عرض مشاركة واحدة
  #100  
قديم 23-01-2026, 04:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,190
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 327 الى صـــ 346
الحلقة (100)






وفيه: دليل على طهارة الماء المستعمل، فإنه لا يتبرك بغيره، لا يقال: إن هذا يختص بوضوئه، فإنه - ﷺ - أمر الذي عان سهلًا أن يتوضأ له ويغسل داخلة إزاره ويصبه عليه ليحل عنه شر العين، ولم يأمر سهلًا أن يغتسل منه (١).
وفيه: جواز الوصية للمريض وإن بلغ هذا الحد وفارقه عقله في بعض الأحيان، إذا كان عاقلًا عند الوصية.
وفيه: أنه لا يقضى بالاجتهاد مادام يجد سبيلًا إلى النص.

-------------------
= وملامسته والتمسح به، سبب لحصولها من الله.
وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي - ﷺ - وريقه وما انفصل من جسمه، خاصة كما تقدَّم؛ فذلك خاص به - ﷺ - ولم يكن الصحابة يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها؛ ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين، كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كَلَّم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذِه الأمكنة من الجبال التي يُقالُ إنَّ فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
وأيضًا فإن المكان الذي كان النبي - ﷺ - يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يُقبلُه، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه - ﷺ - بقدميه الكريمتين، ويُصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته - ﷺ -. انظر: «عقيدة التوحيد» ص ٢٣٤ - ٢٣٦.
(١) رواه ابن ماجه (٣٥٠٩)، ومالك في «الموطأ» ص ٥٨٣ رواية يحيى، وأحمد ٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٨١ (٧٦١٧، ٧٦١٩)، وابن حبان في «صحيحه» ١٣/ ٤٦٩ (٦١٠٥). وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٨٢٨): صحيح.



٤٥ - باب الغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ وَالْقَدَحِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ
١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةِ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ الِمخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا: كَمْ كُنْتمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً. [انظر: ١٦٩ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٣٠١]

١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أبي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ. [انظر: ١٨٨ - مسلم: ٢٤٩٧ - فتح: ١/ ٣٠٢]

١٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٣٠٢]

١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَّمَا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - واشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَاْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لَحِفْصَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ -- ﷺ -- ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. [٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ١/ ٣٠٢]


وذكر فيه أربعة أحاديث:
الأول: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ، ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِيينَ وَزِيَادَةً.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في علامات النبوة عن ابن منير، عن يزيد بن هارون وهو في البخاري خاصة (١).
ثانيها:
عبد الله (خ. ت. س) بن منير هذا هو الحافظ الزاهد (٢).
وعبد الله بن بكر هو السهمي الحافظ الثقة، مات سنة ثمان ومائتين (٣).

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٧٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) عبد الله بن منير أبو عبد الرحمن المروزي، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال محمد بن يوسف الفربري: سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: حدثنا عبد الله بن منير، ولم أر مثله. وقال ابن حجر: ثقة، وكان زاهدًا عابدًا.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٢ (٦٨٣)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨١ (٨٤٢)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٧٨ (٩٥٩٣)، «تقريب التهذيب» ص ٣٢٥ (٣٦٤١).
(٣) عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي الباهلي، أبو وهب البصري، سكن بغداد.
قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل، وعثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين والعجلي: ثقة. قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: =



ثالثها:
المِخْضَب: -بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمة-: إجّانة تغسل فيها الثياب. ويقال له المِركنُ (١). قَالَ القزاز: يكون عودًا ومن فخار.
وقال ابن بطال: ويكون من حجارة ومن صفر (٢). وقد سلف أنه من حجارة وأنه صغير، وسيأتي من حديث عائشة أنه أُجلس في مخضب (٣)، وهو دال على كبره.
رابعها:
مراد البخاري -رحمه الله- بهذا الحديث وبما ساقه من الأحاديث أن الأواني كلها من جواهر الأرض ونباتها، طاهرة فإنه لا كراهة في استعمالها.
خامسها:
هذِه الصلاة قد جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عَنْ أَنَس قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتمسَ الناس الوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ (٤).

---------------------
= صالح. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٥/ ٥٢ (١١٤)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦ (٧٢)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤٠ (٣١٨٥).
(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٩٨.
(٣) سيأتي برقم (١٩٨)
(٤) سيأتي برقم (٣٥٧٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.



