عرض مشاركة واحدة
  #92  
قديم 23-01-2026, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,886
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 167 الى صـــ 186
الحلقة (92)






واحد. أي: قد أركست في النجاسة بعد الطهارة، وقد جاء الرجس بمعنى الإثم والكفر والشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقيل: نحوه في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: يطهركم من جميع هذِه الخبائث.
وقد تجيء بمعنى العذاب والعمل الذي يوجبه كقوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠]، وقيل: بمعنى اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقال ابن التين: الرجس، والركس في هذا الحديث قيل: النجس. وقيل: القذر.
وقال الخطابي: معنى الركس: الرجيع؛ أي: قد رد من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: ردُّوا إلى الركس والعذاب (١)، ومنه: ارتكس فلان.
وقال ابن بطال: يمكن أن يكون معنى ركس: رجس. قَالَ: ولم أجد لأهل اللغة شرح هذِه الكلمة، والنبي - ﷺ - أعلم الأمة باللغة (٢). وقال الداودي: يحتمل أن يريد بالرجس: النجس، ويحتمل أن يريد: لأنها طعام الجن.
الثالث: قد يستدل به من يقول: الواجب في الاستنجاء الإنقاء حتَّى لو حصل بحجر أجزأ، وهو قول مالك وداود، ووجهٌ للشافعية وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب، وبه قَالَ أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء، ومذهب الشافعي أن الواجب ثلاث مسحات وإن حصل

------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٥٠.
(٢) «صحيح البخاري بشرح ابن بطال» ١/ ٢٤٨.



الانقاء بدونها، وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه يجوز أن يكون وجد ماءً أو كان أحد الحجرين له أحرف كما قاله الخطابي (١).
وأحسن منهما بأنه جاء في «سنن الدارقطني»: لما ألقى الروثة قَالَ: «ائتني بحجر» يعني ثالثًا. وفي رواية: «ائتني بغيره» (٢) لكن رواهما من حديث أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله به، ثمَّ قَالَ: وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة.
قُلْتُ: وقد أسلفنا من عند الكرابيسي التصريح بسماع أبي إسحاق منه.
وقال ابن القصار: إنه روي في بعض الآثار التي لا تصح أنه أتاه بثالث، ولعله لمح كلام الدارقطني ثمَّ قَالَ: وأي الأمرين كان، فالاستدلال لنا به صحيح؛ لأنه اقتصر للموضعين عَلَى ثلاثة أحجار فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة؛ لأنه لم يقتصر عَلَى الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر، ورده ابن حزم بأن قَالَ: هذا باطل؛ لأن النص ورد في الاستنجاء، ومسح البول لا يسمى استنجاء (٣)، وفيما قاله نظر (٤).

-----------------
(١) انظر: «الحاوي» ١/ ١٧١، «المغني» ١/ ٢٠٩، «الاختيار لتعليل المختار» ١/ ٤٨، «الذخيرة» ١/ ٢١٠.
(٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٥ (٥).
(٣) «المحلى» ١/ ٩٧.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الحادي بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له.



٢٢ - باب الوُضوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطًاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً. [فتح:١/ ٢٥٨]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً.
هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن الأربعة (١).
قَالَ الترمذي عقب إخراجه: وفي الباب عن عمر (ق) وجابر (م) وبريدة وأبي رافع وابن العالية (٢). قُلْتُ: وأُبي (ق) بن كعب وحديث ابن عباس أحسن شيء في الباب.
قُلْتُ: لا جرم اقتصر عليه البخاري.
قَالَ: وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا به، وليس بشيء.
والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد، عن زيد، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه عن سفيان جماعات غير شيخ البخاري منهم وكيع.

-------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٣٨)، «سنن الترمذي» (٤٢)، «سنن النسائي» ١/ ٦٢، «سنن ابن ماجه» (٤١١). وقال أبو عيسى: حديث ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٧): صحيح على شرط البخاري.
(٢) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط المصنف في الهامش: أخرج حديث أبي رافع الدارقطني، وحديث ابن العالية -واسمه محبرة أبو القاسم البغوي.



