عرض مشاركة واحدة
  #103  
قديم 23-01-2026, 05:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 387 الى صـــ 406
الحلقة (103)






قُلْتُ: وهو أيضًا راوي الحديث الضعيف: «من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات» (١). قَالَ عن نفسه: وإنما رغبت في الحسنات، وقد كان شديد الاتباع للآثار.
وفي أفراد مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أنه - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: «عمدًا صنعته يا عمر» (٢).
وقد أسلفنا في أول باب الوضوء أن جماعة من السلف ذهبوا إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة فرض، وأن قومًا ادعوا نسخه يوم الفتح.
وحديث بريدة هذا دال له، وكذا حديث عامر وأن الإجماع استقر على أنه يصلي به ما شاء، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ويحتمل أن يكون ذَلِكَ من خصائصه.
قَالَ ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا
يتعمدون الوضوء لكل صلاة (٣)، يعني إلا ابن عمر، كذا قَالَ.

----------------------
(١) رواه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦ (٥٣)، وعبد بن حميد ٢/ ٥٥ - ٥٦ (٨٥٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢، والعقيلي في «ضعفائه» ٢/ ٣٣٢ (٩٢٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٤٠ - ٢٤١.
قال أبو عيسى: إسناده ضعيف.
وقال النووي في «الإيجاز في شرح سنن أبي داود» ص ١٩٠: ضعيف، في إسناده ضعيفان: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وأبو غطيف وهو مجهول لا يعرفون حاله ولا اسمه اهـ.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٧/ ٨٦) كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد.
(٣) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ٨٨.



وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة (١). وفي لفظ: كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست (٢).
وقال علي: قَالَ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣) [المائدة: ٦].
وقال ابن عمر: كان فرضًا ثم نسخ بالتخفيف (٤).
وقول أنس: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث. دال على أن الوضوء من غير حدث غير واجب، ويشهد له حديث سويد الذي بعده، وفعل ذَلِكَ ليُرِي أمته أن ما يلتزمه في خاصته من الوضوء لكل صلاة غير لازم كما سلف.
واختلف أصحابنا متى يستحب التجديد على أوجه:
أصحها عندهم: أنه إنما يستحب إذا صلى بالأول صلاة ما، ولو نفلًا دون ما إذا مس به مصحفًا أو سجد لتلاوة ونحوها (٥). والمسألة بسطتها في كتب الفروع.

----------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٢).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٣).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠١).
(٤) ذكره ابن عبد البر في: «التمهيد» ١٨/ ٣٢٨.
(٥) انظر: «المجموع» ١/ ٤٩٤.



٥٥ - باب مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتَرِ مِنْ بَوْلِهِ
٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الَمدِينَةِ -أَوْ مَكَّةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذُّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَينِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا». [٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣١٧]
حَدَّثنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ -أَوْ مَكةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا».
هذا حديث صحيح متفق على صحته والكلام عليه من أوجه، وقد أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة» (١) في نحو كراسة فليراجع منه.
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع هنا وفي موضعين إثره (٢)،

-----------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٥٠٤.
(٢) سيأتي معلقًا في الباب بعده، ثم بعده بباب مسندًا برقم (٢١٨).



وفي الجنائز (١) والحج (٢) وفي الأدب في موضعين (٣).
وأخرجه مسلم (٤) والأربعة هنا (٥)، والنسائي في الجنائز (٦)، وذكره البخاري قريبًا من حديث الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس به (٧)، وهو أصح من الطريق الأولى كما قاله الترمذي ونقله عن البخاري أيضًا (٨)، واقتصر عليه مسلم.
وقال ابن حبان في «صحيحه»: هما محفوظان (٩). وقد رواه شعبة، عن الأعمش كرواية منصور فأسقط طاوسًا.
ثانيها:
وجه مطابقة الحديث للترجمة أنه كبيرة؛ كونه عذب عليه.
وقد قَالَ ابن عباس: ما عصي الله به فهو كبيرة (١٠).

