
19-01-2026, 06:20 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (3)
من صـــ 286 الى صـــ 305
الحلقة (64)
سادسها: في فوائد الحديث وأحكامه:
الأولى: قبول خبر الواحد؛ فإنه لم ينقل أن قومه كذبوه فيما أخبرهم به.
الثانية: جواز الاتكاء بين الناس.
الثالثة: التواضع؛ فإنه -عليه السلام- كان يجلس مختلطًا بهم، وهو من تواضعه.
الرابعة: جواز إدخال البعير المسجد وعقله، كذا استنبطه ابن بطال.
وليس صريحًا فيه بل في رواية ابن إسحاق أنه أناخ بعيره عَلَى باب المسجد وعقله (١). ثمَّ شرع يستنبط منه طهارة روثه، معللًا بأنه لا يؤمن ذَلِكَ من البعير مدة إقامته (٢). وقد علمت أن ذَلِكَ كان خارج المسجد فلا دلالة فيه إذن.
الخامسة: التعريف بالشخص؛ فإنه قَالَ: أيكم محمد؟ وقال: ابن عبد المطلب.
السادسة: النسبة إلى الأجداد، فإنه قَالَ: ابن عبد المطلب، وجاء في «صحيح مسلم»: يا محمد (٣). فإن قُلْتَ: لِمَ لَمْ يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة وقد قَالَ تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؟ قُلْتُ: يحتمل أوجهًا:
أحدها: أنه لم يؤمن بعد.
ثانيها: أنه باقٍ عَلَى جفاء الجاهلية، لكنه لم ينكر عليه ولا رد عليه.
ثالثها: لعله كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - بذلك.
-----------------
(١) انظر: «سيره ابن هشام» ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٤٤.
(٣) مسلم (١٢) كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام.
رابعها: لعله لم يبلغه.
السابعة: أن السكوت كالإقرار، فإنه لما قَالَ: ابن عبد المطلب، قَالَ لَهُ - ﷺ -: «قد أجبتك»، ولم يتلفظ بالجواب، فجعل السكوت عند قول أصحابه ما قالوه جوابًا منه عما سألوه عنه، عَلَى أنه جاء في «سنن أبي داود» في هذا الحديث من طريق ابن عباس أنه قَالَ: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال النبي - ﷺ -: «أنا ابن عبد المطلب»، فقال: يا ابن عبد المطلب (١) وساق الحديث.
وأجاب بعضهم عن عدم جوابه لفظًا عَلَى الرواية الأولى؛ بأنه -عليه السلام- كره ما دعاه به حيث لم ينسبه إلى ما شرفه الله به من النبوة والرسالة، ونسبه إلى جده.
وأما قوله -عليه السلام- يوم حنين: «أنا ابن عبد المطلب» (٢) فلم يذكره افتخارًا؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفار، لكنه أشار إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته فذكرهم بها، وبخروج الأمر عَلَى الصدق فيها.
الثامنة: استنبط منه الحاكم أبو عبد الله طلب الإسناد العالي، ولو كان الراوي ثقة، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي - ﷺ -، حتَّى رحل بنفسه، وسمع ما بلغه الرسول عنه، وما ذكره إنما يتم إِذَا كان ضمام قَدْ بلغه ذَلِكَ أولًا (٣)، وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به في رواية مسلم (٤).
--------------------
(١) «سنن أبي داود» (٤٨٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٨٦٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
(٣) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٥، ٦.
(٤) سبق تخريجه.
التاسعة: جواز الاستحلاف على الخبر، ليحكم باليقين. وفي مسلم: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض -ونصب هذِه الجبال- آلله أرسلك؟ قَالَ: «نعم»، والظاهر أن هذِه الأيمان هنا للتأكيد وتقرير الأمر فقط، كما أقسم الله تعالى عَلَى أشياء كثيرة كقوله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وكقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
العاشرة: فيه أن الرجل يعرف بصفته من البياض والحمرة والطول والقصر؛ لقولهم: فقلنا هذا الرجل الأبيض.
