عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-01-2026, 09:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,903
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حدث في الثاني والعشرين من المحرم



وسار المهدي كذلك على خطى والده في توريث الملك لأبنائه، وكما أسلفنا كان الأمير عيسى بن موسى العباسي هو ولي عهد المنصور، ثم جعله المنصور يتنازل لصالح ابنه المهدي، على أن يكون الخليفة من بعده، فلما ولي المهدي خلعه سنة 160، بعد تهديد ووعيد، وجعل محله ابنه موسى الهادي ومن بعده هارون الرشيد، وأقام عيسى بالكوفة إلى أن توفي سنة 167.

ومن إنجازات الخليفة المهدي الإدارية أن استحدث قسم في سنة 162 دواوين الأزِّمة، ومعنى دواوين الأزمة: أن يكون لكل ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كانت قبل ذلك الدواوين مختلطة، ويشبه هذا تقسيم منصب الوزارة إلى مجلس للوزراء لكل وزارة وزيرها المتابع لأمورها، ومن إنجازاته: إقامة البريد المنتظم من اليمن إلى مكة ومن مكة إلى بغداد، وكان البريد بين الأقطار قد توقف بسقوط الدولة الأموية.

وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه حجابته: إني قد وليتك ستر وجهي وكشفه، فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب ضغنهم عليّ بقبح ردك وعبوس وجهك، فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال، وقدّم أبناء الدعوة وثنّ بالأولياء، واجعل للعامة وقتاً إذا وصلوا أعجلَهم ضيقُه عن التلبث وحثِّك لهم عن التمكّث. وقال لحاجب آخر: لا تحجب عني الناس، فإن ذلك يزيل عني التزكية، ولا تُلْقِ إليَّ أمراً إذا كشفتُه وجدتُه باطلاً فإن ذلك يوهن الملك ويضرّ بالرعية. وكان نقش خاتم المهدي: الله ثقة محمد وبه يؤمن.

وقدم جماعة من فارس إلى المهدي يشكون عاملهم فقالوا للوزير: وليتَ علينا رجلاً إن كنت قد عرفتَه ووليتَه علينا فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن كنت لم تعرفه فما هذا جزاء الملك، وقد سلطك الله على سلطانه، فدخل الوزير على المهدي فأخبره وخرج فقال: إن هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه، فقالوا: كان مكتوباً على باب كسرى: العمل للكفؤ من العمال، وقضاء الحقوق على بيت المال. فأمر بعزل ذلك العامل عنهم.

وقال المهدي للربيع بن جهم وهو والٍ على أرض فارس: يا ربيع، انشر الحق والزم القصد وابسط العدل وارفق بالرعية، واعلم أن أعدل الناس من أنصف من نفسه، وأجوَرَهم من ظلم الناس لغيره.

وكان المهدي، إذا جلس للمظالم، قال: أدخِلوا عليَّ القضاة، فلولم يكن ردي المظالم إلا للحياء منهم لكفى. ومن قضاته الحسين بن الحسن العَوفي المتوفى سنة 201، وكان المهدي يصلى المغرب مرة فصلى معه القاضي العوفي، فلما انتهت الصلاة جاء العوفي حتى قعد في قبلته، فقام المهدي يتنفل فجذب العوفي ثوبه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شيءٌ أولى بك من النافلة، قال: وما ذاك؟ قال: سلامٌ مولاك - وكان سلامُ حاضراً قائماً على رأسه - أوطأ قوماً الخيلَ وغصبهم على ضيعتهم، وقد صح ذلك عندي، تأمرُ بردها، وتبعث من يخرجهم، فقال المهدي: يصح إن شاء الله، فقال العوفي: لا، إلا الساعة! فقال المهدي: فلان القائد، اذهب الساعة إلى موضع كذا وكذا، فأخرِجْ من فيها، وسلِّم الضيعة إلى فلان. فما أصبحوا حتى ردت الضيعة على صاحبها!

اهتم المهدي بالحرمين وعمارتهما وتأمين الطريق إليهما، ولما حج في سنة 160 كسا البيت الحرام كسوة جديدة، وتقدم إليه حجبة الكعبة أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الأكسية السابقة، وكانت العادة أن توضع كسوة فوق كسوة، فأمر بها فجردت عنها، واستمر ذلك إلى يومنا هذا.

