمعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرءًا ومستمعًا
أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا



خامسها:
الحديث سبق لفضل المطعون في سبيل الله، وقد استنبطوا منه أشياء فيها تكلف منها: أن المراعى في الماء تغير لونه دون تغيير رائحته؛ لأنه - ﷺ - سمى هذا الخارج من جرح الشهيد دمًا، وإن كان الريح ريح مسك، ولم يقل مسكًا، فغلب المسك؛ للونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير طعمه، لم يلتفت إلى تغير رائحته.
وفيه نظر؛ لأنه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر.
ومنها: ما ترجم له البخاري، ويحتمل أن حجته فيه الرخصة كما سلف، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم القذارة إلى التطيب بتغير رائحته، وحكم له بحكم المسك والطيب للشهيد، فكذلك الماء ينتقل إلى العكس، بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة إلى النجاسة، على أن القيامة ليست دار أعمال ولا أحكام، وإنما لما عظم الدم بحيلولة صفته إلى ما هو مستطابُ معظمُ عادة، علمنا أن المعتبر الصفات لا الذوات، ولما كانت الأحاديث في باب نجاسة الماء ليست على شرطه، استدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع، وذلك المعنى الجامع بينهما.
فإن قُلْتَ: لما حَكَمَ للدم بالطهارة بتغير رائحته إلى الطيب، وبقي فيه اللون والطعم، ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب، وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد طاهر أن يجوز الطهور به؟


فالجواب: أنه ليس كما توهمت؛ لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة، فكان اللون والطعم تبعًا للطاهر، وهو الريح التي انقلب ريح مسك، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه، كان الوصفان الباقيان تبعًا للنجاسة، وكان الماء بذلك خارجًا عن حد الطهارة؛ لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهورًا، وهو الماء الذي لا يخالطه شيء.
ومنها: أن أبا حنيفة يحتج بهذا الحديث على جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه، بإطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب (١)، ولا يخفي ما في ذَلِكَ.
سادسها:
فيه أيضًا من الفوائد: فضل الجراحة في سبيل الله، وأن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل ولا غيره؛ للحكمة التي ذكرناها، وإليه يشير قوله: «كهيئتها إذ طعنت» وكان الحسن وابن سيرين يقولان: يغسل كل مسلم، وأن كل ميت يُجنب (٢)، وأن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها، فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف.
ولا يلزم من كونه لون الدم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، كما لا يلزم من كون ريحه ريح مسك أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعله الله شيئًا يشْبه هذا، ويُشبه هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه، كما أن إعادة الأجسام لما

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١٩.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٥٨ عن سعيد بن المسيب والحسن.



كانت عليه في الدنيا وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يأتون في طول واحد، وسن واحد جُردًا مُردًا غير مختونين، فعلمنا أن الإعادة حق، وإن اكتسبت أوصافًا لم تكن، ليس حكمه حكمها، ولا فضله فضلها.
وكذلك أهل الوضوء يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثاره إكرامًا لهم، وشهادة لهم تثبت عملهم في الدنيا ليتميزوا به.
وفيه أيضًا: أن الشهيد يبعث على حالته التي خرج عليها من الدنيا.
قَالَ الداودي: ويؤخذ من كون الدم طاهرًا يوم القيامة أنه إذا طُعن في الدنيا، ولم يرفأ الدم يصلي كذلك كما فعل عمر - رضي الله عنه -.


٦٨ - باب البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُوِ اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابقُونَ». [٨٧٦، ٨١٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ١/ ٣٤٥]

٢٣٩ - وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». [مسلم: ٢٨٢ - فتح: ١/ ٣٤٦]
حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، أَنا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ».
وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: «لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث -أعني: حديث «لَا يَبُولَنَّ»- صحيح متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة، ولفظة: «فيه» من أفراد البخاري. ولمسلم: «منه» (١)، وله: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قَالَ: يتناوله تناولًا (٢).
ثانيها:
وجه إدخال البخاري -رحمه الله- الحديث الأول في هذا الباب،

---------------------
(١) مسلم (٢٨٢) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد.
(٢) مسلم (٢٨٣) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد.