الحادية عشر: تقديم الإنسان بين (يدي) (١) حديثه مقدمة يعتذر فيها؛ ليحسن موقع حديثه عند المحدث واختير لَهُ عَلَى ما يأتي منه، وهو من حسن التوصل، وإليه الإشارة بقوله: إني سائلك فمشدد عليك.
واعلم أنه قد تقدم في باب الزكاة من الإسلام في الكلام عَلَى حديث طلحة بن عبيد الله ما لَهُ تعلق بحديث أنس هذا، وقد عقبه مسلم بحديث طلحة، وفيه زيادة ذكر الحج، وسياقه له عقبه يدل عَلَى أن الحديثين عنده لضمام؛ لأن هذا الثاني لم يختلف فيه أنه لضمام، وقد ساقه ابن إسحاق من حديث ابن عباس بزيادات، وفيه أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله.
وفيه: وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، وفيه: آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذِه الأنداد؟ ثمَّ ذكر الصلاة، ثمَّ جعل يذكر لَهُ فرائض الإسلام، فريضة فريضة، الصيام والزكاة والحج والشرائع كلها، ينشده عن كل واحد، حتَّى إِذَا فرغ
-----------------
(١) من (ج).
قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وسأؤدي هذِه الفرائض، واجتنب ما نهيتني عنه، ثمَّ لا أزيد ولا أنقص، فقال - ﷺ -: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة».
وفيه: فأتى قومه فقال: بئست اللات والعزى، فقالوا: مه، اتق الجذام، اتق البرص.
وفيه: وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
وفيه: فوالله ما أمسى في ذَلِكَ اليوم في حاضرته أحد إلا مسلمًا (١).
وظاهر هذا السياق أنه لم يأت مسلمًا، وإنما أسلم بعد، وقد بوَّب عليه أبو داود باب: في المشرك يدخل المسجد، لا جرم (٢).
قَالَ القاضي: الظاهر أنه (لم يأت إسلامه بعدُ) (٣) وأنه جاء (مستفتيًا) (٤). ويدل عليه قوله في مسلم: وزعم رسولك، وقوله في حديث ابن عباس: فلما فرغ تشهد.
وأما قول بعضهم: الظاهر أن البخاري فهم إسلامه قبل قدومه، وأنه جاء يعرض عَلَى النبي - ﷺ -، ولهذا بوب عليه: العرض عَلَى المحدث؛ ولقوله آخر الحديث: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي. فضعيفٌ؛ لأنه لا يلزم ذَلِكَ منه، وكذا قوله: آمنت بما جئت به، يحتمل أنه ابتداء إيمان لا إخبار بإيمان سالف.
-----------------
(١) «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٠: والظاهر أنه لم يأا إلا بعد إسلامه.
(٤) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٠، وفيه مستثبتًا بدلا من مستفيًا، وهو الأليق بالسياق.
٧ - باب مَا يُذْكَرُ فِى الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ [انظر: ٣٥٠٦]. وَرَأى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [فتح: ١/ ١٥٣]
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَينِ إِلَى كِسْرى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أَنَّ ابن الُمسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. [٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤ - فتح: ١/ ١٥٤]
٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الَحسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا. فَاتُّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةِ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ. [٢٩٣٨، ٣١٠٦، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٥٨٧٩، ٧١٦٢ - مسلم: ٢٠٩٢ - فتح: ١/ ١٥٥]
ثم ساق البخاري حديث ابن عباس وأنس في ذلك.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
أثر أنس ساقه البخاري في فضائل القرآن عن أنس مطولا كما سنقف عليه -إن شاء الله تعالى- في موضعه (١)، وفي غير البخاري أن عثمان بعث مصحفًا إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأبقى عنده مصحفصا منها؛ ليجمع الناس عَلَى قراءة ما يعلم ويتيقن.
