
19-01-2026, 05:30 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,868
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (3)
من صـــ 146 الى صـــ 165
الحلقة (57)
وأما أحمد شيخ البخاري فهو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف -بفتح الميم ثم نون ساكنة ثم جيم ثم فاء- السدوسي المنجوفي البصري، سمع ابن مهدي وغيره، وعنه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (١).
وأما عثمان المذكور في المتابعة فهو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن جهضم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري العبدي مؤذن جامعها، سمع عوفًا وغيره، وعنه الذهلي وآخرون، وروى البخاري عنه في مواضع، وروى هو والنسائي عن رجل عنه، وروى البخاري عن محمد غير منسوب وهو الذهلي عنه، مات في رجب سنة عشرين ومائتين (٢).
الوجه الثاني:
قوله: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ) أي: تابع روحًا في الرواية عن عوف، فالهاء عائدة على روح، فالحديث من رواية عثمان رباعي، ومن رواية المنجوفي خماسي، وذكر هذا أولًا؛ لأنه أتم سياقًا؛ ولهذا قَالَ: تابعه عثمان نحوه.
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
الجنازة -بفتح الجيم وكسرها-: اسم للميت وللسرير أيضًا، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت.
وقيل: عكسه. مشتقة من جنز إذا ستر.
--------------------
(١) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١/ ٣٦٥ (٥٨).
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ الترجمة ٢٣٣٠، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٤٥٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٠٢ (٣٨٦٩).
ومعنى: اتبعها: مشى معها وحضرها. يُقال: تبعت الشيء تبعًا وتباعة -بفتح التاء- وتبع وأتْبَع (واتَّبع) (١) واحد، وقيل: أتْبعه: لحقه ومشى خلفه، واتَّبعه: حذا حذوه.
وتقدم تفسير قوله: («إيمانًا واحتسابًا»)، وقوله: («ويُفْرَغ») هو بضم أوله وفتح ثالثه وهو أعم.
والقيراط: اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير، بيَّن في هذا الحديث أنه مثل أُحُد، وفي رواية للحاكم: «القيراط أعظم من أُحُد» ثم قَالَ: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٢).
وفي رواية للحاكم من حديث أُبي بن كعب مرفوعًا: «والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» (٣) في إسناده الحجاج بن أرطاة، (حالته) (٤) معلومة.
وفي «السنن الصحاح المأثورة» (٥) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من أوذن بجنازة فأتى (أهلها) (٦) فعزاهم كتب الله له قيراطًا، فإن شيَّعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد
---------------------
(١) من (ف).
(٢)»المستدرك«٣/ ٥١٠ - ٥١١.
(٣) الحديث ليس في»المستدرك«، وهو بنصه عند أحمد ٥/ ١٣١ من حديث أبي بن كعب، وكذا عزاه لأحمد المصنف في»شرح العمدة«٤/ ٥٣٠، ورواه ابن ماجه (١٥٤١)، والضياء في»المختارة«(١١٦٧)، (١١٧٠) وليس فيه موضع الشاهد، والحديث فيه الحجاج بن أرطاة وحالته معروفة كما قال المصنف.
قال البوصيري في»زوائد ابن ماجه" (٥١٤): إسناد حديث ابي بن كعب ضعيف لتدليس حجاج بن أرطاة.
(٤) في (ج): حاله.
(٥) للحافظ ابن السكن.
(٦) في (ف): لها.
دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد» (١).
الوجه الرابع: في أحكامه وفوائده:
الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه. وسيأتي بسط هذا كله في موضعه إن شاء الله تعالى وقدره.
قَالَ أبو الزناد: حضَّ الشارع على التواصل في الجنازة بقوله: «صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك» (٢)، و«لا تقاطعوا ولا تدابروا» (٣) وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له.
قُلْتُ: والتشييع من حقوق المسلم على المسلم. كما أخرجه الترمذي من حديث (…) (٤): «للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا
----------------
(١) رواه ابن حبان في»المجروحين«٣/ ٤٠ - ٤١ مرفوعًا.
ورواه أبو يعلى في»مسنده«١١/ ٣٣٦ (٦٤٥٣) موقوفًا على أبي هريرة بألفاظ مختلفة وإسنادهما ضعيف؛ لضعف معدي بن سليمان، ومعدي بن سليمان قال فيه ابن حبان: كان ممن يروي المقلوبات عن الثقات، والملزقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث، يحدث عن ابن عجلان بمناكير. وضعفه النسائى.
