عرض مشاركة واحدة
  #56  
قديم 19-01-2026, 05:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,868
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 106 الى صـــ 125
الحلقة (55)





فسره بالتقدم من موضع إلى موضع (١). قُلْتُ: فمعنى أزلفها هنا: اكتسبها وقدمها وقربها قربة إلى الله تعالى، وازدلفت مثل أزلفت، وازدلفت القوم: (جَمَعْتُهم) (٢)، ومنه سميت المزدلفة؛ لجمعها الناس، وقيل: لقرب أهلها من منازلهم.
مفتعلة من زلفت أبدلت التاء دالًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ [التكوير: ١٣] أي: قربت وأدنيت (٣) ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: قَرَّبْنَاهم (٤).
قَالَ أهل اللغة: هذا من باب ما جاء على فعل وأفعل لاختلاف معنى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] فهي هنا اسم مصدر كأنه قَالَ: ازدلافًا، وأما زلف زلفى ثلاثيًا فبمعنى: تقدم، والزلفة والزلفي: القربى والمنزلة (٥).
وقوله: («فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ») أي: أسلم إسلامًا محققًا بريئًا من الشكوك، ولا يشترط في تكفير سيئات زمن الكفر وكتب حسناته أن يكثر من الطاعات في الإسلام، ويلازم المراقبة والإخلاص في أفعاله كما (سلف) (٦).
ثم اعلم أن هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام السالف مما اختلف في معناه، فقال أبو عبد الله المازري ثم القاضي وغيرهما:

----------------
(١) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٢١ مادة: زلف.
(٢) في (ف)، (ج): جميعهم، والمثبت هو الصواب، كما في «الأفعال» لابن القوطية ص ١٧٣.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٤٦٦ (٣٦٤٧٣).
(٤) انظر: «تفسير الماوردي» ٤/ ١٧٥.
(٥) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٤٨ مادة: (زلف).
(٦) في (ج): سبق.



الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر (التقرب فلا يثاب على طاعة) (١)، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب (كنظيره) (٢) في الإيمان؛ فإنه مطيع (فيه) (٣) من حيث إنه موافق للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، ولا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرَّب إليه، فيتأول حديث حكيم على أنه اكتسب أخلاقًا جميلة ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل، أو أنه يزاد في حسناته في الإسلام بسبب ذَلِكَ، أو أنه سبب لهدايته إلى الإسلام (٤).
وتعقبهم النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قالوه ضعيف بل الصواب الذي عليه المحققون -وقد ادُّعِي فيه الإجماع- أنّ الكافر إذا فعل (أفعالًا جميلة) (٥) على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وضيافة ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذَلِكَ ويثاب عليه إذا مات على الإسلام.
ودليله حديث أبي سعيد السالف فهو نص صريح فيه، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد (ورد) (٦) الشرع به فوجب قبوله.
وأما دعوى: كونه مخالفًا للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من كافر ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم: لا يعتد بها في

----------------
(١) في (ج): القرب ولا يثاب عليها.
(٢) في (ف)، (ج): به. والمثبت هو الصواب، كما في «المعلم»، و«إكمال المعلم».
(٣) في (ف)، (ج): كنظره، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في «شرح مسلم» للنووي ٢/ ١٤٢.
(٤) «المعلم» ١/ ٧٦، «إكمال المعلم» ١/ ٤١٥.
(٥) في (ج): فعلا جميلًا.
(٦) في (ج): ولا ورد.



أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الكافر (١)، فإن أقدم قائل عَلَى التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فَيُرَدُّ قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفَّر في حال كفره أجزأه ذَلِكَ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها.
واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل؟ والأصح: اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كل (طهارة) (٢) غسلًا كانت أو وضوءًا أوا تيممًا وإذا أسلم صلى بها (٣).
ثم حديث الباب حجة لمذهب أهل الحقِّ أن أصحاب المعاصي لا يُقطع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال.
وأما الحديث الثاني: وهو حديث أبي هريرة:
فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به (٤).
ثانيها: في التعريف برجاله غير (ما) (٥) سلف.

----------------
(١) أي في الآخرة، كما في «شرح مسلم».
(٢) في (خ): طاهرة.
(٣) «شرح النووي على مسلم» ٢/ ١٤١.
(٤) (١٢٩) في الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
(٥) في (خ): من.