قَالَ أبو عمرو الداني: أجمع العلماء عَلَى أن عثمان كتب أربع نسخ فبعث بإحداهن إلى البصرة، والأخرى إلى الكوفة، وبالثالثة إلى الشام، وحبس آخر عنده، وقال أبو حاتم السجستاني: كتب سبعة، فبعث إلى مكة واحدًا، وإلى الشام آخر، وإلى اليمن آخر، وإلى البحرين آخر، وإلى البصرة آخر، وإلى الكوفة آخر، [وحبس بالمدينة واحدًا] (٢).
الثاني:
أمير السرية هذا هو عبد الله بن جحش بن رئاب أخو أبي أحمد، وزينب أم المؤمنين، وأم حبيبة، وحمنة، وأخوهم (عبيد) (٣) الله تنصر بأرض الحبشة، وعبد الله وأبو أحمد كانا من المهاجرين الأولين، وعبد الله يقال له: المجدع في الله، شهد بدرًا وقتل يوم أحد بعد أن قطع أنفه وأذنه - رضي الله عنه - (٤).
----------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٨٧) كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن.
(٢) زيادة من «المصاحف» لابن أبي داود السجستاني ص (٣٤) وبها يتم العدد الذي ذكره.
(٣) في (ف): عبد، والمثبت من (ج) وهو الصواب.
(٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥٢٤ - ٥٢٦. «معجم الصحابة» =
قَالَ ابن إسحاق: كانت هذِه السرية أول سرية غنم فيها المسلمون، وكانت في رجب (من) (١) السنة الثانية قبل بدر الكبرى، بعثه النبي - ﷺ - ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب لَهُ كتابًا وأمره ألا ينظر إليه حتَّى يسير يومين، ثمَّ ينظر فيه فيمضي لما أمر به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إِذَا نظرت في كتابي هذا فامض حتَّى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم»، فقال عبد الله وأصحابه: سمعًا وطاعة. فمضوا ولقوا عيرًا لقريمش، فقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب كافرًا، واستأسروا اثنين، وغنموا ما كان معهم.
فأنكر عليهم النبي - ﷺ - وقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، وقالت قريش: قَدْ استحل محمد الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية (٢). فهذِه أول غنيمة، وأول أسير، وأول قتيل قتله المسلمون.
الثالث:
لما ذكر البخاري أولًا قراءة الشيخ ثمَّ تلاه بالقراءة والعرض عليه، وهو يشمل السماع والقراءة، ثمَّ تلاه بالمناولة والمكاتبة، وكل منهما قَدْ يقترن به الإجازة وقد لا يقترن، ولم يصرح بالإجازة المجردة، ويحتمل أنه يرى أنها من أنواع الإجازة، فبوب عَلَى أعلاها رتبة عَلَى جنسها.
----------------------
= لابن قانع، ٢/ ١٠٩ - ١١٠ (٥٦٣)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ١٦٠٣ - ١٦٠٨ (١٥٩٢)، «الاستيعاب» ٣/ ١٤ - ١٦ (١٥٠٢)، «أسد الغابة» ٣/ ١٩٤ - ١٩٦ (٢٨٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٤٥٨٣).
(١) في (ف): في.
(٢) سبق تخريجه.
والخطيب الحافظ أطلق اسم الإجازة عَلَى ما عدا السماع، وجعل المناولة والعرض من أنواعها، واستدل عَلَى الإجازة (بعين) (١) ما استدل به البخاري عَلَى المناولة، وهو حديث عبد الله بن جحش، فإنه -عليه السلام- ناوله الكتاب فقرأه عَلَى الناس، ويجوز لهم روايته عن النبي - ﷺ -؛ لأن كتابته إليهم تقوم مقامه، وجائز للرجل أن يقول: حَدَّثَنِي فلان كتابة إِذَا كتب إليه (٢).
والمناولة المقرونة بالإجازة لها صور:
إحداها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه، أو أجزتُ لك روايته عني، ثمَّ يملكه لَهُ أو يأذن له في نسخه ويقابله به.
ثانيها: أن يدفع (إليه) (٣) الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف به متيقظ، ثمَّ يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي فاروه عني، أو أجزت (لك) (٤) روايته، وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضا.