سادسها:
قوله: (فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلى أَهْلِهِ) جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قَالَ: أتي النبي - ﷺ - وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فتوضأ القوم، وكانوا زهاء ثلائمائة (١).
ولمسلم: كان وأصحابه بالزوراء -والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة- دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قَالَ: قُلْتُ لأنس: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قَالَ: كانوا زهاء الثلاثمائة (٢).
سابعها:
جاء هنا: (أتي: بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ) وجاء في الباب الآتي بعد هذا: (فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ) (٣).
وفيه في موضع آخر من رواية الحسن، عن أنس: فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذه رسول الله - ﷺ - فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع عَلَى القدح ثم قَالَ: «توضئوا». فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء وكانوا سبعين أو نحوه (٤)، والظاهر أنها كانت أحوالًا.

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٧٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٢) مسلم (٢٢٧٩/ ٦) كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠).
(٤) سيأتي برقم (٣٥٧٤) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.



ثامنها:
فيه علم من أعلام النبوة، وهو تكثير القليل، توضؤ الرجال من فضل بعضهم من بعض، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثره وتكثير الطعام معجزات وجدت في مواطن مختلفة وأحوال متقاربة بلغ مجموعها التواتر، وقد صح تكثير الماء من حديث ابن مسعود أيضًا وجابر وعمران (١).
قَالَ الداودي: وفي الحديث مع بقية أحاديث الباب جواز التوضؤ بماء قد توضئ به.
الحديث الثاني:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ.
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا مختصرًا، وأخرجه في غزوة الطائف مطولًا (٢).
وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن العلاء، وعبد الله بن براد كلاهما عن أبي أسامة (٣).
وذكره البخاري معلقًا في باب: استعمال فضل وضوء الناس، وقد

----------------------
(١) حديث ابن مسعود سيأتي برقم (٣٥٧٩) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، وحديث جابر سيأتي برقم (٣٥٧٦)، وحديث عمران سيأتي برقم (٣٥٧١).
(٢) سيأتي برقم (٤٣٢٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف.
(٣) مسلم (٢٤٩٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.



سلف (١)، وفيه كما قَالَ الداودي في «شرحه»: جواز الوضوء بماء قد مج فيه.
الحديث الثالث:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن زيدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب: مسح الرأس كله (٢).
والتور -بالتاء المثناة فوق- وهو شبه الطست، فارسي معرب مذكر، وحكي تأنيثه.
وقال ابن قرقول: هو مثل قدح من الحجارة، والصُّفر -بضم الصاد وشذ كسرها-: النحاس، سمي بذلك لصفرته، يقال له: الشبه؛ لأنه يشبه الذهب. وقال القزاز: هو النحاس الجيد.
قَالَ ابن المنذر: روي عن علي بن أبى طالب أنه توضأ في طست، وعن أنس مثله.
وقال الحسن البصري: رأيت عثمان يصب عليه من أبريق -يعني: نحاسًا- وهو يتوضأ (٣).
وفي «الطهور» لأبي عبيد، عن ابن سيرين: كانت الخلفاء يتوضئون في الطست، قَالَ أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة

----------------------
(١) سبق برقم (١٨٨) كتاب: الوضوء.
(٢) سبق برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء.
(٣) «الأوسط» ١/ ٣١٥ - ٣١٦.



في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر، إلا شيئًا يروى عن ابن عمر من الكراهة (١).
قُلْتُ: قد روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قَالَ: قَالَ معاوية: نُهيت أن أتوضأ في النحاس (٢). وحكاه ابن بطال عنه (٣).
قَالَ ابن المنذر في «إشرافه»: رخص كثير من أهل العلم في ذَلِكَ،
وبه قَالَ الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور. وما علمت أني رأيت أحدًا كره الوضوء في آنية الصُفر والنحاس والرصاص وشبهه، والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو مباح بموقوف ابن عمر (٤). أي: حيث كره الوضوء في الصُفر وكان يتوضأ في حجر أو خشب أو أدم.
قَالَ ابن بطال: وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه، وهذِه الرواية أشبه بالصواب، وفي رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة والحجة البالغة (٥).
قُلْتُ: وفي «مسند أحمد» بإسناد جيد عن زينب بنت جحش: أنه - ﷺ - كان يتوضأ في مخضب من صفر (٦).
وفي «سنن أبي داود» بإسناد ضعيف عن عائشة: كنت أغتسل أنا