ونبه الدارقطني أيضًا على أن ابن لهيعة ورشدين بن سعد روياه عن الضحاك أيضًا كما سلف، وأن عبد الله بن سنان خالفه فرواه عن زيد، عن عبد الله بن عمر قَالَ: وكلاهما وهم، والصواب: زيد، عن عطاء، عن ابن عباس.
وفي «مسند البزار» ما أتى هذا إلا من الضحاك، وقد أغفل في سنده قصد الصواب (١).
ورجاله سلف التعريف بهم. وفقهه سلف أول الوضوء.
و(سفيان) هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره، وقد سلف أيضًا.
واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية وهو لائح؛ لأنه إذا غسل وجهه مرة لا يبقى معه من الماء ما يخلل به. قَالَ: وفيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الوضوء ثلاث.

--------------------
(١) «مسند البزار» ١/ ٤١٥ - ٤١٦ (٢٩٢).


٢٣ - باب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [فتح: ١/ ٢٥٨]
حَدَّثنَا الحُسَيْنُ بْنُ عِيسى، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْن عَمْرٍو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
هذا الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (١) وقال: حسن غريب. قَالَ: وفي الباب عن جابر (ق). وأغفل حديث زيد.
والتعريف بهم سلف خلا عبد الله (ع) بن أبي بكر (٢) وهو ثقة حجة.
مات سنة خمس وثلاثين ومائة. ووالده سلف.

----------------
(١) «سنن أبي داود» (١٣٦)، «سنن الترمذي» (٤٣). وقال: هذا حديث حسن غريب. ورواه أحمد ٢/ ٢٨٨، وابن حبان في «صحيحه» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (١٩٠٤).
ورواه الحاكم في «مستدركه» ١/ ١٥٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٢٣١ (١٢٥): حسن صحيح.
(٢) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك: كان كثير الأحاديث، وكان رجل صدق.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: حديثه شفاء. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٥٤ (١١٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٣ (٨٦١)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٧ (٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤٩ (٣١٩٠).



ويونس (ع) بن محمد (١) هو أبو محمد المؤدب المعلم، مات بعد المائتين سنة سبع أو ثمانٍ أو غير ذَلِكَ.
وشيخ البخاري هو أبو علي الطائي القومسي البسطامي الدامغانى (٢). عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، ثقة من أئمة العربية. مات سنة سبع وأربعين ومائتين وهو من الأفراد، ليس في الصحيحين من اسمه الحسين بن عيسى غيره، وفي أبي داود وابن ماجه آخر حنفي كلوفي، أخو سليم القاري، ضعيف (٣).
وفقه سلف، وقد ذكر بعد بأبواب من حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أيضًا: أنه - ﷺ - غسل يديه مرتين ومضمض

------------------
(١) يونس بن محمد بن مسلم البغدادي: قال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن الخليل البرجلاني: حدثنا يونس بن محمد الصدوق.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٤١٠ (٣٥١٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٦ (١٠٣٣)، «الثقات» ٩/ ٢٨٩، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥٤٠ (٧١٨٤).
(٢) الحسين بن عيسى بن حمران الطائي أبو علي الخرساني القومسي البسطامي.
قال أبو حاتم: صدوق. قال الحاكم أبو عبد الله: من كبار المحدثين وثقاتهم، من أئمة أصحاب العربية.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩٣ (٢٨٩٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٠ (٢٧١)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٠ (١٣٢٨).
(٣) الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي: قال أبو زرعة: منكر الحديث. قال أبو حاتم: ليس بالقوي، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة.
قال أبو أحمد بن عدي: له من الحديث شيء قليل، عامة حديثه غرائب، وفي بعض حديثه مناكير. وقال ابن حجر: ضعيف.
انظر ترجمته في: «الجرح التعديل» ٣/ ٦٠ (٢٦٩)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٣ (١٣٢٩)، «التقريب» (١٣٤١).



واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وسيأتي (١).
واعترض بعض من شرح البخاري ممن عاصرته وتأخر بأن قَالَ: الحديث واحد فلا يحسن استدلال البخاري به في هذا الباب، قَالَ: اللهم، إلا لو قَالَ: إن بعض وضوئه كان مرتين وبعضه ثلاثًا كان حسنًا، هذا لفظه، وهو اعتراض ساقط إذ لا يمتنع تعدد القصة، كيف والطريق إلى عبد الله بن زيد مختلف.