وقد أسلفنا أن القراءة عليه تسمى عرضا أيضًا، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة، وهذِه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري ومالك وآخرين، والصحيح أنها منحطة عَلَى السماع والقراءة، وهو قول جماعة منهم باقي الأربعة.
-----------------
(١) في (ف): بغير.
(٢) انظر: «الكفاية في علم الرواية» ص ٤٦٦ - ٤٧١.
(٣) في (ج): إلى.
(٤) في (ف): له.
ثالثها: أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه لَهُ ثمَّ يمسكه الشيخ عنه ولا يمكنه منه، وهذا دون ما سبق، ويجوز روايته إِذَا وجده أو فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته لما تناوله الإجازة، والمناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله مقتصرًا عَلَى: هذا سماعي، فلا تصح الرواية بها، وجوزها جماعة وذلك كله مبسوط في مختصري في علوم الحديث فراجعه (١)، فإنه يعز نظيره.
وأما الكتابة (المعتبرة) (٢) بالإجازة فكالمناولة وكذا الكتابة المجردة عند الأكثرين، وأما الإجازة فالأصح جواز الرواية والعمل بها، وقد أوضحتها بأقسامها في الكتاب المشار إليه، فراجعه (٣).
الرابع: معنى (كتب): أمر بالكتابة، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال البخاري رحمه الله:
نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْت أَنَّ ابن المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
-----------------
(١) انظر: «المقنع» ١/ ٣٢٥ - ٣٣٠.
(٢) في (ج): المقترنة.
(٣) «المقنع» ١/ ٣١٤ - ٣٢٥.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم أخرجه في مواضع هنا عن إسماعيل: هو الأويسي، عن إبراهيم كما ترى، وفي المغازي (عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم) (١) عن أبيه، عن صالح به، وفيه أنه - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي (٢)، وفي خبر الواحد عن ابن بكير، عن ليث، عن يونس (٣)، وفي: الجهاد: عن عبد الله بن يوسف، عن (الليث، عن عقيل) (٤)، عن الزهري به (٥).
ثانيها:
هذا الرجل هو: عبد الله بن حذافة السهمي كما سقته لك مبينًا، وهو: عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن (هصيص) (٦) بن كعب بن لؤي.
أخو خنيس بن حذافة، زوج حفصة أصابته جراحة بأحد فمات منها، خلف عليها بعده رسول الله - ﷺ -، وعبد الله الذي قَالَ: يا رسول الله من(١) في (ج): (عن إسحاق بن يعقوب، عن إبراهيم) والصواب ما أثبتناه. البخاري (٤٠٧٢).
(٢) سيأتي برقم (٤٤٢٤) كتاب: المغازي، باب: كتابة النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٦٤) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء واحدًا بعد واحدٍ.
(٤) في (ف)، (ج): الليث، عن يونس، عن عقيل، والصواب: ما أثبتناه كما في كتاب: الجهاد من «صحيح البخاري» (٢٩٣٩).
(٥) سيأتي برقم (٢٩٣٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: دعوة اليهود والنصارى.
(٦) في (ف)، (ج): هصص، وما أثبتناه كما في «الثقات» ٣/ ٢١٦، «أسد الغابة» ٣/ ٢١١.
أبي؟ قَالَ: «أبوك حذافة» (١).
أسلم قديمًا وكان من المهاجرين الأولين، وكانت فيه دعابة، وقيل: إنه شهد بدرًا. ولم يذكره الزهري، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، أسره الروم في زمن عمر، وأرادوه عَلَى الكفر، وله في ذَلِكَ قصة طويلة، وآخرها أنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبل رأسي وأطلقك، قَالَ: لا. قَالَ له: وأطلق من معك من أسرى المسلمين، فقبل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرًا، فكان الصحابة يقولون له: قبلت رأس علج، فيقول: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرًا من المسلمين، توفي عبد الله في خلافة عثمان (٢).
