عرض مشاركة واحدة
  #90  
قديم 23-01-2026, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 127 الى صـــ 146
الحلقة (90)






ومن طُرف هذا الإسناد أنهم كلهم بصريون، وكلهم من فرسان الصحيحين وباقي الستة إلا عطاء (فلم) (١) يخرج له الترمذي.
الثاني: في بيان ألفاظه:
(الغلام) هو الذي طرَّ شاربه. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب، وقد أوضحته بمتعلقاته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه.
و(الإداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة (٣) ونحوها، والجمع: أداوى، قَالَ الجوهري: الإداوة: المِطْهَرَة، والجمع: الأداوى (٤).
و(الحاجة) هنا: الغائط أو البول. وهذا الغلام من الأنصار كما سيأتي (٥).
الثالث: في فوائده:
الأولى: خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك (٦)، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة.
الثانية: استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إِذَا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا فيحصل الشرف لهم بذلك.

-------------------
= انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦٩ (٣٠١٢)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١١٧ (٣٩٤٢)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٥.
(١) في (ج): فإنه لم.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٧٥.
(٣) «لسان العرب» ٤/ ٢٠٠٦. مادة: (أدا).
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢٢٦٦.
(٥) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء.
(٦) خدمة الصالحين مندوبة، أما التبرك بذلك فهو من خصوصية النبي - ﷺ - حال حياته دون موته، وسيأتي الكلام على ذلك باستفاضة في تعليقنا على حديث (١٩٤).



وقد صرح الروياني (١) من أصحابنا بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير، ليخدم من يتعلم منه، وخالف صاحب «العدة» فقال: ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذَلِكَ هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله (٢)، وأوله النووي في «الروضة» فقال: هذا محمول عَلَى خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان محتقرًا لا يقابل بها فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه، إِذَا لم يضر بالصبي (٣).
وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إِذَا انتفت المصلحة، أما إِذَا وجدت كما لو قَالَ لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا؛ ليتمرن عَلَى التواضع ومكارم الأخلاق فلا منع منه، وهو حسن بالغ (٤).
الثالثة: التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذَلِكَ من فعله - ﷺ -.
الرابعة: جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.
الخامسة: جواز الاستنجاء بالماء كما ترجم عليه البخاري (٥).
واعترضه الأصيلي فقال: استدلاله به ليس بالبين؛ لأن قوله: (يستنجي به) ليس من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، (لم يذكر يستنجي به، كما

------------------
(١) تقدمت ترجمته في حديث رقم (١).
(٢) انظر «أسنى المطالب» ٢/ ٣٢٥، «الفتاوى الهندية» ٤/ ٣٧٢، و«مغني المحتاج» ٢/ ٢٦٥.
(٣) «روضة الطالبين» ٤/ ٤٢٦.
(٤) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٥) سيأتي برقم (١٥٠) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء.



سيأتي (١)، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة (٢): قد تابع أبا الوليد النضر وشاذان، عن شعبة) (٣) وقالا: يستنجى بالماء.
قَالَ: وتواترت الآثار عن أبي هريرة (٤) وأسامة وغيرهما من الصحابة عَلَى الحجارة (٥). وقال ابن التين في «شرحه» مثله، وزاد عن أبي

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: من حمل معه الماء لطهوره.
(٢) المهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المربي مصنف «شرح صحيح البخاري». وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء. أخذ عن أبي محمد الأصيلي، وفي الرحلة عن أبي الحسن القابسي، وأبي الحسن علي بن بندار القزويني، وأبي ذر الحافظ.
روى عنه أبو عمر بن الحذاء، ووصفه بقوة الفهم وبراعة الذهن. وحدث عنه أيضًا أبو عبد الله بن عابد وحاتم بن محمد.
ولي قضاء المرية، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٧٩ (٣٨٤)، «الوافي بالوفيات» ٢٦/ ١٨٧، «كشف الظنون» ١/ ٥٤٥، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، «معجم المؤلفين» ٣/ ٩٢٧، «شجرة النور الزكية» ١/ ١١٤ (٣١١).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٤) حديث أبي هريرة: رواه أبو داود (٨)، والنسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ١/ ٣٤٣ (٨٤٦). قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٦): إسناده حسن، وقال في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٢): حسن صحيح. وحديث أسامة لم أقف عليه.
(٥) وغيرهم مثل:
سلمان: رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
وعائشة: رواه أبو داود (٤٠)، والنسائي ١/ ٤١ - ٤٢، وأحمد ٦/ ١٠٨، والدارمي ١/ ٥٣٠ - ٥٣١ (٦٩٧)، والدارقطني ١/ ٥٤، والبيهقي ١/ ١٠٣، قال الدارقطني: إسناده صحيح. وقال النووي في «المجموع» ٢/ ٩٣. صحيح وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حديث حسن، وخزيمة بن ثابت: =