ويقال: إن المهدي فرق في حجته هذه في أهل الحرمين ثلاثين ألف ألف درهم، ووصل إليه من اليمن أربعمئة ألف دينار فقسمها أيضاً في الناس، وفرق من الثياب الخام مئة وخمسين ألف ثوب ؛ ووسع في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم، وقرر في حرسه خمسمئة رجل من الأنصار ورفع أقدارهم.

وأمر المهدي بعِمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي والزيادة فيهما، فعُمِّرَا وزيدَ فيهما، وأراد الحج سنة 164 فوصل العقبة فعطِشَ الناس وجهِدَ الحجيج، وأخذت المهدي الحُمّى فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بن موسى المسؤول عن خزانات المياه حيث لم يقم بواجبه في إصلاح المصانع على الوجه المطلوب، فتسبب في أن لاقى الناس شدة من قلة الماء.

وحج المهدي في سنة 167 فرأى أن توسعة الحرم التي أمر بها في سنة 161 بها تعويج، وأصبحت الكعبة في طرف من المسجد، فكره ذلك، فقال:ما ينبغي أن يكون بيت الله هكذا، وأحبُ أن تكون متوسطة في المسجد، فدعا المهندسين فشاورهم في ذلك، فقدَّروا ذلك، وإذا هو لا يستوي لهم من أجل الوادي والسيل، وقالوا: إن وادي مكة يسيل أسيالا عظيمة عارمة، وهو واد حَدور، ونحن نخاف إن حوّلنا الوادي من مكانه أن لا ينصرف لنا على ما نريد، مع أن ما وراءه من الدور والمساكن ما تكثر فيه المؤونة، ولعله أن لا يتم.

فقال لهم المهدي: لا بد لي من أن أوسعه حتى أوسط الكعبة في المسجد على كل حال، ولو أنفقتُ فيه ما في بيوت الأموال. وعَظُمت في ذلك نيته، واشتدت رغبته، ولَهِجَ بعمله، وكان من أكبر همه، فقُدِّر ذلك وهو حاضر، ونصبت الرماحُ على الدَوْر من أول موضع الوادي إلى آخره، ثم ذرعوا من فوق الرماح حتى عرفوا ما يدخل في المسجد الحرام من ذلك، وما يكون الوادي فيه منه، فلما نصبوا الرماح على جنبتي الوادي، وعلم ما يدخل في المسجد من ذلك، وزنوه مرة أخرى وقدروا ذلك.

فلما أراد المهدي الشخوص إلى العراق خلّف أموالاً عظيمة، وأمر بشراء دور كثيرة من جهة أجياد لتُدخل في الحرم، فاشتريت بثمن كثير، وأرغبوهم فكان ثمن ما دخل في المسجد من ذلك، كل ذراع مكسر بخمسة وعشرين ديناراً، وعن كل ذراع دخل في الوادي مكسراً خمسة عشر دينارا، وأرسل إلى مصر وإلى الشام، فنقلت له أساطين الرخام في السفن حتى أنزلت بجدة، ثم نقلت على العَجَلِ من جدة إلى مكة، ووضعوا أيديهم فهدموا الدور وبنوا المسجد.

وأمر المهدي في سنة 160 بعمارة طريق مكة، وبنى به قصوراً أوسع من القصور التي أنشأها عمه السفاح، وعمل البرك وجدد الأميال وهي علامات الطريق ، ودام العمل في ذلك حتى تم في عشر سنين.

وزار المهدي في سنة 163 بيت المقدس فمر بدمشق، ولما دخل مسجدها قال لأبي عبيدة الأشعريّ كاتبه: يا أبا عبيد الله! سَبَقَنَا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله، وبنُبْل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا! فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبيدة، هذه رابعة.