وهو حديث «نحن الآخرون ..» إلى آخره. أن أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل ذَلِكَ في كتاب الجهاد (١) والمغازي (٢) والأيمان والنذور (٣) وقصص الأنبياء (٤) والاعتصام (٥) ذكر في أوائلها كلها «نحن الآخرون السابقون».
قَالَ ابن بطال في «شرحه»: ويمكن أن يكون همام فعل ذَلِكَ؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها «نحن الآخرون السابقون» فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن -والله أعلم- أن يكون سمع أبو هريرة ذَلِكَ في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما (٦).
قُلْتُ: البخاري ساق الحديث من طريق الأعرج، عن أبي هريرة كما ذكرته لك، لا من حديث همام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همام، وعادة مسلم يقول فيها، فذكر أحاديث، ومنها كذا، وهذِه أيضًا صحيفة رواها بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عنه، عن أبي هريرة، وأحاديثها تقرب من صحيفة همام وأولها «نحن الآخرون السابقون» وفيها حديث البول في الماء الدائم.
وقوله: إن همامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، ليس بجيد؛ لأن الدارقطني جمعها في جزءٍ مفرد، فبلغت فوق المائة.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٢٩٥٦) باب: يقاتل من وراء الإمام ..
(٢) لم نقف عليه.
(٣) سيأتي برقم (٦٦٢٤) باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾.
(٤) سيأتي برقم (٣٤٨٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ٥٤.
(٥) سيأتي برقم (٧٤٩٥) في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٣.



وقوله: ويمكن أن يكون سمعه من رسول الله - ﷺ - في نسق فيه بعد، وقد وقع لمالك في «موطئه» مثل هذا في موضعين:
أحدهما: لما ذكر حديث: «وإن مما أدركت الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (١). وذكر إثره حديث: ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما.
والثاني: حديث الغُصن الشوك وذكر معه «الشهداء خمسة» (٢).
وقال ابن المنير: إن قُلْتَ: كيف طابق هذا مقصود الترجمة؟ وهل ذَلِكَ لما قيل: إن همامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة، استفتحها له أبو هريرة بذلك، فصار همام مهما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها واتبعه البخاري في ذَلِكَ، أو يظهر مطابقة معنوية؟ قُلْتُ: على المطابقة، وتحقيقها أن السر في اجتماع الآخر في الوجود والسبق في البعث لهذِه الأمة، مثلها للمؤمن مثل السجن، وقد أدخل الله فيه الأولين والأخرين على ترتيب.
فمقتضى ذَلِكَ أن الآخر في الدخول أول في الخروج، كالوعاء إذا ملأته بأشياء وضع بعضها فوق بعض ثم استخرجتها، فإنما يخرج أولًا ما أدخله آخرًا، فهذا هو السر في كون هذِه الأمة آخرًا في الوجود الأول أولًا في الوجود الثاني، ولها في ذَلِكَ من المصلحة، فله بقاؤها في سجن الدنيا وفي أطباق البلاء بما خصها الله تعالى به من قصر الأعمار، ومن السبق إلى المعاد، فإذا فهمت هذِه الحقيقة تصور الفطن معناها عامًا.

-----------------------
(١) «الموطأ» ص ١١٦.
(٢) «الموطأ» ص ١٠٠.



فكيف يليق بلبيب أن يعمد إلى ما يتطهر من النجاسة ومما هو أيسر منها من الغبرات والقترات، فيبول في ماء راكد، ثم يتوضأ منه، فأول ما يلاقيه بوله الذي عزم على التطهر منه، وهو عكس للحقائق، وإخلال بالمقاصد، لا يتعاطاه أريب ولا يفعله لبيب، والحق واحد وإن تباعد ما بين طرفه، وسيأتي للبخاري ذكر حديث: «نحن الآخرون السابقون» في ترجمة قوله: «الإمام جنة يتقى به ويقاتل من ورائه» (١) أي: هو أولٌ آخرٌ، هو أول في إسناد الهمم والعزائم إلى وجوده، وهو آخر في (صور) (٢) وقوفه فلا ينبغي لأجناده إذا قاتلوا بين يديه أن يظنوا أنهم حموه، بل هو حماهم وصان بتدبيره حماهم هو، وإن كان خلف الصف، إلا أنه في الحقيقة جنة أمام الصف، وحق الإمام أن يكون محله من الحقيقة الأمام (٣). هذا آخر كلامه، وفيه أمران:
أولهما: قوله: كما قيل: أن همامًا راويه تبع فيه ابن بطال (٤)، وقد سلف رده.
ثانيهما: ما ذكره من المطابقة من أن الشيء إذا أدخلته آخرًا يخرج أولًا، إنما يأتي في الأشياء الكثيفة الأجرام أما المائع، فإنه سريع الاختلاط، ودخول بعضه في بعض.
ثالثها:
معنى «نحن الآخرون»: آخر الأمم، «والسابقون»: إلى الجنة يوم القيامة.

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٩٥٧) في الجهاد والسير، باب: يقاتل من وراء الإمام ويتقي به.
(٢) هكذا في الأصل، وفي «المتواري»: أنها (صورة).
(٣) «المتواري» ص ٧٣، ٧٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]