ثالثها: في التعريف برجاله، وقد سلف مفرقًا.
رابعها:
البحران: تثنية بحر وهو ملك مشهور بين البصرة وعمان (٣)، صالح النبي - ﷺ - أهله وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها (٤).
----------------
(١) سيأتي برقم (٧٢٩٤) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه.
(٢) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥٤٠ - ٥٤١، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٩٨ - ٩٩ (٥٤٧)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٦١٥ - ١٦١٧ (١٦٠٢)، «الاستيعاب» ٣/ ٢٤ - ٢٦ (١٥٢٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٢١١ - ٢١٣ (٢٨٨٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٤٦٢٢).
(٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٢٨. «معجم البلدان» ١/ ٣٤٦.
(٤) سيأتي في الحديث رقم (٣١٥٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب.
خامسها:
(عظيم البحرين) لعله المنذر بن ساوى العبدي، فإن النبي - ﷺ - بعث العلاء بن الحضرمي إليه وكان ملك البحرين فصدق وأسلم (١).
سادسها:
كسرى -بكسر الكاف وفتحها- قَالَ ابن الجواليقي: والكسر أفصح.
وهو فارسي معرب، وهو أنوشروان بن هرمز الكافر، وهو الذي ملك النعمان بن المنذر عَلَى العرب، وهو الذي قصده سيف بن ذي يزن يستنصره عَلَى الحبشة، فبعث معه قائدًا من قواده فنفوا السودان، وكان ملك كسرى سبعًا وأربعين سنة وسبعة أشهر.
وذكر ابن سعد أنه - ﷺ - بعث عبد الله بن حذافة السهمي، وهو أحد الستة الذين بعثوا إلى الملوك كسرى وغيره [يدعوه] إلى الإسلام، وكتب معه كتابًا، قَالَ عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله - ﷺ - فقرئ عليه ثمَّ أخذه فمزقه.
فلما بلغ رسول الله - ﷺ - ذلك قَالَ: «اللهم مزق ملكه»، وكتب كسرى إلى باذان عامله في اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتيا بخبره، فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة ومعهما كتاب باذان إلى رسول الله - ﷺ -، فتبسم النبي - ﷺ - ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد.
وفيه فقال: «أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذِه الليلة»
لسبع ساعات مضت منها وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى
----------------------
(١) انظر ترجمته في «معجم الصحابة» ٣/ ١٠ (١٠٧٠)، «الاستيعاب» ٤/ ١٠ (٢٥١٥)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٢٦ (٥٠٩٨)، «الأصابة» ٣/ ٤٥٩ (٨٢١٦).
الأولى سنة سبع، وأن الله سلط عليه ابنه شيرويه فقتله (١). أي: وتمزق ملكه كل ممزق، وزال بدعوة النبي - ﷺ -، وذكر ابن هشام: أنه لما مات وِهرز الذي كان باليمن عَلَى جيش الفرس أسر كسرى ابنه يعني: ابن وِهرز، ثمَّ عزله وولى باذان فلم يزل بها حتَّى بعث الله النبي - ﷺ -.
قَالَ: فبلغني عن الزهري أنه قَالَ: كتب كسرى إلى باذان أنه بلغني أن رجلًا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه، فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله، فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا ومن شهر كذا وكذا»، فلما أتى باذان الكتاب قَالَ: إن كان نبيًّا سيكون ما قَالَ، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قَالَ رسول الله - ﷺ -.
قَالَ ابن هشام: قتل عَلَى يدي ابنه شيرويه. قَالَ الزهري: فلما بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس (٢).
سابعها:
قَدْ أسلفنا في الكلام عَلَى حديث هرقل أن كل من ملك الفرس يقال لَهُ كسرى وأولنا حديث: «إذا هَلَكَ كِسْرى فَلَا كِسْرى بَعْدَهُ» (٣)، فراجعه من ثَمَّ.