------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.


٢٤ - باب الوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأْوُيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أنَهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٥٩]

١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةُ يُحَدِّثُ، عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: ألَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتّى يُصَلِّيَهَا». قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٧ - فتح ١/ ٢٦١]
حَدَثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه».


الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث رواه مسلم أيضًا (١) وأبو داود والنسائي في «سننهما» (٢)، وكرره البخاري بعد، وفي الصوم (٣).
ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف:
أما راويه عثمان فهو ثالث الخلفاء ذو النورين أبو عمرو عثمان (ع) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
أمه: أروى (بنت) (٤) عمة رسول - ﷺ -، وهو أصغر من النبي - ﷺ -.
روي له مائة حديث ونيف، وكثر المال في زمنه حتى أبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم.
ذبح صبرًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عن نيف وثمانين سنة، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وفي الترمذي: «لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان» (٥). وبويع له
بالخلافة بعد ثلاثة أيام من دفن عمر غرة المحرم سنة أربع وعشرين (٦).

-------------------
(١) مسلم (٢٢٦) كتاب: الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله.
(٢) «سنن أبي داود» (١٠٦)، «سنن النسائي» ١/ ٦٤، «الكبرى» ١/ ٨٢ (٩١).
(٣) سيأتي برقم (١٩٣٤) كتاب: الصوم، باب: سواك الرطب واليابس للصائم.
(٤) ورد بهامش (س): صوابه حذف (بنت).
(٥) «سنن الترمذي» (٣٦٩٨) كتاب: المناقب. وقال: هذا حديث غريب ليس إسناده بالقوي وهو منقطع؛ وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٢٩٢): ضعيف.
(٦) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٥٤، «معرفة الصحابة» ١/ ٥٨ - ٧٥، ٤/ ١٩٥٢، «الاستيعاب» ٣/ ١٥٥ - ١٦٥، «أسد الغابة» ٣/ ٥٨٤ - ٥٩٦.



وأما حمران فهو ابن أبان. وقيل: ابن أبّا. وقيل: أبي، مدني، قرشي مولاهم، كان من سبي عين التمر، وكان كاتب عثمان وحاجبه، وولي نيسابور زمن الحجاج، ذكره البخاري في «ضعفائه» واحتج به في «صحيحه». وكذا مسلم والباقون، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث لم أرهم يحتجون بحديثه. مات سنة خمس وسبعين. أغرمه الحجاج مائة ألف؛ لأجل الولاية السالفة ثم رد عليه ذَلِكَ بشفاعة عبد الملك (١).
وأما عطاء بن يزيد فهو ليثي تابعي سلف (٢).
وكذا ابن شهاب: تابعي، فهؤلاء ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض (٣).
الثالث: في ألفاظه:
معنى (أفرغ): قلب وصبَّ (٤)؛ لأجل الغسل.
و(الاستنثار): طلب دفع الماء؛ للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي: طرف الأنف. وقال الخطابي: هي الأنف (٥).
ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق، والصواب

--------------------
(١) حمران بن أبان، قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدثيهم: حمران بن أبان. وقال عمار بن الحسن الرازي، عن علوان: كان أول سبي دخل المدينة من قبل المشرق حمران بن أبان، وقال أبو سفيان الحميري، عن أيوب أبي العلاء، عن قتادة: إن حمران بن أبان كان يصلي مع عثمان بن عفان فإذا أخطأ فتح عليه.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٨٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ٨٠ (٢٨٧)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٠١ (١٤٩٦).
(٢) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٤٤).
(٣) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣).
(٤) «لسان العرب» ٦/ ٣٣٩٦.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ١٣٦.



الأول، ويدل (له) (١) حديث عثمان الآتي: ثم تمضمض واستنشق واستنثر؛ فجمع بينهما وذلك يقتضي التغاير، ومنهم من قَالَ: سُمِّي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره.
فرع:
يكون الاستنثار باليسرى.
و(المَرْفِق): بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان، والمراد به: موصل الذراع في العضد (٢).
الرابع: في أحكامه:
وهي نيف وعشرون:
أولها: جواز الاستعانة في إحضار الماء وهو إجماع من غير كراهة.
ثانيها: الإفراغ على اليدين معًا، وجاء في رواية أخرى: أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما (٣). وهو قدر مشترك بين غسلهما معًا مجموعتين أو متفرقتين، والفقهاء اختلفوا في أيهما أفضل.
فرع: لم يذكر في هذا الحديث التسمية، وقد سلف ما فيها في بابها (٤).
ثالثها: التثليث في غسل الكفين، وهو إجماع.
رابعها: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء.