عبد الملك أنه قول أبي معاذ الراوي، عن أنس. قَالَ: وذلك لأنه لم يصح أنه - ﷺ - استنجى بالماء.
وكذا نُقل عن أحمد أنه لم يصح به حديث؛ وأقول: قد ذكر البخاري من غير طريق أبي الوليد: (يستنجي بالماء) كما سيأتي بعد من طريق غندر (١) والنضر (٢) وشاذان (٣).
وذكره أيضًا في باب غسل البول من غير طريقه بلفظ: كان - ﷺ - إِذَا تبرز لحاجته أتيته بماء فتغسَّل به (٤).
وسيأتي في لفظ لمسلم: دخل حائطًا وتبعه غلام معه ميضأة فوضعها عند رأسه، فقضى رسول الله - ﷺ -، فخرج علينا وقد استنجى بالماء (٥).
وسلف قريبًا حديث ابن عباس في وضعه الماء له ودعائه - ﷺ - له (٦)، وترجم عليه: وضع الماء عند الخلاء. وذكرنا هناك جملة من الأحاديث الصحيحة فيه.
وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى

--------------------
= رواه أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد ٥/ ٢١٣ - ٢١٥. قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣٢): حديث حسن أو صحيح، وهذِه الأحاديث كلها على أن الاستنجاء بثلاثة أحجار.
(١) متابعة غندر ستأتي برقم (١٥٢) كتاب: الوضوء، باب: حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء.
(٢) متابعة النضر رواها النسائي ١/ ٤٢.
(٣) متابعة شاذان ستأتي برقم (٥٠٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى العنزة.
(٤) سيأتي برقم (٢١٧) كتاب: الوضوء، باب: ما جاء في غسل البول.
(٥) «صحيح مسلم» (٢٧٠) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز، من حديث أنس.
(٦) سبق برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء.



بها، ومسح يده بالتراب (١).
وفي «صحيح مسلم» لما عد الفطرة عشرة عد منها انتقاص الماء (٢)، وفُسِّر بالاستنجاء. وزعم ابن بطال أن حذيفة بن اليمان (٣) وسعيد بن المسيب (٤) كرها الاستنجاء بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء بالأحجار، والأنصار بالماء (٥).
وفي «المصنف» أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، والحسن بن أبي الحسن، وعطاء؛ شيء من ذَلِكَ، والإجماع قاضٍ على قولهم، وكذا امتنان البارئ ﷻ في كتابه بالتطهير به؛ ولأنه أبلغ في إزالة العين (٦).

---------------------
(١) انظر: «صحيح خزيمة» ١/ ٤٧ (٨٩) كتاب: الوضوء، باب: جماع أبواب الاستنجاء بالماء.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٦١) كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٧).
(٥) «شرح ابن بطال»١/ ٢٤١.
(٦) الآثار عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومجمع بن يزيد وعروة بن الزبير والحسن بن أبي الحسن وعطاء إلى «المصنف» خطأ لأنني لم أقف عليها في المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»، وما وقفت عليه هو أثر عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٤١).
أمَّا غير ذلك مما ذكره المصنف فلا. والذي وقفت عليه أن بطال نقل في «شرحه على الصحيح» ١/ ٢٤١ أن المهاجرين كانوا يستنجون بالأحجار، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وسعيد بن المسيب وقال: إنما ذلك وضوء النساء. وكان الحسن لا يغسل بالماء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. أهـ.



وفي «شرح الموطأ» لابن حبيب: حَدَّثنَا أسد بن موسى وغيره عن السدي بن يحيى، عن أبان بن أبي عياش أنه - ﷺ - قَالَ؟ «استنجوا بالماء، فإنه أطهر وأطيب»، وأبان هذا متروك.
وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سُئِلَ عن الاستنجاء بالماء أنه وضوء النساء (١)، وأنه لعل ذَلِكَ في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره بهذِه الصيغة لتمنعه من الغلو، وحمله ابن نافع (٢) عَلَى أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، حكاه الباجي عنه (٣).