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر، وبرقم (١٣٧٨) باب: التعوذ من عذاب القبر.
(٢) كذا في الأصل، وقد تابع المصنفُ المزىَّ في عزوه هذا الحديث إلى كتاب الحج من «صحيح البخاري» كما في «التحفة» (٥٧٤٧)، وليس كذلك، وقد تعقب وليّ الدين العراقي في كتابه «الإطراف بأوهام الأطراف» ص ١١٩ المزي بقوله: قلت: قد نظرت كتاب الحج من «صحيح البخاري» من أوله إلى آخره فلم أره فيه فليراجع. اهـ.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٥٢) باب: الغيبة، وبرقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر.
(٤) مسلم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول …
(٥) أبو داود (٢٠)، الترمذي (٧٠)، النسائي ١/ ٢٨ - ٣٠، ابن ماجه (٣٤٧).
(٦) «سنن النسائي» ٤/ ١٠٦.
(٧) سيأتي برقم (٢١٨).
(٨) «العلل الكبير» ١/ ١٣٩، ١٤٠.
(٩) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٤٠٠.
(١٠) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٢٧٣ (٢٩٢) بلفظ: كل ما نهى الله عنه كبيرة.
ورواه بلفظ: كل ما عصي الله به .. عن ابن سيرين عن عبيدة برقم (٢٩٣).



وللعلماء في ضابط الكبيرة اختلاف، لعلنا نذكره إن شاء الله في موضعه.
ثالثها: في ألفاظه:
قوله: (بحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ) كذا ذكره هنا على الشك، وذكره في كتاب الأدب على الصواب (١) فقال: بالمدينة (٢).
وقوله: «يستتر» هو بتائين مثناتين من فوق من السترة. وروي: «لا يستبرئ» (٣). وروي: «لا يستنزه» (٤)، وهذِه الثلاث في «صحيح البخاري» وغيره. وروي أيضًا: «لا يستنتر». والنميمة: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. والجريدة: السعفة. كما جاء في بعض الروايات عن أنس، وجمعها جريد.
وقوله: (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) أي: قطعتين.
وقوله: «وما يعذبان في كبير» أي: عندهما وهو عند الله كبير، وإليه يرشد قوله: (..) (٥) «بلى» أي في أنه كبير عند الله وفي هذا حسب، وهو حجة على من أنكر حجيتها له.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر.
(٢) في هامش الأصل: وبخط المصنف: روي من حديث أنس: مرَّ بقبرين من بني النجار … وهو يوضح هذا.
(٣) أخرجه النسائي في «السنن» ٤/ ١٠٦، وفي «الكبرى» ١/ ٦٦٤ (٢١٩٦)، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٤٢ (١٣٠)، وهذِه الرواية جاءت في أحد نسخ البخاري. ورواها ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤ (١٢٠٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في عذاب القبر ومم هو؟
(٤) رواها مسلم برقم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، وابن حبان ٧/ ٣٩٨، ٣٩٩ (٣١٢٨).
(٥) كلمة غير واضحة.



وقوله: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا».
الظاهر أنه شك من الراوي، و(ييبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها، وقد حصل ما ترجاه في الحال فأورقا في ساعته، ففرح بذلك.
وقال: «رفع عنهما العذاب بشفاعتي» وأبعد من قال: إن صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة، وعين بعضهم صاحب أحد القبرين بما لا أوثر ذكره، وإن ذكره القرطبي في «تذكرته» حكاية ووهاه (١).
رابعها: في فوائده مختصرة:
الأولى: إثبات عذاب القبر ولا عبرة بمن أنكره.
الثانية: وجوب الاستنجاء (٢)، وهو المراد بعدم الاستتار من البول. فلا يجعل بينه وبينه حجابًا من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين.
الثالثة: نجاسة الأبوال، إذ روي أيضًا: «من البول». وسواء قليلها وكثيرها، وهو مذهب العامة، وسهل فيه الشعبي وغيره، وعفا أبو حنيفة عن قدر الدرهم الكبير (٣)، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبر منه.

