عرض مشاركة واحدة
  #76  
قديم 22-01-2026, 04:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 506 الى صـــ 525
الحلقة (76)



وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَاَ أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ، يعني: السرقة.
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّد يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَانَ ذَلِكَ «ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ.
الكلام عليهما من وجوه:
أحدها:
أما حديث ابن عباس فقد أسنده في كتاب: الحج في باب: الخطبة أيام منى. عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان، عن عكرمة، عنه مطولًا (١).
وأما حديث أبي شريح: فأخرجه هنا كما ترى، وفي الحج عن قتيبة (٢). وفي المغازي عن سعيد بن شرحبيل (٣).
وأخرجه مسلم في الحج عن قتيبة، كلهم عن الليث، به (٤).

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٧٣٩).
(٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم.
(٣) سيأتي برقم (٤٢٩٥) كتاب: المغازي.
(٤) مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلَّا لمنشد على الدوام.



وأخرجاه بمعناه من حديث ابن عباس، وأبي هريرة - رضي الله عنهم - (١)، وأخرجه في كتاب الحج -أعني: حديث أبي شريح- وفيه: «إن الحرم لا يعيذ»، إلى آخره (٢).
وفي حديث ابن إسحاق، عن أبي شريح، في أوله: لما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة عَلَى رجل من هذيل (فقتلوه) (٣) وهو مشرك، فقام - عليه السلام - خطيبًا، فقال: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة»، وفيه: «لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تَحْلُلْ لي إلا هذِه الساعة غضبًا عَلَى أهلها ألا ثمَّ رجعت لحرمتها بالأمس»، وفيه: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم من القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث (٤).
وأخرجاه من حديث أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا قتيلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه. وفي رواية: بقتيل لهم في الجاهلية، فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ - فركب راحلته، فخطب فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من

------------------
(١) حديث ابن عباس سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر. من حديث ابن عباس، رواه مسلم (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يعضد شجر الحرم.
(٣) في الأصل: قتلوه، والمثبت من (ج).
(٤) رواه أحمد ٤/ ٣٢، والطحا وي في»شرح معا ني الآثار«٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨ والطبراني ٢٢/ ١٨٥ - ١٨٦ (٤٨٥)، والبيهقي في»الدلائل" ٥/ ٨٣ - ٨٤.



نهار، ألا وإنها ساعتي هذِه» الحديث وسيأتي قريبًا (١).
وأما حديث أبي بكرة: فتقدم الكلام عليه في باب: رب مبلغ أوعى من سامع (٢). ثمَّ اعلم أنه وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري.
قَالَ أبو علي الغساني: وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم، عن الفربري، عن محمد، عن أبي بكرة فأسقط ابن أبي بكرة، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بينهما، ووقع الخلل فيه أيضًا في كتاب بدء الخلق والمغازي (٣)، وقال أبو الحسن القابسي في نسخة أبي زيد: أيوب عن محمد بن أبي بكرة، وفي نسخة الأصيلي: محمد عن أبي بكرة على الصواب.
وذكر الدارقطني في «علله» أن إسماعيل بن علية وعبد الوارث روياه، عن أيوب، عن محمد، عن أبي بكرة (٤)، ورواه قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل منه (٥)، وسماه أبو عامر العقدي: حميد بن عبد الرحمن الحميري (٦).

--------------------
(١) سيأتي برقم (١١٢) باب: كتابة العلم، ورواه مسلم برقم (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها.
(٢) سلف برقم (٦٧)، كتاب: العلم.
(٣) سيأتي في بدء الخلق برقم (٣١٩٧) باب: ما جاء في سبع أرضين، وسيأتي في المغازي برقم (٤٤٠٦)، باب: حجة الوداع.
(٤) «علل الدارقطني» ٧/ ١٥١ - ١٥٧.
(٥) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى، (٧٠٧٨) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا».
(٦) مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.