-------------------
(١) في (ج): عليه.
(٢) «لسان العرب» ٣/ ١٦٩٥، مادة: (رفق).
(٣) رواه أبو داود (١٠٩). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٧): إسناده حسن صحيح.
(٤) سلف برقم (١٤١) كتاب: الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع.



خامسها: جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف.
سادسها: الترتيب بين غسل اليدين والمضمضمة؛ لأجل الفاء المقتضية للتعقيب، والأصح عند أصحابنا أن ذَلِكَ على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضًا، وعبَّر الماوردي عن الخلاف بأن في وجوب الترتيب في المسنونات وجهين (١).
سابعها: المضمضة أصلها مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينه: إذا تحرك، واستعمل في المضمضمة؛ لتحريك الماء في الفم، والأصح عند أصحابنا أنه لا يشترط الإدارة ولا المج، ومن اشترط المج جرى على الأغلب، فإن العادة عدم ابتلاعه.
ثامنها: لم يذكر في هذِه الرواية الاستنشاق وذكرها بعد ذَلِكَ كما أسلفناه، وسيأتي.
وجمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء.
تاسعها: غسل الوجه، وأصله من المواجهة، وحده (ما بين) (٢) منابت رأسه غالبًا ومنتهى لَحْيَيْهِ (٣) وما بين أذنيه، وتفصيل القول في ذَلِكَ محله كتب الفروع، وقد (بسطناه) (٤) فيها.
العاشر: تثليث غسل الوجه، والإجماع قائم على سنيته.
الحادي عشر: (ثم) هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وهما

----------------------
(١) «الحاوي» ١/ ١٣٨.
(٢) في (ج): من.
(٣) في (ج): لحيته.
(٤) في (ج): بسطتها.



المضمضة وغسل الوجه، وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون كما سلف، وهو مذهب مالك.
واختلف أصحاب مالك في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب -وهو المشهور عندهم-، والاستحباب.
ومذهب الشافعية وجوبه، وخالف المزني فقال: لا يجب، واختاره ابن المنذر والبندنيجي (١)، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء، وحكاه الدزماري (٢) قولًا عن القديم وعزاه إلى صاحب «التقريب». قَالَ إمام الحرمين: لم ينقل أحد قط أنه - ﷺ - نكس وضوءه فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب (٣).

-----------------------
(١) هو الحافظ مفيد بغداد أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد بن كرم البندنيجي ثم البغدادي الأزجي المعدل، أخو المحدث تميم. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسمع من ابن الزاغوني، وأبي الوقت، وأبي محمد بن المادح وكتب العالي والنازل، وبالغ من غير إتقان. روى عنه ابن الدُّبيثي، وابن النجار، والزكي البرزالي، وآخرون. وله عناية بالأسماء، ونظرٌ في العربية، وكان فصيحًا طيب القراءة. مات شيخًا في رمضان سنة خمس عشرة وستمائة.
انظر ترجمته في: «التكملة لوفيات النقلة» ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣ (١٦٢٢)، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٦٤ - ٦٥ (٤٨)، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (٢٦٩٢)، «شذرات الذهب» ٥/ ٦٢.
(٢) أحمد بن كشاسب بن علي بن أحمد الإمام كمال الدين أبو العباس الدزماري، الفقيه الشافعي كان فقيهًا صالحًا، كثير الحج والخير، له من المؤلفات: «النكت على التنبيه»، «الفروق». توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
انظر ترجمته في: «الوافي بالوفيات» ٧/ ٢٩٩، «طبقات الشافعية، للإسنوي ١/ ٣١٥ - ٣١٦ (٢٨٩)،»معجم المؤلفين«٢/ ٣١.
(٣) انظر:»مختصر اختلاف العلماء«١/ ١٥٣،»الإفصاح«١/ ١٠٥ - ١٠٦،»عيون المجالس«١/ ١١١ - ١١٢،»التحقيق«١/ ٢٧١ - ٢٨٠،»البيان«١/ ١٣٥ - ١٣٦،»المغني«١/ ١٨٩ - ١٩٠،»الذخيرة" ١/ ٢٧٨ - ٢٨٥.



