
19-01-2026, 05:14 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (3)
من صـــ 86 الى صـــ 105
الحلقة (54)
الرفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيق العامل ويمكنه المداومة عليه، وأن من شادّ الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره.
ثم أكد - ﷺ - بهذا المعنى فقال: «سددوا») إلى آخره، أي: اغتنموا أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، وأما الدوام لا تطيقونه، واحرصوا على أوقات النشاط واستعينوا بها على تحصيل السداد والوصول إلى المراد، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة -وهي أول النهار- وروحة -وهي آخره- ودلجة -وهي آخر الليل- حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة، وأمكنه الدوام على ذَلِكَ.
وهذِه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاستعيرت هذِه الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، قَالَ - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (١) فشبه - ﷺ - الإنسان في الدنيا بالمسافر، وكذا هو في الحقيقة؛ لأن الدنيا مطية الآخرة، فنبه - ﷺ - على اغتنام أوقات الفراغ، وإنما قَالَ: «وشيء من الدلجة» ولم يقل: والدلجة؛ تخفيفًا عنه لمشقة عمل الليل، اللهُمَّ هون علينا هذِه الأعمال في التبكير والآصال.
------------
(١) سيأتي برقم (٦٤١٦) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
٣٠ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِى صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا- وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - مسلم:٥٢٥ - فتح: ١/ ٩٥]
حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، إلى قوله: فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أن البخاري أخرجه أيضًا في الصلاة (١)، وإجازة خبر الواحد الصدوق في الصلاة (٢) والتفسير (٣).
----------------
(١) سيأتي برقم (٣٩٩) باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٥٢) كتاب: أخبار الآحاد.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٨٦) باب: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.
أحدها: في التعريف برواته:
أما البراء فهو بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل: بالقصر، وهو أبو عُمارة بضم العين، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل (١)، البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وإسكان الجيم وفتح الدال المهملة- بن الحارث بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني.
روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة.
استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها، وعنه: ما قدم علينا رسولُ الله - ﷺ - حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] في سور من المفصل (٢)، وغزوت مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة (٣)، وقيل: ثماني عشرة ما رأيته ترك فيها ركعتين حين تزيغ الشمس في حضر ولا سفر (٤).
مات أيام مصعب بن الزبير] (٥) وقُتِل مصعب سنة اثنتين وسبعين (٦).
-----------------
(١) زاد أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٣٩ أنه يكنى أيضًا أبا عمر. وقال: والأشهر والأكثر أبو عمارة وهو أصح إن شاء الله تعالى. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٣٦٥ عن أبي إسحاق أن البراء بن عازب كان يكنى أبا عمارة.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٢٥) كتاب: مناقب الأنصار، مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٧٢) كتاب: المغازي، باب: كم غزا النبي - ﷺ -.
(٤) رواه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٠) وقال: حديث البراء حديث غريب، ثم قال: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بُسْرة الغفاري، ورآه حسنًا. اهـ. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٢٢).
(٥) هنا ينتهي سقط من (ف) بمقدار صفحة منها.
(٦) انظر ترجمة البراء في: «معرفة الصحابة» ١/ ٣٨٤ (٢٧٦)، «أسد الغابة» ١/ ٢٠٥ (٣٨٩)، «الإصابة» ١/ ١٤٢ (٦١٨).
فائدة:
أبوه صحابي أيضًا ذكره ابن سعد في «طبقاته» (١) و(قَلّ) (٢) من ذكره ولم يسمع له ذكر في شيء من المغازي، وقد جاء حديثه في الرجل الذي اشترى منه الصديق بثلاثة عشر درهمًا (٣)، وليس في الصحابة عازب غيره (٤)، ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده.
وأما أبو إسحاق فهو السبيعي -بفتح السين المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب، وأبعد من قَالَ: عرف بذلك لنزوله فيهم (٥)، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب (٦) - ابن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيوان بن نوف بن همدان.
وهو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي، وقيل: عمرو بن عبد الله بن ذي يُحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه.
-----------------
(١) «الطبقات» لابن سعد ٤/ ٣٦٥.
(٢) بياض في (ف)، وهي (ج).
(٣) ستأتي هذِه القصة برقم (٣٦٥٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين.