قَالَ الغساني: واتصال هذا الإسناد وصوابه: أن يكون عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وعن محمد بن سيرين، أيضًا عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة (١).
الوجه الثاني: في الكلام عَلَى رجالهما غير من سلف.
أما حديث أبي شريح فسلف التعريف بهم، وأبو شريح خزاعي عدوي كعبي، وفي اسمه أقوال وصلتها في «شرح العمدة» إلى ستة (٢)، وأصحها كما قَالَ ابن عبد البر: خويلد (٣) بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش (٤) بن عمرو بن زمَّان (٥) بن عدي بن عمرو بن ربيعة. أسلم قبل الفتح وحمل لواء من ألوية بني كعب بن خزاعة يومئذ. روى عن النبي - ﷺ - عشرين حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين، هذا أحدهما، والآخر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٦)، وانفرد البخاري بحديث: «والله لا يؤمن -ثلاثًا- من لا يأمن جاره بوائقه» (٧) روى عنه: نافع بن جبير وغيره.

---------------------
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٩ - ٥٧٢ بتصرف، وانظر في ذلك كتاب «اختلاف رواة البخاري عن الفربري» لابن عبد الهادي ص ٢١ - ٢٤.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٦/ ٩٨ - ٩٩.
(٣) وقع في (ج): حرملة.
(٤) وقع في الأصل: المحتوش، والمثبت من كتب التراجم، انظر: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٤٠٠ (٧٤٢٤).
(٥) ورد في «أسد الغابة» ٢/ ١٥٢، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٣٦: ابن مازن.
(٦) سيأتي برقم (٦٠١٩) كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله.
«صحيح مسلم» (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.
(٧) سيأتي برقم (٦٠١٦) كتاب: الأدب، باب: إثم من لا يأمن جاره بوائقه.



قَالَ الواقدي: وكان من عقلاء أهل المدينة، وكان يقول: إِذَا رأيتموني أبلغ من أنكحته أو نكحت إليه (السلطان) (١) فاعلموا أني مجنون فاكووني، وإذا رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في حائطي، فاعلموا أني مجنون فاكووني، ومن وجد لأبي شريح سمنًا أو لبنًا أو جداية (٢) فهو لَهُ حل (٣).
مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وقيل: سنة (ثمان) (٤) وخمسين، حكاه العسكري (٥).
فائدة:
في الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان: أبو شريح هانئ بن يزيد الحارثي (٦)، وأبو شريح راوي حديث: «أعتى الناس عَلَى الله -عز وجل-» (٧) الحديث (٨).

---------------------
(١) في (ج): للسلطان.
(٢) الجَدَايةُ والجِدَايةُ: الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر وسبعة وعدا وتشدَّد، والجداية، بمنزلة العناق من الغنم.
انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٢٩٩، و«لسان العرب» ١/ ٥٨٣ مادة: [جدا].
(٣) «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ (٣٠٦٣).
(٤) في الأصول: ثماني.
(٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ١٢١ - ١٢٣، «أسد الغابة» ٢/ ١٥٢ (١٥٠٠)، «الإصابة» ٤/ ١٠١ (٦١٣).
(٦) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ٢٠١ (١١٧٩)، «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦١)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٥ (٥٩٩٨)، «الإصابة» ٣/ ٥٦٩ (٨٩٢٧).
(٧) انظره في «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٢)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٦ (٥٩٩٩)، «الإصابة» ٤/ ١٠٢ (٦١٥). قال ابن حجر بعد أن ذكر أنه روى هذا الحديث: وهذا من حديث أبي شريح الخزاعي.
(٨) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٧٧ (١١٧٢)، وأحمد ٤/ ٣١ - ٣٢، ٣٢.
والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨. وابن أبي عاصم في "الآحاد =



قالوا: هو الخزاعي، وقالوا غيره، وفي الرواة أيضًا أبو شريح المعافري (١) وآخر أخرج لَهُ ابن ماجه (٢).
وأما عمرو بن سعيد فهو: الأشدق، أرسل (٣). ووالده مختلف في

