عرض مشاركة واحدة
  #87  
قديم 23-01-2026, 04:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 67 الى صـــ 86
الحلقة (87)



جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذَلِكَ، وإن خالف الأفضل، هذا مذهبنا.
وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبلها إلا من به -أو بدابته- عذر، فله أن يصليهما قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق، وحكى ابن التين عن «المدونة» أنه يعيد إِذَا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها.
وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء بعدها أبدًا، وبئس ما صنع.
وقيل: يعيد العشاء الآخرة فقط. وقال في «المعونة»: إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة، وتجزئه خلافًا لأبي حنيفة. قَالَ أشهب: وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع، وإن قضى الصلاتين قبل مغيبه، وخالفه ابن القاسم فقال: لا يجمع حتى يغيب.
السادسة: تنبيه المفضولِ الفاضلَ إِذَا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: الصلاة يا رسول الله.
السابعة: في قوله: (فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أن الوضوء عبادة وإن لم يصلِّ به -يعني: بالأول- نبه عليها الخطابي (١)، وقد قَالَ بعضهم: من

------------------------
(١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣٦.


توضأ ثمَّ أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس لَهُ ذَلِكَ، لأنه لم يوقع به عبادة، ويكون كمن زاد عَلَى ثلاث في وضوء واحد، وهو الأصح عند أصحابنا، ولا يسن تجديده إلا إِذَا صلى بالأول صلاة فرضًا كانت أو نفلًا.
الثامنة: ظاهر الحديث أنهم صلوا قبل حط رحالهم، وقد جاء مصرحًا به في رواية أخرى في «الصحيح» (١)، ووافق مالك في الأمر الخفيف، وقال في المحامل والزوامل: يبدأ بالصلاة قبلها.
وقال أشهب: له أن يحط رحله قبل أن يصلي، وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، ولا يتعشى بعدها وإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن طال فبعد العشاء أحب إليَّ.
التاسعة: ترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلب من قوله: ولم يصل بينهما. ولذلك قَالَ ابن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت (٢).
وقال غيره: لا دلالة فيه؛ لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك، ألا ترى أن بعضهم قَالَ: لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتَّى يجمعوا.
ومنهم من قَالَ: يحط بعد الأولى، مع ما في ترك الرواحل بأوقارها ما نهي عنه من تعذيبها، ولم يتابع ابن عمر عَلَى قوله، والفقهاء متفقون عَلَى اختيار التنفل في السفر.

-------------------------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٧٩) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة.
(٢) رواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصدها.
وابن ماجه (١٠٧١)، وعبد الرزاق ٢/ ٥٥٧ (٤٤٤٣)، وأبو يعلى ١٠/ ١٥٦ (٥٧٧٨)، وابن خزيمة ٢/ ٢٤٦ (١٢٥٧).



قَالَ ابن بطال: وقد تنفل رسول الله - ﷺ - (١) راجلًا وراكبًا (٢).
العاشرة: جواز التنفل بين صلاتي الجمع كذا استدل به القرطبي في «مفهمه» قَالَ: وهو قول ابن وهب قَالَ: وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه (٣).
قُلْتُ: وهو جائز عندنا في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم، والحديث ناصٌّ عَلَى أنه لم يصل بينهما، ولعل القرطبي أخذه. من إناخة البعير بينهما.
الحادية عشرة: الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبًا.
الثانية عشرة: نقل أفعاله والاعتناء بها ليتبع.
الثالثة عشرة: الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفًا وقطعًا لمادته قاله الداودي، وكأنه حمل الوضوء الأول فيه عَلَى الاستنجاء، وليس بجيد لما أسلفناه.
الرابعة عشرة: ترك إسباغ الوضوء عند البول إِذَا لم تجئ الصلاة قاله أيضًا، وفيه نظر أيضًا.
الخامسة عشرة: تخصيص العموم قاله الخطابي، وقد سلف ما فيه.
السادسة عشرة: قَالَ الخطابي أيضًا: فيه دلالة (أيضًا) (٤) عَلَى أنه

-----------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: لا يصح الاستدلال على ابن عمر من تنفل الشارع في السفر إلا إذا ثبت أن الذي تنفله راتبًا، وأما مطلق النفل فلا يمنع منه ابن عمر وهو قائل باستحبابه، لكن مما يستدل به على ابن عمر صلاته عليه السلام راتبة الصبح يوم الوادي وسنة الصبح يوم الفتح، ولعل ابن عمر لم يره -عليه السلام- تنفل في السفر، والله أعلم.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «المفهم» ٣/ ٣٩١، وجاء هذا القول عن ابن حبيب، وليس قول ابن وهب كما قال المصنف.
(٤) ساقطة من (ج).