وكان الإمام سفيان بن سعيد الثوري، المتوفى سنة 161 عن 64 عاماً، قد اعتزل أبا جعفر المنصور ومن بعده المهدي فيما يشبه المجافاة وعدم الإقرار بشرعية الخليفة، فأثار ذلك حنق المنصور وأمر بالقبض عليه، فهرب سفيان واختفى، ولما تولى المهدي طلبه فأتاه بعد تهرب وممانعة، وكان رأي سفيان في الخلفاء أن يلزمهم بالتقشف والبساطة، وقيل لسفيان الثوري: إن فلاناً يدخل على المهدي ويقول: أنا في خلاص من تبعاته، فقال: كذب والله! أما يرى إسرافه في ملبسه ومأكله وملبس خدمه وخيله ورجله؟! هل قال له قط يوماً : إن هذا لا يليق بك، هذا من بيت مال المسلمين؟!

ولما دخل سفيان على المهدي وحاجبه الربيع قائم على رأسه متّكئٌ عَلَى سيفه يرقب أمره، قال له المهدي: يا سفيان تفرّ منّا ههنا وههنا وتظنّ لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ فقال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملكٌ قادرٌ يفُرَّقُ بَيْنَ الحقِّ والباطل! فقال الربيع: يا أمير المؤمنين! ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقهُ! فقال له المهدي: اسكت ويلك! وهل يريد هذا وأمثالهُ إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يُعترض عليه! فكُتِبَ عهدُه ودُفِعَ إليه، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة، وهرب إلى مكة متخفياً.

فلما حج المهدي قال: لا بدَّ لي من سفيان الثوري، فوضعوا له الرَّصَدَ حول البيت فأخذوه بالليل، فدخل عليه وسلّم سفيان الثوري تسليم العامّة وَلَمْ يسلِّم بالخلافة، فقال: السلام عليكم، كيف أنتم أبا عبد الله؟ فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال: لأيِّ شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمورنا؟ فما أمَرْتَنا من شيء صِرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه!

فقال له سفيان: كم أنفقتَ في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء، قال: فما عُذرُكَ غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حجَّ قال لغلامه: كم أنفقنا في سفرتنا هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر ديناراً. فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين! وأنت حججت فأنفقت في حجتك بيوت الأموال، وما أراك تدري كم أنفقت! فقال المهدي: أيَّ شيء تريد أكون، مثلك؟ قال: فوقَ ما أنا فيه، ودونَ ما أنت فيه، فقال المهدي: لو كان المنصور حياً ما احتمل هذا الكلام منك، فقال سفيان: لو كان المنصور حياً ثم أخبرك بما لقيَّ ما استقرَّ بك مجلسُك.

ثم قال له المهدي: عظني، فقال: لست بصاحب قصص، ولكنِّا حُدِّثنا عن قَدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة يوم النحر لا ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ، ولا إليك إليك؛ وقد رأيتُ الناس يُضربون بين يديك.

فقال وزيره أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار: يا أبا عبد الله قد كانت كتبك تأتينا فنُنْفِذُها، قال سفيان: من هذا؟ قال: أبو عبيد الله وزيري، قال: احذره فإنه كذاب، أنا كتبت إليك؟

ثم قام سفيان فقال له المهدي: أين أبا عبد الله؟ قال: أعود، وكان قد ترك نعله حين قام فعاد فأخذها ثم مضى، فانتظره المهدي فلم يَعُدْ، قال: وَعَدَنا أن يعود فلم يعد؟ قيل له: إنه قد عاد لأخذ نعله، فغضب فقال: قد آمن الناس إلا سفيان الثوري ويونس بن فروة الزنديق - قرنه بزنديق - قال: فإنه ليُطلَبُ وإنه لفي المسجد الحرام فذهب فألقى نفسه بين النساء فجلّلنه، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: إنهن أرحم.

وكان للمهدي هواية في تربية الحَمام، فدخل عليه غياث بن إبراهيم المحدث وهو مع الحمام، فقيل له: حدِّث أميرَ المؤمنين، فحدث بقوله عليه السلام: لا سبق إلا في خفٍّ أو حافر، وزاد فيه: أو جناح. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما ولى قال المهدي: أشهد أنه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أراد أن يتقرب إلي لولعي بالحمام، وإنما استجلبت ذلك أنا، وامر بالحمام فذُبحت، وما أفلح غياث بعد ذلك.