أما همام فهو أبو عقبة همام بن منبه بن كامل بن سَيج، بسين مهملة مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، وقيل: بكسر السين وفتح الياء ثم جيم، اليماني الصنعاني الذماري، بكسر الذال المعجمة، ويقال: بفتحها، وذِمار على مرحلتين من صنعاء (١)، الأبناوي، بفتح الهمزة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون ثم ألف ثم واو.
قَالَ أبو علي الغساني: نسبة إلى الأبناء وهم قوم باليمن من (ولد) (٢) الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة باليمن، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، فولدهم يقال لهم: الأبناء (٣).
وقال أبو حاتم بن حبان: كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال له: أبناوي وهم الأبناء.
وهمام هذا أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب، سمع ابن عباس وأبا هريرة، وعنه أخوه وآخرون، وهو ثقة مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة (٤).
(فائدة:
همام بن منبه من الأفراد وإن كان في الصحابة والتابعين من يشترك معه في الاسم دون الأب.

------------------
(١) «تقييد المهمل» ١/ ٩٦.
(٢) في (ج): أبناء.
(٣) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٧.
(٤) انظر ترجمة همام في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٤٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٦ (٢٨٤٧)، «الثقات» ٥/ ٥١٠، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٩٨ (٦٦٠٠)، وانظر «الثقات» ٥/ ٥١٠ وقد سبق في المقدمة.



فائدة أخرى:
لا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين) (١).
وأما عبد الرزاق فهو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم اليماني الصنعاني. سمع خلقًا من الأعلام: مالكًا وغيره، وعنه خلق من الأئمة والحفاظ: أحمد وابن معين وغيرهما. وأحواله ومناقبه مشهورة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قَالَ معمر: خليق أن تضرب إليه أكباد الإبل، وقال أحمد: ما رأيت أحسن منه.
وأما ابن عدي: فنقل عن ابن معين أنه ليس بقوي، وعن ابن معين أنه قيل له: تركت حديث عبد الرزاق؟ فقال: لو ارْتَدَّ ما تركته (٢).
ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب وأن الواقدي أصدق منه (٣)، قَالَ ابن عدي: ونسب إلى التشييع، وقد روى أحاديث في

----------------
(١) من (ج).
(٢) «الكامل» ٦/ ٥٣٨.
(٣) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ١٠٩ وفيه: والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق كذاب، ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه. اهـ.
قال الذهبي في «السير» ٩/ ٥٧١ - ٥٧٢.
قلت: بل والله ما بَرَّ عباس في يمينه، وبئس ما قال، يَعْمد إلى شيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح -وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه- فيرميه بالكذب ويُقَدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذِه خارق للإجماع بيقين. اهـ.
وقال في «الميزان» ٣/ ٣٢٥: هذا ما وافق العباس عليه مُسْلِمُ، بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به إلا تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى. اهـ.
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٧٤ معقبًا على كلام الذهبي: وهذا إقدام على الإنكار بغير تثبُّت، فقد ذكر الإسماعيلي في "المدخل عن الفرهياني أنه قال: وحدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ها هنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه انتهى. =



فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذمُّوه به من روايته للمناكير (١)، وقال النسائي في «ضعفائه»: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره (٢).
وزاد بعضهم عن النسائي: كتبت عنه أحاديث مناكير، وقال البخاري في «تاريخه الكبير»: ما حدَّث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح (٣).
وأما إسحاق بن منصور فهو أبو يعقوب إسحاق (خ، م، ت، س، ق) بن منصور بن بهرام -بكسر الموحدة- الكوسج من أهل مرو سكن نيسابور، ورحل إلى الحجاز والعراق والشام وسمع الأعلام منهم ابن عيينة، وعنه البخاري ومسلم وبقية الجماعة إلا أبا داود، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه في آخر «جامعه».
قَالَ مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا، وهو الذي دوَّن عن أحمد وابن راهويه المسائل (٤). مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين (٥).

----------------
= قال الحافظ: وهذا وإن كان مردودًا على قائله فغرض من ذكره الإشارة إلى أن للعباس بن عبد العظيم موافقًا. اهـ.
(١) «الكامل» ٦/ ٥٣٨.
(٢) «الضعفاء» للنسائي ص ٧٠ (٣٧٩).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٣٠ (١٩٣٣)، «الكامل» ٦/ ٥٣٨ (١٤٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٢ (٣٤١٥)، قال ابن حجر في «تقريب التهذيب» ص ٣٥٤ (٤٠٦٤): ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع.
(٤) «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٦٢، والكتاب طبع في مجلدين باسم: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه رواية الكوسج».
(٥) انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٠٤ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٧٤ (٣٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٥٨ (٩٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢٦٨).



