
19-01-2026, 05:24 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (3)
من صـــ 126 الى صـــ 145
الحلقة (56)
سمع جمعًا من التابعين منهم: الشعبي وقيس، وعنه ابن إسحاق وهو تابعي وشعبة وخلق، وثَّقوه، مات سنة عشرين ومائة (١).
وأما جعفر فهو أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن (عمرو) (٢) بن حريث القرشي المخزومي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين، منهم يحيى الأنصاري، وعنه ابن راهويه وغيره.
قَالَ ابن معين: ثقة. وقال أحمد: صالح، ليس به بأس. مات سنة ست، وقيل: سنة سبع ومائتين. قيل: عن سبع وتسعين وقيل: عن سبع وثمانين (٣).
وأما الحسن فهو أبو علي الحسن بن الصباح بن محمد البزار -آخره راء مهملة- الواسطي سكن بغداد، وكان من الثقات الخيار، صاحب سُنَّة، سمع وكيعًا وغيره، وعنه البخاري (٤)، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه، مات ببغداد سنة تسع وأربعين ومائتين (٥)، قَالَه الكلاباذي وغيره (٦).
----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٦٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٢٧ (٣٢١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٧٢ (٢٠٥٤)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٠٩ (٣٧٧٦).
(٢) في (ج): عمر.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٩٧ (٢١٧٩)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٧٠ (٢٢٠)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٧٠ (٩٤٨).
(٤) ورد بهامش (ف) ما نصه: وأبو داود والترمذي، زاد صاحب «الكمال» النسائي، وهو ما في … لابن عساكر.
(٥) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ١٩ (٧١)، «الثقات» ٨/ ١٧٧، «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٣٠ (٣٤٨٥)، «تهذيب الكمال» ٦/ ١٩١ (١٢٣٦).
(٦) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٨٣.
وقال ابن عساكر وغيره: سنة ستين ومائتين. فعلى هذا تكون وفاته (بعد) (١) البخاري بأربع سنين.
الوجه الثاني: في ضبط الألفاظ الواقعة فيه:
«يَخْرُج». يجوز فيه ضم الياء وفتحها، والذرة -بفتح الذال وتشديد الراء- واحدة الذر المعروف، وهي أقل الأشياء الموزونات، قاله المهلب (٢)، وهي هنا: التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة إنما هو بزيادة الأعمال، وسيأتي ذَلِكَ أيضًا.
وقال عياض: الذر: النمل الصغير. وعن بعض نقلة الأخبار أنه الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، ويروى عن ابن عباس: إذا وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب فهو ذرة.
قَالَ: وحكي أن أربع ذرات خردلة، وقيل الذرة من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من شعيرة، وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء (٣).
والمعشر: سلف بيانه في قصة هرقل. والجمعة بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، حكى الفتح الفراء والواحدي وغيرهما قالوا: لأنه يجمع الناس (٤) كما يقال: رجل حطمة.
---------------
(١) في (ف)، (ج): قبل، وهو خطأ فاحش، فالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، فيكون الحسن بن الصباح قد مات بعده لا قبله على هذا القول.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢.
(٣) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ مادة: ذرا.
(٤) «معاني القرآن» ٣/ ١٥٦، «الوسيط» ٤/ ٢٩٦.
وقوله: (لاتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا معناه: لعظمناه وجعلناه) (١) عيدًا لنا في كل سنة؛ لعظم ما يحصل فيه من كمال الدين.
وقول عمر - رضي الله عنه -: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ).
معناه: أنا لم نهمل هذا، ولا خفي علينا زمن نزولها ومكانها، ولا تركنا تعظيم ذَلِكَ اليوم والمكان:
أما المكان وهو عرفات فهو معظم (الحج) (٢) الذي هو أحد أركان الإسلام.
وأما الزمان فيوم الجمعة ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا وأي عيد، فعظمناه وعظمنا مكان النزول، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش - ﷺ - بعدها ثلاثة أشهر.
ومعنى ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله تعالى قبض نبيه، وكمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة، فتصور الكمال يقتضي تصور النقصان وليس المراد: التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية، فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من إيمان من قصر.
وقوله: («وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ») وفي الرواية الأخرى «من إيمان» قَالَ المهلب فيما نقله ابن بطال: المراد بالشعيرة والبرة والذرة: زيادة الأعمال التي يكمل بها التصديق؛ (لا أنها) (٣) من نفس التصديق (٤)،
-------------------
(١) من (ج).