انظر:»الجرح والتعديل«٨/ ٤٣٨ (١٩٩٧)،»التقريب«(٦٧٨٨).
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٤٨، ١٥٨، والطبراني ١٧/ ٢٧٠ (٧٤٠)، وابن عدي في»الكامل«٦/ ٢٨١، والحاكم ٤/ ١٦١ - ١٦٢، وقال الهيثمي في»المجمع«٨/ ١٨٨: رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وصححه الألباني في»الصحيحة" (٨٩١).
(٣) سيأتي برقم (٦٠٦٥) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ورواه مسلم (٢٥٥٩/ ٢٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم التحاسد …
(٤) بياض في (ج)، (ف) بمقدار كلمة قد تكون اسم راوي الحديث وهو عليٌّ.
مرض، ويشيع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه» (١).
الثانية: القيراط الأول يحصل بالصلاة إذا انفردت، فإن ضُمّ إليها اتِّباعه وحضوره حتى يفرغ من دفنه حصل له قيراط ثان.
ولا يقال: يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة كما قد يتوهم من ظاهر بعض الأحاديث، فالمطلق والمجمل محمول على هذا المصرح، وممن صرح بحصولهما فقط أبو الحسن علي بن عمر القزويني (٢) وابن الصباغ، من أصحابنا.
قَالَ -أعني: ابن الصباغ-: وأما رواية: «ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» (٣) (فمعناها) (٤): فمن تبعها حتى تدفن فله تمام قيراطين بالمجموع، قَالَ: ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، (أي: تمام أربعة) (٥). ثم قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٦).
-----------------
(١) الترمذي (٢٧٣٦)، ورواه ابن ماجه (١٤٣٣)، والدارمي ٣/ ١٧٢٠ (٢٦٧٥) وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١١٧٩): صحيح دون زيادة «ويحب له ..» وهي ثابتة في حديث آخر.
(٢) هو الإمام العارف شيخ العراق أبو الحسن عليّ بن عمر بن محمد، المعروف بابن القزويني البغدادي الحربي الزاهد. مات ابن القزويني في ليلة الأحد لخمس خلون من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤٣، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٠٩ - ٦١٣، «طبقات الشافعية الكبرى» ٥/ ٢٦٠ - ٢٦٦.
(٣) سيأتي برقم (١٣٢٣) كتاب: الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز، ورواه مسلم (٩٤٥/ ٥٢) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة.
(٤) في (ف): فمعناه.
(٥) من (ف).
(٦) انظر كلام ابن الصباغ في «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
الثالثة: في (الدفن الذي يحصل به) (١) القيراط الثاني وجهان:
أصحهما: بالفراغ منه. أي: من تسوية القبر، والثاني: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يُلْق عليه التراب.
وفي وجه ثالث بعيد أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، ورواية مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (٢) تدل عليه، لكنها تؤول بالفراغ من الدفن جمعًا بين الروايتين، وسيكون لنا عودة -إن شاء الله تعالى- إلى هذا الموضع في بابه.
الرابعة: الحديث (دلَّ) (٣) على أن حصول القيراطين إذا اتَّبعها وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها، ومن سبقها إلى الصلاة أو إلى القبر فأجره دون ذَلِكَ؛ لأنه ليس معها (٤). وكره أشهب اتِّباعها والرجوع قبل الصلاة.
الخامسة: حكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا ينصرف بعد الدفن إلا بإذن، وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه.
------------------
(١) من (ج).
(٢) (٩٤٥) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
(٣) في (ج): دال.
(٤) وجد بهامش (ف) تعليق نصه: قال الكرماني: وهذا -يعني القيراط- لا يحصل من الصلاة فقط بل لابد أن يكون معه ومتبعًا له بقرينة (يرجع)، إذ الرجوع عنه مسبوق بالذهاب معه، أو بقرينة ما تقدم.
ثم قال عن النووي: في الحديث تنبيه على أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة، وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة، والله أعلم. انتهى. انظر: «البخاري بشرح الكرماني» ١/ ١٨٥ - ١٨٦، وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٧/ ١٤.
السادسة: قد يستدل بلفظ الاتباع من يرى أن المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، والجمهور على خلافه، وبه قَالَ باقي الأئمة الأربعة (٢)، وقال الثوري وطائفة: هما سواء (٣).
ولا فرق عندنا بين الراكب والماشي، خلافًا للثوري، حيث قَالَ: إن الراكب يكون خلفها (٤). وتبعه الرافعي في «شرح المسند» (٥)، وكانه قلد الخطابي؛ فإنه كذا ادعى (٦).
وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة (٧)، وقال به من المالكية أيضًا أبو مصعب (٨).
السابعة: الحديث دالٌّ على أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا، فإنّ حضورها على ثلاثة أقسام: احتساب، ومكافاة، ومخافة.
والأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر، والثاني: لا يبعد ذَلِكَ في حقه، والثالث: الله أعلم بما فيه.
الثامنة: إنما كان الجزاء بالقيراط دون غيره؛ لأنه أقلُّ مقابلٍ عادةً، وإنما خص بأُحُدٍ؛ لأنه أعظم جبال المدينة، والشارع كان يحبه وهو يحبه.
---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٠٤، «المحيط البرهاني» ٣/ ٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٥، و«البيان» ٣/ ٩٠ - ٩١، و(المغني«٣/ ٣٩٧.
(٣) انظر:»التمهيد«٣/ ٩١.
(٤) انظر:»البيان«٣/ ٩٠ - ٩١.
(٥)»شرح مسند الشافعي«حديث (١٦١٥).
(٦)»معالم السنن«١/ ٢٦٨.
(٧)»المستدرك«١/ ٣٦٣ ونصه:»الراكب خلف الجنازة، والماشي قريبًا منها، والطفل يصلى عليه«.
(٨) انظر:»الذخيرة" ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
التاسعة: وجوب الصلاة على الميت ودفنه وهو إجماع.
العاشرة: الحض على (الاجتماع) (١) لهما والتنبيه على عظم ثوابهما وهي مما خصت بها هذِه الأمة، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه.
-------------------
(١) في (ج): الإجماع.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٥٣٩.
٣٦ - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ:
مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا.
وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. [فتح: ١/ ١٠٩]
٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا وَائِلٍ عَنِ الُمرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». [٦٠٤٤، ٧٠٧٦ - مسلم: ٦٤ - فتح: ١/ ١١٠]
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُون خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ». [٢٠٢٣، ٦٠٤٩ - فتح: ١/ ١١٣]
المراد بالحبط: نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر ويخرج عن الملة إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر.
وأما حديث: «الشرك فيكم أخفي من دبيب النمل» (١) المراد به: الرياء لا الكفر، كما نبه عليه ابن بطال (٢).
قَالَ البخاري رحمه الله:
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - كلّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُول: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِن، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِق. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، ثنَا شعْبَة، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ
عَنِ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ
المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَان وَفُلَان فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ».
---------------
(١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٣٥٦٦)، الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٩١، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٢٥٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٢٣: رواه البزار وفيه عبد الأعلى بن أعين وهو ضعيف.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٢، ١١٣.
الكلام عَلَى ذَلِكَ من وجوه:
الأول: في تخريج هذِه الآثار التي ذكرها البخاري معلقة.
أما أثر إبراهيم فأخرجه أبو القاسم اللالكائي في «سننه» بإسناد جيد عن القاسم بن جعفر. (أنا) (١) محمد بن أحمد بن حماد، ثنا العباس بن عبد الله، ثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن أبي حيان، عن إبراهيم به (٢).
وأما أثر ابن أبي مليكة فأخرجه (…) (٣). وأما أثر الحسن فأخرجه الفريابي عن قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن (٤)، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق.
قَالَ: وحَدَّثنَا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، ثنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن: والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه.
وثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول: إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هَمٌّ غير النفاق.
-----------------
(١) في (ف): أبنا.
(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٤/ ٩٢٩ (١٥٨٠).
(٣) بياض بالأصل، والتعليق وصله ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٢١ (٦٥١)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٦٨٨).
(٤) رواه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٦٣٤ (٦٨٧).
وحَدَّثنَا هشام بن عمار، ثنا أسد بن موسى، عن أبي الأشهب، عن الحسن: لما ذُكِرَ أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه.
وثنا هشام، ثنا أسد بن موسى، ثنا محمد بن سليمان قَالَ: سأل أبان الحسن فقال: تخاف النفاق؟ (قال) (١): وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب.
وثنا (شيبان، ثنا أبو الأشهب) (٢)، عن طريف قَالَ: قُلْتُ للحسن: إن ناسًا يزعمون ألا نفاق أو لا يخافون (النفاق) (٣) شك أبو الأشهب فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إليَّ من طلاع الأرض ذهبًا (٤).