-----------------------
= والمثاني«٤/ ٢٨٣ (٢٣٠٣ - ٢٣٠٤) (٦٩٧)، والطبراني ٢٢/ ١٩٠ - ١٩١، والحاكم ٤/ ٣٤٩ كتاب: الحدود، والبيهقي ٨/ ٢٦ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري، وقال الذهبي: صحيح، لكن اختلف على الزهري فيه،. وذكره الهيثمي في»المجمع«٧/ ١٧٤، وقال: هو في الصحيح غير قوله:»أو بصر عينيه«رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وقال الألباني في»إرواء الغليل«٧/ ٢٧٦ - ٢٧٩ (٢٢٢٠): أخرجه أحمد والبيهقي عن يونس عن الزهري عنه ورجاله ثقات رجال الشيخين غير مسلم بن يزيد وهو مقبول عند ابن حجر.
(١) هو: عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري أبو شريح الإسكندراني، قال أحمد ويحيى بن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي بالإسكندرية سنه سبع وستين ومئة، وكانت له عبادة وفضل. وروى له الجماعة.
انظر: ترجمته في:»الطبقات الكبرى«٧/ ٥١٦،»التاريخ الكبير«٥/ ٢٩٦ (٩٦٦)،»المعرفة والتاريخ«١/ ١٥٤،»الجرح والتعديل«٥/ ٢٤٣ (١١٦١)،»تهذيب الكمال«١٧/ ١٦٧ (٣٨٤٥).
(٢) هو: أبو شريح الذي روى عن أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، وروى عنه قتادة، ومحمد بن زيد العبدي قاضي مرو، وذكره ابن حبان في كتاب»الثقات«، وقال ابن حجر: مقبول من السادسة. انظر ترجمته في:»الثقات«٧/ ٦٦٠،»تهذيب الكمال«٣٣/ ٤٠١ (٧٤٢٥)،»التقريب" ص ٦٤٨ (٨١٥٩).
(٣) هو عمرو بن سعيد بن العاص أبو أمية المدني، المعروف بالأشدق، وهو عمرو
الأصغر؛ لأن الأكبر عم أبيه. وعمرو هذا يقال: له رؤية من النبي - ﷺ -. وقال البخاري: كان غزا ابن الزبير ثم قتله عبد الملك بن مروان. وقال ابن حجر: وقد أخطأ من زعم أن له رؤية؛ فإن أباه لا تصح له صحبة، بل يقال: إن له رؤية، وإن النبي - ﷺ - لما مات كان له نحو ثماني سنين. وقال أبو حاتم: ليست له صحبة. =



صحبته، وترجمته موضحة في شرحي للعمدة فراجعها منه (١).
وأما حديث أبي بكرة فسلف التعريف برجاله خلا عبد الله بن عبد الوهاب (خ، س) وهو أبو محمد الحجبي البصري، روى عن مالك، وأبي عوانة. وعنه البخاري منفردًا به، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرِّج لَهُ مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وهو ثقة ثبت، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين (٢).
الوجه الثالث: في فوائدها:
أما حديث ابن عباس فسيأتي إن شاء الله في موضعه. وأما حديث أبي بكرة فسلف الكلام عليه فيما مضى.
وأما حديث أبي شريح فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
البعوث: جمع بعث بمعنى: المبعوث، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث: القوم المرسلون للقتال ونحوه.

---------------------
=روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن أبيه وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه: أولاده ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: قتل سنة سبعين، وذلك ما رجحه ابن حجر.
انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٣٨ (٢٥٧٠)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٦ (١٣٠٨)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٧٢.
(١) «الإعلام بفوائد الأحكام» ٦/ ١٠٠ - ١٠١.
(٢) هو أبو محمد الحَجَبي، وعند ابن سعد الجُحَني، وذكره البخاري في «تاريخه الكبير» ٥/ ١٤١ (٤٢٥) وقال: الجمحِي. وثقه يحيى بن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن حجر: ثقة من العاشرة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ٣٠٧، «الثقات» ٨/ ٣٥٣، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٤٦ (٣٤٠٠)، «التقريب» ص ٣١٢ (٣٤٤٩).



ويعني بها: الجيوش التي وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذاك أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذِ بيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتَّى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال: أنا عائذ بالبيت. فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث هذِه البعوث.
قَالَ ابن بطال: وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي - ﷺ -، وقد قَالَ مالك: إن ابن الزبير أولى من عبد الملك (١).
ثانيها:
مكة سيأتي إن شاء الله في الحج بيان أسمائها مستوفاة، سميت بذلك لقلة مائها، أو لأنها تمك الذنوب.
ومن أسمائها أيضًا بكة بالباء، وهي لغة فيها: لأنها تبك أعناق الجبابرة أي: تدقها. والبك: الدق، أو لازدحام الناس ما يبك بعضهم بعضا أي: يدفعه في زحمة الطواف.
وقال آخرون: إن مكة غير بكة، فقيل: الأولى الحرم كله، والثانية المسجد خاصة. وقيل: الأولى البلد، والثانية البيت. قيل: وموضع الطواف أيضًا (٢).