(٤) انظر ترجمة عازب في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٢٣٦ (٢٣٤٤)، «أسد الغابة» ٣/ ١١٠ (٢٦٥٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٤٤ (٤٣٤٠).
(٥) قاله يعقوب بن أبي شيبة فيما نقله عنه المزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٣.
(٦) «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٦٢. والعلة في استغراب المصنف -رحمه الله- من ذكر المزي للسبيعي في الألقاب، أن السبيعي هذِه نسبة، فكيف يذكر في الألقاب؟
والجواب: أن المزي قد ذكره في الأنساب أولًا كما في ٣٥/ ١٢ ثم ذكره في الألقاب، على اعتبار أن الأنساب من الألقاب، وقد عنون بذلك الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٤٢، فقال: الأنساب من الألقاب.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليًّا وأسامة والمغيرة ولم يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلفا من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه: التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين، والثوري وهو أثبت الناس فيه، وخلق من الأئمة.
قَالَ العجلي: سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني: روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائة (١).
وأما زهير فهو أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم- بن الرُّحَيل -بضم الراء وفتح الحاء المهملة- بن زهير بن خيثمة الجعفي الكوفي.
سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميدًا الطويل وغيرهما من التابعين وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، و(اتفقوا) (٢) على جلالته وحسن حفظه وإتقانه.
قَالَ أبو زرعة: هو ثقة إلا أنه سَمِع من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وقال أحمد: ثبت بخ بخ لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره، قَالَ أبو حاتم: (هم) (٣) ثلاثة إخوة: زهير وحديج ورحيل،
------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣١٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٧ (٢٥٩٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٩ (١٣٩٤)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٢ (٤٤٠٠).
(٢) في (ج): وأجمعوا.
(٣) من (ف).
(أَعْدَلُهم زهير ثم حُديج) (١).
مات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة سبع وسبعين ومائة، وقال أبو داود عن النفيلي: فُلج قبل موته بسنة، ولم أسمع منه شيئًا بعدما فلج، وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق، وزهير ثقة متقن صاحب سنة، تأخر سماعه من أبى إسحاق.
قَالَ الخطيب: حدث عنه ابن جُريج وعبد السَّلام بن عبد الحميد الحراني وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن إسحاق وبين وفاتيهما قريب من ذَلِكَ (٢).
فائدة:
يجاب عن إخراج البخاري له عن أبي إسحاق أنه لعله ثبت عنده سماعه منه قبل الاختلاط كما سلف في الفصول.
وأما عمرو (خ، ق) بن خالد فهو أبو الحسن عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد -بالقاف- بن ليث بن واقد بن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر.
روى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما من الأئمة، وعنه البخاري وانفرد به، وأبو زرعة وغيرهما من الأئمة، وروى ابن ماجه، عن
------------
(١) كذا في (ف)، (ج) وهو خطأ والصواب كما في «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨، ٥٩٦: أوثقهم زهير ثم رحيل. وكذا في «التعديل والتجريح» للباجي ٢/ ٥٩٦، و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٧٣.
(٢) «السابق واللاحق» ص ٢٠٤ (٧٠).
وانظر ترجمة زهير في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢٧ (١٤١٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨ (٢٦٧٤) ٦/ ٣٣٧، «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٢٠ (٢٠١٩).
رجل عنه واسمه عمرو -بزيادة الواو- ويقع في بعض النسخ بإسقاطها والصواب الأول (١).
قَالَ أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (٢).
فائدة:
لهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك (٣) انفرد بالإخراج له ابن ماجه، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث (٤).
------------
(١) قال أبو علي في «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٧: كان في نسخة أبي زيد المروزي: حدثنا عمر بن خالد. هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد الطليطلي وذلك وهم، والصواب: عمرو. بفتح العين وسكون الميم. وهو عمرو بن خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البخاري من يقال له: عمر بن خالد. اهـ.
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٧ (٢٥٤٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ١٧٥ (١٣٧٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠١ (٤٣٥٦). وقد سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢).
(٣) عمرو بن خالد الواسطي أبو خالد القرشي مولى بني هاشم، أصله كوفي وانتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين وسعيد بن زيد بن عقبة والثوري وغيرهم، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: متروك، وقال ابن معين: كذاب، وقال النسائي: ليس بثقة ويحكى عن وكيع، قال: كان في جوارنا يضع الحديث فلما فُطن له تحول إلى واسط. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٣)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٧)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٦، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٣ (٤٣٥٧).
