
23-01-2026, 05:29 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (4)
من صـــ 227 الى صـــ 246
الحلقة (95)
وفي بعضها: (زهاء ثلاثمائة). وفي بعضها: (ثمانين). وفي بعضها: (سبعين) (١).
سابعها:
هذِه المعجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء؛ لأن ذَلِكَ من عادة الحجر، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره - ﷺ - (٢).
ثامنها: (ينبُع) بضم الباء وكسرها. وفي روايةٍ أخرى: (ينتبع) وفي لفظ: (يفور من بين أصابعه)، وفي أخرى: (يتفجر من أصابعه كأمثال العيون)، وفي أخرى: (سكب ماء في ركوةٍ، ووضع أصبعه وسطها
--------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٤٨٠ - ٤٨٤ (٦٥٤٢ - ٦٥٤٤، ٦٥٤٦ - ٦٥٤٧).
(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ٣٥٩، وقال ابن حجر رحمه الله في «الفتح» ٦/ ٥٨٥: قال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذِه المعجزة من غير نبينا - ﷺ - حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى. وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر الآتي: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشن فوضع رسول الله - ﷺ - يده عليه ثم فرق أصابعه فنبع الماء من أصابع رسول الله - ﷺ - مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا. فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن يكون أن الماء كان ينبع من أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر وكفه - ﷺ - في الماء، فرآه الرائي نابعًا من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الأخبار ما يرده وهو أولى.
غمسها في الماء).
قَالَ القاضي عياض: وهذِه القصة رواها الثقات من العدد الكثير عن الجماء الغفير، عن الكافة متصلًا عمن حدث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذَلِكَ كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين ومجمع العساكر، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته - ﷺ - (١).
وفيه رد على قول ابن بطال في «شرحه»: إن هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس وذلك -والله أعلم- لطول عمره، ولطلب الناس لعلو السند (٢)
واستنبط المهلب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛ لأنه إذا أُتي رسول الله بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره بل كانوا فيه سواء ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.
--------------------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ٧/ ٢٤٢. و«الشفا بتعريف حقوق المصطفي» ١/ ٢٨٧.
(٢) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٤.
٣٣ - باب المَاءِ الذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ
وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرى بِهِ بَأسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالْحِبَالُ، وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: هدا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا مَاءٌ، وَفِي النّفسِ مِنْهُ شَئءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيتَيَمَّمُ. [فتح: ١/ ٢٧٢]
١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. [١٧١ - فتح: ١/ ٢٧٣]
١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَّمَا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ. [انظر: ١٧٠ - مسلم: ١٣٠٥ - فتح: ١/ ٢٧٣]
ذكر البخاري رحمه الله شعر الإنسان، استطرد غيره فذكر ما ذكره عن عطاء أن الشعر ليس به بأس أن يتخذ منه الخيوط والحبال.
قَالَ الإسماعيلي: وقوله -يعني: البخاري- في الشعر فيه خلاف، فإن عطاء يروى عنه نجاسته، ورأى ابن المبارك رجلًا أخذ شعرة من لحيته، ثم جعلها في فيه. فقال له: مَهْ، أترد الميتة إلى فيك؟! ونقل ابن بطال عن المهلب بن أبي صفرة أن البخاري أراد بهذِه الترجمة رد قول الشافعي أن شعر الإنسان إذا فارق الجسد نجس، وإذا وقع في الماء نجسه -وذكر قول عطاء السالف- ولو كان نجسًا لما جاز
اتخاذه ولما جاز اتخاذ شعر النبي - ﷺ - والتبرك به، علم أنه طاهر على قول عطاء وجمهور العلماء (١)، هذا كلامه.
وأقول الحكاية عن الشافعي بتنجيس شعر الآدمي المنفصل مرجوع عنه. فقد روى إبراهيم البكري، عن المزني، عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
وحكاه أيضًا الماوردي عن ابن شريح، عن أبي القاسم الأنماطي (٢)، عن المزني، عن الشافعي، وحكى الربيع الجيزي (٣)، عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته.
وصرح القاضي أبو الطيب وآخرون بأن الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة وتنجس بالموت، وهو المذهب، وهو الذي رواه المزني والبويطي والربيع المرادي وحرملة (٤).
-----------------------
(١) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٥.