(٢) من (ج).
(٣) في (ف): لأنها.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢.
وهذا موافق للرواية الأخرى في «الصحيح» أنه قَالَ بعد ذكره الذرة: «ثم يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط» (١) يعني غير التوحيد.
وقال غيره: يحتمل أن تكون الشعيرة وما بعدها من نفس التصديق؛
لأن قول: لا إله إلا الله لا ينفع حتى ينضم إليه تصديق القلب، والناس
يتفاضلون على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى:
﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧] فجعل له مزية على علم اليقين، وهذا التأويل هو الصحيح المختار كما قَالَه النووي (٢).
الوجه الثالث: في فقهه:
وهو دال على ما ترجم البخاري له وهو زيادة الإيمان ونقصه، وقد سبق تقريره في أول كتاب الإيمان.
وفيه: دخول طائفة من عصاة الموحدين النار.
وفيه: أن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يكفرون بفعلها ولا يخلدون في النار.
وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون النطق بكلمتي الشهادة ولا النطق من غير اعتقاد. وهذا مذهب أهل السنة في هذِه المسائل (٣).
-----------------
(١) «صحيح مسلم» (١٨٣/ ٣٠٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ٣١.
(٣) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ بقراءة الشيخ برهان الدين الحلبي على مؤلفه في … وسمعه الصفدي والبستاني والسحوري والعاملي … وابن المصنف والباسطي … والكرخي ....
٣٤ - باب الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْل الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - مسلم: ١١ - فتح: ١/ ١٠٦]
ثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات (١) عن إسماعيل كما ترى، وفي: الصوم (٢)، وترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل (٣).
وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة عن مالك (٤)، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة عن إسماعيل به. وقال مسلم: في حديث يحيى: وقال - ﷺ -: «أفلح وأبيه إن صدق» (٥).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم غير طلحة وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في الأب السابع (كعب) (٦) مثل الصديق، أسلمت أمه وهاجرت، شَهِد المشاهد كلها إلا بدرًا كسعيد بن زيد، وقد ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره فيها، وكان الصديق إذا ذكر أُحدًا قَالَ: ذَلِكَ يوم كله لطلحة.
------------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٨) باب: كيف يُسْتَحلف.
(٢) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٥٦) كتاب: الحيل.
(٤) مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٥) مسلم (١١/ ٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٦) من (ج).
وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرًا، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض.
وهو ممن ثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت، رماه مالك بن زهير يوم أحد، فالتقاها طلحة بيده عن وجه رسول الله - ﷺ - فأصابت خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حس. فقال - ﷺ -: «لو قَالَ: بسم الله لدخل الجنة» (١) والناس ينظرون.
وقيل: إنه جُرح في ذَلِكَ اليوم خمسًا وسبعين جراحة وشلت إصبعاه، وذكر ابن إسحاق أنه - ﷺ - نهض ليعلو صخرة وقد كان تترس وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس طلحة تحته فنهض به حتى استوى عليها، فقال - ﷺ -: «أوجب طلحة حين فعل برسول الله - ﷺ - مافعل» (٢).
وسماه النبي - ﷺ -: طلحة الخير وطلحة الجود.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
قتل يوم الجمل أتاه سهم لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر خلت من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين، وقيل:
---------------
(١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٧، الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٦٩.
(٢) رواه الترمذي (١٦٩٢)، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٨، وأحمد ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٢/ ٣٣ (٦٧٠)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٧٨٣).
اثنتين وستين. وقيل: ثمان وخمسين. (وقبره) (١) بالبصرة (٢).
روى عنه السائب بن يزيد الصحابي وجمع من التابعين، روينا عن عائشة مرفوعًا: «طلحة ممن قضى نحبه، وما بدلوا تبديلا» (٣).
فائدة:
طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله (اثنان) (٤)، هذا أحدهما، وثانيهما: التيمي (٥)، وكان يسمى أيضًا: طلحة الخير، فأشكل على الناس.
فائدة:
قد أسلفنا نكتة في سماع جد مالك من طلحة في باب: علامات (المنافق) (٦)، فراجعها.
--------------
(١) في (ج): وقبر.