الوجه الثاني:
الحديث الأول أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن محمد بن بكار وعون بن سلام قالا: ثنا محمد بن طلحة، وثنا محمد بن المثنى، (ثنا غندر) (٥)، ثنا شعبة، وثنا ابن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، كلهم عن زبيد، عن أبي وائل (٦).
----------------
(١) من (ج).
(٢) في (ف): شهاب بن الأشهب.
وفي (ج): شهاب ثنا ابن الأشهب. وكلاهما خطأ والمثبت هو الصواب كما في «صفة المنافق».
(٣) من (ج).
(٤) انظر هذِه الآثار في «صفة المنافق» للفريابي ص ٧١ - ٧٣.
(٥) في (ف)، (ج): وثنا غندر، وهو خطأ والمثبت من «صحيح مسلم».
(٦) برقم (٦٤) كتاب: الإيمان، باب: بيان قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
والحديث الثاني أخرجه البخاري هنا عن قتيبة كما سقناه وفي الصوم (١) عن أبي موسى، عن خالد بن الحارث، وفي الأدب (٢) عن مسدد، عن بشر بن المفضل ثلاثتهم عن حميد به.
الوجه الثالث: في التعريف برواتهما:
وقد سلف منهم التعريف بعبد الله، وهو ابن مسعود، وعبادة وأنس وشعبة وإسماعيل بن جعفر وقتيبة.
وأما أبو وائل الراوي عن عبد الله فهو شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، كوفي تابعي، أدرك زمن رسول الله - ﷺ - ولم يره، قَالَ: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية.
وقَالَ: كنت قبل. مبعث النبي - ﷺ - ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي.
وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًّا وابن مسعود وعمارًا وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه خلق من التابعين وغيرهم.
وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وهو من أجَلِّ أصحاب ابن مسعود، وكان ابن مسعود يثني عليه، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال الواقدي وأبو نعيم: في خلافة عمر بن عبد العزيز. وفي «الكمال» أنه توفي سنة سبع وتسعين -وعلى سبع عَلامَةُ إِصْلاحٍ- وقال النووي في (شرحه) (٣) في القطعة التي (له) (٤) على هذا الكتاب: مات سنة مائة.
------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٢٣) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر؛ لتلاحي الناس.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٤٩) باب: ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) من (ج).
(٤) من (ف).
وقيل: سنة تسع وتسعين، وهو ماش على قول الواقدي وأبي نعيم السالفين، فإن عمر بن عبد العزيز مات سنة إحدى ومائة في رجب.
وقيل: سنة اثنتين ومائة، وكانت خلافته سنتين ونصفًا. وقيل: سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا (١).
وأما زُبَيد الراوي عنه فهو -بزاي مضمومة ثم باء موحدة ثم مثناة تحت- بن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله اليامي بمثناة تحت، جد القبيلة، بطن من همدان- ويقال: الأيامي الكوفي، روى عن أبي وائل وجمع من التابعين، وعنه: الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة (٢).
فائدة:
في الصحيحين زُبيد بضم الزاي ثم موحدة إلا هذا، كما سلف التنبيه عليه في الفصول السالفة.
وأما زبيد بن الصلت (٣): فليس له ذكر فيهما، ذاك في «الموطأ».
وأما محمد (خ. م. د) بن عَرْعَرة الراوي عن شعبة فهو بفتح العينين المهملتين، وبالراء المكررة الأولى ساكنة، وهو أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله محمد بن عرعرة بن البِرِند -بموحدة ثم راء مكسورتين، ويقال بفتحهما، والأول أصح وأشهر، ثم نون ثم دال مهملة-
----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٩٦، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٥ (٢٦٨١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٤٨ (٢٧٦٧).
(٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٠٩، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٥٠ (١٤٩٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٢٣ (٢٨١٨)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٨٩ (١٩٥٧).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤٧ (١٤٩٦)، «ثقات ابن حبان» ٤/ ٢٧٠.
(ابن النعمان) (١) القرشي السامي -بالسين المهملة- (ولد) (٢) سامة بن لؤي بن غالب البصري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة.
قَالَ شيخنا قطب الدين في «شرحه»: انفرد به البخاري عن مسلم.
قُلْتُ: لا، فقد روى له معه، وكذا أبو داود. كما نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي في «تهذيبه» (٣).
وأما حميد الراوي عن أنس فهو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد تِير -ويقال: تِيرويه، بكسر المثناة فوق. ويقال: غير ذَلِكَ- الخزاعي البصري مولى طلحة الطَّلْحات، سمع أنسًا وغيره من التابعين، وعنه يحيى الأنصاري وغيره من الأعلام.