الثاني عشر: قد أسلفنا أن المراد بالمرفق هنا موصل الذراع في العضد، لكن اختلف قول الشافعي هل هو اسم لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين، وبنى على ذَلِكَ أنه لو سُل الذراع من العضد، هل يجب غسل رأس العضد أم مستحب؟ وفيه قولان: أشهرهما وجوبه.
الثالث عشر: اختلف العلماء في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهبت الأئمة الأربعة كما عزاه ابن هُبَيْرَةَ إليهم (١) والجمهور إلى الوجوب، وذهب زُفر وأبو بكر بن داود إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب، عن مالك، وزَّيفه القاضي عبد الوهاب (٢).
ومنشأ الخلاف أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، وقد ترد بمعنى: (مع)، والأول هو المشهور، فمن قَالَ به لم يوجب إدخالهما في الغَسْلِ، ومن قَالَ بالثاني أوجب، لكن يلزم من قَالَ بالأول الوجوب، لا من هذِه الحيثية بل من حيث أْن السنة بينته.
وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا، فإن كانت من الجنس دخلت كما في الوضوء وإن كان من غيره لم يدخل كما في آية الصوم.
ومنهم من قَالَ: إن كانت الغاية لإخراج ما دخل فيها لم يخرج، فإن اسم اليد يطلق عليها إلى المنكب؛ حتى قَالَ أصحابنا: لو طالت أظافيره ولم يغسلها وجب غسلها قطعًا؛ لاتصالها باليد ودخولها فيه، وكذلك لو نبت في محل الفرض يد أخرى أو سلعة وجب غسلها (٣).

---------------------
(١) انظر: «الإفصاح» ١/ ١١٢.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١١٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٤.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٥٣.



فلو لم ترد هذِه الغاية لوجب غَسلٌ إلى المنكب، فلما دخلت أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين، وانتهى الإخراج إلى المرفقين فدخلا في الغسل.
الرابع عشر: تثليث غسل اليدين، والإجماع قائم على أنه سنة.
الخامس عشر: ظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعره.
ومشهور مذهب مالك وأحمد: أن الواجب مسح الجميع. ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب ربع الرأس. وقد أوضحت مدرك الخلاف في «شرحي للعمدة» فراجعه منه (١).
فرع: لم يذكر في الحديث هنا تثليث المسح، وقد ذكرت فيه حديثًا في أول الوضوء، والمسألة خلافية أيضًا، والمشهور عن الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافًا للأئمة الثلاثة (٢).
السادس عشر: فيه التصريح بغسل الرجلين، وفيه رد على من أوجب المسح.
السابع عشر: استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعضهم لا يراه، وعلقه بالإنقاء، والنص يرده.
الثامن عشر: إنما قَالَ - ﷺ -: «نحو وضوئي». ولم يقل: مثله؛ لأن حقيقة مماثلته - ﷺ - لا يقدر عليها غيره، كذا قاله النووي في

-------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٣٧ - ٣٤٤.
(٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.



«شرح مسلم» (١).
لكن صح لفظة «مثل» أيضًا، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من «صحيحه» كما سيأتي (٢).
التاسع عشر: فيه استحباب ركعتين بعد الوضوء، ويفعل في كل وقت حتى وقت النهي عند الشافعية، خلافًا للمالكية قالوا: وليست هذِه من السنن.
قالوا: وحديث بلال في البخاري: أنه كان متى توضأ صلَّى (٣).
وقال: إنه أرجى عمل له يجوز أن يخصّ بغير وقت النهي (٤).
فرع: هل تحصل هذِه الفضيلة بركعة؟
الظاهر المنع، وفي جريان الخلاف فيه في التحية ونظائره نظر.
العشرون: الثواب الموعود به مرتب على أمرين:
الأول: وضوؤه على النحو المذكور.
والثاني: صلاته ركعتين عقبه، بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور.

--------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٠٨.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٣٣) كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ..).
(٣) سيأتي برقم (١١٤٩) أبواب التهجد، باب: فضل الطهور بالليل والنهار.
(٤) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.