(٢) انظر ترجمته في:
«الطبقات الكبرى» ٣/ ٢١٤ - ٢٢٥، «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٢٨ - ٩٣٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٤٤ (٣٠٦٩)، «أسد الغابة» ٣/ ٨٥ (٢٦٢٥)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤١٢ - ٤٢٦، «الإصابة» ٢/ ٢٢٩ (٤٢٦٦). وأثر أبى بكر رواه الطيالسى ١/ ٨ - ٩ (٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٨٧.
(٣) رواه الترمذي (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩ (١٣٩٩)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٧٣٩)، «الأوسط» ٥/ ١٧٨ (٥٠٠٠)، والحاكم ٢/ ٤١٥، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩١٦).
(٤) في (ج): اسمان.
(٥) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٩٠ (٢٦٢٦)، «الإصابة» ٢/ ٢٣٠ (٤٢٦٧).
(٦) في (ج): (المنافقين).
ثالثها:
هذا النجدي هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١) قاله القاضي (٢) مستدلًّا بأن البخاري سماه في حديث الليث، يريد ما أخرجه في باب: القراءة والعرض على المحدث. عن شريك عن أنس قَالَ: بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد. وفيه: ثم قَالَ: أيكم محمد؟ وذكر الحديث (٣). وقال فيه: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. فجعل حديث طلحة هذا وحديث أنس هذا له، وتبعه ابن بطال وغيره (٤).
وفيه نظر لتباين ألفاظهما ومساقهما كما نبه عليه القرطبي (٥)، وأيضًا فابن إسحاق فمن بعده كابن سعد وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير حديث أنس (٦).
رابعها: في ألفاظه ومعانيه:
﴿حُنَفَاءَ﴾: في الآية -جمع: (حنيف) (٧). وهو: المائل، وقيل: المستقيم. والمراد هنا: المائل عن الشرك وغيره من أنواع الضلالة إلى الإسلام والهداية.
----------------
(١) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ (١٢٧٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٥٧ (٢٥٦٨)، «الإصابة» ٢/ ٢١٠ (٤١٧٧).
(٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢١٦.
(٣) سيأتي برقم (٦٣) كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم ....
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٤٣.
(٥) «المفهم» ١/ ١٦٢ - ١٦٥.
(٦) «الطبقات» ١/ ٢٩٩، «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٧) في (ف): حنيفة.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي: دين الملة المستقيمة (١). و(نجد): بلاد معروفة، وهو ما بين جَرْس وسواد الكوفة، وحدّه من الغرب الحجاز.
و(ثائر الرأس): منتفش شعر رأسه. و(نسمع) و(نفقه) -بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة- روايتان، والنون أشهر وأكثر وعليها الاعتماد، والدَّوي: بفتح الدال على المشهور، وحكى صاحب «المطالع» ضمها أيضًا، ومعناه: بعده في الهوى وخلوه. أي: بحيث لا يفهم، ولهذا لما دنا فهم كلامه وأنه يسأل عن الإسلام.
و(إذا): للمفاجأة، و«تطَوَّع» بتشديد الطاء والواو على إدغام أحد التائين في الطاء، ومنهم من جوَّز تخفيف الطاء على الحذف، والأول هو المشهور.
ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. وفي ماضيه لغتان: تطوع، واطوَّع وكلاهما تفعل، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن، فأما المضارع للمخاطب فيجوز فيه: تطَّوَّع بالتشديد على الإدغام، وتتطوع بتائين من غير إدغام، وتطوع بالتخفيف على حذف إحدى التائين، وأي التائين هي المحذوفة فيه خلاف ليس هذا موضعه.
والفلاح: الفوز والبقاء. أي: يبقى في النعيم. والعرب تقول لكل من أصاب خيرًا: (مفلح) (٢). قَالَ ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح: إذا أدرك مطلوبه (٣).
----------------------
(١) انظر: «زاد المسير» ٩/ ١٩٩.
(٢) في (ج): أفلح.
(٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٥٥٥.
وقوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَن الإِسْلَامِ). أي: عن شرائعه، كما ذكره البخاري في كتاب: الصيام (١)، بخلاف حديث جبريل فإنه (سأله) (٢) عن حقيقة الإسلام (٣)، وإنما أجابه بها؛ لأنه كان مسلمًا، وكان - ﷺ - فهم عنه أنه إنما سأل عن ما يتعين عليه فعله.
ويحتمل أنه سمَّى الأفعال إسلامًا كما سميت إيمانًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم كما مضى في موضعه.