ثالثها:
أَخَذَ بظاهر هذا الحديث بعض العلماء وقال: التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، حكاه الماوردي عن بعضهم، والجمهور -كما حكاه النووي عنهم- (على) (١) خلافه وهو أنه لا يقف على سبعمائة بل يضاعف الله لمن يشاء أضعافًا كثيرة زائدة على ذَلِكَ، ويدل عليه ما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، والبخاري في كتاب الرقاق من حديث ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربه -عز وجل- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا وعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» (٢).
فقوله: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» دال عَلَى الزيادة على (سبعمائة) (٣).
وفي كتاب «العلم» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل: (نا) (٤) شيبان الأيلي، (نا) (٥) سويد بن حاتم، نا أبو العوام الجزار، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قَالَ: «إنَّ الله تعالى يعطي بالحسنة أَلفي ألف حسنة» (٦).

---------------
(١) في (ج): في.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٩١) باب: من هم بحسنة أو سيئة، ورواه مسلم (١٣١) باب: إذا هم العبد بحسنة.
(٣) في (ج): السبعمائة.
(٤) في (ج): حدثنا.
(٥) في (ج): ثنا. وكذا التي بعدها.
(٦) رواه أحمد ٢/ ٥٢١، البيهقي في «الزهد الكبير» ٢/ ٧٨ (٧١٣)، أورده الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ١٤٥ وقال: رواه أحمد بإسنادين والبزار بنحوه، وأحد إسنادي أحمد جيد. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٩٧٥) لأن مداره على عليّ بن زيد وهو ابن جدعان وطريق المصنف مختلفة.



٣٢ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا اَمْرَأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِه؟». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَامَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ. [١١٥١ - مسلم:٧٨٥ - فتح: ١/ ١٠١]
ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَام قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا أمْرَأَةٌ قَالَ: «مَنْ هذِه». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ (من العمل) (١) بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة، وقال فيه: كانت عندي امرأة من بني أسد (٢)، وسماها في مسلم، لكن قَالَ فيه: إن الحولاء بنت (تويت) (٣) بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله. فقلت: هذِه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال - ﷺ -: «لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون

---------------------
(١) كذا في (ف)، (ج)، وليست في اليونينية، ولم أقف على من أشار إليها إلا الشيخ زكريا الأنصاري في»منحة الباري بشرح صحيح البخاري" ١/ ٢٠٩ بتحقيقنا، ط الرشد، والله أعلم.
(٢) سيأتي برقم (١١٥١) أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد.
(٣) في (ف): تويب.



فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا» (١).
وذكره مالك في «الموطأ» وفيه: فقيل له: هذِه الحولاء لا تنام الليل.
فكره ذَلِكَ رسول الله - ﷺ - حتى عرفت الكراهية في وجهه (٢).
وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة (٣) ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة (٤).
كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: أنه - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة. فيحتمل أن تكون هذِه واقعة أخرى.
الثاني: في التعريف برجاله:
وقد سلف، (وهشام سيأتي في الباب بعده) (٥).
الثالث:
هذِه المرأة هي الحولاء كما سلف، وهي -بحاء مهملة والمد- بنت تويت بتائين مثناتين من فوق مُصغّر، وهى امرأة صالحة مهاجرة عابدة (٦).
الرابع: في ألفاظه:
(قولها (٧) (تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا): -هو بالمثناة أول- تذكر مفتوحة

----------------
(١) «مسلم» (٧٨٥/ ٢٢٠) صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك.
(٢) «الموطأ» برواية يحيى ص ٩٣.
(٣) هي الرواية السابقة.
(٤) مسلم (٧٨٥/ ٢٢١).
(٥) ما بين المعقوفين من (ج).
(٦) هي الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي أسلمت وبايعت الرسول - ﷺ - وكانت من المجتهدات في العبادة، انظر: «الطبقات» ٨/ ٢٤٤، «حلية الأولياء» ٢/ ٦٥، «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٧ (٣٣٤٢)، «الإصابة» ٤/ ٢٧٨ (٣١٥).
(٧) من (ج).