----------------
(١) رواه مالك في «موطئه» ص ٤٧ برواية يحيى.
(٢) هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، حديثه مخرج في الكتب الستة سوى «صحيح البخاري»، وهو من موالي بني مخزوم، ولد سنة نيف وعشرين ومائة.
حدَّث عن: محمد بن عبد الله بن حسن الذي قام بالمدينة وقُتِل، وأسامة بن زيد الليثي، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وسليمان بن يزيد الكعبي صاحب أنس، وكثير بن عبد الله بن عوف، وداود بن قيس الفراء، وخلق سواهم.
حدَّث عنه: محمد بن عبد الله بن نمير، وأحمد بن صالح، وسحنون بن سعيد، وسلمة بن شبيب، والحسن بن علي الخلال، وغيرهم. وليس هو بالمتوسع في الحديث جدًّا، بل كان بارعًا في الفقه. وثقه ابن معين، وقال البخاري: يعرف حفظه وينكر وكتابه أصح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب. وقال ابن سعد: كان قد لزم مالكًا لزومًا شديدًا. ثم قال: وهو دون معن، قال: وتوفي في شهر رمضان سنة ست ومائتين.
انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٣٨، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٣ (٦٨٧) وفيه (الصانع) بدل (الصائغ)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨٣ - ١٨٤ (٨٥٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٧١ - ٣٧٤ (٩٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥، «شجرة النور الزكية» ١/ ٥٥ (٤).
(٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٣.



قَالَ القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء، معناه: أن الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر. قَالَ الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم؛ فلهذا كره الاستنجاء به سعيد وموافقوه؛ وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة (١).
وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء (٢).
وحكاه القاضي أبو الطيب (٣)، عن الزيدية والشيعة (٤)، وغيرهما،

-------------------
(١) انظر: «معالم السنن» ١/ ٢٥.
(٢) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣، «المنتقى» ١/ ٧٣.
(٣) الإمام العلامة، شيخ الإسلام، القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبري الشافعي، فقيه بغداد. ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بآمل.
سمع من أبي أحمد بن الغطريف، والدارقطني، وموسى بن عرفة، وعلي بن عمر السُكري، والمعافي الحريري، واستوطن بغداد، ودرس وأفتى وأفاد، وولي قضاء رُبع الكرخ بعد القاضي الصيمري.
قال الخطيب: كان شيخنا أبو الطيب ورعًا، عاقلًا، عارفًا بالأصول والفروع، محققًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلقت عنه الفقه سنين.
حدَّث عنه: الخطيب، وأبو إسحاق، وابن بكران، وأبو محمد بن الأبنوسي، وأحمد بن الحسن الشيرازي. قال الخطيب: مات صحيح العقل ثابت الفهم في ربغ الأول سنة خمسين وأربعمائة وله مائة وسنتان، رحمه الله. انظر: ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٣٥٨ - ٣٦٠، «الأنساب» ٨/ ٢٠٧، «المنتظم» ٨/ ١٩٨، «اللباب» ٢/ ٢٧٤، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٦٨ - ٦٧١ (٤٥٩)، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥.
(٤) الشيعة: لغة: هم أنصار الرجل وأتباعه وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو شيعة، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.
اصطلاحًا: الشيعة اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله - رضي الله عنهم - =



والسنة قاضية عليهم، استعمل الشارع وأبو هريرة الأحجار (وهو معه) (١) ومعه إداوة من ماء.
ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولًا ثمَّ يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار عَلَى أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها (٢).
الفائدة السادسة: اتخاذ آنية الوضوء كالإداوة ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف.

---------------------
- جميعًا -ورأى أن أهل البيت أحق بالخلافه، وأن خلافة غيرهم باطلة.
الزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي وهم من حيث اعتقادهم انقسموا إلى قسمين:
١ - المتقدمون منهم: المتبعون لأقوال زيد وهؤلاء لا يعدون من الرافضة، ويعترفون بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
٢ - المتأخرون منهم: وهؤلاء يعدون من الرافضة، وهم يرفضون إمامة الشيخين ويسبونهما ويكفرون من يرى خلافتهما. اهـ. وقد استقر الاصطلاح في العصر الحديث إلى أن المقصود بالشيعة هم الرافضة مطلقًا.
انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٦١، «تاج العروس» ٥/ ٤٠٥، «تاريخ المذاهب الإسلامية» ١/ ٥٢ لأبي زهرة، «فرق معاصرة تنتسب للإسلام» ١/ ٣٠٦، ٣٣٤، ٣٣٦ للدكتور/ غالب بن علي عواجي.
(١) من (س).
(٢) انظر: «الإعلام» ١/ ٤٨٧.