--------------------
(١) من قوله: وقوله: وما يعذبان … لحق استدركه الناسخ في هذا الموضع ولعله قد التبس عليه، واللائق بالسياق أن تكون بعد قوله: فقال بالمدينة.
(٢) وهو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية وذهب الحنفية إلى أنه مستحب، واختلف المالكية على قولين: الأول أن الاستنجاء سنة، والثاني: أنه واجب، وهو الراجح عندهم.
انظر: «التحقيق» ١/ ١٨١، ١٨٢، «المنتقى» ١/ ٤١، «الحاوي» ١/ ١٦٣، «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣.
(٣) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٠٢، «البناية» ٢/ ٧٣٣، ٧٣٦.



الرابعة: حرمة النميمة وهو إجماع.
الخامسة: التسبب إلى تحصيل ما يخفف عن الميت، فإن وضعه - ﷺ - الجريدة على القبر؛ لشفاعته لهما بالتخفيف ولتسبيحهما ما دامت رطبة (١)، ومن هذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر (٢).

----------------------
(١) الصحيح أن حديث وضع الجريدة على القبر من خصائصه - ﷺ - بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف، كما أن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها لعدة أمور:
١ - حديث جابر عند مسلم وفيه: «فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين» فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما بسبب شفاعته - ﷺ - ودعائه، لا بسبب النداوة، وسواء اتحدت قصة ابن عباس مع جابر، أو تعددت، فإنه على كلا الاحتمالين فالعلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعًا ولا عقلًا، ولو كانت النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن ذلك لكان أخف الناس عذابًا في قبورهم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان.
٢ - قولهم: إن سبب تأثير الندواة في التخفيف كونها تسبح الله، فإذا يبست انقطع تسبيحها، فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
٣ - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، وبالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ثم دعا بعسيب فشقة اثنين. يعني: طولًا، فإنه من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويُبْسه بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق.
٤ - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح، ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فُعِل ذلك لاشتُهِر عنهم ثم نقله الثقات إلينا.
«أحكام الجنائز» للألباني ص ٢٥٣ - ٢٥٦.
(٢) قال الألباني رحمه الله: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها؛ إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله - ﷺ -، وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة رضي =



وقد روى البيهقي في أواخر «دلائله» في باب: ما جاء في سماع يعلى بن مرة ضغطة في قبر من حديثه أنه - ﷺ - أمره أن يضع إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال: «فلعله أن يُرَفَّه أو يخفف عنه ما لم ييبسا» (١).
------------------------
= الله عنها وهي من أحب الناس إليه - ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور، فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو كانت القراءة مشروعة لما كتم ذلك عنها.
ومما يقوي عدم المشروعية الأحاديث الآتية: منها قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقُرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المقابر ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في الحديث الآخر أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، قال أبو داود في «مسائله» ص ١٥٨: سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا.
فائدة: حديث: «من مر بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَهُ أَحَدُ (١)﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات»، فهو حديث باطل موضوع أهـ، «أحكام الجنائز» ص ٢٤١ - ٢٤٢، ٢٤٥.
(١) «دلائل النبوة» للبيهقي ٧/ ٤٢.



٥٦ - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ
وَقَالَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِصَاحِبِ القَبْرِ: «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ.

٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْن القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَبَرَّزَ لَحِاجَتِهِ أَتَيتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم: ٢٧١ - فتح: ١/ ٣٢١]
هذا الحديث قد فرغنا من الكلام عليه آنفًا، وأراد البخاري بقوله:
(وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ) أن يبين أن معنى روايته في هذا الباب «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ» أن المراد: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنه قد روى الحديث في الباب قبل هذا وغيره «لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان، كذا قاله ابن بطال في «شرحه»، وقال في أوله: أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه.
قَالَ: وقوله: «كان لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» يعني أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول، فلما عذب على استخفافه بغسله والتحرز منه، دل أنه مَنْ ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب.
واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض (١)، وهو قول الشافعي (٢)، وأبي حنيفة، إلا أنه يعتبر في النجاسات ما زاد على قدر

--------------------
(١) انظر: «الذخيرة» ١/ ١٩٣ - ١٩٤، «مواهب الجليل» ١/ ٢٨.
(٢) انظر: «الوسيط» ١/ ٥٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨.