خامسها: في فوائده وأحكامه:
الأولى: ما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام وموضع الدلالة قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام). فذكر الصوم والصلاة والزكاة وهذا ظاهر في كونها من الإسلام، وهو والإيمان بمعنًى كما سلف. وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فإنه إشارة إلى الصلاة والزكاة.
الثانية: أن (الصلوات) (٤) الخمس واجبة على كل مكلف في كل يوم وليلة، وخرج بالمكلف الحائض والنفساء، وكذا الصبي والمجنون، والكافر مكلف بها على المذهب الصحيح أنهم مخاطبون بالفروع كما في التوحيد، وفيه قولٌ ثان: أنهم غير مخاطبين بها، وفيه قول ثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي كالخمر والزنا؛ لأنه يصح منهم تركه دون
-------------
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): سأل.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ف): الصلاة.
الأوامر، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الأصول (١).
الثالثة: عدم وجوب قيام الليل، وهو إجماع في حق الأمة وكذا في حق سيدنا رسول الله - ﷺ - على الأصح (٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله وقدره.
الرابعة: عدم وجوب الوتر (٣) والعيدين (٤)، وهذا مذهب الجمهور فيهما.
وقال أبو حنيفة وطائفة: الوتر واجب (٥). وقال الإصطخري من الشافعية: صلاة العيد فرض كفاية (٦).
الخامسة: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان (٧)، وهذا مجمع عليه الآن، وكان فيه خلاف في صوم عاشوراء قبل رمضان، فقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا: كان فرضًا. وقال أكثر أصحابنا: كان ندبًا.
------------------
(١) انظر: «تخريج الفروع على الأصول» ص ٩٨ - ٩٩، «التمهيد» للإسنوي ص ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) انظر «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٥١١ - ٥١٢ (٩٤٩ - ٩٥١).
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٣٣، «روضة الطالبين» ١/ ٣٢٨، «المقنع» ٤/ ١٠٥.
(٤) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٧٣، «البيان» ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، «المغني» ٣/ ٢٥٣.
وذهب الحنفية إلى وجوب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة. انظر: «الهداية» ١/ ٩٢.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٦) انظر: «البيان» ٢/ ٦٢٥.
(٧) انظر: «المحيط البرهاني» ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «المغني» ٤/ ٤٣٨ - ٤٤٢.
السادسة: جواز قول: رمضان. من غير ذكر شهر، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب الصيام، حيث ذكره البخاري إن شاء الله تعالى.
(السابعة) (١): أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.
الثامنة: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرته الشريفة ولم ينكر عليه، وقد سلف ما في هذِه المسألة من التفصيل في باب: أحب الدين إلى الله أدومه.
التاسعة: اختلف العلماء في قوله - ﷺ -: «إلا أن تَطَوَّعَ» فقال الشافعي وأصحابه وغيرهم ممن يقول لا تلزم النوافل بالشروع: هو استثناء منقطع (تقديره: لكن إن تطوعت فهو خير لك. وهؤلاء يقولون: من شرع في صوم تطوع أو صلاة تطوع استُحِب له إتمامها ولا يجب، بل يجوز قطعهما. وقال آخرون: هو استثناء متصل) (٢).
وهؤلاء يقولون: يلزم التطوع بالشروع؛ لأنه الأصل في الاستثناء، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالقياس على حج التطوع وعمرته.
العاشرة: قيل: الفلاح في قوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». راجع إلى قوله: (ولا أنقص). خاصة، والأظهر أنه راجع إليه وإلى الزيادة بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذَلِكَ لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.
----------------
(١) من (ف).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
الحادية عشرة: إن قُلْتَ: كيف قَالَ: (لا أزيد على هذا) وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيات ولا السنن المندوبات، وأقره الشارع وزاده بقوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»؟.
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاري في أول كتاب الصيام زيادة توضح ذَلِكَ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ - ﷺ - بشَرَائِعِ الإِسْلَام. فقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ (١).
فعلى عموم قوله: بشرائع الإسلام وقوله: مما فرض الله. يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فيحتمل أن هذا كان قبل شرعها، ويحتمل أن المراد أنه لا يزيد في الفرض لتغيير صفته كأنه قَالَ: لا أصلي الظهر خمسًا. وهذا ضعيف جدًا، لأنه قَالَ -فيما أسلفناه-: لا أتطوع.