----------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٨٠.
(٢) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٩، و«معجم البلدان» ٥/ ١٨٢، و«تهذيب الأسماء» ٣/ ٣٩.



ثالثها:
أصل (ائذن) اأذن بهمزتين همزة وصل وفاء الكلمة، فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فبقيت ائذن.
وقوله: (أيها الأمير)، الأصل يا أيها، فحذف حرف النداء.
رابعها:
فيه حسن التلطف في الإنكار، لاسيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم، لأنه أدعى لقبولهم، لاسيما من عرف منهم بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندته، فاستأذنه (في ذلك) (١) لأجل ذَلِكَ في التحديث.
خامسها:
فيه النصيحة لولاة الأمور، وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم.
سادسها:
فيه تبليغ الدين ونشر العلم، وذكر ابن إسحاق في آخره أنه قَالَ لَهُ عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال لَهُ أبو شريح: إني كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا رسول الله - ﷺ - أن يبلغ شاهدنا لغائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك (٢).
قَالَ ابن بطال: كل من خاطبه الشارع بالعلم فتبليغه عليه متعين، وأما من بعدهم ففرض كفاية.
وقال ابن العربي: التبليغ عنه فرض كفاية، وقد كان - عليه السلام - إِذَا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس، لكن يخبر به من حضره،

---------------------
(١) من (ج).
(٢) ذكره ابن هشام في «سيرته» ٤/ ٣٥ عن ابن إسحاق.



ثمَّ عليهم التبليغ إلى من وراءهم قوما بعد قوم، فالتبليغ فرض كفاية، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترادان (١) عَلَى معنى ما يستمع، فإن كان مما يخصه تعين عليه، وإن كان يتعلق به وبغيره، أو بغيره، فالعمل فرض عين والتبليغ فرض كفاية (٢).
وذلك عند الحاجة إليه ولا يلزمه أن يقوله ابتداءً ولا بعضه، فقد كان قوم يكثرون الحديث فحبسهم عمر حتَّى مات وهم في سجنه (٣).

----------------------
(١) كذا بالأصل، وفي «عارضة الأحوذي»: يتركبان.
(٢) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ١٢٥.
(٣) هذا الأثر رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص ٥٥٣ (٧٤٥) عن أبي عبد الله بن البري، عن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، عن معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي - ﷺ - فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله - ﷺ -.
قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس. ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٣/ ٣٧٨ (٣٤٤٩) وقال: لم يحدث به إلا إسحاق بن موسى الأنصاري.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٤٩: رواه الطبراني في «الأوسط» وهذا أثر منقطع، وإبراهيم ولد سنة عشرين ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين، وابن مسعود كان بالكوفة، ولا يصح هذا عن عمر.
- ولقد ناقش ابن حزم هذا الخبر ورده حيث قال في «الإِحكام في أصول الأَحكام» ٢/ ١٣٩: هذا مرسل ومشكوك فيه ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله - ﷺ - إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي - ﷺ - فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذِه =



سابعها:
يوم الفتح هو: فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في السنة الثامنة من الهجرة (١).
ثامنها:
قوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَاي) إلى آخره. هو إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه، ففي قوله: (سَمِعَتْة أُذُنَاي). نفي أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه (٢).
(وَوَعَاهُ قَلْبِي): تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه.
(وَأَبْصَرَتْة عَيْنَاى حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ)، زيادة في تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا عَلَى الصوت دون حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة.
والهاء، في قوله: (تكلم به) عائدة عَلَى قوله: (أحدثك قولًا).
تاسعها:
يؤخذ من قوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي). أن العقل محله القلب لا الدماغ،

--------------------
= الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما .. ثم قال: وقد حدث عمر بحديث كثير، فإنه قد روى خمسمائة حديث ونيفا على قرب موته من موت النبي - ﷺ -، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم.
(١) ورد في هامش الأصل: اختلف في تاريخ الفتح …
(٢) سبق حديثه برقم (٥٢) كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، واللفظة هذِه رواها مسلم برقم (١٥٩٩) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، وابن ماجه (٣٩٨٤).



وهو قول الجمهور (١).
لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي. وفي المسألة قول ثالث: أنه مشترك بينهما.
عاشرها:
قوله: (حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ): يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين تعليم العلم وتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء عَلَى الله تعالى في الخطبة (٢).