الحادي بعد العشرين: إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، ثم حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره. ولفظ الحديث بقوله: «لا يحدث» فإنه يشهد له بتكسبٍ وتَفعُّلٍ لحديث النفس؛ لأن الخواطر ليست من جنس مقدور العبد معفو عنها؛ فمن حصل له ذَلِكَ العمل حصل له ذَلِكَ الثواب، ومن لا فلا، ولا يكون ذَلِكَ من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه.
نعم، لابد أن تكون الحالة المرتب عليها الثواب المخصوص ممكنة الحصول، وهي التجرد عن شواغل الدنيا، وغلبة ذكر الله تعالى على القلب وتعميره به، وذلك حاصل لأهل العناية ومحكي عنهم. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن ما يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون ذَلِكَ صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأنه - ﷺ - إنما ضمن الغفران لمراعي ذَلِكَ؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس.
وإنما حصلت له هذِه المرتبة؛ لمجاهدته نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاد وتفريغه قلبه (١).
ولم يرتض النووي في «شرح مسلم» هذا بل قَالَ: الصواب حصول هذِه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة (٢).

-------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٥١ - ٣٥٣.
(٢) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٠٨.



الثاني بعد العشرين: حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط، فقد جاء في رواية خارج «الصحيح»: «لا يحدِّث فيها نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استجيب له» ذكرها الحكيم الترمذي في كتاب «الصلاة» تأليفه (١).
الثالث بعد العشرين: المراد بالغفران: الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر تكفر بالتوبة وفضل الكريم واسع وعطاؤه غير نافد (٢).

--------------------
(١) انظر: «الصلاة ومقاصدها» ص ٧٧.
(٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.
قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٦٠٣ - ٦٠٥ الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.
وفي السنن عن النبي (أنه قال: «إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تُسعها، إلا عُشرها».
ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي (أنه قال: «أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله». وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.
وأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة فقد قال طائفة منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي (قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم». وقد صح عن النبي (الصلاة مع الوسواس مطلقًا. ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيحين من =



قَالَ البخاري رحمه الله:
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ. فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا». قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩].
الكلام على ذَلِكَ من أوجه
أحدها:
هذا الحديث علقه البخاري كما ترى، وأسنده مسلم عن زُهير (١)،

-----------------
= حديث عثمان - رضي الله عنه -، عن النبي (أنه قال: «إن من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه». وكذلك في الصحيح أنه قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه، وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه».
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - رضي الله عنه -: في ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله (حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق. وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها. وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه وقام الناس، وهو في الصلاة لم يشعر. وكان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - يسجد. فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة؟
فقال: أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنة فيّ أحبُّ إلي وأمثال هذا متعدد.
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٢٧) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.



ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي عن صالح به. قَالَ أبو نعيم الحافظ: لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقب لحديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع.
ثانيها:
إبراهيم هذا هو ابن سعد السالف، وباقي رواته سلف التعريف بهم خلا (١) عروة، وهو أبو عبد الله عروة (ع) بن الزبير القرشي الأسدي المدني (٢) روى عن أبويه، وخالته، وعلي، وخلائق. وعنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، ويحيى، ومحمد، والزهري وخلق.
قَالَ ابن سعد: كان فقيهًا عالمًا كثير الحديث ثبتًا مأمونًا. قَالَ هشام: صام أبي الدهر، ومات وهو صائم. مات قبيل المائة أو إحدى ومائة. قَالَ يحيى بن معين: استصغر يوم الجمل.
ثالثها:
من صالح إلى عثمان كلهم تابعيون مدنيون، وهو من طُرف الإسناد، وفيه طُرفهٌ أخرى وهي رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سنًّا من الزهري كما سلف.
رابعها: في ألفاظه:
قوله: (آية) هو بالياء ومد الألف. أي: لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه لما كنت حريصًا على تحديثكم. ووقع

----------------------
(١) ورد بهامش (ص): سلفت ترجمة عروة في أول الكلام على الحديث الثاني من أحاديث هذا الكتاب.
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٧٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١ (١٣٨)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١١ (٣٩٠٥)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٢١ (١٦٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]