وحميد هذا هو الطويل (تمييزًا له) (٤)، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له ذَلِكَ. وقال الأصمعي: لم يكن بذاك الطويل لكن كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير. فقيل: حميد الطويل تمييزًا له.
وقال البخاري عن الأصمعي: رأيتُه ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة عن خمس وسبعين سنة.
وقيل: سنة اثنتين وأربعين. وقيل: سنة أربعين (٥).
-----------------
(١) من (ج).
(٢) في (ف): وله.
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٣ (٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠ (٢٣٠)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٠٨ (٥٤٦٣).
(٤) من (ج).
(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٢ (٢٧٠٤)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٩ (٩٦١)، «تهذيب الكمال» ٣٥٥/ ٧.
فصل:
وقع في أوائل الباب ذكر إبراهيم التيمي وعبد الله بن أبي مليكة والحسن. أما إبراهيم فهو ابن يزيد بن شريك التيمي -تيم الرباب- الكوفي أبو أسماء. روى عن أنس وغيره، وعنه الثوري وغيره، قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي فوقع الرسول به فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال: أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء الساحة فصبر في السجن حتى مات.
وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ قتله الحجاج.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ومن غرائبه ما رواه الأعمش عنه: إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل. مات سنة اثنتين وتسعين ولم يبلغ أربعين سنة (١).
فائدة:
تيم الرباب: بكسر الراء، قَالَ الحازمي: وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة، وقال معمر بن المثنى: هو ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل: سموا به، لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه.
قَالَ الحازمي: هذا قول ابن الكلبي، وقال غيره: سموا به؛ لأنهم ترببوا، أي: تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة.
---------------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٨٥، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٤٥ (٤٧٤)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٣٢ (٢٦٤).
وأما ابن أبي مليكة فهو عبد الله بن (عبيد الله) (١) بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن (عمر) (٢) بن كعب بن تيم بن مرة القرشي، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا. جلالته متفق عليها. سمع العبادلة، ومات سنة سبع عشرة ومائة (٣). وأما الحسن فهو البصري، وقد تقدم حاله (٤).
الوجه الرابع:
فيما فيه من المبهمات: الرجلان المذكوران في قوله: (فتلاحى رجلان). مكثت مدة فلم أعثر على من سماهما إلى أن رأيت ابن دحية في كتابه «العَلَم المشهور». قَالَ: هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد.
قُلْتُ: وحديثهما ذكره البخاري في الخصومات (٥) وغيره كما ستعلمه.
الوجه الخامس: في ألفاظه ومعانيه:
معنى قول إبراهيم التيمي أنه خشي أن يكون قصر في العمل، وكذا ينبغي أن تغلب الخشية المؤمن، كما قَالَ الحسن: ما خافه إلا مؤمن.
وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في
عمله. فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ
------------------
(١) في (ف): عبيد.
(٢) في (ج): عمرو.
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٧٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٧ (٤١٢)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٥٦ (٣٤٥٥).
(٤) سبقت ترجمته في حديث (٣١).
(٥) سيأتي برقم (٢٤١٨) باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض.
﴿تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف:٢ - ٣]. وهذا على المختار في ضبط قوله: (مكذبًا) أنه بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها. ومعناه: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا قولي ويقول: لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل.
ومعنى قول ابن أبي مليكة عن الصحابة: (أنهم) (١) خافوا أن يكونوا في جملة من داهن ونافق. قَالَ ابن بطال: وإنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا (٢).
وروي عن عائشة أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: «هم الذين يُصلُّون ويصومون ويتصدقون ويَفْرَقون أن لا تقبل منهم» (٣).
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] أعمال كانوا يحسبونها (حسنات) (٤) بُدِّلت سيئات وقوله: (ما منهم من يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل) هو على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، (فإنّ) (٥) إيمان جبريل وميكائيل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة.
وقول الحسن: (مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ). يعني: الله تعالى، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
-------------------
(١) من (ج).
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٩.
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحميدي ١/ ٢٩٨ (٢٧٧)، وأبو يعلى ٨/ ٣١٥ (٤٩١٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٢).
(٤) من (ج).
(٥) في (ف). وأن.
﴿جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ونظائره كثيرة. والسب في اللغة: الشتم والتكلم في العرض بما يعيبه (١). والفسق: الخروج لغة، وشرعًا: الخروج عن الطاعة (٢).