على المشهور، كما قَاله النووي قَالَ: وروي بالمثناة تحت مضمومة (على) (١) ما لم يسم فاعله، و«مه»: كلمة زجر وكف (٢).
قَالَ الجوهري: مه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به الفعل، ومعناه: اكفف. فإن وصلت نونت فقلت: مهٍ مهٍ، ويقال: مهمهت به أي: زَجَرْتَهُ (٣).
فأراد - ﷺ - زجرها بالسكوت، ثم ابتدأ بقوله: «عَلَيْكُمْ من العمل بِمَا تُطِيقُونَ». أي: الزموا ما تطيقون الدوام عليه.
(قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال: وهو أنسب للسياق) (٤) والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل على سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي (٥).
قَالَ أبو الزناد والمهلب: إنما قَالَ - ﷺ - ذَلِكَ خشية الملال اللاحق، ويمل -بفتح الياء- وكذا تملوا - (هو) (٦) بفتح التاء والميم- ومعنى: الملالة: السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا؛ لأن الملال من صفة المخلوقين، وهو ترك الشيء استثقالًا وكراهة له بعد حرص ومحبة فيه، وهذِه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه: لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل (٧).

----------------
(١) من (ف).
(٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٨١٤ مادة: (مهه).
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٢٥٠ مادة: (مهه).
(٤) ما بين المعقوفين من (ج).
(٥) «المنتقى» ١/ ٢١٣، «إكمال المعلم» ٣/ ١٤٧.
(٦) من (ج).
(٧) سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن هذا الحديث، هل يفهم منه أن الله =



وقيل: معناه: لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة (١) وغيره، وحكاه الخطابي (٢) وآخرون وأنشدوا عليه شعرًا، ومثله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي: لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له
-----------------
= يوصف بالملل؟
فأجاب قائلًا: من المعلوم أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أننا نصف الله -تبارك وتعالى- بما وصف به نفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، فإذا كان هذا الحديث يدل على أن لله مللًا فإن ملل الله ليس كمثل مللنا نحن بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص، أما ملل الإنسان فإن فيه أشياء من النقص؛ لأنه يتعب نفسيًّا وجسميًّا مما نزل به لعدم قوة تحمله، وأما ملل الله إن كان هذا الحديث يدل عليه فإنه ملل يليق به -عز وجل- ولا يتضمن نقصًا بوجه من الوجوه.
وعن سؤال آخر قال: جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن الله لا يمل حتى تملوا» فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثباث الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري فيه كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا.
ومن العلماء من يقول إن قوله: «لا يمل حتى تملوا» يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل.
ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهنا أيضًا «لا يمل حتى تملوا» لا يستلزم ثبوت الملل لله -عز وجل-.
وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله -تعالى- منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق.
انظر: «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» ١/ ١٧٤ - ١٧٥.
(١) «تأويل مختلف الحديث» ص ٤٨٦.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٣.



فضل على غيره (١)، وقيل: إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه المازري (٢)، وفيه ضعف.
وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٣)، لأن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر.
الخامس: في أحكامه وفوائده:
الأول: مراد البخاري بالباب أن الدين يطلق على الأعمال وقد سبق أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة: (وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه) أي: أحب الأعمال كما جاء مصرحًا (به) (٤) في غير هذِه الرواية (٥).
الثاني: الدين هنا: الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج «يمرقون من الدين» (٦). أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي «المحكم»: الدين: الإسلام. وقد دنت به، وفي حديث علي: محبة العلماء دين يدان به (٧) والدينة كالدين (٨)، وفي «الجامع»: الدين: العبودية والذل، والدين: الملة والدين: (الخالص) (٩).

------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٠ - ١٠١.
(٢) «المعلم» ١/ ٢٢٢.
(٣) في (ف): صاحب العمل.
(٤) من (ج).
(٥) سيأتي من حديث عائشة (٥٨٦١) كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير.
(٦) سيأتي برقم (٣٣٤٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
(٧) قطعة من أثر رواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٧٩ - ٨٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٧٩ (٣٤١٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٢٢٠ - ٢٢١، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١١/ ١. باختلاف في اللفظ.
(٨) «المحكم» ١٠/ ١٠٦.
(٩) في (ج): الحال.



قُلْتُ: والدين الخالص في الآية: التوحيد (١)، والحكم في قوله: «في دين الله» والدين اسم لجميع ما يتعبد الله تعالى به خلقه.
الثالث: استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه تعالى (٢).
الرابع: جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان (فيه) (٣) تفخيم أمر أوجب عليه، أو تنفير عن أمر محذور، ونحو ذَلِكَ.
قَالَ أصحابنا: يُكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في طاعة كالبيعة (على) (٤) الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقًا (٥).
الخامس: فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم.
السادس: بيان شفقته ورأفته بأمته - ﷺ -؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس تكون فيه أنشط، والقلب منشرح، فتستمر العبادة، ويحصل مقصود الأعمال، وهو الخضوع فيها واستلذاذها، والدوام عليها، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما لا يمكنه الدوام، وما يشق عليه، فإنه مُعَرَّض لأن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته الخير العظيم.

