عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 21-01-2026, 01:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,910
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة هدايات القرآن

سلسلة هدايات القرآن

حماده إسماعيل فوده


4. ليست مجرد عبارة تُقال


بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أما بعدُ:
فيا أيها الكرامُ، اليومَ بفضل الله تعالى ومَددِه وتوفيقِه، نبدأُ في هدايات القرآن الكريم، بالوقوفِ مع هدايات سورة الفاتحةِ، فاتحةِ الكتابِ، أمِّ القرآنِ، أمِّ الكتابِ، السبعِ المثاني والقرآنِ العظيمِ، سورةِ الحمدِ، على اعتبارِ أن البسملةَ آيةٌ من آياتِ هذه السورةِ المباركةِ.

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7].

قالَ تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): قولُكَ (بِسْمِ اللَّهِ)؛ أي: أبتدئُ قراءةَ القرآنِ باسمِ اللهِ، مستعينًا بهِ سبحانهُ، (اللَّهُ) عَلَمٌ على الربِّ تباركَ وتعالى المعبودِ بحقٍّ دونَ سواه، وهو أَخصُّ أسماءِ اللهِ تعالى، ولا يُسمى بهِ غيرُهُ سبحانهُ، (الرَّحْمَنِ) ذي الرحمةِ العامةِ الذي وسِعتْ رحمتُهُ جميعَ الخلقِ، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنينَ، وهما اسمانِ من أسمائِه تعالى، يتضمنانِ إثباتَ صفةِ الرحمةِ لله تعالى كما يليقُ بجلالِه.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أَنْعِمْ بهِ من استهلالٍ يَفتتحُ بهِ المسلمُ تلاوتَهُ لكلامِ ربِّه امتثالًا لأمرِه جلَّ وعزَّ، في أولِ ما أنزلَ على نبيِّه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].

ولنا مع هذه الآيةِ الكريمةِ وقفاتٌ:
الوقفةُ الأولى: أن البدءَ باسمِ الله تعالى في جميعِ أمورِ العبدِ، هو السُّنةُ والهدْيُ القرآني، وهو من كمالِ ارتباطِ القلبِ بالله تعالى، واعتمادِه عليه، فاللهُ تباركَ وتعالى افتتحَ كتابَهُ بقولهِ تعالى: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، فحَرِيٌّ بنا أن نبدأَ بها أعمالَنا وأقوالَنا طلبًا لعونِ الله وتوفيقِه.

الوقفةُ الثانيةُ: أن معرفةَ العبدِ ألوهيةَ الله تعالى وأسماءَه وصفاتِه من خلالِ البدءِ باسمِه -استعانةً وتبركًا - من أعظمِ الطاعاتِ وأَجَلِّ القُرباتِ، وبهِ بدأَ اللهُ تعالى أولَ آيةٍ من كتابِه.

الوقفةُ الثالثةُ: أن مِن أعظمِ أسماءِ اللهِ تعالى التي لا يشاركُهُ فيها مَخلوقٌ اسْمَي (الله) و(الرَّحْمَن)، فحريٌّ بالمسلمِ أن يدعوَ بهما، وأن يَلْهَجَ لسانُهُ بذكرِهما؛ قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110].

الوقفةُ الرابعةُ: تفيدُ هذه الآيةُ عراقةَ هذه الجملةِ؛ حيثُ إنها كانتْ موجودةً في الأديانِ السماويةِ السابقةِ، فقد قالَ تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [النمل: 30]، وفي ذلكَ إشارةٌ خفيةٌ إلى أن ما جاءَ بهِ النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم هو امتدادٌ لما كان موجودًا عند الأنبياء السابقين.

الوقفةُ الخامسةُ: يفيدُ عدمَ ذكرِ المتعلقِ بالجارِّ والمجرور في (بِسْمِ اللَّهِ) إشارةً إلى أن الأعمالَ بالنياتِ، وأن مكانَها القلبُ، فلا حاجةَ إلى الانشغالِ بالتلفظِ بها وذكرِها باللسانِ، فيكفي عنها أن تَستحضرَ ذِكرَ اسمِ الله عليها، (بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ اَلْمُذَاكَرَةَ)، أو: (بِسْمِ اَللَّهِ أَبْتَدِئُ اَلْأَكْلَ)، يكفي أن تقولَ بسمِ اللهِ تبدأُ بها كلَّ شؤونِ حياتِك؛ لتكونَ مطمئنًّا أنك مع الرحمنِ الرحيمِ.

إلى هنا وصَلنا إلى ختامِ هذا المقال، وفيها أُذكِّرُ نفسي وإياكم بأن البدءَ باسمِ اللهِ تعالى في كلِّ شؤونِ الحياةِ، يعكسُ عبوديةَ القلبِ وارتباطَهُ الوثيقَ بخالقِه سبحانه، ويُجسدُ وعيَ المؤمنِ بحقيقةِ التوكلِ على الله، والاستعانةِ بهِ سبحانهُ في كلِّ خُطوةٍ يَخطوها؛ فَـ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ليستْ مجردَ عبارةٍ تقالُ، بل هي مِفتاحٌ لكلِّ خيرٍ، وبركةٌ لكلِّ عملٍ، وضمانٌ لتوفيقِ الله وتسديدِه، فما لا يكونُ باللهِ لا يكونُ!

وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه والتابعينَ.

تَمَّ الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات، وإعادة صياغة الهدايات، وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفاد منها:
1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر دار التقوى ناشرون.

2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى معالم الهدى للنشر والتوزيع.

3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.

4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر معالم التدبر.

5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر دار القلم دمشق.

6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.

7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة الدرر السنية للنشر.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.30%)]