(٢) هو الإمام العلامة شيخ الشافعية، أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار البغدادي، الفقيه الأنماطي، الأحول. ارتحل وتفقه على المزني، والربيع المرادي، وروى عنهما. ويعز وقوع شيء من حديثه؛ لأنه مات قبل أوان الرواية وعليه تفقه أبو العباس بن سُريج، وغيره. وكان السبب في نشاط الناس ببغداد لكتب فقه الشافعي وتحفظه. توفي في شوال سنة ثمان وثمانين ومائتين ببغداد. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٦٠٦٧)، «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٤١ (٤٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (٢١٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٩٨.
(٣) هو الربيع بن سليمان الأزدي مولاهم المصري الجيزي الأعرج. سمع من ابن وهب، والشافعي أيضًا. روى عنه أبوداود، والنسائي، والطحاوي، وآخرون.
مات سنة ستٍ وخمسين ومائتين.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤ (٢٣٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٩١ - ٥٩٢ (٢٢٣)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥٩، ١٦٠.
(٤) انظر: «الحاوي» ١/ ٦٦ - ٧١، «البيان» ١/ ٧٤ - ٧٧.
ومذهب أبي حنيفة أن شعر الآدمي المنفصل طاهر، وكذا شعر الميتة والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن والحافر والظلف والخف والشعر والوبر والصوف والعصب والريش والإنفحة الصلبة، قاله في «البدائع» (١).
وكذا من الآدمي على الأصح ذكره في «المحيط» و«التحفة» (٢)، وفي «قاضي خان» (٣): على الصحيح ليست بنجسة عندنا.
وقد وافق أبا حنيفة على صوفها وشعرها ووبرها وريشها مالكٌ وأحمد وإسحاق والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وحماد وداود في العظم أيضًا (٤)، ونقل في «الإشراف» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا خير في شعور بني آدم ولا ينتفع بها، وحكى العبدري، عن الحسن وعطاء والأوزاعي والليث أنها تنجس بالموت، لكن يطهر بالغسل.
وأما شعر سيدنا رسول الله - ﷺ - فالمذهب الصحيح القطع بطهارته، وإن خالفنا في شعر غيره؛ لعظم مرتبته، ومن خالف فيه قَالَ: إنما قسم شعره - ﷺ - للتبرك، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا، كذا قاله الماوردي وآخرون قالوا: ولأن القدر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًّا عنه (٥).
--------------------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٦٣.
(٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٥٢.
(٣) انظر: «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٠.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ٢٢، «التحقيق» ١/ ١٣٣ - ١٤١، «بداية المجتهد» ١/ ١٥٤ - ١٥٥، «المغني» ١/ ١٠٦ - ١٠٨.
(٥) انظر: «الحاوي» ١/ ٦٧ - ٦٨، «المجموع» ١/ ٢٨٨.
فرع:
في بوله ودمه وجهان: والأليق الطهارة. وذكر القاضي حسين في العَذِرة وجهين. وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتفاق، وتخصيص الخلاف بالبول والدم، وليس كذلك فالخلاف فيها مشهور (١)، وقد بسطت ذَلِكَ في كتابنا «غاية السول في خصائص الرسول» فليراجع منه (٢).
قَالَ البخاري: وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ وأكلها.
هو بالخفض عطفًا على باب. أي: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وباب: سؤر الكلاب.
وفي بعض النسخ جمعهما في موضع واحد وهذِه اللفظة وهي قوله: (وأكلها) ساقطة في بعض النسخ (٣)، وقصد البخاري بذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة. سؤره.
قَالَ الإسماعيلي: أراه نحا ذَلِكَ مما ذكره من الأخبار لكن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا.
والسؤر: -مهموز على الأفصح- ما بقي من الشراب وغيره في الإناء.
قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْريُّ: إِذَا وَلَغَ فِي الإِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وضوء غيره يتوضأ به.
-----------------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ٢٨٨.
(٢) «غاية السول في خصائص الرسول» ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٣) الرواية عند المصنف بإثبات كلمة: (وأكلها) والرواية الصحيحة في ذلك بحذف هذِه الكلمة وانظر: «اليونينية» ١/ ٤٥، وأشار محققو «اليونينية» أنها نسخة لا يعرف صاحبها.
هذا قاله مالك أيضًا والأوزاعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى نجاسته وكذا الليث والشافعي وأحمد وأبو ثور (١).
قَالَ سُفْيَانُ (٢): هذا هو الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللهُ -عز وجل- ﴿فَلَمْ تِجَدُوا مَآءً فَتَيمَمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَئٌ، يَتَوَضأُ بِهِ وَيتَيَمَّمُ.