لا يجوز أن يصليها الحاج إِذَا أفاض من عرفة حتَّى يبلغها ويجمع بينهما، ولو أجزأ غير ذَلِكَ لما أخرها - ﷺ - عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام (١). وفيما ذكره نظر أيضًا، فإنه إنما أخرها لأجل الجمع.
السابعة عشرة: قَالَ أيضًا: استدل به الشافعي عَلَى أن الفوائت لا يؤذن لها لكن يقام (٢)، وكأن وجهه أنها تشبه الفائتة، وإلا فإذا أخرها فهي أداء عَلَى الصواب، لأجل العذر المرخص.
الثامنة عشرة: قَالَ فيه أيضًا: إن يسير العمل إِذَا (تخلل) (٣) بين الصلاتين لا يقطع نظم الجمع بينهما، لما ذكر من إناخة كل واحد بعيره بينهما، ولكن لا يتكلم بين الصلاتين، وما ذكره ماشٍ عَلَى من يشترط الموالاة في جمع التأخير، والأصح عند أصحابنا خلافه.
التاسعة عشرة: قَالَ: في وضوئه الأول لغير الصلاة دلالة عَلَى أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يصل به، وكان - ﷺ - يقدم الطهارة إِذَا أوى إلى فراشه؛ ليكون مبيته عَلَى طهر (٤).
العشرون: قَالَ المهلب: فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد (٥). وقال غيره: المراد بالنسبة إلى الجمع (٦).

------------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) انظر: «البيان» ٥٩/ ١.
(٣) في (ج): تملك.
(٤) انظر: الفوائد السابقة في «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٥) كما في «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩.
(٦) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.



٧ - باب غَسْلِ الوَجهِ بِالْيَدَيْنِ مِن غَرفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الُخزَاعِيُّ مَنصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يتَوَضّأُ. [فتح ١/ ٢٤٠]
حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أنا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أنا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (١) بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بها (٢) وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ.

---------------------
(١) علم عليها الناسخ بإشارة نسخة، وكتب في الهامش: واستنثر.
(٢) علم عليها الناسخ أن في نسخة (بهما) وكتب (بها).



الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري منفردًا به عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وعطاء وزيد.
وأما سليمان بن بلال فهو أبو محمد مولى آل أبي بكر، روى عن عبد الله بن دينار وغيره. وعنه ابنه أيوب ولوين وغيرهما.
وكان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا متقنًا ثقة إمامًا، وولي خراج المدينة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقد سلف أيضًا في باب: أمور الإيمان (١).
وأما أبو سلمة منصور (خ. م. س) بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره. وعنه الصاغاني وغيره.
مات سنة سبع أو تسع ومائتين وقيل: سنة عشر (٢).
وأما محمد بن عبد الرحيم (خ. د. ت. س) فهو أبو يحيى الحافظ،

----------------------
(١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٩).
(٢) منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن صالح، أبو سلمة الخزاعي البغدادي.
قال أبو بكر الأعين: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو سلمة الخزاعي من متثبتي بغداد. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الدارقطني: أبو سلمة الخزاعي أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٤٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٨ (١٥٠٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٣ (٧٦٣)، «الثقات» ٩/ ١٧٢، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٣٠ - ٥٣٢ (٦١٩٤).



صاعقة؛ لقب بذلك لحفظه.
روى عن يزيد بن هارون، وروح، وطبقتهما.
وعنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن صاعد، والمحاملي، وخلق. وكان بزازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (١).
ثالثها:
هذا الحديث مما شاهده ابن عباس من رسول الله - ﷺ - وهي معدودة.
قَالَ الداودي: الذي صح مما سمع من النبي - ﷺ - اثنا عشر حديثًا، وحكى غيره، عن غندر عشرة أحاديث. وعن يحيى القطان، وأبي داود: تسعة.
ووقع في «المستصفى» للغزالي: أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث: «إنما الربا في النسيئة» (٢) وقال: حَدَّثَنِي به أسامة بن زيد، ولما روى حديث قطع التلبية حين رمى جمرة العقبة (٣) قَالَ: حَدَّثَنِي به أخي الفضل (٤).