------------------
(١) قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١٢/ ٧٧ في معرض حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] أضاف العقل إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ؛ وروي عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة.
وانظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٨/ ٢٢. وكتاب «ذم الهوى» ص ٥ حيث يقول فيه:
أكثر أصحابنا يقولون: محله القلب. وهو مروي عن الشافعي رحمه الله، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قالوا: المراد: لمن كان له عقل فعبر بالقلب عن العقل؛ لأنه محله.
ونقل الفضل بن زياد عن أحمد أن محله الدماغ، وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة.
وذهب ابن القيم -رحمه الله- إلى أن شق صدر النبي - ﷺ - والاعتناء بتطهير قلبه وحشوه إيمانًا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب. انظر: «بدائع الفوائد» ٣/ ٧٢١.
(٢) قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» ١/ ١٨٦: وكان لا يخطُب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قولُ كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير، فليس معهم فيه سنة عن النبي - ﷺ - البتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاحُ جميع الخطب بـ«الحمد لله»، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله سِرَّه.



الحادي عشر:
يؤخذ منه أيضًا الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة.
الثاني عشر:
قوله: («إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ») معناه: تفهيم المخاطبين تعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها، ونفي ما يعتقده (الجاهلون) (١) وغيرهم من أنهم يحرموا ويحللوا (٢) كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم، وأكد ذَلِكَ المعنى بقوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ».
فتحريمها ابتدائي من غير سبب يُعزى لأحد، لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، ثمَّ بين التحريم بقوله: «فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا» إلى آخره لأن من آمن بالله لزمه طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهي عنه مخلصًا خوف الحساب عليه.
الثالث عشر:
فيه أن التحريم والتحليل من عند الله تعالى لا مدخل لبشر فيه، وأن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع، وأن ذَلِكَ لا يعرف إلا منه فعلًا وقولًا وتقريرًا.
الرابع عشر:
فيه عظم مكة وشرفها، زادها الله شرفًا وتعظيمًا.
الخامس عشر:
يقال: امرؤ، ومرء. وسمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه لا ليل

--------------------
(١) في الأصل: الجاهلية، والمثبت مناسب للسياق.
(٢) ورد في هامش الأصل: الجادة: يحرمون ويحللون.



بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل.
السادس عشر:
قَدْ يتوهم من قوله: «واليوم الآخر» أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة (١)، وليس كذلك، بل هذا من خطاب

---------------------
(١) قال النووي -رحمه الله- في «المجموع» ٣/ ٥:
وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام.
فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان، وقيل: لا يخاطب بالفروع. وقيل: يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة.
والصحيح الأول، وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد هنا غير المراد هناك، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر، والله أعلم.
وهو ما ذهب إليه جمهور المالكية من أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ومعاقبون على المخالفات في أحكام الشرائع، وهو قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وذهب إليه العراقيون من أصحاب أبي حنيفة.
وإليه ذهب أكثر المعتزلة واحتجوا في ذلك بعموم من القرآن، كقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]
وقال أبو حنيفة وجماهير أصحابه، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: إنهم غير مخاطبين، واحتجوا في ذلك بأن قالوا: لو وجبت الصلاة على الكافر مثلًا، لوجبت إما في حال كفره، أو بعده، والأول: باطل؛ لامتناع الصلاة من الكافر حال كفره، والثاني: أيضًا باطل؛ لاتفاقنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضاء =



التهييج وهو معلوم عند علماء البيان، فاستحلال ذَلِكَ لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف (١)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وغير ذلك.
السابع عشر:
(«يسفك») بكسر الفاء وحكي ضمها، وهي قراءة شاذة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٢) [البقرة: ٣٠] والسفك لغة: صب الدم.
قَالَ المهدي: ولا تستعمل إلا فيه، وقد تستعمل في نشر الكلام إِذَا نشره (٣).
الثامن عشر:
سياق الحديث ولفظه يدلان عَلَى تحريم القتال لأهل مكة، وبه قَالَ القفال من أصحابنا، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: من الغارات وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة.