ثامنها:
فيه من الفقه ما أسلفناه من الكتابة، وفيه أيضًا الاكتفاء بواحد في حمل كتاب الحاكم إلى حاكم آخر إِذَا لم يشك في الكتاب ولا أنكره،
-------------------
(١) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٢) «سيرة ابن هشام» ١/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) سيأتي برقم (٣١٢٠) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم».
واعتماد الحكام الآن عَلَى اثنين للاحتياط، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب: الأحكام -إن قدر الله الوصول إليه وشاءه.
قال البخاري رحمه الله:
نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في أبواب هنا، والجهاد (١) واللباس عن ابن مقاتل (٢)، عن ابن المبارك (٣). وفي الأحكام عن ابن بشار، عن غندر (٤). وله عنه طرق أخرى.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا محمد بن مقاتل، وهو مروزي ثقة صدوق، كنيته أبو الحسن، انفرد به البخاري عن باقي الكتب، روى
-----------------
(١) سيأتي برتم (٢٩٣٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: دعوة اليهود والنصارى.
(٢) كلام المصنف يوهم أن طرق الرواية في كتاب: الجهاد، وكتاب: اللباس والزينة من طريق محمد بن مقاتل عن ابن المبارك وليس كذلك، بل هذِه الطريق هنا فقط، فأما الجهاد فعن علي بن الجعد، وأما في اللباس والزينة فعن آدم بن أبي إياس كلاهما عن ابن المبارك.
(٣) سيأتى برقم (٥٨٧٥) كتاب: اللباس، باب: اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء.
(٤) سيأتى برقم (٧١٦٢) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة على الخط المختوم.
عن ابن المبارك، ووكيع، وعنه مع البخاري أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، مات آخر سنة ست وعشرين ومائتين (١).
ثالثها:
الخاتم: بفتح التاء وكسرها وفيه أربع لغات أخر خاتام وخيتام وختام وختم.
رابعها: في فوائده وأحكامه:
الأولى: اتخاذ خاتم الفضة، وهو إجماع (٢)، ولا عبرة بمن شذ فيه من كراهة لبسه إلا لذي سلطان (٣)، ومن كراهته للنساء؛ لأنه من زي الرجال (٤).
وأما خاتم الذهب: فقام الأجماع عَلَى تحريمه (٥)، ولا عبرة بقول أبي بكر (بن) (٦) محمد بن عمرو بن حزم أنه مباح (٧). ولا بقول
-----------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٤٢ (٧٦٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٥ (٤٤٨)، «الثقات» ٩/ ٨١، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٩١ - ٤٩٣ (٥٦٢٦).
(٢) انظر: «التمهيد» ١٧/ ٩٩، «الإقناع في مسائل الإجماع» لابن القطان الفاسي ٤/ ٢٠٢٨، «المجموع» ٤/ ٣٠٤.
(٣) انظر: «التمهيد» ١٧/ ١٠٠، «المجموع» ٤/ ٣٠٤ - ٣٤١، «أحكام الخواتم» لابن رجب ص ٥٣. قال النووي: وأما ما نقل عن بعض علماء الشام المتقدمين من كراهة لبسه لغير ذي سلطان، فشاذ مردود بالنصوص واجماع السلف. اهـ.
قلت: من أراد مزيد بيان فليراجع المسالة في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٤٠، وعزاه للخطابي، قال النووي: هذا الذي قاله باطل لا أصل له. اهـ.
(٥) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١٤/ ٣٢.
(٦) في الأصل: أبو بكر محمد بن عمرو، والصواب ما أثبتناه كما في «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٣٧، «الثقات» ٥/ ٥٦١، «تهديب التهذيب» ٤/ ٤٩٤.
(٧) انظر: «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم ٦/ ١١٢. قال ابن القيم: وقد روي عن =
بعضهم أنه مكروه (١)، وقد كان - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه فاتخذ الناس مثله فرماه، وقال: «لا ألبسه أبدًا» (٢) ثمَّ اتخذ الخاتم من فضة فنسخ لبسه.