----------------------
(١) الطهور«ص ١٩٥ (١٢٨).
(٢)»مصنف ابن أبي شيبة«١/ ٤٢ (٤٠٢).
(٣)»صحيح البخاري بشرح ابن بطال«١/ ٢٩٩.
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨ - ٥٩ (١٧١ - ١٧٢، ١٧٦)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٤٠٤).
(٥)»صحيح البخاري بشرح ابن بطال«١/ ٢٩٩.
(٦)»المسند" ٦/ ٣٢٤.



ورسول الله - ﷺ - في تور من شبه (١).
وقال ابن جريج: ذكرت لعطاء كراهية ابن عمر للصُفر فقال: أنا أتوضأ بالنحاس، وما يكره منه شيء إلا رائحته فقط (٢).
وقال بعضهم: يحتمل كراهية ابن عمر له، لما كان جوهرًا مستخرجًا من معادن الأرض، شبهه بالذهب والفضة فكرهه؛ لنهيه - ﷺ - عن الشرب في آنية الفضة (٣)، وقد روي عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا الوضوء في آنية الفضة، وهم يكرهون الأكل والشرب فيها.
ولما نقل ابن قدامة، عن ابن عمر كراهة الوضوء في الصُفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذَلِكَ، نقل كراهته عن اختيار الشيخ أبي الفرج المقدسي؛ معللًا بأن الماء يتغير فيها. قَالَ: وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس (٤).

----------------------
(١) رواه أبو داود (٩٨) من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد، أخبرني صاحب لي، عن هشام بن عروة، عن عائشة. قال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ١٦٦ (٨٨) وهذا سند ضعيف؛ لجهالة صاحب حماد، وللانقطاع بين هشام بن عروة وعائشة، فإنه لم يدركها. لكن وصله المصنف بعدُ من طريق إسحاق بن منصور، عن حماد بن سلمة، عن رجل عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي … وفيه الرجل الذي لم يسمه. أخرجه عن شيخه محمد بن العلاء -وهو أبو غريب- عنه. وقصر به الحسين بن محمد بن زياد، فرواه عن أبي كريب … به، إلا أنه أسقط الرجل بين حماد وهشام، فصار ظاهر إسناده الصحة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٣٩٨) بمعناه.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٢٦) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل في إناء مفضض، ورواه مسلم (٢٠٦٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة …
(٤) «المغني» ١/ ١٠٥ - ١٠٦. وورد بهامش الأصل ما نصه: بخط المصنف … أصحاب أحمد … في صحة الوضوء منها.



الحديث الرابع:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عِبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةٌ رضي الله عنها تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعٍ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَة - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ.
الكلام عليه من وجوهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في ممبعة مواضع: هنا، وفي الصلاة في موضعين في: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي: إنما جعل الإمام ليؤتم به مختصرًا، والهبة، والخمس، وآخر المغازي في باب: مرضه - ﷺ -، والطب (١). وأخرجه مسلم في الصلاة (٢).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٦٦٥) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وبرقم (٦٨٧) في الأذان، باب: إنما جعل الامام ليؤتم به، وبرقم (٢٥٨٨) في الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، وبرقم (٣٠٩٩) كتاب فرض الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -، وبرقم (٤٤٤٢) كتاب المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، وبرقم (٥٧١٤) كتاب: الطب، باب: ٢٢.
(٢) «صحيح مسلم» (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما.



ثانيها:
ثَقل -بفتح الثاء المثلثة ثم قاف- أي: اشتد مرضه. وقد قَالَ بعده: واشتدَّ وجعه.
ثالثها:
هذا الاستئذان كان بالتعريض لا بالتصريح؛ لأنه جاء أنه كان يقول: «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟» يعرض لهن بذلك، نبه عليه الداودى.
رابعها:
قد يَسْتدل به من يرى وجوب القسم عليه؛ لأجل الاستئذان، وفيه خلاف لأصحابنا (١)، ومن يقول باستحبابه يقول: فعل ذَلِكَ للأفضل، وقد حكي خلاف أيضًا في أن المريض إذا لم يقدر على الدوران على نسائه هل يكون تمريضه عند إحداهن راجع إلى اختياره أو حق لهن فيقرع بينهن؟
خامسها:
اختياره تمريضه في بيت عائشة دالُ على فَضْلِها.
سادسها:
معنى (تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ): لا يستطيع رفعهما ووضعهما والاعتماد عليهما.
سابعها:
قوله: (بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ) قد سلف أن الآخر علي بن أبي

----------------------
(١) قال النووي في «روضة الطالبين» ٧/ ١٠: وفي وجوب القسم بين زوجاته وجهان:
قال الاصطخري: لا، والأصح عند الشيخ أبي حامد والعراقيين والبغوي الوجوب.