-----------------------
(١) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير أبو يحيى القرشي العدوي.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، والنسائي: ثقة.
وقال ابن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة الأمين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان متقنا، ضابطًا عالمًا، حافظًا.
انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ٩ (٣٣)، «الثقات» ٩/ ١٣٢، «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥ - ٨ (٥٤١٧).
(٢) سيأتي برقم (٢١٧٨) كتاب: البيوع، باب: الدينار بالدينار نساءً.
(٣) سيأتي برقم (١٦٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير غداة النحر.
(٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.



رابعها: في ألفاظه:
معنى (أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى):. جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، فإنه أمكن في الغسل.
وقوله: (فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا) أي: صبه قليلًا قليلًا حتَّى صار غسلًا.
وقوله: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ): -يعني: اليسرى- هو بغين معجمة ثمَّ سين مهملة كذا رأيناه في الأصول، وقال ابن التين: رويناه بالعين غير معجمة، ولعله عد الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله؛ لأن الغسل هو الشرب الثاني: ثمَّ قَالَ: وقال الحسن: أراه (فعل) فسقطت السين.
قُلْتُ: وهذا كله غريب والصواب ما أسلفناه.
خامسها: في فوائده:
الأولى: الوضوء مرة، وهو إجماع كما أسلفناه في أوائل الوضوء، وشذ من قَالَ: فرض مغسول الوضوء التثليث، وهذِه القولة حكاها ابن التين هنا، وأسلفنا حكايتها عن غيره في الموضع المشار إليه.
الثانية: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة بغرفة، وهو أفضل من الفصل، وسيأتي في حديث عبد الله بن زيد أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة (١)، وهو الذي صحت به الأحاديث، وحديث الفصل أخرجه أبو داود في «سننه» (٢) ولا يصح.

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٩١).
(٢) انظر: «سنن أبي داود» (١٣٩)، والبيهقي ١/ ٥١ ونصُّه: دخلت -يعني: على النبي - ﷺ - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضه والاستنشاق، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٨): ضعيف.



الثالثة: البداية بالميامن، وهو سنة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثمَّ هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأذنان عَلَى الأصح عند الشافعية.
الرابعة: أخذ الماء للوجه باليد، وفي رواية للبخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد: ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا (١)، وفي رواية للبخاري: ثمَّ أدخل يديه بالتثنية (٢).
وهما وجهان للشافعية، وجمهورهم عَلَى الثاني.
وقال زاهر السرخسي: إنه يغرف بكفه اليمنى، ويضع ظهرها عَلَى بطن كفه اليسرى، ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له.
الخامسة: قَالَ ابن بطال فيه أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك والثوري، قَالَ: والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إِذَا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا ثمَّ يمره عَلَى كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين، وبرقم (١٩٢)، باب: مسح الرأس مرة. وبرقم (١٩٩)، باب: الوضوء من التور.
ومسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي - ﷺ -.
(٢) قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٢٩٤: وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال: ثم أدخل يديه، بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي. اهـ. وانظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٢٢.



الأعضاء كذلك، وفيما قاله نظر؛ لأن الماء يحكم لَهُ بالاستعمال بعد انفصاله، ومادام مترددًا عَلَى العضو لا يثبت لَهُ حكم الاستعمال (١).
تنبيه:
لم يذكر في هذا الحديث أخذ الماء للرأس؛ فقال بعضهم فيه: مسح الرأس بفضل الذراع. وفي «سنن أبي داود» أنه - ﷺ - مسح رأسه من فضل ماء كان في يده (٢). وهذا قول الأوزاعى، والحسن، وعروة، وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته. وأجازه ابن الماجشون في بلل اللحية إِذَا نفذ منه الماء. وقال القاضي عبد الوهاب: يشبه أن يكون قول مالك: لا يجزئه، عبارة عن شدة الكراهية (٣).

--------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) «سنن أبي داود» (١٣٠)، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ (٢١١)، والطبراني ٢٤/ ٢٦٨ (٦٧٩)، وفي «الأوسط» ٣/ ٣٥ - ٣٦ (٢٣٨٩) من حديث الرُّبيِّع، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا أبو داود. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢١): إسناده حسن.
(٣) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٦٢.