١٦ - باب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوسَادِ؟

١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أبي مُعَاذٍ -هُوَ عَطَاءُ بْنُ أبي مَيْمُونَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لَحِاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٥١]
(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوِسَادِ؟): يعني به عبد الله بن مسعود وأراد بذلك الثناء عليه والمدح له والشرف بخدمته -عليه السلام -.
قال البخاري: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ عَطَاء .. الحديث كما سلف إلى قوله (وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ ماءٍ).
وقد سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١)، إلا سليمان بن حرب، وقد أسلفنا ترجمته في الإيمان (٢). ومن طُرف إسناده أنهم كلهم بصريون.
وفي هذِه الرواية بيان أن الغلام من الأنصار؛ لقوله: (وغلام منَّا)، وكذا أخرجه الإسماعيلي في «صحيحه» قَالَ: وروي (فأتبعه) (٣) وأنا غلام. والصحيح: أنا وغلام.

---------------------
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: لعله (فاتبعته).



١٧ - باب حَفلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أبَى مَيمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الَخلَاءَ، فَأَحْمِلُ أنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالَمْاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ. العَنَزَةُ عَصَا عَلَيْهِ زُجٌّ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ا/ ٢٥٢]
حَدَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ.
هذا الحديث سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١).
ومحمد (ع) بن بشار سلف في الإيمان (٢)، ولقبه بندار؛ لأنه كان مكثرًا من الحديث، والبندار: (من) (٣) يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه ثم يبيعه، قاله أبو سعد السمعاني (٤).
و(محمد) (ع) بن جعفر هو غندر، وقد سلف (٥).
و(النضر) (ع) هو ابن شميل بن خرشة أبو الحسن المازني البصري الحافظ اللغوي عالم أهل مرو وقاضيها، كان أول من أظهر السنة بمرو بخراسان، ألف كتبًا لم يسبق إليها، روى عن شعبة وغيره، وعنه محمود بن غيلان وغيره. مات آخر سنة ثلاث أو أربع ومائتين، عن

---------------------
(١) انظر الحديث السابق برقم (١٥٠).
(٢) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٩).
(٣) في (ج): أن.
(٤) «الأنساب» ٢/ ٣١١.
(٥) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٣٤).



نيف وثمانين سنة (١).
و(شاذان) (ع) لقب الأسود بن عامر الشامي البغدادي أبو عبد الرحمن، روى عن شعبة وخلق. وعنه الدارمي وخلق. مات سنة ثماني ومائتين وقيل: سنة سبع (٢).
فائدة:
شاذان أيضًا لقب عبد العزيز بن عثمان بن جبلة الأزدي (٣) مولاهم المروزي، أخرج لَهُ البخاري والنسائي، وهو والد خلف بن شاذان (٤).
فائدة ثانية:
هذا الإسناد كلهم بصريون إلا شاذان فبغدادي.

--------------------
(١) سبقت ترجمته حديث رقم (٢٧).
(٢) الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: أسود بن عامر ثقة قلت: ثقة. وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: لا بأس به. قال أبو حاتم عن علي بن المديني: ثقة. قال محمد بن سعد: كان صالح الحديث.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٦، «التاريخ الكبير» ١/ ٤٤٨ (١٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٢٦ (٥٠٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ١١٢ (١٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٠.
(٣) تحرفت في الأصل إلى (الأودي)؛ يراجع «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢.
(٤) عبد العزيز بن عثمان بن جبلة بن أبي رؤاد الأزدي، أبو الفضل المروزي. ذكره أبو حاتم بن حبان في «الثقات»، وقال: مولده سنة خمس وأربعين ومائة ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين، وقيل: سنة خمس وعشرين ومئتين وقال أبو نصر الكلاباذي: ولد في المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة بعد عبدان بثلاث سنين، ومات في المحرم سنة تسع وعثرين ومائتين بعد عبدان بثمان سنين روى له البخاري والنسائي.
انظر: «الثقات» ٨/ ٣٩٥، «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢ (٣٤٦٣) «الكاشف» ١/ ٦٥٧ (٣٤٠٣)، «تقريب التهذيب» ص ٣٥٨ (٤١١٢).