طالب، وقد جاء في رواية: بين الفضل بن عباس (١). وفي أخرى: بين رجلين أحدهما أسامة.
وطريق الجمع أنهم كانوا يتنابون الأخذ بيده الكريمة -شرفها الله- تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذًا ليده الكريمة، أو أدومهم لها إكرامًا له واختصاصًا به، وعليّ وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى، ولهذا صرحت بالعباس وأبهمت غيره، ويجوز أن يكون عدم تصريحها به لأنه كان بينهما شيء.
ثامنها:
قوله: («هريقوا علي») كذا في الرواية: «هريقوا» وذكره ابن التين بلفظ: «أهريقوا» ثم قَالَ: صوابه: أريقوا أو هريقوا، على أن يبدل من الهمزة هاء، فأما الجمع بينهما ففيه بُعد، وإنما يجتمعان في الفعل المستقبل.
وقال الجوهري: هراق الماء يهريقه هراقة أي: صبه، وأصله: أراق يريق إراقة، وإنما قالوا: أنا أهريقه ولا يقولون: أنا أُأَريقه لاستثقالة الهمزتين، وقد زال ذَلِكَ بعد الإبدال، ثم حكى لغتين أخريين فيه: أهرق يهرق، وأهراق: يُهْريق (٢).
تاسعها:
إنما أمر -والله أعلم- بأن يُهراق عليه من سبع قرب على وجه التداوي، كما صب - ﷺ - وضوءه على المغمى عليه، وكما أمر المَعِين

----------------------
(١) رواه مسلم (٤١٨/ ٩١) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٥٦٩ - ١٥٧٠، مادة: (هرق).



أن يغتسل به، وليس كما ظن من غلط وزعم أنه - ﷺ - اغتسل من إغمائه، نبه على ذَلِكَ المهلب، وعن الحسن أن الغسل واجب على المغمى عليه، وعن ابن حبيب: عليه إن طال ذَلِكَ به، والعلماء متفقون غير هؤلاء أن من أغمي عليه فلا غسل عليه إلا أن يجنب (١).
عاشرها:
فيه: إجازة الرُقَى والتداوي للعليل، وإنما يكره ذَلِكَ لمن ليست به علة أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى، وعليه يحمل حديث «لا يسترقون» (٢) قاله الداودي في «شرحه»، ومن كره التداوي فإنما كرهه خوف اعتقاد أنها نافعة بطبعها، كما يقوله الطبائعيون.
حادي عشرها.
قصده إلى سبع قرب تبركًا بهذا العدد؛ لأن الله تعالى خلق كثيرًا من مخلوقاته سبعًا، وقد أفرده بعض المتأخرين بالتأليف.
الثاني عشر:
قوله: («لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ») تحتمل ثلاثة أشياء كما نبه عليه ابن الجوزي: التبرك عند ذكر الله عند شدّها وحلّها، وطهارة الماء إذا لم تمسه يد قبل حل الوكاء فيكون أطيب للنفس، وبرده إذ لم يسخن بحرارة الهواء.
الثالث عشر:
قوله: («لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ») أي: لعله يَخِفُّ عني ما أجد،

---------------------
(١) انظر، «المجموع» ٢/ ٦٢، «الذخيرة» ١/ ٢٣٣، «المغني» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٠٥) كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، وبرقم (٥٧٥٢) كتاب: الطب، باب: من لم يرق.



وأُخْبِرُ الناس بشيء يعملون عليه.
الرابع عشر:
قولها: (وَأجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ) جاء أنه من نحاس. رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة -أو عمرة-، عن عائشة (١) وفي هذِه الرواية: «لعلي أستريح فأعهد إلى الناس» (٢) وهو مؤيد ما أسلفناه.
وقال الداودي: المخضب: شيء كانوا يستعلمونه من حجارة كالطست الكبير أو كالجفنة. وهو كما قَالَ، لكنه هنا من نحاس كما سلف فاستفده.
الخامس عشر:
قولها: (ثم طفقنا) أي: جعلنا. يقال: طفق إذا شرع في فعل الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٢].