وافقه ابن مسلمة وابن الماجشون وجعلوه كالمشكوك فيه.
وحكى الطحاوي، عن الأوزاعي أن سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي الماء المستنقع ليس بنجس (٣)، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ بعد.
ثم ذكر البخاري حديث الشعر، حدثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدة عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
وفي رواية للإسماعيلي: أحب إلي من كل صفراء وبيضاء.
والكلام عليه من وجهين:
أحدهما: في التعريف برواته:
غير من سلف. أما مالك فهو أبو غسان (ع) مالك بن إسماعيل النهدي الحافظ الحجة العابد القانت، عنه البخاري ومسلم والأربعة بواسطة. مات سنة تسع عشرة ومائتين (٤)، وليس في الكتب الستة
----------------------
(١) انظر: «التحقيق» ١/ ٨٩ - ٩٤، «روضة الطالبين» ١/ ٣٢، «الهداية»١/ ٢٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: من خط المصنف: يعني: الثوري.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١١٨.
(٤) مالك بن إسماعيل بن درهم، قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: إن سرَّك أن تكتب عن رجل ليس في قلبك منه شيء فاكتب عن أبي غسان. وقال أبو حاتم: قال =
مالك بن إسماعيل سواه.
وإسرائيل (ع) هو ابن يونس سلف (١). وفي البخاري: إسرائيل (خ. د. ت. س) بن موسى (٢). عنه القطان وليس فيهما غيرهما.
وعاصم هو ابن سُليمان الأحول البصري الثقة الحافظ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة (٣).
وعبيدة هو (ع) السلماني ابن عمرو. وقيل: ابن قيس، وقد تقدم في المقدمات أنه بفتح العين، كوفي أسلم في حياة رسول الله - ﷺ -، وذكر في الصحابة؛ لذلك قَالَ ابن عيينة: كان يوازي شريحًا في العلم والقضاء.
مات سنة اثنتين. وقيل: ثلاث وسبعين (٤).
ثانيهما: في فقهه:
وهو أنه لما جاز اتخاذ شعر النبي - ﷺ - والتبرك به فهو طاهر. وقد
-----------------------
= يحيى بن معين: ليس بالكوفة أتقن منه. وقال غيره عن يحيى بن معين: وهو أجود كتابًا من أبي نعيم. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١٥ (١٣٤٢)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٢٠٦ (٩٠٥)، و«الثقات» ٩/ ١٦٤، و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٨٦ (٥٧٢٧).
(١) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٦٩).
(٢) إسرائيل بن موسى. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: ثقة.
زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٦ (١٦٦٨)، «الثقات» ٦/ ٧٩، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥١٤ (٤٠١)، «تهذيب التهذيب» ١/ ١٣٣.
(٣) وثقه سفيان وأحمد وابن مهدي، والعجلي، وأبو زرعة، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقيل في وفاته غير ما ذكر المؤلف.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٦ - ٣١٩، «الثقات» ٥/ ٢٣٧، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٨٥ (٣٠٠٨).
(٤) سبقت ترجمته في المقدمة.
جعل خالد بن الوليد في قلنسوته من شعر رسول الله - ﷺ -، فكان يدخل بها في الحرب فسقطت يوم اليمامة، فاشتد عليها شدة، أنكر عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -. فقال: إني لم أفعل ذَلِكَ لقيمتها لكن كرهت أن تقع بإيدي المشركين وفيها من شعر الرسول - ﷺ - (١).
ثم ذكر البخاري حديثًا ثانيًا في الشعر فقال: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا عَبَّادٌ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برواته غير من سلف:
فابن عون هو عبد الله (ع) بن عون، أبو عون مولى عبد الله بن المغفل المزني أحد الأعلام. مات (٢) سنة إحدى وخمسين ومائة (٣).
---------------------
(١) انظر: «البداية والنهاية» ٧/ ١١٣ وليس فيها ذكر كراهته تلك وفيه: أنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: (٢٣٢) قاله في «الكاشف» أو (إحدى) قاله في «التهذيب».
(٣) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، البصري، رأى أنسًا ولم يثبت له منه سماع.
قال علي بن المديني: جُمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأصحابه. وقال شعبة: ما رأيت مثل أيوب ويونس وابن عون. وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصرٍ مثل أربعة اجتمعوا بالبصرة: أيوب، ويونس، وسليمان التيمي، وعبد الله بن عون. وقال العجلي: أهل البصرة يفخرون بأربعة .. فذكره. ومثله عن الأصمعي.
وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣٠ (٦٠٥)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٠٢ (٣٤٧٠)، «مغاني الأخيار» ٢/ ٥٣٦.
وفي مسلم والنسائي: عبد الله بن عون ابن أمير مصر أبي عون عبد الملك بن يزيد البغدادي، روى عن مالك. ثقة من الأبدال. مات بعد المائتين، وليس في هذِه ابن عون غيرهما (١).
وعباد (ع) هو ابن العوام الواسطي، أبو سهل. مات سنة خمس وثمانين ومائة (٢).
وسعيد بن سليمان هو الضبي البزاز، أبو عثمان سعدويه الحافظ الواسطي (٣).
-------------------
(١) عبد الله بن عون بن أبي عون واسمه عبد الملك بن يزيد الهلالي.
قال أحمد بن حنبل: ما به بأس، أعرفه قديمًا، وجعل يقول فيه خيرًا. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن يحيى بن معين: صدوق. وقال عبد الخالق بن منصور، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وصالح بن محمد البغدادي الحافظ، والدارقطني: ثقة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٧٥، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣١ (٦٠٦)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٠٢ (٣٤٧٠)
(٢) عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله. قال الحسن بن عرفة: سمعت وكيعًا، وسألني عن عباد بن العوام، قال: يحدث؟ قلت: نعم. قال: ليس عندكم أحد يشبهه. وقال أبو بكر بن الأثرم، عن أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث.
وعن يحيى بن معين: ثقة. وقال ابن حجر: لم يخرج له البخاري من روايته عن سعيد شيئًا واحتج به هو والباقون.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٠، «تاريخ بغداد» ١/ ١٠٤، «تهذيب الكمال» ١٤/ ١٤٠ - ١٤٤ (٣٠٨٩)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٥١١ - ٥١٢ (١٣٤).
(٣) سعيد بن سليمان الضبي. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي ذكر سعيد بن سليمان قال: كان صاحب تصحيف ما شئت. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن يحيى بن معين: كان سعدويه قبل أن يحدث أكيس منه حين حدث. وقال عباس بن محمد الدوري: سئل يحيى بن معين، عن عمرو بن عون وسعدويه أكيسهما قلت له أنا: في جميع ما حدَّث؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: ثقة، =
روى عنه جماعة منهم البخاري، وأبو داود، حج ستين سنة، وكان يصحف. مات سنة خمس وعشرين ومائتين عن مائة.
ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة سلف.
ثانيها:
هذا الحديث رواه عن ابن سيرين أيضًا هشام بن حسان، ورواه عن سعيد هارون بن عبد الله. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ: محمد بن إسماعيل، -يعني: البخاري-: وروى وهيب بن خالد، ثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين أنه - ﷺ - لما حلق رأسه قام أبو طلحة فأخذ من شعره، فقام الناس فأخذوا.
قَالَ أبو بكر: قُلْتُ لابن عون: عمن ذكر ابن سيرين؟ فقال: عن أنس بن مالك. قَالَ ابن عون: نبئت أنهم جعلوا شعر رسول الله - ﷺ - في السُّك، فهي عند آل أنس وآل سيرين، أخبرنيه ابن ياسين، عن عبد الله بن محمد بن سنان السعدي البصري، ثنا عمار بن معمر بن عمرو، ووهيب بن خالد به، وعبد الله ليس من شرط هذا الكتاب ذكرناه استئناسًا.
ثالثها:
هذا الحلق كان بمنى يوم الأضحى، وكان الحالق فيما ذكره البخاري زعموا أنه معمر بن عبد الله. وقيل: اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكلبي، وصحح بعضهم أن خراشا حلق رأسه بالحديبية،
---------------------
= مأمون، ولعله أوثق من عفان إن شاء الله. وقال ابن حجر: ثقة حافظ.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٤٠، «معرفة الثقات» ١/ ٤٠٥ (٥٩٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٦ (١٠٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٨٣ (٢٢٩١)، «تقريب التهذيب» (٢٣٢٩).
ومعمرًا في حجة الوداع، وفي رواية قَالَ للحلاق: «ها هنا» (١)، وأشار إلى الجانب الأيمن، وفرق شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الجانب الأيسر، فأعطاه أم سُلَيم. وفي رواية: فبدأ بالشق الأيمن ففرقه، الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قَالَ: بالأيسر، فدفعه إلى أبي طلحة.