وقعد المهدي قعوداً عاماً للناس، فدخل رجل وفي يده نعل في مناديل، فقال: يا أمير المؤمنين هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فدفعها إليه، فقبل باطنها ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم. فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير النعل، هذه فضلاً عن أن يكون لبسها؟ والله ما هذا نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أين صارت إليه؟ أبميراثٍ أم بشراء أم بهبة؟ولو كذَّبناه قال للناس: أتيتُ أمير المؤمنين بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردَّها عليّ! وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالماً، فاشترينا لسانه وقبلنا هديته، وصدقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح.

وأخبار المهدي مع الشعراء مستفيضة، وتمتلأ كتب الأدب بقصصه مع بشار بن برد وأبي دلامة وأبي العتاهية وغيرهم من شعراء زمانه، ونجتزئ بذكر قصيدة فريدة مدحه بها أبو العتاهية، وكان يتغزل بعَتَب جارية زوجة المهدي، فلما مدحه ابتدأ القصيدة بالتشبيب بالجارية عتب في جرأة عجيبة لأن المهدي كان معروفاً بالغيرة على الحرم:

ألا ما لسيّدتي؟ ما لها ... تُدِلّ وأَحمِلُ إدلالها

وإلا ففيم تجنَّتْ ولا ... جنيتُ، سقى الله أطلالها

ألا إنّ جاريةً للإمام قد سكن الحسنُ سربالَها

وقد أتْعب الله نفسي بها ... وأتعبَ باللوم عُذّالها

كأن بعينيَّ في حيثما ... سلكت من الأرض تمثالها

فلما وصل إلى المديح قال:

أتتْهُ الخلافةُ مُنقادةً ... إليه تُجَرِّرُ أذيالَها

فلم تَكُ تَصْلُحُ إلا لهُ ... ولم يَكُ يَصْلُحُ إلا لَهَا

ولو رامَها أحدٌ غيرهُ ... لزُلزِلَت الأرضُ زلزالَها

ولو لم تُطِعْه بناتُ القلوب ... لَمَا قَبِل اللَهُ أعمالَها

ويحكى أن بشاراً كان شاهداً عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلما سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن سريره طرباً؟

قال ابن الأثير في الأدب السائر: واعلم أن هذه الأبيات من رقيق الشعر غزلاً ومديحاً، وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا فإنك تراها من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السهل الممتنع، فتراه يطمعك ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب، وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن.

وفي بطون الكتب أخبار كثيرة وفيرة للمهدي في مجالسه مع العلماء والأدباء، ومع الشعراء والمغنين، وفي تقبله لنُصح العبَّاد والصالحين، وتتبعه الزنادقة والمفسدين، تضيق عنها مقالة كهذه، فنختم بهذه القصة المعبرة عن شخصية المهدي رحمه الله تعالى: كان المهدي يصلي بالناس الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين، لستُ على طُهر وقد رغبت في الصلاة خلفك، فأمُر هؤلاء بانتظاري، فقال: انتظروه رحمكم الله، ودخل المحراب فوقف إلى أن قيل قد جاء الرجل فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.

تزوج المهدي في سنة 144 بابنة عمه أبي العباس السفاح وتسمى رَيطة، وجاءه منها ولدان علي وعبيد الله ، وكانت ريطة هذه لما ولدت دفعها أبو العباس إلى الوزير خالد بن برمك فأرضعتها زوجة خالد وربتها، وأرضعت أم سلمة زوج أبي العباس أمير المؤمنين أمَ يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة، ومن طريف ما يحكى أن خالد بن برمك دخل يوماً على أبي العباس السفاح فقال له: يا ابن برمك أما رضيت حتى استعبدتني!؟ ففزع خالد لذلك، قال: وكيف يا أمير المؤمنين؟! بل أنا عبدك! فضحك أبو العباس، وقال: ريطة بنت أمير المؤمنين وأم يحيى بنت خالد: تبيتان في فراش واحد فاتعارُّ من الليل فأجدهما قد تكشفتا فأرد اللحاف عليهما، فقبل خالد يده وقال: مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته. وكان باب النساء في المسجد النبوي يسمى في فترة من الفترات بباب ريطة نسبة إليها إذ كان دارها تقابله، وهي دار كانت لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ونقل أنه توفي بها.