----------------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حاشية: رأيته في «المصنف» في الطهارة لكن عن عمرة، عن عائشة بغير شك. انتهى.
[قلت: ووقع في المطبوع من «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٠ (١٧٩ كتاب الطهارة/ عن عروة عن عائشة، وليس عن عمرة عن عائشة، هذا أولًا.
ثانيًا: كأن سبط بن العجمي لم يقف على الرواية الأخرى في «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٤٣٠ من كتاب المغازي، فهي مراد المصنف، وفيها نَصّ الرواية].
(٢) الذي في المطبوع من «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٤٣٠: عن عروة عن غيره عن عائشة. كذا ولعله تحريف.
ورواه إسحاق بن راهويه (٦٤٥)، وأحمد ٦/ ١٥١، وابن خزيمة ١/ ١٢٧ (٢٥٨)، وابن حبان ١٤/ ٥٦١ (٦٥٩٦، ٦٦٠٠)، والبيهقي ١/ ٣١ كللهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة أو عمرة عن عائشة به.
ورواه النسائي في «الكبرى» (٧٠٨٢)، وابن خزيمة ١/ ٦٤ (١٢٣)، والحاكم ١/ ١٤٤ - ١٤٥ كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة به.



السادس عشر:
فيه: أنه - ﷺ - كان يشتد به المرض ليعظم الله له الأجر، وفي الحديث الآخر: «إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» (١) وسيأتي في موضعه.
وفيه: أن المريض تسكن نفسه لبعض أهله دون بعض.
وفيه: الاغتسال بالماء؛ لما جعل الله فيه من البركة وجعل منه حياة كل شيء.
وفيه: استعمال ما لم تمسه الأيدي؛ لأنه أعزم لبركته.
وفيه: استعمال السبع لما يرجى من خفة المرض.
وفيه: الأخذ بالإشارة. وقولها: (أن قد فعلتنّ)، يعني: أن قد أتيتنّ على ما أريد من ذَلِكَ.

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٤٨) كتاب: المرضى، باب: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول، وبرقم (٥٦٦٠) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض.


٤٦ - باب الوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ
١٩٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَينِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ٣/ ٣٠١]

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بإنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الَماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثُّمَانِينَ. [انظر: ١٦٩ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٣٠٤]
حَدُّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْييَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأ؟ .. الحديث.
وقد سلف (١) في موضعه، وعمه هو عمرو بن أبي حسن. وفي هذا الحديث أنه تمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة.
وقوله: (فأدبر بيديه وأقبل)، احتج به الحسن بن حي على البداءة بمؤخر الرأس (٢)، وعنها أجوبة:
أحدها: أن الواو لا تدل على الترتيب.

----------------------
(١) سبق برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٦.



ثانيها: أن الإقبال من جهة الشعر من جهة القفا والإدبار إليه.
ثالثها: أن المراد إقبال الفعل لا غير، وقد أوضحت ذَلِكَ مع زيادة عليه في «شرح العمدة» (١).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا مُسَدَّد، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَينَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢) والرَّحْرَاح -بفتح الراء وإسكان الحاء المهملة-: القصير الجدار القريب القعر. وفي رواية: بقدح واسمع الفم، وقال ابن قتيبة: يقال: إناء رحراح ورحرح إذا كان واسعًا (٣). قَالَ الحربي: ومنه الرحرح في حافر الفرس وهو أن يتسع حافره ويقل عمقه (٤). قَالَ الأصمعي: ويكره في الخيل.
وقوله: (شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ) يعني: شيئًا قليلًا. و(ينبع) باؤه مثلثة.

--------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٨٠ - ٣٨٤.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٢٧٩) كتاب: الفضائل، باب: معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٨١.
(٤) ورد بهامش الأصل: الرحح محركة سعة في الحافر، وهو محمود، كذا قال في «القاموس» وتبعه غيره. وفي «الجمهرة»: الرحح: اتساع الحافر وهو عيب.
[انظر: «القاموس المحيط» ص ٢١٩، «الجمهرة» ٢/ ١٠٠٤].