وقوله: (تابعه النضر وشاذان، عن شعبة) يعني: على لفظ (يستنجي به) وهذِه المتابعة أخرجها (١).
و(العنزة) -بفتح العين والنون والزاي- عصا في أسلفها زج، وهل هي قصيرة أو طويلة فيه اضطراب لأهل اللغة، صحح الأول القاضي عياض (٢)، والثاني النووي في «شرحه» (٣)، وجزم القرطبي في باب: من قدم من سفر، بأنها عصا مثل نصف الرمح أو أكثر وفيها زج، ونقله عن أبي عبيد.
وفي «غريب ابن الجوزي»: أنها مثل الحربة (٤). قَالَ الثعالبي: فإن طالت شيئًا فهي النيزك ومطرد، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة.
وقال ابن التين: العنزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح، وعبارة الداودي: العنزة: العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها يكون في أسفلها زج أو قرن.
فائدة:
هذِه العنزة أهداها له النجاشي - رضي الله عنه -، وكان - ﷺ - يستصحبها معه ليصلي إليها في الفضاء، قيل: وليتقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حالة، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها.

----------------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق ما نصه: ينظر من له حديث المتابعة، أخرج متابعة النصر النسائي ومتابعة شاذان أخرجها البخاري في الصلاة.
(٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٩٢.
(٣) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ١٦٣.
(٤) «غريب الحديث» ٢/ ١٣٠.



وذكر بعض شراح «المصابيح» أن لها فوائد: دفع العدو، واتقاء السبع، ونبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة؛ خشية الرشاش، وتعليق الأمتعة بها، والتوكؤ عليها، والسترة بها في الصلاة، وفيها مآرب أخرى.
ويبعد أن يكون يستتر بها في قضاء الحاجة، وإن كان في تبويب البخاري ما قد يوهمه، فإن ضابط السترة ما يستر الأسافل (١).

----------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد الأحكام» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١.


١٨ - باب النَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِيِن
١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يحيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَاَ أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِه». [١٥٤، ٥٦٣٠ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٣]
حدثنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، ثنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يَحْييَ بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث قد ذكره بعد، وفي الأشربة أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) أيضًا وباقي الجماعة، وفي «صحيح ابن خزيمة» التصريح لإخبار ابن أبي قتادة عن أبيه، وصح اتصاله وارتفع توهم من توهم تدليس يحيى فيه (٣).
ثانيها: في التعريف برواته:
أما (أبو قتادة) فهو الحارث وقيل: النعمان وقيل: عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلِمة -بكسر اللام- السلَمي -بفتحها، ويجوز في لغة كسرها- المدني فارس

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٣٠) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن التنفس في الإناء.
(٢) مسلم (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين.
(٣) «سنن أبي داود» (٣)، «سنن الترمذي» (١٥)، «سنن النسائي» ١/ ٢٥، «سنن ابن ماجه» (٣١٠)، وانظر: «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٣ (٧٩).



رسول الله - ﷺ - شهد أحدًا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا. روي له مائة حديث وسبعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتففا عَلَى أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة وقيل: بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقول عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهذِه الكنية سواه (١).
وأما ولده عبد الله (ع) فهو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وسبعين (٢).
وأما (معاذ بن فضالة) فهو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره.
وعنه البخاري وغيره (٣). وباقي رجاله سلف التعريف به.
الوجه الثالث:
التنفس هنا خروج النفس من الفم يقال: تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، (وذوات) (٤) الماء لا رئات لها كما قاله الجوهري (٥).

------------------------
(١) انظر ترجمته في: «معجم ابن قانع» ١/ ١٦٩، «الاستيعاب» ١/ ٣٥٣ (٤١٤)، «أسد الغابة» ١/ ٣٩١ (٨٧٩)، «الإصابة» ٧/ ١٥٥.
(٢) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي أبو إبراهيم.
قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عدي: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢ (١٣٩)، «الثقات» ٥/ ٢٠، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٢٨٣، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٤٠ (٣٤٨٧).
(٣) معاذ بن فضالة الزهراني، ويقال: الطفاوي. ويقال: القرشي. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال أبو سعيد: توفي بعد سنة مائتين.
انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٦٦ (١٥٧٥)، «الثقات» ٩/ ١٧٧، «المنتظم» ٥/ ١٤٦، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٢٩ (٦٠٣٤).
(٤) كذا في الأصول، وفي «الصحاح»: (ودواب).
(٥) انظر: «الصحاح» ٣/ ٩٨٤.