والجواب الصحيح أنه على ظاهره، وأنه أراد أنه لا يُصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض. وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك النوافل (مذمومة) (٢) وترد بها الشهادة إلا أنه غير آثم بل هو مفلح ناج، وإن كان فاعل النوافل أكمل فلاحًا منه.
الثانية عشرة: لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في حديث جبريل -عليه السلام- من رواية أبي هريرة (٣)، وكذا غيرهما من الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يذكر في بعضها الإيمان.
---------------
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): مفهومة.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي عن الإيمان …
فتفاوتت هذِه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصًا (وإثباتًا وحذفًا) (١).
والجواب: أن هذا ليس اختلافًا صادرًا من الشارع، وإنما هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذَلِكَ يشعر بأنه الجميع، فقد بان بما أثبته (غيره) (٢) من الثقات أن ذَلِكَ ليس بالجميع، وإن كان اقتصاره عليه كان لقصور ضبطه؛ ولهذا يختلف نقلهم القضية الواحدة كحديث جبريل، فإنه جاء في رواية عمر إثبات الحج، وفي رواية أبي هريرة حذفها.
وقصة النعمان بن قَوْقَل في «صحيح مسلم» (٣) اختلفت الرواة فيها زيادة ونقصًا مع أن راويها واحد وهو جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، ثم لا يمنع هذا كله من ذكر هذِه الروايات في «الصحيح» لما تقرر من مذهب الجمهور أن زيادة الثقة مقبولة، ويحتمل أن الحج لم يكن فُرضَ بَعدُ، فإنه فرض سنة ست أو خمس على المشهور.
الثالثة عشرة: قوله - ﷺ -: («أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»). جاء في موضع آخر من البخاري ومسلم: «أفلح وأبيه إن صدق» (٤) وفي أخرى: «أفلَحَ إِنْ صَدَقَ» أو: «دخل الجنة إن صدق» (٥).
--------------
(١) من (ج).
(٢) من (ف).
(٣) مسلم (١٥/ ١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدْخَل به الجنة وأن من تمسك بما أُمِرَ به دخل الجنة.
(٤) رواه مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٥) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان.
وفي الجمع بين هذا وقوله - ﷺ -: «من كان حالفًا فليحلف بالله» (١)، وقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٢) أوجه:
أصحها: أن هذا ليس حلفًا إنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المخلوف به ومضاهاته به الله تعالى.
ثانيها: أنه يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى. وهو بعيد؛ لأنه (ادعاءٌ للنسخ) (٣) ولا يصار إليه إلا إذا تعذر التأويل وعلمنا التاريخ كما تقرر في فن الأصول وليس هنا واحدًا منهما.
ثالثها: أنه على حذف مضاف أي: ورب أبيه، فأضمر ذَلِكَ فيه. قَالَ البيهقي في «سننه»: وغيره لا يُضمِر، بل يذهب فيه (٤). وسمعت بعض مشيختنا يجيب بجوابين آخرين:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون الحديث: أفلح والله. فقصر الكاتب اللامين فصارت: وأبيه.
ثانيهما: خصوصية ذَلِكَ بالشارع دون غيره، وهذِه دعوى لا برهان عليها، وأغرب القرافي حيث قَالَ: هذِه اللفظة وهي: «وأبيه» اختلف في
---------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٩) كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف؟.
(٢) رواه مسلم (١٦٤٦/ ٤) كتاب: الإيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي ٧/ ٤، وابن ماجه (٢٠٩٤)، وأحمد ٢/ ٧.
(٣) في (ج): ادعى النسخ.
(٤) كذا في (ف)، (ج)، والكلام ناقص، ونصه كما في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٩: وغيره لا يُضْمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه.
صحتها، فإنها ليست في «الموطأ»، وإنما (فيه) (١): «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (٢) وهذا عجيب؛ فالزيادة ثابتة لا شك في صحتها ولا مرية.
الرابعة عشرة: صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال، لكنه يحتمل أن ذَلِكَ صح عنده بالدليل وإنما أشكلت عليه الأحكام.
الخامسة عشرة: استعمال الصدق في خبر المستقبل. وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف في مخالفته في المستقبل (٣).
فعلى هذا يكون الصدق في الخبر عن الماضي والوفاء في المستقبل، وهذا الحديث يرد عليه مع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
السادسة عشرة: الرد على المرجئة؛ إذ شَرطَ في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة.