وأما حديث أنس (خ م) أنه رأى في يد رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ورق يومًا واحدًا فطرحه وطرح الناس خواتيمهم (٣) فهو وهم من الزهري، وإن كان رواه عنه خمسة وصوابه من ذهب (٤).
الثانية: جواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه، وجواز نقش اسم الله تعالى عليه، وهو قول مالك (٥) وابن المسيب (٦) وغيرهما، وكرهه ابن سيرين (٧).
----------------
= البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنهم لبسوا خواتيم الذهب. وهذا إن صح عنهم فلعلهم لم يبلغهم النهي، وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف، وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال وإباحته للنساء والله أعلم. اهـ.
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٢) سيأتي برقم (٥٨٦٧) كتاب: اللباس، باب: خاتم الفضة.
(٣) سيأتي برقم (٥٨٦٨) كتاب: اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩٣) كتاب: اللباس والزينة، باب: في طرح الخواتم.
(٤) قلت: ذكر ابن رجب في «أحكام الخواتم» ص ٥٦ - ٦٠ إلى جانب هذا السبب، أسباب أُخر، أحدها: أن الخاتم الذي رمى به النبي - ﷺ - لم يكن كله من فضة، وإنما كان من حديد عليه فضة. الثاني: أن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه فتبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة وبقى أصل الجواز بلُبْسه. الثالث: أن طرحه كان بسبب نقش الناس على نقشه لنهيه عن ذلك.
(٥) انظر: «الذخيرة» ١٣/ ٢٦٥.
(٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٤٦ (١٣٥١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٥/ ١٩٢ (٢٥١١٤).
(٧) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤.
وأما رواية البخاري فيما سيأتي: «إنِّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا عليه نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ» (١) فالنهي محن نقش مثله خوف حصول المفسدة والخلل، فإنه إنما فعل ذَلِكَ؛ ليختم به كلتب الملوك، فإذا نقش مثله خيف وقوع ذَلِكَ.
الثالثة: ختم كتاب السلطان والقضاة والحكام، وهو سنة متبعة، وإنما كانوا لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا خوفًا عَلَى كشف أسرارهم وإذاعة تدبيرهم، فصار الختم للكتاب سنة، وقد قيل في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]: أنه كان مختومًا (٢).
الرابعة: معنى (كَتَبَ): أراد أن يكتب كما سلف.
واعلم أن البخاري ذكر أحاديث الخاتم في مواضع من كتابه في كتاب اللباس وغيره كما سنمر عليه -إن شاء الله تعالى-، وهناك يأتي الكلام -إن شاء الله تعالى- في كيف وضع فصه؟ وأنه من داخل، وصفة فصه، وهل يلبسه في يمينه أو في يساره؟ إن شاء الله.
واستحب مالك لبسه في يساره وكرهه في يمينه (٣)، والأصح عند الشافعية عكسه، وكان نقش خاتم الإمام مالك: حسبي الله ونعم الوكيل (٤)، وكان نقش خاتم الشافعي: الله ثقة محمد بن إدريس، ونقل الربيع عنه أنه كان يتختم في يساره.
--------------
(١) سيأتي برقم (٥٨٧٤) كتاب: اللباس، باب: الخاتم في الخنصر.
(٢) ذكره الطبري في «تفسيره» ٩/ ٥١٣.
(٣) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٢٩١.
(٤) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٢٩١، «الذخيرة» ١٣/ ٢٦٥.
٨ - باب مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِى بِهِ الْمَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ. فِي الَمسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اَثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الَحلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاَثةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْة، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَغرَضَ اللهُ عَنْهُ». [٤٧٤ - مسلم ٢١٧٦ - فتح: ١/ ١٥٦]
لو أخر البخاري هذا الباب -رحمه الله- إلى ما بعد الباب الذي يليه وهو باب قوله - ﷺ -: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» لكان أولى؛ لأن فيه معنى التحمل عن غير العارف وغير الفقيه.
نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرِ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: الحلق والجلوس في المسجد عن عبد الله بن يوسف (١).