(٤) عمرو بن خالد الكوفي أبو حفص، روى عن سليمان الأعمش وهشام بن عروة وغيرهما. قال ابن حبان: يروي عن «الثقات» الموضوعات، لا تحل الرواية عنه، وقال الحافظ: منكر الحديث من التاسعة، ويقال: هو عمرو بن خالد أبو يوسف الأسدي وفرق بينهما ابن عدي. انظر ترجمته في «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٩، و«الكامل» لابن عدي ٦/ ٢٢٥ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٧ (٤٣٥٨).
الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (يَعْنِي: صَلَاتُكُمْ عِنْدَ البَيْتِ) كذا وقع في الأصول، والمراد إلى البيت، يعني: بيت المقدس أو الكعبة؛ لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس.
وقوله: (أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ) يعني: في الهجرة، ولها أسماء كثيرة ذَكَرتُ منها في «الإشارات للغات المنهاج» (١) تسعة وعشرين اسمًا مفصلة فراجعها منه.
وقوله: (أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ) هو شك من الراوي وهم أخوال وأجداد مجازًا؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله - ﷺ - تزوج من الأنصار وقصته مشهورة، وقد سلف في أول الكتاب شأن الأنصار المذكور في السير أن أول ما نزل - ﷺ - على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، ثم على أبي أيوب الأنصاري خالدٍ ولَيْسَا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار وقد مر بهم، ونزل على بني مالك أخي عدي فلعل ذَلِكَ وقع تجوزًا لعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما.
وقوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ): أي متوجهًا إليه، وقوله: (بيت المقدس) هو -بفتح الميم وإسكان القاف، وفيه لغة أخرى ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة- أي المطهر، وعلى الأول هو مصدر كالمرجع، أو مكان ومعناه: بيت مكان الطهارة، قاله أبو علي الفارسي.
------------------
(١) الكتاب قيد التحقيق بدار الفلاح.
وقال الزجاج: أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال: البيت المقدس على الصفة. والمشهور بيت المقدس على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ومسجد الجامع وبابه، وله أسماء أخر ذكرتها في (الكتاب) (١) المشار إليه قريبًا.
وقوله: (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا- أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا). كذا وقع هنا على الشك، وكذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية في «صحيح مسلم» وغيره عن البراء الجزم بالأولى (٢) فيتعين (اعتمادها) (٣) كما قاله النووي.
وقال الداودي: إنه الصحيح، قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس والحربي؛ لأن بدرًا كانت في رمضان في السنة الثانية.
وخالف القاضي فقال: الثاني أصح وهو قول مالك وابن إسحاق وابن المسيب (٤)، وفي «سنن أبي داود»: ثمانية عشر شهرًا (٥).
وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى: سنتين، وأغرب منهما: تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان.
وقال أبو حاتم بن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء؛ لأن قدومه - ﷺ - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان (٦).
-------------
(١) في (ف): المكان.
(٢) مسلم (٥٢٥/ ١١) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(٣) كذا في (ف) وفي (ج): إعمالها.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٩.
(٥) «سنن أبي داود» برقم (٥٠٧). وفيه: ثلاثة عشر شهرًا. من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -.
(٦) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٦٢٠.
وفي «تفسير ابن الخطيب» عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر، وهو غريب. وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عدّ شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب.
وفي ابن ماجه أنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين (١).
وقال إبراهيم بن إسحاق: حولت في رجب. وقيل: في جمادى فحصل في تعيين الشهر أقوال) (٢).
والشهر سمي بذلك لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته في عبادتهم ومعايشهم. يُقال: شهرت الشيء إذا أظهرته، وفي لغة رديئة أشهرته، حكاها الزبيدي.
وقوله: (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ). أي: كان يحب ذَلِكَ كما صرح به البخاري في رواية أخرى في باب: التوجه نحو القبلة (٣).
وقوله: (صَلَاةَ العَصْرِ) هو بدل من قوله: (أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا).
وقوله: (مَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) إلى آخره، هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويُعرف بمسجد القبلتين، ومر عليهم المار في صلاة العصر. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، كما صرح به البخاري ومسلم في موضعه من حديث ابن عمر (٤).