[- باب إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فيِ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَليَغْسِلْهُ سَبْعًا]
١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». [مسلم: ٢٧٩ - فتح: ١/ ٢٧٤]
١٧٣ - [حَدَّثَنَا إسحق، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله ابْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَن رَجُلًا رَأى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ».] [٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ١/ ٢٧٨]
١٧٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الَمسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَلَمْ [يَكُونُوا] يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. [فتح:١/ ٢٧٨]
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابن أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وِإذَا أكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّما أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ: أُرْسِلُ
----------------------
(١) رواه مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٤) كتاب: الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق.
كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ». [٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧ - مسلم ١٩٢٩ - فتح:١/ ٢٧٩]
ثم شرع البخاري في ذكر الأحاديث التي نحا بها إلى طهارة الكلب وطهارة سؤره فقال:
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا رَأى كلْبًا يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فشَكَرَ اللهُ لَهُ فأَدْخَلَهُ الجَنَّة».
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: ثنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
حَدَّثنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ ابن أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ على نَفْسِهِ». قُلْتُ: أرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ على كَلْبٍ آخَرَ».
وأقول قد أسلفنا عن الإسماعيلي أنه قَالَ: أرى أبا عبد الله نحا نحو
تطهير الكلب حيًّا وإباحة سؤره بما ذكره من هذِه الأخبار وهي -لعمري- صحيحة، إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا، وتبعه على ما نحاه البخاري ابن بطال في «شرحه» فقال: ذكر في الباب أربعة أحاديث في الكلب، وغرضه في ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره، ووجه النظر أن غسل الإناء من شربه يجوز أن يكون لنجاسته، وأن يكون تعبدًا (١)
ويترجح الأول برواية مسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» وهي على شرطه أيضًا، وروايته أيضًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (٢).
وأما غرف الماء فليس فيه أن الكلب شربه من الخف، أو قد يجمع بأن يكون غرفه به ثم صبه في مكان غيره، وعلى تقدير أن يكون شرب منه لا يلزمنا الأخذ به؛ إذ كان هذا في شريعة غيرنا على ما روي عن أبي هريرة، وشرعنا قتل الكلاب على خلاف فيه إلا ما رخِّص في إمساكه، ولا يلزم من إقبالها وإدبارها فيه طهارتها.
نعم؛ سيأتي فيه أنها كانت تبول فيه، وابن وهب يرى بطهارة بولها، وكأن الحديث إنما سيق لترددها فيه، ولم يغلق، وعساها كانت تبول ولم يعلم موضعه، ولو علم لأمر بصب الماء عليه، وقد أمر به في بول الأعرابي وبول ما سواه في حكم النجاسة واحد.
وأما حديث عدي فهو مسوق؛ لأن قتله ذكاة لا لنجاسة ولا طهارة، ألا تراه قَالَ: «فكله». ولم يقل: اغسل الدم، ويجوز أن يكون تركه اكتفاء
---------------------
(١) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٨٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
بغسل الإناء من وُلوغه.
وذكر الإسماعيلي احتمالًا ثالثًا، وهو أن يكون قتله الصيد لما جعل ذكاة له انتفت النجاسة عن المذكي بما جعل ذكاة له، إذا ظهر لك ذَلِكَ فلنتكلم على كل حديث على العادة سندًا ومتنًا.
أما حديث أبي هريرة فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
طريق مالك هذِه أخرجه أبو داود في رواية ابن العبد، والنسائي وابن ماجه (١)، وأخرجه مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أيضًا (٢).
وأخرجه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح؛ عن أبي هريرة بلفظ: «إذا ولغ» بدل «شرب»؛ ومن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٣).
وأخرجها أبو داود والنسائي، وكذا الترمذي وقال: «أولاهن -أو أُخراهن (٤) - بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة كسل مرة» ثم قَالَ: حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: ذكر الهر موقوفة. وقال البيهقي: مدرج (٥).
قَالَ ابن عبد البر: كذا قَالَ مالك في هذا الحديث «شرب» أي على
-------------------
(١) رواه أبو داود (٧١)، والنسائى ١/ ٥٢، وابن ماجه (٣٦٤).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٩٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٨٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
(٤) «سنن أبي داود» (٧٣)، «سنن الترمذي» (٩١)، «سنن النسائي» ١/ ٥٣ - ٥٤، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٦): إسناده صحيح على شرطهما.