واهتم المهدي بتعليم أولاده وتربيتهم على الذوق واللباقة، جاءه مرة مؤدب ابنه الرشيد وهو يستاك فقال له: كيف الأمر من السواك؟ قال: اسْتَك ياأمير المؤمنين، فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من ذا، فقالوا: رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة، قدم من البادية قريباً، فكتب بإحضاره عاجلا من الكوفة، فساعة دخل عليه قال: يا علي بن حمزة، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: كيف تأمر من السواك؟ قال: سِكْ يا أمير المؤمنين، قال: أحسنت وأصبت. وأمر له بعشرة آلاف درهم.

ووتولى عبيد الله بن المهدي الجزيرة الفراتية، وتولى علي بن المهدي وهو الأكبر إمرة الحج غير مرة، وكانت ولاية عهد المهدي لأخيه موسى الهادي، فقام المهدي في سنة 162 بعد عودة هارون الرشيد من غزو الروم فعقد له العهدَ بعد أخيه موسى الهادي، ثم عقد مِن بعده لعلي بن المهدي، فلما صار الأمر إلى الرشيد بعد الهادي، خلع عليًّا وعوَّضه عشرين ألفَ ألفِ درهم، وخرج الصك بها إلى الدواوين، وقبض ذلك. وتوفي علي في سنة 180، وصلَّى عليه الرشيد، وقام على قبره.

أما موسى الهادي وهارون الرشيد وعبد الله شقيقهما، فهم أبناؤه من الخَيزران جاريته، وأعتقها وتزوجها في سنة 159، وتوفيت الخيزران في سنة 173.

أما ابنه إبراهيم بن المهدي الذي خرج على المأمون، فكان ابنه من جاريته شكلة وهي من سبي طبرستان، ولكنها أُرسلِت إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر، وولد إبراهيم في سنة 160 وتوفي في سنة 224، وكان إبراهيم شاعراً فاضلاً متصوناً مقدماً في قومه وعلمه ودينه، من أبصر الناس بالغناء وأعلمهم به.

وللمهدي أولاد آخرون منهم ابنه منصور من جاريته بحترية، وهي من بنات ملوك طبرستان، وولي منصور فلسطين والشام والبصرة وحج بالناس، ودعاه أهل بغداد للخلافة في سنة 201 لما ثاروا على المأمون، فامتنع وقال أنا نائب له حتى يأتي، وتوفي سنة 236.

وخطب منصور بن المهدي ابنة أبي العتاهية الشاعر فلم يزوجه، وقال: إنما طلبها لأنها بنت أبي العتاهية، وكأني بها قد ملَّها فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار، ولكني اختاره لها موسرا.

دخل منصور بن المهدي يوماً على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال له: ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ قال: يا أمير المؤمنين! أغفلونا في الحداثة، وشغلنا الطلب عند الكبر من اكتساب الأدب. قال: لم لا تطبه اليوم وأنت في كفاية؟ قال: أو يحسن بمثلي طلب العلم؟ فقال له المأمون: والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل. قال: يا أمير المؤمنين! إلى متى يحسن؟ قال: ما حسنت بك الحياة؛ يا منصور! اتق الله في نفسك ولا ترض بهذا، فإنه يقصر بك في المجالس، ويصغرك في أعين من يراك ويزري بك.

وللمهدي ابنة اسمها العباسة من جارية له اسمها رخيم، وكانت توصف بالجمال الفائق، وزوَّجها أخوها هارون الرشيد في سنة 172 من ابن عمها أمير البصرة محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان غنيا نبيلا، سمت نفسه إلى الخلافة، فانتقلت معه إلى البصرة، وتوفي عنها بعد سنة، فتزوجها أمير مصر إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وتوفي عنها كذلك سنة 176، وتوفيت هي سنة 182.

وللمهدي ابنة اسمها علية، ولدت سنة 160 من جاريته مكنونة، وتوفيت سنة 210، وتزوجها الأمير موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وتولى إمارة مصر والكوفة والشام، وتوفي سنة 183، ولعلية أخبار كثيرة فيها الغث والثمين لا يتسع المجال للحديث عنها. وله كذلك ابنة هي عائشة بنت المَهديّ، وكانت شاعرةً.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.00%)]