و(التمسح): الاستنجاء.
الوجه الرابع: في فوائده:
وهو حديث جامع لآداب نبوية.
الفائدة الأولى: كراهة التنفس في الإناء.
ووجهه: ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من (الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغير بالريح، والنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف) (١) للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (فنقَّى) (٢) ما على القلب من هم وقذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما (في) (٣) القلب فيقع في الماء ثمَّ يشربه فقد يتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها (٤) فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن (٥).

----------------------
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢) كذا في (س) وفي (ج): فينقى.
(٣) في (ج): على.
(٤) ورد بها مش (س) تعليقًا: قوله: (فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها)، روى الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات، وفي أواخرها ثلاث تحميدات. ورجاله ثقات.
(٥) قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦: وأما النفخ في الشراب، فإنه يُكسِبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تُخالطه، ولهذا جمع رسولُ الله (بين النهي عن التنفس في الإناء =



الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث.
واختلف العلماء في أي هذِه الأنفاس الثلاثة أطول عَلَى قولين: أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها؛ ليجمع بين السنة والطب؛ لأنه إِذَا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث «مصوا الماء مصًّا ولا تعُبُّوه عبًّا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ» (١) (٢).

-------------------
= والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال:
نهى رسول الله (أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه.
فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصحيحين» من حديث أنس، أن رسول الله (كان يتنفسُ في الإناء ثلاثا؟ قيل: نقابله بالقبول والتسليم، ولا مُعارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثًا، وذكر الإناء لأنه آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم بن رسول الله (مات في الثدي، أي: في مدة الرضاع.
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: الذي وقفت عليه حديث: كان يمص الماء مصًّا ولا يعبه عبًّا. بلفظ الخبر عن الشارع لا أنه أمر (…) والطبراني (…) وابن منده (…) من حديثه (…) عرضًا وبه (…) من حديث (…) الشيخ من (…) اهـ.
(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ١١٥ (٦٠٠٩). وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٤٤٨. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٢٨): ضعيف.
قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣٢: وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه (على مجامعها بقوله: «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: أشد ريًا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يُبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضَا فإنه أسلمُ لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلة واحدة ونهلة واحدة.
وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يُقلع عنها ولما تُكسر =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج. وأيضًا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يُروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يُضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة.
وقوله: «وأمرأ»: هو أفعل من مري الطعام والشراب في بدنه؛ إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع؛ ومنه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المريء انحداره.
ومن آفات الشرب وهلة واحدة أنه يُخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك.
ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخاني الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب مرة واحدة، اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة، ولا يتهنأ الشارب بالماء، ولا يُمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبى - ﷺ -: «إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصًّا، ولا يعب عبًّا، فإنه من الكباد».
والكباد -بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا، لم يضاد حرارتها ولم يضعفها، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر، وهي تفور، لا يضرها صبه قليلًا قليلًا. وقد روى الترمذي في «جامعه» عنه - ﷺ -: «لا تشربوا نفسًا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم». =



الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ (١). وفي «جامع الترمذي» مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاه أراها في الإناء؟ فقال: «أهرقها». قَالَ: فإني لا أروى من نفس واحد. قَالَ: «فأبن القدح إذًا عن فيك» (٢).
وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه - ﷺ -: كان يتنفس في الشراب ثلاثًا (٣). فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه.
الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنًّا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إِذَا أنتم شربتم، واحمدوا إِذَا أنتم رفعتم» (٤).
الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها.

------------------
= وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثيره عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته.
قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حل.
(١) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٨٣.
(٢) «سنن الترمذي» (١٨٨٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٥٣٨).
(٣) سيأتي برقم (٥٦٣١) كتاب: الأشربة، باب: الشرب بنفسين أو ثلاث، ومسلم (٢٠٢٨) كتاب: الأشربة، باب: كراهية التنفس في نفس الإناء.
(٤) سنن الترمذي (١٨٨٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣٣).



وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط (١).
السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد، لاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا (٢).
والذي قاله بعض الشافعية كصاحب «المهذب» وغيره التحريم فقط (٣).
وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك.
فرع:
إِذَا استنجى بالماء صبه بيمنه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين.
فرع:
من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده؛ لأنه إِذَا نزهت اليمنى عن ذَلِكَ، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية «العتبية» في ذَلِكَ منكرة لا يحل ذكرها.
السابعة: فضل التيامن.

--------------------
(١) «المحلى» ٢/ ٧٧.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٤.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ١٢٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.05 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]