------------------
(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٠/ ٦١١.
(٢) اعلم رحمك الله أن المجاز قد اختلف في أصل وقوعه، هل في اللغة مجاز أم لا؟
ثم أعلم أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند القائلين بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الكلام على المجاز في مواضعه.
(٣) من (ف).
(٤) في (ج): في.
(٥) انظر: «روضة الطالبين» ١١/ ٢٠.



وقد قَالَ - ﷺ - في الحديث: «ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» (١)
وقد ذمَّ الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، والأحاديث الصحيحة دالة عليه في قوله: «لا تكن كَفُلَان كان يقوم الليل فتركه» (٢)، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصته - ﷺ - في التخفيف في العبادة.
السابع: كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به (٣).
قَالَ القاضي عياض: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبًا وفي رسول الله أسوة، ثم قَالَ: لا بأس به ما لم يضر ذَلِكَ بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور و(كسل) (٤) فلا بأس به (٥).

--------------
(١) سيأتي برقم (١١٥٠) في الصلاة، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، ورواه مسلم (٧٨٤/ ٢١٨) في صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته ..
(٢) سيأتي برقم (١١٥٢) كتاب: الصلاة، أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٥)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر.
(٣) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» ٦/ ٧١، ٧٣، «المجموع» ٣/ ٥٣٧، «الفروع» ١/ ٥٦١.
(٤) في (ج): كلُّ.
(٥) «إكمال المعلم» ٣/ ١٥٠.



٣٣ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣] وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.

٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ: «مِنْ خَيْرٍ». [٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١/ ١٠٣]

٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١/ ١٠٥]
ثنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا هِشَامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». وقَالَ أَبَانُ: نَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».


ثنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، ثنَا أَبُو العُمَيْسِ، ثنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَاب، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا.
قَالَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف برواة الحديثين:
وقد (سلف) (١) التعريف بعمر وأنس وقتادة.
أما حديث أنس فبقي منه هشام ومسلم بن إبراهيم.
أما هشام فهو ابن أبي عبد الله (سَنْبر) (٢) الدَّسْتوائي بفتح الدال وإسكان السين المهملة وفتح التاء، واقتصر السمعاني في «أنسابه» (٣) على ضمها ثم واوًا وآخره همزة ممدودة بلا نون، وقيل: الدستواني بالقصر والنون، والصحيح: المشهور الأول، ودستوا: كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها (٤).
سمع جمعًا من التابعين منهم أبو الزبير، وعنه الحفاظ منهم: شعبة وأبو داود الطيالسي وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد:

-------------------
(١) في (ج): سبق.
(٢) في (ف)، (ج): سندر، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) «الأنساب» ٥/ ٣١٠.
(٤) «معجم البلدان» ٢/ ٤٥٥.



لا يسأل عنه، ما أرى الناس يَرْوُون عن أثبت منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حجة إلا أنه كان يرى القدر. وقال العجلي: لم يكن داعية إليه. مات سنة أربع، وقيل: ثلاث. وقيل: سنة اثنتين. وقيل: إحدى وخمسين ومائة (١).
وأما مسلم بن إبراهيم فهو أبو عمرو البصري القصاب الأزدي الفراهيدي مولاهم، وفراهيد -بفتح الفاء وبالدال المهملة، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين بالمعجمة- بن شبابة بن مالك بن فهم بن عمرو بن أوس بطن من الأزد، ومنهم الخليل بن أحمد الإمام النحوي.
سمع خلقًا من الكبار منهم: شعبة وهشام، وعنه الأعلام منهم: ابن معين والذهلي والبخاري وأبو داود، وروى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه.
قَالَ أبو زرعة: سمعته يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قط، وكان أتى عليه نيف وثمانون سنة، وقال أحمد بن عبد الله: سمع من سبعين امرأة، وكان ثقة عمي بآخره (٢).
وقال يحيى بن معين: هو ثقة مأمون وقال أبو حاتم: ثقة صدوق.
مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين بالبصرة، وكان مولده سنة ثلاث (وثلاثين) (٣) ومائة (٤).

------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧٩، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٨ (٢٦٩٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٣٠ (١٩٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢١٥ (٦٥٨٢).
(٢) «معرفة الثقات» ٢/ ٢٧٦.
(٣) في (ج): وثمانين.
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٤، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٥٤ (١٠٧٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٨٠ (٧٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧ (٥٩١٦)، «السير» ١٠/ ٣١٤ - ٣١٨.