(٥) «السنن الكبرى» ١/ ٥٤٨.
خلاف عنه، وغيره من الرواة يقول: «إذا ولغ» وهو الذي يعرفه أهل اللغة (١).
وكذا استغرب هذِه اللفظة الإسماعيلي وابن منده الحافظان، ولم
ينفرد بها مالك، بل توبع عليها كما أوضحته في كتابي «البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير» للرافعي رحمه الله (٢)، وهو أيضًا أخص من الولوغ، إذ كل كلب إذا شرب فهو والغ ولا عكس.
ثانيها: في التعريف برواته، وقد سلف التعريف بهم.
ثالثها: في فقهه:
ظاهر الأمر بالغسل: التنجيس، ويؤيده الرواية السالفة «طهور» فإنها تستعمل عن الحدث تارة، وعن الخبث أخرى، ولا حدث على الإناء فتعين الخبث.
وأما الإمام مالك فحمله على التعبد لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفي بما دون السبع، فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفى فيها بما دون السبع، وقد أمر بغسل الظاهر مرارًا لمعنى، كما في أعضاء الوضوء (٣)
والحمل على الأول وهو التنجيس أقوى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى فالثاني أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.
-----------------------
(١) «التمهيد» ١٨/ ٢٦٤.
(٢) «البدر المنير» ١/ ٥٤٥.
(٣) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٦، «الكافي» ص ١٧، «الذخيرة» ١/ ١٨١.
وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع، ثم الذين عللوه قالوا: العلة النجاسة، وقيل: القذارة؛ لاستعماله النجاسات، وقيل: علته لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلظ عليهم بذلك.
ومنهم من قَالَ: إن ذَلِكَ معلل بما تبقَّى من كَلَب الكلب (١). والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، وأورد على هذا أن الكلب المكلب لا يقرب الماء، على ذَلِكَ جماعة الأطباء.
ومن قَالَ بالتعبد يلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ وما لم يلقه؛ عملًا بحقيقة لفظ الإناء.
ثم إن هذا الأمر وهو الأمر بالغسل ظاهره الوجوب، وعن مالك قول بحمله على الندب، وقد استدل بغسل الإناء على نجاسة عين الكلب؛ ولأنه إذا ثبت نجاسة فمه فبقية بدنه أولى؛ ولأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه ففمه أولى، ثم هذا الإناء يغسل سواء أكان فيه طعام أو ماء للعموم، ولمالك قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، وهو نص «المدونة» (٢)؛ لأنه مصون، ولأن في الحديث الإراقة، وهي محرمة؛ لأنه إضاعة مالٍ.
والظاهري لا يرى بالغسل إذا وقع اللعاب في الإناء من غير ولوغ (٣).
ثم هذا الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات.
ورواية التتريب قَالَ بها الشافعي وأصحاب الحديث وليست في
-----------------
(١) الكلب، بفتحات، شبه الجنون، وكَلِب الكلب، ضَرى وتعوَّد أكل الناس.
«المحكم» ٧/ ٣٥.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٥.
(٣) انظر: «المحلى» ١/ ١٠٩ - ١١٠.
رواية مالك فلم يقل بها، وقيل: لأنه مضطرب حيث ورد: «أولاهن» و«إحداهن»، وغير ذَلِكَ.
والحنفية لا يقولون بتعين السبع ويعتذرون عنه بأوجهٍ:
أحدها: أن أبا هريرة راويه كان يغسل ثلاثًا، وهذا على رأيهم أن العبرة بما رأى، وعندنا بما روى، بل ما صح عنه إلا السبع.
ثانيها: أنه روي من طريق أبى هريرة مرفوعًا التخيير بين الثلاث والخمس والسبع، فلو كان السبع واجبًا (١) لم يخير بينه وبين الباقي؛ لكنه ضعيف (٢) كما نبه الدارقطني في «سننه» (٣)، والبيهقي في «خلافياته» (٤).
ثالثها: أن هذا الأمر كان إِذْ أمرَ بقتل الكلاب، فلما نَهى عن قتلها نسخ ذَلِكَ.
رابعها: أن الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وعند الحسن البصري يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب (٥) بحديث عبد الله بن مغفل (٦)، وأجيب عنه؛ بأنه
--------------------
(١) ورد بهامش (س): نقل وجوب الغسل سبعًا عن أبي هريرة ابن المنذر، نقله عنه النووي.