الدرهم (١). وحجة من أوجب الإزالة هذا الحديث، وهو وعيد عظيم وتحذير.
واحتج ابن القصار بقول مالك فقال: يحتمل أنه عذب؛ لأنه كان يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور، فيحتمل أن يكون عمدًا. قَالَ: وعندنا أن من ترك السنة بغير عذر ولا تأويل، أنه مأثوم، فإن تركها متأولًا أو لعذر فصلاته تامة (٢).
ثم قَالَ البخاري حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَني عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَيَغْسِلُ بِهِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا.
ومعنى (تبرز): خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع.
وقوله: (فيغسل به) صريح في الاستنجاء بالماء، فنقل ابن التين عن بعضهم أن هذا محمول على المعنى وإلا فقد قَالَ مالك: لم يصح أن النبي - ﷺ - استنجى بالماء عمره كله. وهذا قد أوضحنا الكلام فيه في باب: الاستنجاء بالماء.
فائدة: رَوح بن القاسم هذا بفتح الراء قطعًا لا نعلم فيه خلافًا.
وقال ابن التين في «شرحه»: روح هذا ذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه ليس في المحدثين رُوح بالضم، وذكر أن روحًا هذا قرئ بالضم، ورويناه بالفتح. قُلْتُ: وهذا غريب.

-----------------------
(١) «الهداية» ١/ ٣٧، «بدائع الصنائع» ١/ ١٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٢٥، ٣٢٦.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٧١) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز.



باب
٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ-: مَرَّ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَبْرَينِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمِ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». قَالَ ابن الُمثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثلَهُ: «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣٢٢]
حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بقَبْرَيْن .. وساق الحديث. وقد سلف ما فيه.
و(خازم) بالخاء المعجمة كما سلف في المقدمات (١).

----------------------
(١) سلفت ترجمته في الحديث رقم (١٠).


٥٧ - باب تَرْكِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فيِ المَسْجِدِ
٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسٍ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الَمسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. [٢٢١، ٦٠٢٥ - مسلم: ٢٨٤ - ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٢]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ، أَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.


٥٨ - باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ
٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِي الَمسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النُّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». [٦١٢٨ - فتح: ١/ ٣٢٤]

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبدَانُ قَالَ: أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٨٤ - فتح: ١/ ٣٢٤]
ثم ساق بإسناده حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ فبال، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ الله، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أنس به.


باب يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ
٢٢١ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الَمسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَولَهُ أَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيهِ. [انظر ٢١٩ - مسلم ٢٨٤، ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٤]
ثم ساق من حديث سُلَيْمَانَ -وهو ابن بلال- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عن أنس: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.
والكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
حديث أنس أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة (١)، ومن طريق يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس (٢).
وأخرجه النسائي من طريق [ابن] (٣) المبارك عن يحيى الأنصاري (٤)، ورواه البخاري ومسلم من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عنه (٥). وشيخ عبدان هو عبد الله بن المبارك.

---------------------
(١) مسلم (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٢) مسلم (٢٨٤/ ٩٩) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) «سنن النسائي» ١/ ٤٨.
(٥) سيأتي برقم (٦٠٢٥) كتاب: الأدب، باب: الرفق في الأمر كله، ورواه مسلم (٢٨٤/ ٩٨) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.



وأما حديث أبي هريرة فمن أفراده عن مسلم، وأخرجه أيضًا في الأدب (١).
ثانيها:
هذا الأعرابي هو ذو الخويصرة اليمانى، كما ساقه أبو موسى المديني في «معرفة الصحابة» فاستفده (٢).
ثالثها: في ألفاظه:
الأعرابي: هو الذي يسكن البادية وإن لم يكن من العرب.
والمسجِد بكسر الجيم ويجوز فتحها.
والسَجْل -بفتح السين المهملة وسكون الجيم- الدلو الضخمة المملوءة مذكر. قَالَ ابن سيده: وقيل: هو ملؤها والجمع سجال وسجول. ولا يقال لها فارغة: سَجل، ولكن دلو (٣).
وعند أبي منصور الثعالبي: حتى يكون فيها ماء قل أو كثر بخلاف الذَّنوب، فإنها لا تسمى بذلك إلا إذا كانت ملأى (٤).
والذنوب -بفتح الذال المعجمة- يذكر ويؤنث.