-----------------
(١) في (ف): فيها.
(٢) «الموطأ» ص ١٢٦.
(٣) «أدب الكاتب» ص ٢٨.
٣٥ - باب اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِّي الَمنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الَحسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجعُ مِن الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الُمؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ. [١٣٢٤، ١٣٢٣، ١٣٢٥ - مسلم ٩٤٥ - فتح: ١/ ١٠٨]
ثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، ثنَا رَوْحٌ، ثنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف برواته غير من سلف، وهو أبو هريرة والحسن، وهو البصري.
وأما محمد فهو ابن سيرين وهو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم البصري التابعي الجليل، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين، وسيرين مولى أنس من سبي عين التمر، وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون.
ذكر أبو علي الحافظ: خالدًا بدل: كريمة قَالَ: وأكبرهم معبد وأصغرهم حفصة.
قُلْتُ: ومن أولاد سيرين أيضًا عمرة وسودة، قَالَ ابن سعد: أمهما أم ولدٍ كانت لأنس (١). وذكر بعضهم من أولاده: أشعث أيضًا، فهؤلاء عشرة.
وروى (محمد، عن يحيى، عن أنس، عن أنس بن مالك) (٢) حديثًا.
قَالَ ابن الصلاح: وهذِه غريبة عايا بها بعضهم فقال: ثلاثة إخوة يروي بعضهم عن بعض (٣). وكانه تبع الرامهرمزي فإنه ذكره في «فاصله» كذلك وزاد: ثلاثة إخوة (فقهاء) (٤).
وزاد ابن طاهر أخًا رابعًا فيه وهو: معبد بين يحيى وأنس، فاستفد ذَلِكَ. وقد أوضحته في «المقنع في علوم الحديث» (٥).
كَاتَبَ أنسُ سيرينَ على عشرين ألف درهم فأدَّاها وعتق. وأم محمد وإخوته صفية مولاة الصديق، طيبها ثلاث من أمهات المؤمنين ودَعَوْنَ لها، وحضر إِمْلاكها ثلاثة عشر بدريًّا، منهم: أبي بن كعب يدعو وهم يُؤَمِّنُون.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين. قَالَ هشام بن حسان: أدرك ثلاثين صحابيًّا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو أكبر من
---------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٣٩.
(٢) في (ف): (محمد بن يحيى، عن أنس بن مالك). وهو خطأ، والمثبت من (ج)، وهو الصواب كما سيتضح مما يلي.
(٣) «علوم الحديث» ص ٣١٢.
(٤) «المحدث الفاصل» ص ٦٢٤ (٩٠٤)، وما بين القوسين من (ف).
(٥) «المقنع» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٨.
أخيه أنس، وعنه خلق من التابعين: الشعبي وقتادة وأيوب وغيرهم. مات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم (١).
وقد أسلفنا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فلهذا قرنه البخاري بمحمد لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه إذن.
وأما عوف فهو أبو سهل بن أبي جميلة بندويه الأعرابي -ولم يكن أعرابيًّا- العبدي الهَجَري البصري. سمع (جمعًا) (٢) من كبار التابعين منهم: الحسن، وعنه الأعلام: الثوري وشعبة وغيرهما. وثقته مجمع عليها. وُلد سنة تسع وخمسين، ومات. سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائة. ونسب إلى (التشيع) (٣).
وأما روح (ع) فهو أبو محمد روح بن عبادة بن العلائي حسان بن عمرو بن مرثد القيسي البصري. سمع خلقًا من الأعلام أشعث ومالكًا وغيرهما، وعنه أحمد وغيره من الأعلام.
قَالَ الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير، وكان ثقة. وقال ابن المديني: نظرت لروح في أكثر من مائة ألف حديث، كتبت منها عشرة آلاف. وقال يحيى بن معين: لا بأس به صدوق. مات سنة خمس ومائتين (٤).
----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٩٣، «التاريخ الكبير» ١/ ٩٠ (٢٥١)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٤٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٦٠٦ (٢٤٦).
(٢) في (ج): خلقا.
(٣) في (ج): التشييع، وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٨، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٩٦، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٤٣٧ (٤٥٤٥).
(٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ترجمة ١٠٥٢، «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٠١، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٠٢، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٣٨ (١٩٣٠) ..

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|