٨ - باب التَّسمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ
١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ». [٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦ - مسلم: ١٤٣٤ - فتح: ١/ ٢٤٢]
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثنَا جَرِير، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَه قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات عن علي بن المديني أيضًا (١)، وفي التوحيد عن قتيبة، عن جرير (٢)؛ وفي صفة إبليس عن موسى بن إسماعيل. عن همام، وعن آدم، عن شعبة (٣)، وفي النكاح عن سعد بن حفص، عن شيبان، كلهم عن جرير به (٤)، وقال في عقب حديث آدم: وثنا الأعمش (٥).

---------------------
(١) قلت: ما سيأتي في الدعوات برقم (٦٣٨٨) هو عن عثمان بن أبي شيبة، لا عن علي بن المديني، وكذا قال العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٢٤٩.
(٢) سيأتي برقم (٧٣٩٦) كتاب: التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله والاستعاذه بها.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٧١) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس، وبرقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس.
(٤) سيأتي برقم (٥١٦٥) كتاب: النكاح، باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله.
(٥) سيأتي برقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.



وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى، وغيره عن جرير، ومن طريق الثوري وغيره عن منصور (١). لم يرفعه الأعمش ورفعه منصور، وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي، روى عن ابن عباس وابن عمر، وأرسل عن عمر وعائشة. قَالَ أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه. وعنه منصور والأعمش، مات سنة مائة، وهو من الثقات لكنه يرسل ويدلس، وحديثه عن النعمان بن بشير، وعن جابر في البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر في البخاري، وعن علي في أبي داود والنسائي (٣).

--------------------
(١) مسلم (١٤٣٤) كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع.
(٢) أبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩).
(٣) سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي. روى عن أنس بن مالك، روى عنه ابنه الحسن بن سالم بن أبي الجعد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة والنسائي: ثقة.
وقال سفيان عن منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثًا منك؟ قال: لأنه كان يكتب.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير.
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٩١، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٠٧ (٢١٣٢)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٢ (٥٣٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٨١ (٧٨٥)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ١٣٠ - ١٣٣ (٢١٤٢).



وأما (منصور) فهو ابن المعتمر أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة.
روى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه شعبة والسفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١)، وقد سلف أيضًا في باب إثم من كذب عَلَى النبي - ﷺ -.
ثالثها:
هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرجا له، ورواته ما بين مكي ومدني وكوفي ورازي وبصري.
رابعها:
(ما) هنا بمعنى: شيء، فإنها تكون لمن يعقل إِذَا كانت بمعنى الشيءكما نبه عليه ابن التين.
ومعنى «لم يضره»: لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه جل وعز، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وأبعد من قَالَ إن المراد: لم يصرعه، وكذا قول من قَالَ: لم يطعن فيه عند ولادته.
واختار الشيخ تقي الدين (القشيري) (٢) في «شرح العمدة» أن المراد: لم يضره في بدنه، وإن كان يحتمل الدين أيضًا، لكن يبعده انتفاء العصمة (٣). وقال الداودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر.

-------------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٦ (١٤٩١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٧ - ١٧٩ (٧٧٨)، «الثقات» ٧/ ٤٧٣، «تهذيب الكمال» ٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥ (٦٢٠١)، «جامع التحصيل» (٨٠٢)، «شذرات الذهب» ١/ ١٨٩.
(٢) في (ج): الفربري، وهو خطأ.
(٣) «إحكام الأحكام» ص ٥٨١.



خامسها: في فوائده:
وهو مطابق لقول الله تعالى حاكيًا عن أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
الأولى: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع، واستحب الغزالي في «الإحياء» أن يقرأ بعد باسم الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، ويكبر ويهلل، ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللَّهُمَّ اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدًا يخرج من صلبي، قَالَ: وإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا (١).
الثانية: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه.
الثالثة: الحث عَلَى المحافظة عَلَى تسميته ودعائه في كل حال لم ينه الشرع عنه، حتَّى في حال ملاذ الإنسان، وأراد البخاري بذكره في هذا الباب مشروعية التسمية عند الوضوء، واستغنى عن حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؛ لأنه ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد طعن فيه الحفاظ، واستدركوا عَلَى الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه (٢).