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٦١٢٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «يسروا ولا تعسروا».
(٢) ذكره ابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ١٧٣ ولم يذكر في ترجمته سوى حديث بوله في المسجد وعزاه لأبي موسى المديني. وكذا ذكره ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٨٥ (٢٤٥١).
وورد بهامش الأصل ما نصه: وقال الذهبي في ترجمة ذي الخويصرة: الذي يروى في حديث مرسل هو الذي بال في المسجد وقد رأيت بخط بعض الفضلاء أنه عيينة بن حصن، ونقله عن أمالي أحمد بن فارس اللغوي.
(٣) «المحكم» ٧/ ١٩٤.
(٤) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٧٢٥، «غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٤٣، ٣٤٤، «لسان العرب» ٤/ ١٩٤٥.



وقوله: (فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ). قَالَ ابن التين: هذا إنما يصح على ما قاله سيبويه؛ لأنه فعل ماض وهاؤه ساكنة، وأما على الأصل فلا تجتمع الهمزة والهاء في الماضي. قَالَ: ورويناه بفتح الهاء، ولا أعلم لذلك وجهًا.
وقوله: (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ). كذا في هذِه الرواية، وفي بعض طرق مسلم: فشنه (١) بالشين المعجمة، وروي بالمهملة وهو: الصب. وفرق بعضهم بينهما فقال: بالمهملة: الصب في سهولة. وبالمعجمة: التفريق في الصب.
رابعها: في أحكامه وفوائده:
الأولى: نجاسة بول الآدمي وهو إجماع، وسواء الكبير والصغير بإجماع من يعتد به، لكن بول الصغير يكفي فيه النضح كما ستعلمه في الباب بعده (٢).
الثانية: طهارة الأرض بصب الماء عليها. ولا يشترط حفرها، وهو
مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا تطهر إلا بحفرها (٣)، وفيه حديث مرسل (٤)، ولا يكفي مرور الشمس عليها، ولا الجفاف عند أحمد