---------------
(١) ابن ماجه (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق.
قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٦: أبو بكر سيِّئ الحفظ وقد اضطرب فيه.
وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٢): منكر.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ف).
(٣) سيأتي برقم (٣٩٩) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة …، ومسلم (٥٢٦/ ١٣) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
ويجوز أن تحمل الأولى على أن المراد: أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة العصر، وقيل: كان التحويل في ركوع الثانية من الظهر في المسجد السالف فاستدار واستدارت الصفوف، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة (١).
وقوله: (وَأَهْلُ الكِتَابِ) هو: برفع اللام معطوف على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى؛ فإن اليهود أيضًا أهل كتاب.
فائدة:
هذا (المار) (٢) هو عباد بن نهيك بن إساف الخطمي، صلى القبلتين مع النبي - ﷺ - بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت، قاله ابن عبد البر (٣).
وقال ابن بشكوال: هو عباد بن بشر الأشهلي (٤)، [و] (٥) ذكره الفاكهي في «أخبار مكة» عن خويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات، وفيه قول ثالث: أنه عباد بن وهب.
الوجه الثالث: في فوائده:
وهي جمة مفرقة في الأبواب ذكرت منها جملة في «شرح العمدة» (٦) ونذكر منها هنا عشر فوائد:
------------------
(١) «تفسير القرطبي» ٢/ ١٤٩.
(٢) في (ج): المشار إليه.
(٣) «الاستيعاب» ٢/ ٣٥٤ (١٣٧٦).
(٤) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٢٢٣.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٨٧ - ٥٠٤.
ونقدم عليها أن التحويل كان في السنة الثانية قطعًا، واختلف في الشهر الذي حولت فيه على ثلاثة أقوال سلفت:
أحدها: في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، قاله محمد بن حبيب الهاشمي، وحكاه عنه النووي في «الروضة» في كتاب السير وأقره (١).
وثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، ونقله بعضهم عن الأكثرين كما حكاه صاحب «المطلب».
قَالَ: وفي رواية شاذة أن ذَلِكَ كان في جمادى الآخر، وهذا هو الثالث.
الأولى: ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان، وقد اتفق المفسرون وغيرهم على أن المراد به هنا الصلاة، وكذا ذكره البراء في حديث الباب بفحواه وإن لم يصرح به، والآية إنما نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس.
وقال ابن إسحاق وغيرُه: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالقبلة الأولى، وتصديقكم بنبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم أجرهما جميعًا (٢).
وما زاده زهير في حديث البراء، أخرجه أبو داود والترمذي من
حديث ابن عباس، قَالَ: لما وجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا:
يا رسول الله، كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت
المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ١٤٣].
-------------------
(١) «روضة الطالبين» ١٠/ ٢٠٦.
(٢) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ١٧٧.
(٣) «سنن أبي داود» (٤٦٨٠)، «سنن الترمذي» (٢٩٦٤) وقال: حديث حسن صحيح.
الثانية: جواز النسخ ووقوعه ولا عبرة بمن أحاله. قَالَ ابن عباس: أُول ما نُسخ من القرآن شأن القبلة والصيام (١)، وأول مَن صَلَّى إلى الكعبة البراء بن معرور (٢).
الثالثة: قبول خبر الواحد (كما ترجم له فيما مضى) (٣) وقد يقال: إنه احتف به قرائن ومقدمات أفادت العلم؛ لأنهم كانوا متوقعين التحويل.
الرابعة: استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم.
الخامسة: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا بل هو محبوب.
السادسة: أن النَّسْخَ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، لأن أهل المسجد وأهل قباء صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ، لكن قبل بلوغه إليهم وهو الصحيح في الأصول (٤)، وتظهر فائدة الخلاف في الإعادة، ويتعلق بذلك أن الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من بلوغ الخبر؟ والأصح عندنا الأول بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية به بخلاف الوكيل، ويتعلق به أيضًا أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟
-------------------
(١) رواه النسائي في «المجتبى» ٦/ ١٨٧، ٢١٢، وفي «الكبرى» ٣/ ٣٨٦، والطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ٣٢٦، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، والبيهقي في «الكبرى» ٢/ ١٢.
(٢) رواه البيهقي ٣/ ٣٨٤ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميِّتًا.