٤٧ - باب الوُضُوءِ بِالمُدِّ
٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْسِلُ -أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ- بِالصَّاعِ إِلَى خَسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضأ بِالُمْدِّ. [مسلم: ٣٢٥ - فتح: ١/ ٣٠٤]
حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْم ثنا مِسْعَرٌ، حَدَّثنِي ابن جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْسِلُ -أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ- بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، ويتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي (١).
ثانيها:
مسعر هو ابن كدام الكوفي. مات بعد الخمسين ومائة (٢)، وليس في الصحيحين سواه.

--------------------
(١) مسلم (٣٢٥/ ٥١) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء من غسل الجنابة، وأبو داود (٩٥)، والنسائي ١/ ١٧٩.
(٢) هو مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث، الإمام الثبت، شيخ العراق، أبو سلمة الهلالي الكوفي، الأحول، الحافظ.
قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أثبت من مِسْعَر.
وقال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة ومسعر.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: شك مسعر كيقين رجل.
ووثقة يحيى بن معين وأبو زرعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٦٤، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٨ (١٦٨٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٦١ (٥٩٠٦).



وفي أبي داود مسعر بن حبيب الجرمي الثقة (١).
وابن جبر هو عبد الله بن عبد الله بن جبر. وقيل: جابر بن عتيك الأنصاري (٢)، وقال البخاري في «تاريخه»: لا يصح جبر، إنما هو جابر (٣)، كذا قَالَ، وقد سلف في إسناده جبر. وقال ابن منجويه: أهل المدينة يقولون: جابر، والعراقيون يقولون: جبر، ولا يصح جبر إنما هو جابر (٤).
قَالَ أبو داود: ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى، حَدَّثَني جبر بن عبد الله، فقلبه (٥).
ثالثها:
عند أبي داود من طريق عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن

------------------
(١) مسعر بن حبيب الجرمي، أبو الحارث البصري، قال إسحاق بن منصور، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات».
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٣ (١٩٧٠)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٨ (١٦٨٤)، «الثقات» ٥/ ٤٥١، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٦٠ (٥٩٠٥).
(٢) هو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك وقيل: جبر الأنصاري المدني من بني معاوية وقيل: إنهما اثنان.
قال إسحاق بن منصور وعباس الدوري عن يحيى بن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات».
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٢٦ (٣٧٤)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٢٩، «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٧١ (٣٣٦٢)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٦٧.
(٣) عزاه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٦٧ إلى ابن منجويه وقال: نقله من كلام البخاري في «تاريخه».
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٢٦.
(٤) انظر: «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٧٢.
(٥) «سنن أبي داود» عقب الرواية (٩٥).



أنس: كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. وعند مسلم: يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكالي. وفي لفظ: مكاكيك (١).
وللبخاري من حديث عائشة نحو من صاع (٢). وفي لفظ: من قدح يقال له: الفَرَق (٣). أي: بفتح الراء، وهو أفصح من سكونها. وقيل: بالفتح ثلاثة آصع أو نحوها، وبالسكون مائة وعشرون رطلًا (٤).
رابعها:
الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، يذكر ويؤنث. المد: رطل وثلث.
وعند أهل العراق رطلان (٥). وفيه حديث عن أنس (٦)، وقال به بعض أصحابنا في مُدِّ الوضوء دون مُدِّ الزكاة.
فائدة:
يطلق الصاع أيضًا على المطمئن من الأرض، وعلى وجه الأرض (٧).

--------------------
(١) مكاكيك، جمع مكوك وهو مكيال لأهل العراق. انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٤٣٥.
وروايتا مسلم وأبي داود سبق تخريجهما في أول الكلام على الحديث.
(٢) سيأتي برقم (٢٥١) كتاب: الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٠) كتاب: الغسل، باب: الغسل بالصاع ونحوه.
(٤) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٤٣٧.
(٥) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٦٠.
(٦) رواه الترمذي (٦٠٩)، وأحمد ٣/ ١٧٩ عن أنس - رضي الله عنه -، أن رسول الله - ﷺ - قال: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء.
ورواه أبو داود (٩٥) من فعله - ﷺ -، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع.
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ.
وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١٤).
(٧) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢٤٧، «التهذيب» ٢/ ١٩٦١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]