---------------------
(١) انظر: «إحياء علوم الدين» ٢/ ٦٣. ويكتفي بما ورد في السنة لأنه هو المشروع.
(٢) هذا شطر حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». رواه أبو داود (١٠١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٨، والحاكم ١/ ١٤٦. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار، ولم يخرجاه. والبيهقي ١/ ٤٣. =



وأصح ما في التسمية كما قَالَ البيهقي، واحتج به في «معرفته» حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - وضع يده في الإناء الذي فيه الماء وقال: «توضئوا بسم الله ..»، (١) الحديث؛ ويقرب منه حديث: «كل أمر بال لا يبدأ فيه بذكر الله -وفي لفظ: ببسم الله- فهو أجذم» (٢).
--------------------
= واعترض المنذري على تصحيح الحاكم فقال: ليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة. وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه. انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠٠ (٢٠٣). وقال ابن حجر: رواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب أبي سلمة. وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي. ثم قال: قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي. وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار يحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا. «تلخيص الحبير» ١/ ٧٢ - ٧٣.
والحديث حسنه الألباني كما في «صحيح أبي داود» و«صحيح الترغيب» (٢٠٣).
وللحديث شاهد عند الترمذي من طريق رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها. الحديث رواه الترمذي (٢٥). والبيهقي ١/ ٤٣. وقال الترمذي: وفي الباب: عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد.
قال إسحاق: إن ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأه.
وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. وقال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وقال المنذري: إن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة. والله أعلم.
والحديث حسنه الألباني، انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠١ (٢٠٤).
(١) انظر: «معرفة السنن والآثار» ١/ ٢٦٦ (٥٩٢). ورواه النسائي ١/ ٦١ - ٦٢. وقال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح الإسناد.
(٢) بنحوه في «مسند أحمد» ٢/ ٣٥٩، وانظر «إرواء الغليل» الحديث الأول.



وحاصل ما في التسمية مذاهب:
أحدها: أنها سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدًا صح وضوؤه، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد (١)، وعبارة ابن بطال: استحبها مالك وعامة أئمة أهل الفتوى، وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أنها فرض فيه (٢).
ثانيها: أنها واجبة، (وهو) (٣) رواية عن أحمد (٤)، وقول أهل الظاهر (٥).
ثالثها: أنها واجبة إن تركها عمدًا بطلت طهارته، وإن تركها سهوًا أو معتقدًا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي وغيره عنه (٦).
رابعها: أنها ليست بمستحبة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن مالك رواية أنها بدعة، وقال: ما سمعت بهذا؛ يريد: أن يذبح!! وفي رواية: أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تركها (٧).

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١٣، «عيون المجالس» ١/ ٩٦، «المجموع» ١/ ٣٨٧، «المغني» ١/ ١٤٥، ١٤٦، «عارضة الأحوذي» ١/ ٤٣.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) في (ج): وهي.
(٤) انظر: «المغني» ١/ ١٤٥.
(٥) قلت: المنصوص عليه عند ابن حزم أن تسمية الله تعالى على الوضوء تستحب وإن لم يفعل فوضوؤه تام. انظر «المحلى» ٢/ ٤٩.
(٦) «سنن الترمذي» ١/ ٣٨ وانظر: «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤)، و«المغني» ١/ ١٤٦، و«الإنصاف» ١/ ٢٧٧، و«مسائل أحمد برواية السجستاني» ص ١١٠.
(٧) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٨٤.



واحتج من أوجبها بالحديث الذي أسلفناه، ولأنها عبادة يبطلها الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة.
واحتج من لم يوجبها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وبقوله: - ﷺ - «توضأ كما أمرك الله» (١).
وأشباه ذَلِكَ من النصوص الواردة في بيان الوضوء، وليس فيها ذكر التسمية.
والجواب عن الحديث من أوجه:
أحسنها: ضعفه، قَالَ الإمام أحمد: لا أعلم في التسمية حديثًا ثابتًا (٢).
ثانيها: أنه مقدر بنفي الكمال.
ثالثها: أن المراد بالذكر النية، قاله ربيعة شيخ مالك وغيره، والجواب عن قياسهم من وجهين:

---------------------
(١) هذا جزء من حديث رفاعة بن رافع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ..» وفي رواية أخرى «فتوضأ كما أمرك الله ..» الحديث.
رواه أبو داود (٨٥٧ - ٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي ٢/ ١٩٣، ٢٢٥، ٢٢٦، وابن الجارود ١/ ١٨٢ - ١٨٣ (١٩٤)، وابن خزيمة ١/ ٢٧٤ (٥٤٥)، وابن حبان ٥/ ٨٨ - ٨٩ (١٧٨٧). والحاكم ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٤٧).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٤): إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) انظر: «مسائل الإمام أحمد»رواية أبي داود السجستاني ص ١١، و«برواية الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤).