قال البيهقي: وهو مرسل جيد.
(٣) من (ج).
(٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٢٩.
السابعة: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين، فمن صلَّى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذَلِكَ، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على صلاته ويجزئه، وإن كانت إلى جهتين وثلاث وأربع حتى لو صلى الرباعية إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، وهو الأصح عند أصحابنا (١).
الثامنة: جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والأصح عند الجمهور نعم، وللشافعي فيه قولان:
قَالَ مرة: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا (٢)، والأصح عند الجمهور: نعم بشرط كونها متواترة (٣).
قَالَ القاضي عياض: أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا (٤).
وقال ابن الخطيب: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في رواية بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه أبو حنيفة ومالك والجمهور (٥).
واستدل المجوزون على الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم
-------------
(١) انظر كلام الشافعي في «الرسالة» ص ١٠٦ - ١١٣.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٠٦.
(٣) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «الغيث الهامع» ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧، «إرشاد الفحول» ٢/ ٨٠٩ - ٨١٥.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٥٤٥.
(٥) انظر: «الرسالة» ص ١٠٦، «الواضح في أصول الفقه» ١/ ٢٢٨، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم ص ٥١٨ - ٥٢٠، «البحر المحيط» ٤/ ١٠٨ - ١٠٩.
يكن (ثابتًا) (١) بالكتاب، وقد نسخ به، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فنسخ العهد والصلح على ردهن، وبقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] نسخ تحريم المباشرة وليس في القرآن، وصوم عاشوراء برمضان، وعلى الثانية بأنه نُسِخَت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: «لا وصية لوارث» (٢) ونسخ الإمساك في البيوت بالرجم والجلد الثابت بالسنة.
وأجاب المانعون عن قصة القبلة بأنها نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولًا كان يخير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثم نسخ باستقبال القبلة.
التاسعة: جواز النسخ بخبر الواحد، وهو ما مال إليه القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، كما نقله القاضي عياض عنهم (٣)، واختاره الغزالي (٤) والباجي (٥) وأهل الظاهري (٦)، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأبعد بعضهم فقال: النسخ به كان جائزًا في زمنه، وإنما منع بعده.
والمختار كما قَالَ الغزالي: وقوع نسخ السنة المتواترة بالآحاد عقلًا
----------------
(١) من (ف).
(٢) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد ٥/ ٢٦٧، والطيالسي ٢/ ٤٥٠ (١٢٢٣)، وعبد الرزاق ٤/ ١٤٨ - ١٤٩ (٧٢٧٧)، والطبراني ٨/ ١٣٧ (٧٦٢١) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٦٥٥).
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٥.
(٤) «المستصفى» ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٥) «إحكام الفصول» ص ٤١٧.
(٦) «الإحكام في أصول الأحكام» ص ٥١٨ - ٥٢٤.
لو تعبد به وسمعًا في زمانه - ﷺ - بدليل قصة قباء، وأما بعده فممنوع بإجماع الصحابة على أن خبر الواحد لا يرفع قاطعًا (١).
العاشرة: أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذَلِكَ من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه.
وقد اختلف العلماء فيما حكاه القاضي فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلمه الشرائع، ولا علم أن الله فرض شيئًا من الشرائع، ثم علم بعد ذَلِكَ هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعلمها؟
فذهب مالك والشافعي (في آخرين) (٢) إلى إلزامه، فإنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أن ذَلِكَ يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه. قَالَ: وكيف يكون لله فرض على من لم [يعلم] (٣) بفرضه (٤).
------------------
(١) «المستصفى» ١/ ٢٤٠.
(٢) في (ف): وآخرين.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، من «الإكمال».
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٨.
٣١ - باب حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أنَهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا». [فتح: ١/ ٩٨]
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». [مسلم: ١٢٩ - فتح: ١/ ١٠٠]
قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيئَةٍ كَانَ زَلّفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا».
حَدَّثنَي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا» (١).
-------------
(١) ذكر في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على … وسمعه الشيخ شمس الدين … والصفدي والعاملي والباسطي والفخر الرازي. المصنف والبغوي وابن … ونور الدين … محمد بن … وسمعه آخرون … والصفدي سمعه بتدريسه قاله إبراهيم الحلبي القارئ.