فائدة:
سند حديث أنس هذا كله بصريون.
وأما أبان فهو ابن يزيد أبو يزيد البصري العطار سمع قتادة وغيره، وعنه (الأعلام) (١): الطيالسي وغيره، أخرج له البخاري متابعة هنا، وقال في كتاب الصلاة: وقال موسى: حدثنا أبان عن قتادة. وأخرج له مسلم استقلالًا في البيوع وغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، ووثقه يحيى بن معين والنسائي (٢).
وقول البخاري: (وقَالَ أَبَانُ: حَدَّثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ). إنما أتى به لتصريح قتادة بالسماع؛ فإنه (يدلس) (٣)، وإن عنعن في الأول، وإن كان كل ما في الصحيحين من هذا النوع يحمل على الاتصال كما سلف في الفصول السابقة أول الكتاب، وأتى به لزيادة أيضًا في المتن (وهي) (٤) قؤله: «من إيمان» وكان «خير» يعني: قَالَ في روايته: «يخرج من النار من قَالَ: لا إلة إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان»، و«وزن برة من إيمان»، و«وزن ذرة من إيمان» وهو دال على زيادة الإيمان ونقصه وتفاوته.

----------------
(١) من (ج).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٥٤ (١٤٥٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ١٩٩ (١٨)، «الثقات» ٦/ ٦٨، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٤ (١٤٣).
(٣) في (ج): مدلس.
(٤) في (ج): وهو.



فائدة:
في أبان لغتان: الصَّرْفَ؛ على أنه فعال كغزال ونظائره، والهمزة أصل وهي فاء الكلمة، ومَنْعُهْ على أن الهمزة زائدة والألف بدل من ياء وجعله أفعل فمنع صرفه؛ لوزن الفعل مع العلمية.
والصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون صرفه، وغلط (بعضهم) (١) من منع صرفه حتى قَالَ بعضهم: لا يَمْنَعُ صَرفَ أبان إلا أتان. قَالَ ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل من أبان يبين، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبين. بالتصحيح (٢).
وأما حديث عمر فالراوي عنه طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشْم بن زفر بن عمرو بن لؤي بن رُهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار أبو عبد الله البجلي الأحمسي -بطن منها- الكوفي الصحابي.
رأى النبي - ﷺ - وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثلاثًا وثلاثين، أو ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، مات سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة اثنتين. وقيل: سنة أربع. وجزم شيخنا قطب الدين في «شرحه» بأنه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو ما حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين (٣)، وهو وهمٌ كما نبَّه عليه المزي (٤).

-----------------
(١) كذا في (ف) وفي (ج): أكثرهم.
(٢) «شواهد التوضيح» ص ٢١٣.
(٣) «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٥١ (٣٧٨٠).
(٤) «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤٣، وانظر ترجمته في: «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٤٩ (٣٧٧٢)، «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٢٣، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٣ (٣١١٥)، =



قُلْتُ: وأخرج له البخاري عن أبي بكر (١) وابن مسعود (٢)، ومسلم عن أبي سعيد (٣)، وأبو داود (٤) والنسائي (٥) عن النبي - ﷺ -.
فائدة:
قَالَ أبو داود: رأى طارق النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا (٦).
فائدة أخرى:
بجيلة هي أم ولد أنمار بن أراش، وهي بنت صعب بن سعد العشيرة (٧).
وأما قيس فهو أبو عمرو قيس بن مسلم الجدلي الكوفي العابد، سمع طارق بن شهاب ومجاهد وغيرهما، وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما.
مات سنة عشرين ومائة (٨)، وأهمله شيخنا في «شرحه».
وأما أبو العُمَيْس فهو بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم سين مهملة، وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المستوردي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي.

-------------------
= «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٨٥ (٢١٣٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤١ - ٣٤٣ (٢٩٥٠).
(١) سيأتي برقم (٣٩٥٢) كتاب المغازي.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢١) كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
(٣) برقم (٤٩) كتاب الإيمان.
(٤) «سنن أبي داود» (١٠٦٧).
(٥) «المجتبى» ١/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٦) «سنن أبي داود» ١/ ٦٤٤.
(٧) بجيلة بنت صعب بن علي بن سعد العشيرة ذكرها ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٣٠٨ (٣٠٨).
(٨) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٥٤ (٦٩١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٠٣ (٥٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٨١ (٤٩٢١).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]