أحدهما: أنه منتقض بالطواف، وأنه عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها كالطواف، وفيه احتراز من سجود التلاوة والشكر.
ثانيها: إنا نقلبه عليهم نقول: عبادة يبطلها الحدث فلم تجب التسمية في أولها كالصلاة. قال ابن بطال: وهذا الذي أوجبها عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض، وهذا (مناقض) (١) لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ولم يتوضأ وصلى، أن صلاته تامة (٢).
الرابعة: الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته -أعاذنا الله منه- فهو يجري منه مجرى الدم (٣)، وعلى خيشومه إِذَا نام (٤)، وعلى قلبه إِذَا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس (٥)، ويضرب عَلَى قافية رأسه

--------------------
(١) في الأصول: يناقض، والمثبت من «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١.
(٣) دل عليه حديث سيأتي برقم (٢٠٣٨ - ٢٠٣٩) كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها مع اعتكافه.
(٤) يشير إلى حديث (٣٢٩٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
(٥) علقه البخاري قبل حديث (٤٩٧٧) كتاب: التفسير، باب: سورة الناس، ووصله الطبري في «تفسيره» ٣٠/ ٣٥٥، والحاجم في «المستدرك» ٢/ ٥٤١، كلاهما من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه الضياء في «المختارة» ١٠/ ١٧٥ (١٧٢) من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأورده السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٧٧٢، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء في «المختارة». وقال الحافظ في «تغليق التعليق» ٤/ ٣٨١ - ٣٨٢ بعدما أورد طريق ابن جرير والحاكم: وكذا رواه عتبة، عن القاسم، عن الأعمش، عن حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف الحديث. =



إِذَا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل؛ وينحل بالذكر والوضوء والصلاة (١).
الخامسة: فيه -كما قَالَ ابن بطال:- الحث على ذكر الله في كل وقت على حال طهارة وغيرها، ورد عَلَى من أنكر ذَلِكَ، وهو قول مروي عن ابن عمر، أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، وروي مثله عن أبي العالية والحسن، وروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله على حالين: عَلَى الخلاء، والرجل يواقع أهله (٢)، وهو قول عطاء، ومجاهد. قال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند غائطه (٣). قَالَ ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم (٤).
قُلْتُ: لا، فإن المراد بإتيانه أهله إرادة ذَلِكَ، وحينئذ فليس خلاف قولهم، وكراهة الذكر عَلَى غير طهر؛ لأجل تعظيمه.

---------------------
= وقد روي عن منصور، عن سعيد بن جبير وفي إسناده ضعف؛ ثم وصله من طريق منصور عن سعيد بن جبير به. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» أيضًا ٨/ ٧٤١: ورويناه في «الذكر» لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال. اهـ. وله شاهد من حديث أنج بن مالك مرفوعًا بنحوه رواه أبو يعلى في «مسنده» ٧/ ٢٧٩ وقال ابن كثير في «تفسيره» ١٤/ ٥٣٠: غريب. أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٦٨. والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٠٢ (٥٤٠)، وقال البوصيري في «الإتحاف» ٦/ ٣١٥: هذا إسناد ضعيف لبعض رواته، رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي. وضعف الحافظ في «الفتح» ٨/ ٧٤٢ إسناد أبي يعلى.
(١) دل عليه حديث سيأتي برقم (١١٤٢) أبواب التهجد، باب: عقد الشيطان على قافية الرأس .. إلخ.
(٢) روى ذلك الأثر ابن أبي شيبة ١/ ١٠٨ (١٢٢٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤٠ (٢٩١).
(٣) روى هذا الأثر ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤١.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠.



فروع متعلقة بالجماع:
لا يكره مستقبل القبلة ولا مستدبرها، لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله النووي في «الروضة» (١) من زوائده.
وقال الغزالي في «الإحياء»: لا يستقبل القبلة به إكرامًا لها، قَالَ: وليتغطيا بثوب قَالَ: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص عَلَى حسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء، قَالَ: ويكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذِه الليالي (٢)، ويقال: إنه يجامع، قَالَ: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتَّى تقضي وطرها (٣).

---------------------
(١) «روضة الطالبين» ١/ ٦٦.
(٢) قلتُ: هذِه الكراهة حكم شرعي وليس عليه دليل شرعي من الكتاب والسنة فهي مردودة لقول الله -عز وجل- في سورة البقرة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. [البقرة: ٢٢٣].
(٣) «الإحياء» ٢/ ٦٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]