الكلام عليهما (من وجوه) (١):
أما حديث أبي سعيد فمن وجوه:
الأول:
هذا الحديث أخرجه هنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم يسمع منه، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ.
فقال أبو ذر: (أنا) (٢) النضروي، ثنا الحسين بن إدريس، (ثنا) (٣) هشام بن (خالد) (٤)، (ثنا) (٥) الوليد بن مسلم، (ثنا) (٦) مالك، فذكره.
وأسنده النسائي، عن أحمد بن المعلى بن يزيد، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن مالك (٧).
وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال: أخبرني الحسن بن سفيان، (ثنا) (٨) حميد بن قتيبة الأسدي قَالَ: قرأت على عبد الله بن نافع الصائغ، أن مالكًا أخبره قَالَ: (وأخبرني) (٩) عبد الله بن محمد بن مسلم (١٠)، أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، نا عبد الله بن وهب، أنبأنا مالك بن أنس -واللفظ لابن نافع-
------------------
(١) من (ج).
(٢) كذا في (ف) وفي (ج): أخبرنا.
(٣) في (ف): نا.
(٤) في (ف)، (ج): خلف، والمثبت من «تغليق التعليق» ٢/ ٤٤، «فتح الباري» ١/ ٩٩، «عمدة القاري» ١/ ٢٨٦.
(٥) في (ف): نا.
(٦) في (ف): نا.
(٧) النسائي ٨/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٨) في (ف): نا.
(٩) في (ف): أخره.
(١٠) انظره في «المعجم» للإسماعيلي ٢/ ٦٩٥.
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له: ائتنف العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله»
أنبأنا به (غير واحد منهم) (١) شيخنا قطب الدين الحلبي، أنبأنا محمد بن عبد المنعم المؤدب، أنبأنا أبو بكر بن باقا (٢) (أنبأنا) (٣) يحيى بن ثابت، أنبأنا أبو بكر أحمد البرقاني، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي فذكره.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث أسقط البخاري بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير «الموطأ» ونصه: «إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة كان زلفها» وذكر باقيه بمعناه، قَالَ: وذكره الدارقطني في «غرائب حديث مالك» من تسعة طرق، وأثبت فيها كل ما أسقطه البخاري:
«إن الكافر إذا حسن إسلامه يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء» وهو كقوله - ﷺ - في حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير» (٤).
-------------
(١) من (ف).
(٢) هو الشيخ الأمين المرتضى المسند، صفي الدين، أبو بكر عبد العزيز ابن أبي الفتح أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا البغدادي الأصل، الحنبلي التاجر السّفّار نزيل مصر. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاثين وستمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٥١ - ٣٥٢، «الذيل» لابن رجب ٢/ ١٨٧، «شذرات الذهب» ٥/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٣) في (ف): أنا.
(٤) سيأتي برقم (١٤٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم.
قَالَ: ومعنى «حسن إسلامه» ما جاء في حديث جبريل - ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه» (١). أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة، هذا آخر كلام ابن بطال (٢).
وقال الدارقطني في كتاب «غرائب مالك»: اتفق هؤلاء التسعة: ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، ورزين بن شعيب، وإسحاق الفروي، وسعيد الزبيري، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى، فرووه عن مالك عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك، عن زيد، عن عطاء، عن أبي هريرة.
الوجه الثاني: (في) (٣) التعريف برجاله: وقد سلف.
الثالث: في ألفاظه وأحكامه:
قوله: («زلّفها») هو بتشديد اللام كما ضبطه النووي، يُقال: زلَّفه يزلِّفه تزليفًا إذا قدمه، وأزلفه إزلافًا مثله، ويقع في بعض النسخ: أزلفها.
قَالَ ابن سيده: زلف الشيء وزلفه: قدمه. عن ابن الأعرابي، وأزلف الشيء: قربه (٤).
وفي «الجامع»: الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي «الصحاح»: الزلف: التقدم عن أبي عبيد. وتزلفوا وازدلفوا أي: تقدموا (٥)، وفي «الجمهرة»: الزليف -بياء مثناة تحت قبل الفاء- ثم
-----------
(١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل عن الإيمان و....
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٩.
(٣) من (ج).
(٤) «المحكم» ٩/ ٤١، ٤٢.
(٥) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٠، مادة (زلف).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|