(٢) ورد بهامش (س): قوله: «لكنه ضعيف» زاد النووي في «شرح المهذب» باتفاق الحفاظ: عبد الوهاب بن عطاء مجمع على ضعفه وتركه. انتهى. قال الذهبي في «الكاشف» عن أبي داود: إنه كان يضع.
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٦٥ وذلك بقوله: تفرد به عبد الوهاب عن إسماعيل (يعني: ابن عياش) وهو متروك، وهو الصواب.
(٤) «الخلافيات» ١/ ٢٣٥ (٢٨٠).
(٥) انظر: «البناية» ١/ ٤٣١ - ٤٣٨.
(٦) رواه مسلم (٢٨٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧٤)، والنسائي ١/ ٥٤.
مضطرب. ثم ظاهر الحديث عام في جميع الكلاب، وفي مذهب مالك أربعة أقوال: طهارته، نجاسته، طهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، رابعها لابن الماجشون: يفرق بين البدوي والحضري.
وفي «قنية المنية» من كتب الحنفية وهو جزآن: الذي صح عندي من الروايات في «النوادر» و«الأمالي» أن الكلب نجس العين عندهما، وعند أبي حنيفة ليس بنجس العين، وفائدته تظهر في كلب وقع في بئر وخرج حيًّا فأصاب ثوب إنسان، ينجس الماء والثوب عندهما خلافًا لأبي حنيفة.
ومتعلقات هذا الحديث وفروعه كثيرة، وقد استقصينا القول فيها في «شرح عمدة الأحكام» فليراجع منه (١)، ونحن في هذا الشرح ننبه بأدنى إشارة خوف الطول.
وتعلق برواية «وَلَغَ» أهل الظاهر، وقالوا: لو أدخل يده أو رجله في الإناء لا يسمى ولوغًا ولا يجري فيه حكمه؛ لأنه لا يقال: (ولغ) في شيء من جوارحه سوى لسانه، كما قال المطرز، لكن قال ابن جني في «شرح المتنبي»: أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا.
وأما حديث أبي هريرة الثاني فأخرجه البخاري في عدة مواضع: في الشرب (٢)، والمظالم (٣)، والأدب (٤). وأخرجه مسلم أيضًا (٥).
--------------------
(١) انظر: «الإعلام» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٩.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٦٣) باب: فضل سقي الماء.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٦٦) باب: الآبار على الطرق إذا لم يُتأذَّ بها.
(٤) سيأتي برقم (٦٠٠٩) باب: رحمة النَّاس والبهائم.
(٥) مسلم (٢٢٤٤) كتاب: السلام، باب: فضل المحترمة البهائم المحترمة وإطعامها.
وأخرجه أبو داود في الجهاد من طريق مالك، عن سُمي، عن أبي صالح (١).
وأخرجه البخاري أيضًا من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة أن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت مُوقها فُغفر لها (٢). وفي رواية «بغي من بغايا بني إسرائيل» ذكره في ذكر بني إسرائيل (٣)، وفي بعض طرق الخبر زيادة: قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قَالَ: «في كل كبدة رطبةٍ (٤) - وفي رواية: حرى- أجر» (٥).
ثانيها:
هذا الحديث اشتهر عن أبي هريرة، وعن أبي صالح عنه، واشتهر عن عبد الصمد بن عبد الوارث، فرواه عنه جماعات منهم إسحاق هذا، واختلف فيه فقال أبو نعيم الأصبهاني: هو ابن منصور الكوسج.
وأما الكلاباذي والجياني (٦) فذكرا أن إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد (٧).
---------------------
(١) «سنن أبي داود» (٢٥٥٠).
(٢) لم أجده في البخاري بهذا اللفظ، وإنما هذا لفظ مسلم رواه برقم (٢٢٤٥/ ١٥٤) عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأما حديث ابن سيرين عند البخاري يأتي برقم (٣٣٢١) بغير هذا اللفظ.
(٣) سيأتي برقم (٣٤٦٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) سيأتي برقم (٢٣٦٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء.
(٥) رواه ابن ماجه (٣٦٨٦)، وأحمد ٢/ ٢٢٢.
(٦) انظر: «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٧ وعزا هذا القول لأبي نصر الكلاباذي.
(٧) ورد بهامش الأصل: سنة ٢٢٩ قاله في «الكاشف».

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|