---------------------
= الصلوات الفائتة في أيام الكفر. انظر: «لباب المحصول في علم الأصول» ١/ ٢٥٦، «تخريج الفروع على الأصول» ص ٩٨، «الوصول إلى الأصول» ١/ ٩١.
وفي المسألة أقوال أخرى: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال بعضهم: إنهم مكلفون فيما عدا الجهاد. «شرح الكوكب المنير» ١/ ٥٠١، «روضة الناظر» ص ٥٠.
(١) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٩.
(٢) أوردها ابن خالويه في «مختصر شواذ القرآن» ص ١٢ وعزاها لطلحة بن مصرف.
(٣) «لسان العرب» ٤/ ٢٠٣٠ مادة (سفك)، وقيل: الإراقة، وفيه: سفك الكلام: نثره، بالثاء.



وقال الماوردي (١) في «أحكامه»: من خصائص حرم مكة ألا يحارب أهله، فلو بغى أهله عَلَى أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغي بغير قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلا به فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها (٢).
وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل (٣).
قَالَ النووي في «شرح مسلم»: والأول هو الصواب المنصوص عليه في «الأم» (و) (٤) في «اختلاف الحديث»، و«سير الواقدي»، وقول القفال غلط، وأجاب الشافعي في «سير الواقدي» (٥) عن الأحاديث

----------------------
(١) الماوردي: الإمام العلامة قاضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، البصري الماوردي الشافعي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع والتفسير: «الأحكام السلطانية» و«أدب الدنيا والدين»، قال: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة. يعني «الإقناع» وله «الحاوي» قال الأسنوي: ولم يصنف مثله. و«قانون الوزارة».
قال الخطيب: كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعيين، وُلِّي القضاء ببلدان شتى ثم سكن بغداد. وقال ابن خيرون: كان رجلًا عظيم القدر متقدمًا عند السلطان. وقال ابن كثير: وكان حليمًا وقورًا أديبًا، لم يرَ أصحابه ذراعه يومًا من الدهر من شدة تحرزه وأدبه. وفي وفاته قال الخطيب: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مئة، وقد بلغ ستًا وثمانين سنة.
انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» ١٢/ ١٠٢، و«سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٦٤، و«البداية والنهاية» ١٢/ ٥٣٩، و«شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٥.
(٢) «الأحكام السلطانية» ص ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨.
(٤) زيادة ليست في الأصول والسياق يقتضيها.
(٥) هذا الكتاب أحد الأبواب في كتاب «الأم»، والنص بمعناه في «الأم» ٤/ ٢٠٢.



بأن معناها: تحريم نصب القتال عليهم، وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق وغيره إِذَا لم يكن إصلاح الحال بدون ذَلِكَ، بخلاف ما إِذَا تحصن الكفار ببلد آخر، فإنه يجوز قتالهم عَلَى كل وجه، وبكل شيء (١).
ونازع الشيخ تقي الدين القشيري (٢) في ذَلِكَ وقال: إنه خلاف الظاهر القوي الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي، والمأذون له فيه هو مطلق القتال ولم يكن بما يعم (٣). وهو كما قَالَ، فالحديث نص في الخصوصية، وقد اعتذر فيه عما أبيح لَهُ من ذَلِكَ وهو ما فهمه راوي الحديث، وما أبعد من ادعى نسخ الحديث بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ذكرتها لأنبه عَلَى وهنها.

----------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٢٥.
(٢) «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨ - ٤٥٩ حيث قال:
هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي، الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي، في قوله - ﷺ -: «فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» وأيضَا فإن النبي - ﷺ - بين خصوصيته؛ لإحلالها له ساعة من نهار وقال: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» فأبان بهذا اللفظ: أن المأذون للرسول - ﷺ - فيه لم يؤذن فيه لغيره.
والذي أذن للرسول فيه: إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال رسول الله - ﷺ - لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم، كما حمل عليه الحديث في هذا التأويل.
وأيضًا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها وسفك الدم. وذلك لا يختص بما يستأصل.
وأيضا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه؛ لأن يحمل عليه الحديث. فلو أن قائلًا أبدى معنى آخر، وخص به الحديث لم يكن بأولى من هذا.
(٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨.