وقوله: («وقتاله كفر») لابد من تأويله فإن قتاله بغير حق لا يخرجه عن الملة عند أهل الحق ولا يكفر به، وفيه أقوال:
أصحها: أن المراد به (كفران) (٣) الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على أخيه كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة منها: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٤) الحديث. فإذا قاتله فقد كفر تلك الحقوق.
ثانيها: أن المراد به: من استحله (من غير) (٥) موجب ولا تأويل.
أشار إليه الخطابي (٦) وهو محتمل على بُعد، والأصح الأول وبه يحصل الزجر عن انتهاك حرمات المسلمين فهو أكثر فائدة.
ثالثها: أنه شابه فعل الكفار.
رابعها: أن المراد بالمقاتلة: المشادة والتناول باليد والتطاول عليه.
قَالَ ابن بطال: العرب تسمي المشادة: المقاتلة. كما قَالَ - ﷺ - في المار
--------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٤/ ١٩٠٩.
(٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٧٢١ مادة: (فسق).
(٣) في (ف): كفر.
(٤) رواه مسلم (٢٥٦٤/ ٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.
(٥) في (ج): بغير.
(٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٦.
بين يدي المصلي: «فليقاتله» (١) أي: فليدفعه بالقوة ولم يرد قتله (٢).
وإيراد البخاري حديث التلاحي في الباب رمز إلى هذا المعنى، وقد ترجم عليه في كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣).
وقد سلف أيضًا باب: كفر دون كفر وذكر كفران العشير، ثم هذا كله فيمق لا تأويل (له) (٤) (أما) (٥) المتأول فلا يكفر ولا يفسق كالبغاة والخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقال عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنق هذا المنافق (٦). فلم ينكر عليه - ﷺ - لما كان فعل حاطب يشبه فعل المنافقين، وكما قَالَ معاذ للمنصرف من الصلاة: نافقت (٧). وأشباه ذَلِكَ.
والمرجئة -بضم الميم، وجيم ثم همزة- مشتقة من الإرجاء، وهو التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخره، والمرجئ مَنْ أخر العمل عن الإيمان، وقيل: من الرجاء: لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل: من الإرجاء، بمعنى: تأخير حكم الكبيرة، فلا يقضى بها بحكم في الدنيا، وهم أضداد الخوارج والمعتزلة.
--------------------
(١) رواه مسلم (٥٠٦) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلى.
(٢) «ابن بطال» ١/ ١١١ بتصرف.
(٣) سيأتي برقم (٧٠٧٧) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارا …».
(٤) في (ج): معه.
(٥) في (ف): إنما.
(٦) سيأتي برقم (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس.
(٧) رواه مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
فالخوارج تكفر بالذنب، والمعتزلة يفسقون به وكلهم يوجب الخلود في النار. والمرجئة تقول: لا يضر الذنب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره.
ومنهم من يقول: لابد مع ذَلِكَ من الإقرار باللسان حكاه القاضي، ومنهم من وافق القدرية كالخالدي (١)، ومنهم من لم يوافقهم وهم خمس فرق كفر بعضهم (بعضًا) (٢)، وهؤلاء هم مراد البخاري في الرد عليهم.
وقوله: (فَتَلَاحَى رَجُلَانِ). أي: تخاصما وتنازعا. والملاحاة: المخاصمة والمنازعة والسباب، والاسم اللِّحاء مكسور ممدود. وجاء في رواية لمسلم: «يحْتَقَّان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها» (٣) أي: يطلب كل منهما حقه ويدعي أنه محق في دعواه.
ومعنى «رُفِعَت»: رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة بدليل قو له: «التمسوها».
وقوله: («الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ») كذا هو في أكثر النسخ بتقديم السبع على التسع وفي بعضها تقديم التسع.
-----------------
(١) ذكره الشهرستاني في «الملل والنحل» ص ١٣٩.
(٢) من (ج).
وذكر البغدادي في «الفَرق بين الفِرق» ص ٢٠٢ أن المرجئة ثلاثة أصناف: منهم من قال بالإرجاء في الإيمان والقدر على مذاهب القدرية المعتزلة كغيلان وأبي شمر، ومنهم من قال بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، ومنهم خارجون عن الجبرية والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق: اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. ثم قال: والفرق الخمس التي ذكرناها من المرجئة تضلل كل فرقة منها أختها ويضللها سائر الفرق. اهـ.
(٣) مسلم (١١٦٧/ ٢١٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|