------------------------
(١) «صحيح مسلم» (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٢) سيأتي في باب بول الصبيان حديث رقم (٢٢٣).
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٤) رواه أبو داود (٣٨١) عن موسى بن إسماعيل، عن جرير بن حازم، عن عبد الملك ابن عمير، عن عبد الله بن معقل، عن النبي - ﷺ -، وفيه قال النبي - ﷺ -: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه …»، وقال أبو داود: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي - ﷺ -. ومن طريقه أخرجه الدارقطني في «سننه» ١/ ١٣٢، وقال: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل. وأخرجه البيهقي أيضا من طريق أبي داود ١/ ٤٢٨.
ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٧٧ - ٧٨ وقال: =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال أبو داود السجستاني: وقد روي مرفوعًا ولا يصح.
وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥: بعدما ذكر مرسل ابن معقل ومرسل طاوس: ورواتها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٧) واعتمد على تقوية الحافظ له وعلى الشاهد، وهو المرسل الثاني الذي روي عن طاوس كما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٢٥ (١٦٦٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس عن النبي - ﷺ -. وأخرجه أيضًا عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس به.
وأخرجه أيضًا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ من طريق ابن عيينة به، وعزاه الحافظ في «التلخيص» ١/ ٣٧ لسعيد بن منصور، وقد أشار الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥ لصحة إسناده. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٧): وهذا مرسل صحيح الإسناد أيضًا.
وقد روي موصولًا عن عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، أما حديث ابن مسعود فرواه أبو يعلى في «مسنده» ٦/ ٣١٠ (٣٦٢٦) من طريق أبي بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك المالكي، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ (١٣) من طريق يحيى بن عبد الحميد، عن أبي بكر بن عياش به، والدارقطني في «سننه» ١/ ١٣١ - ١٣٢ من طريق أبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر بن عياش به، وقال: سمعان مجهول. وقال في «العلل» ٥/ ٨٠: يرويه أبو بكر بن عياش واختلف عنه، فرواه يوسف الصفار وأبو كريب وحسين بن عبد الأول عن أبي بكر بن عياش، عن سمعان المالكي.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى الحماني، وسليمان بن داود الهاشمي وأبو هشام الرفاعي، عن أبي بكر، عن سمعان بن مالك، وقال أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر، عن المعلى بن سمعان الأسدي. قال أحمد بن يونس، عن أبي بكر، عن المعلى المالكي، ويقال: إن الصواب المعلى بن سمعان والله أعلم. اهـ. ورواه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» بإسناده إلى الدارقطني ١/ ٧٨ وقال: قلت: وأبو هشام الرفاعي ضعيف.
قال البخاري: رأيتهم أجمعوا على ضعفه، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= والتعديل«٤/ ٣١٦: سمعت أبا زرعة يقول: إنه حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي، وقال في»العلل«: سمعت أبا زرعة يقول في حديث سمعان في بول الأعرابي: هذا حديث ليس بالقوي.
وقال ابن حجر في»الفتح«١/ ٣٢٥: أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره. وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: رواه أبو يعلى، وفيه: سمعان بن مالك، قال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: مجهول، وبقية رجاله رجال الصحيح.
أما حديث أنس فرواه أبو يعلى في»مسنده«٦/ ٣١١ (٣٦٢٧) قال: حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر، حدثنا منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بمثل حديث ابن مسعود.
وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: إسناده رجاله رجال الصحيح. وقال ابن الجوزي في»العلل المتناهية«١/ ٣٣٤،»التحقيق في أحاديث الخلاف«١/ ٧٨: رواه أبو داود محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس به، ثم قال: قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر أحدهم الحفر.
إنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس أن النبي - ﷺ - قال:»احفروا مكانه«مرسلًا واختلط على عبد الجبار المتنان.
وأما حديث واثلة فقد عزاه الحافظ في»التلخيص«١/ ٣٧ إلى أحمد والطبراني.
وقال: وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. اهـ.
ولم أجده في»المسند«وما في الطبراني فهو من رواية أنس التي ليس فيها الحفر كما في»المعجم الكبير«٢٢/ ٧٧ (١٩٢)، وقد وجدت كلامًا للألباني في»صحيح أبي داود«٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨ يصرح فيه بعدم وجود الحديث في»المسند«وكذا قال محقق»المطالب العالية«.
وقال الحافظ في»التلخيص" ١/ ٣٧: إلا أن هذِه الطريق المرسلة -طريق ابن معقل- مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة.



والشافعي خلافًا لأبي حنيفة (١).
الثالثة: إن غسالة النجاسة طاهرة، وهو أصح الأقوال عندنا، إن طهر المحل ولم تنفصل متغيرة (٢)، فإن اختل شرط فهي نجسة (٣).
الرابعة: الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، فإنه - ﷺ - على خلق عظيم، وبالمؤمنين رءوف رحيم.
الخامسة: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله: «دعوه». وفي رواية أخرى في مسلم: «لا تزرموه» (٤) أي: لا تقطعوا عليه بوله فإنه لو قطع عليه بوله لتضرر، وأصل التنجيس قد حصل فلا يزاد.
السادسة: قوة الوارد، وأنه يطهر إذا غلب ولم يغير.
السابعة: تطهير المساجد من النجاسات وتنزيهها عن الأقذار.

---------------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨، «الكافي» لابن قدامة ١/ ١٩١.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولم تزد وزنًا.
(٣) «البيان» ١/ ٤٩، ٥٠.
(٤) انظر: «مسلم» برقم (٢٨٥).



٥٩ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الُمؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. [٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥ - مسلم: ٢٨٦ - فتح: ١/ ٢٣٥]

٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. [٥٦٩٣ - مسلم: ٢٨٧ - فتح: ١/ ٣٢٦]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيِّاهُ.
أخبرنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
الكلام عليهما من أوجه:
أحدها:
حديث عائشة أخرجه البخاري هنا وفي الدعوات (١) والعقيقة (٢) والأدب (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٦٣٥٥) باب: الدعاء للصبيان بالبركة.
(٢) سيأتي برقم (٥٤٦٨) باب: تسمية المولود.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٠٢) باب: وضع الصبي في الحجر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]