وأخرجه مسلم في الأدب عن قتممة كلاهما عن مالك، وعن أحمد بن المنذر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب (بن) (٢) شداد، عن يحيى بن أبي كثير، وعن إسحاق بن منصور، عن حبان، عن أبان العطار، عن ابن أبي كثير كلاهما عن إسحاق، عن أبي مرة يزيد مولى عقيل، عن أبي واقد (٣).
ثانيها: في التعريف برواته:
أما أبو واقد فهو -بالقاف- مشهور بكنيته، وفي اسمه أقوال: أصحها: الحارث بن عوف قاله الكلبي، وصححه أبو عمر (٤)، وثانيها: عكسه.
ثالثها:
الحارث بن مالك -قاله الواقدي- ابن أسيد بن جابر بن عويرة (٥) بن
-------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧٤) كتاب الصلاة.
(٢) في (ج): عن. وما أثبتناه هو الصحيح، مسلم (٢١٧٦).
(٣) (٢١٧٦) كتاب: السلام، باب: مَنْ أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم.
(٤) «الاستيعاب» ١/ ٣٦٠.
(٥) كذا بالأصول عندنا: عويرة، ووقع في «معجم البغوي»: عوثرة. وسقطت من «الإصابة» لابن حجر و«معجم ابن قانع»، ووقع في مطبوع «الاستيعاب»: عوثرة، وذكر المحقق أنه وقع في مخطوط: عنورة، ووقع في «أسد الغابة»: عويرة بمثل ما ذكر عندنا، ووقع في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم: عتوارة.
عبد مناف (١) بن شجع (٢) بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة الليثي.
قَاَل أبو عمر عن بعضهم: شهد بدرًا، ولم يذكر موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، وذكر بعضهم أنه كان قديم الإسلام.
وقال غيره: أسلم يوم الفتح، وأخبر عن نفسه أنه شهد حنينًا، قَالَ: وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل عَلَى تأخر إسلامه، وشهد اليرموك، ثمَّ جاور بمكة سنة ومات بها ودفن بمقبرة المهاجرين.
لَهُ أربعة وعشرون حديثًا اتفقا منها عَلَى هذا الحديث، وليس لَهُ في «صحيح البخاري» غيره، وانفرد مسلم بحديث آخر، وهو ما كان يقرأ به النبي - ﷺ - في الأضحى (٣).
وقيل: إنه ولد في العام الذي ولد فيه ابن عباس، وفي هذِه وشهوده نظر كما قاله الحافظ عبد الغني، مات سنة ثمان وستين عن خمس وسبعين سنة (٤).
------------------
(١) كذا بالأصول عندنا: عبد مناف، زكذا وقع في «معجم البغوي»، ووقع في «معجم ابن قانع»، و«الاستيعاب»، والطبوع في «أسد الغابة»: عبد مناة، وذكر محقق «أسد الغابة» أنه وقع في أصوله الخطية: عبد مناف، ووقع في «الإصابة»: عبد مناة. وكذا بهامشة لابن عبد البر، وكذلك في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم.
(٢) كذا بالأصول عندنا: شجع، وكذا وقع في «معجم البغوي»، «أسد الغابة»، «معرفة الصحابة»، ووقع في «معجم ابن قانع»، «و»الاستيعاب«،»الإصابة«: أشجع.
(٣) مسلم (٨٩١) كتاب: صلاة العيدين، باب: ما يقرأ به في صلاة العيدين.
(٤) انظر ترجمته في:»معجم الصحابة«للبغوي ٢/ ٤٢ - ٤٥،»معجم الصحابة«لابن قانع ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (١٨٥)،»معرفة الصحابة«للبغوي ٢/ ٤٢ - ٤٥،»معرفة الصحابة«لأبي نعيم ٢/ ٧٥٢ (٦٣٠)،»الاستيعاب«٤/ ٣٣٧ (٣٢٤٧)،»أسد الغابة«١/ ٤٠٩ (٩٤٠)،
»الإصابة" ٤/ ٢١٥ - ٢١٦ (١٢١١).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|