التاسع عشر:
الحديث دال دلالة واضحة عَلَى تحريم مكة، وأبعدَ مَنْ قال: إن إبراهيم - عليه السلا - أول من افتتح ذَلِكَ، والصواب أنها لم تزل محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وإضافة التحريم إلى إبراهيم في بعض الأحاديث؛ إما لأنه أول من أظهر ذَلِكَ بعد خفائه وبلَّغه، أو أنه حرمها بإذن الله فأضيف التحريم إليه، أو أنه دعا لها فكان تحريم الله لها بدعوته (١).
العشرون:
ربما استدل به أبو حنيفة عَلَى أن الملتجئ إلى الحرم إِذَا وجب عليه قتل لا يقتل به؛ لأن قوله: «لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ .. أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا» عام يدخل فيه صورة النزاع.
قَالَ أبو حنيفة: بل يلجا إلى أن يُخرج من الحرم، فيقتل خارجه وذلك بالتضييق عليه (٢).
وهو قول عمر بن الخطاب وجماعات. وقال أبو يوسف ومالك وجماعة: يُخرج فيقام عليه الحد (٣)
وحكاه القاضي عن الحسن وغيره، ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود بالحرم. غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قومًا من الحرم إلى الحل فصلبهم.

----------------------
(١) دل على ذلك ما رواه البخاري برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ - ومده.
(٢) انظر: «أحكام القرآن للجصاص» ١/ ٧٣، «بدائع الصنائع» ٧/ ١١٤.
(٣) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢.



وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل ثمَّ لجأ إلى الحرم يخرج منه فيقتل، وأما من تعدي عليه في الحرم فليدفع عن نفسه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآية (١).
وحكى ابن بطال، عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي فيمن أصاب حدًا من قتل أو زنا أو سرقة، أنه إن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد، وإن أصابه في غيره لا يجالس ولا يؤوى حتَّى يخرج فيقام عليه الحد (٢).
وقال ابن الجوزي: انعقد الإجماع عَلَى أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمِّن؛ لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان (٣).
واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم، ثمَّ لجأ إليه، فروي عن أبي حنيفة (٤) وأحمد: أنه يلجأ إلى الخروج فيقام عليه الحد (٥).
قُلْتُ: ومذهب الشافعي (٦) ومالك: يقام فيه (٧).
ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثمَّ قَالَ: ولا مخالف لهم من الصحابة.
ثمَّ نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثمَّ شنع عَلَى مالك والشافعي فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب

--------------------
(١) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢، وروى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩.
(٣) «زاد المسير» ١/ ٤٢٧.
(٤) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٧٣، «حاشية رد المحتار» ٦/ ٥٤٧، «بدائع الصنائع» ٧/ ١١٤.
(٥) انظر: «الكافي» ٥/ ١٨٠ - ١٨٢، «الإقناع» ٤/ ٢١٤.
(٦) انظر: «تقويم النظر» ٤/ ٤٣٣، «روضة الطالبين» ٩/ ٢٢٤.
(٧) انظر: «التفريع» ٢/ ٢١٧، «عيون المجالس» ٥/ ٢٠١٩، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١١٠٦.



والسنة (١). وليس كما قَالَ.
وأما قصة ابن خطل وقوله - عليه السلام -: «اقتلوه» (٢). فأجيب عنها (بأوجه) (٣):
أحدها: أنه ارتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي - ﷺ -.
ثانيها: أنه لم يدخل في الأمان، فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة.
ثالثها: أنه كان ممن التزم الشرط وقاتل.
وأجاب بعضهم: بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له، وهو غريب، فإن الساعة للدخول حتَّى استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن خطل كان بعد ذَلِكَ، وبعد قوله: «من دخل المسجد فهو آمن» (٤) وقد دخل لكنه استئني مع جماعة غيره.
الحادي بعد العشرين:
قوله: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» فيه دلالة عَلَى أن مكة -شرفها الله تعالى- فُتحت عَنْوة، وهو قول الأكثرين (٥).

--------------------
(١) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢ بتصرف.
(٢) سيأتي برقم (١٨٤٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: دخول الحرم ومكة.
(٣) في (ج): بأجوبة.
(٤) رواه أبو داود (٣٠٢٢).
ورواه الطبراني ٨/ ١٢ (٧٢٦٤). والبيهقي ٩/ ١١٩.
وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٦/ ١٦٧ (١٠٢٣٤)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٧١).
(٥) قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٢.
وفيها [أي: في قصة فتح مكة] البيانُ الصريح بأن مكة فُتحت عَنْوَة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يُعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]