عرض مشاركة واحدة
  #53  
قديم 19-01-2026, 05:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 46 الى صـــ 65
الحلقة (52)



وقال أحمد بن جَواش: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان ويقول: لِمَ لَمْ أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفُلان.
وقال يونس بن عُبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري فقال له رجل: تقول هذا، وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا؟! فقال: هو والله ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان.
وُلد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل: إحدى بالبصرة، وادعى ابن سعد الإجماع عليه.
قَالَ ابن معين: كل مَنْ خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولَمْ يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يُدلس (١)، وعن عبد الرزاق قَالَ: بَعث أبو جعفر الخشابين قُدامه حين خرج إلى مكة، وقال: إذا رأيتم سُفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخَشبة، ونودي سفيان فماذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال: برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أَنْ يدخل مكة (٢).
فائدة:
سُفيان هذا أحد أصحاب المذاهب المتبوعة كما أسْلفته أوائل الكتاب.

----------
(١) وصفه بالتدليس النسائي وغيره، وقال البخاري: ما أقل تدليسه.
انظر: «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» للحافظ ص ٦٤.
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٤١ - ٤٢، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١٥٩ (٤٧٦٣).



وأمَّا الراوي عنهُ فهو: قبيصة (١) بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عُقبة بن ربيعة بن (جنيدب) (٢) بن رباب (٣) بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، أبو عامر السوائيُّ، الكوفي، أخو سُفيان بن عُقبة، روى عن الثوري وغيره من الكِبار، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، منهم: أحمد، والذهلي، والبخاري، وكان من الصالحين.
وهو مختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سُفيان الثوري ليس بذاك القوي.
وقال يحيى بن آدم: كثير الغلط في سفيان كأنهُ كان صغيرًا لم يضبط، وأمَّا في غيره فهو ثقة رجل صالح، وعَنْ قبيصة أنَّهُ قَالَ: جالستُ الثوري وأنا ابن لست عشرة سنة ثلاث سنين.
وروى مسلم في: الجنائز حديثًا واحدًا عن ابن أبي شيبة عنهُ عن الثوري (٤)، وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي بواسطة، والبخاري في «الأدب» عن يحيى بن بشر عنه (٥)، ومسلم في مقدمته

-----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٤٠٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٧٧ ترجمة (٧٩٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٢٦ ترجمة (٧٢٢)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨١ ترجمة (٤٨٤٣).
(٢) في الأصول: جندب، والمثبت هو الصواب كما في مصادر الترجمة.
(٣) وفي بعض المصادر: رئاب.
(٤) مسلم (٩٧٧) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه -عز وجل- في زيارة قبر أمه.
والحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ..».
(٥) «الأدب المفرد» (٥٤٣) ونصه «إذا أحب الرجل الرجل ..»، وقال الألباني: حسن صحيح وكذا في «الصحيحة» (٤١٨).



عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان (١)، والنسائي عن ولده عقبة عن أبيه في: «أفطر الحاجم» (٢).
مات في المُحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وقال النووي في «شرحه»: مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان حكاهما المزي في «تهذيبه» حكى الأول عن معاوية، وحكى الثاني عن جماعة (٣).
وأما الإسناد الأول فالراوي عَنْ أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني (٤)، جدّ مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التميمي القرشي. سمع عُمر وغيره، وعنهُ سُليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين.
فائدتان:
الأولى: أخرج مسلم لأبي أنس عن عثمان حديثًا في الوضوء من طريق وكيع عَنْ سُفيان عَنْ أبي النضر عن أبي أنس عن عثمان (٥)، وحديثًا في الرِّبا من حديث سليمان بن يسار عنهُ (٦).

----------------
(١) مسلم ١/ ٢٠.
(٢) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٢٩ (٣١٩٤).
(٣) «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٥/ ٦٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٠٥ (١٢٩٧)، «ثقات» العجلي ٢/ ٢٦١ (١٦٧٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢١٤ (٩٥١)، «ثقات» ابن حبان ٥/ ٣٨٣، «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، قال ابن حجر في «التقريب» ثقة، من الثانية.
(٥) مسلم (٢٣٠) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٦) مسلم (١٥٨٥) كتاب: المساقاة، باب: الربا.



فاستدرك الدارقطني وغيره الأول فقالوا: خالف وكيعًا لعلها زيادة أصحاب الثوري الحفاظ حيث رووه عَنْ الثوري، عَنْ أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان وهو الصواب (١)، وقال مالك في «الموطأ» في الحديث الثاني أنَّهُ بلغهُ عن جده أن عثمان (٢).
الثانية: صرح مالك في: الإيمان بسماع جده مِنْ طلحة بن عُبيد الله (٣)، وكذا صرَّح به ابن سعد (٤)، وفيه نظر، كما نبَّه عليه المنذري حيث قَالَ: كيف يصح سماعه منه وأنَّه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين، وعلى هذا يكون مولده سنة أربعين مِنْ الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة.
والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنَّهُ سَمع طلحة بن عبيد الله، فلعلَّ السَّبعين صوابها التِّسعين وتصحفت بها، وقد ذَكر أبو عمر أنَّهُ توفِّيَ سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن سماعه منه.
قُلْتُ: وعلى الأول روايته عن عمر أشكل؛ فإنه مات سنة ثلاث وعشرين فكيف يصح له قوله: شهدت عمر عند الجمرة، وأصابه حجر فدماه وذكر الحديث وفيه: فلمَّا كان مَنْ قابل أُصيب عمر. رواه ابن سعد فقال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا جرير بن حازم، عن عمه

-----------------
(١) «العلل» ٣/ ١٧ - ١٩ (٢٥٩).
(٢) «الموطأ» ص ٣٩٢ رواية يحيى. ونصه «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين».
(٣) سيأتي برقم (٤٦) كتاب: الإيمان، باب: الزكاة في الإسلام.
(٤) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ٣٧٠.



جرير بن زيد، عَنْ مالك بن أبي عامر قَالَ: شهدت عمر، الحديث (١)، فتنبه لذلك، وتبعه النووي في «شرحه».
(وقد نبه المزي أيضًا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة اثنتي عشرة ومائة كما أسلفناه، مع السن المذكور، والناقل لذلك هو صاحب «الكمال» عن الواقدي، رواه عنه ابن سعد، وقال المزي في حاشية «تهذيبه»: إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع من عمر فمن بَعْدَه، ونقل في أصل «تهذيبه» عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني: سنة أربع وسبعين (٢)، وجزم به في «الكاشف» فاتضح ذَلِكَ) (٣)
وأمَّا ولده نافع فهو أبو سُهيل المدني (٤) عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعًا من التابعين، وعنة: الزهري ومالك وآخرون.
قَالَ أحمد وأبو حاتم: ثقة.
وأمَّا إسماعيل (٥) فهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد، ويحيى، وكثير، ويعقوب بن جعفر، سَمع جمعًا من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، وغيرهم، وعنهُ جمع مِنْ الأعلام منهم: قُتيبة.

-------------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٦٣ - ٦٤ ترجمة مالك بن أبي عامر.
(٢) «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، وما بين القوسين ساقط من (ج).
(٤) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٩/ ٢١٦، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٩٠، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٨٣.
(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٢٧، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢١٨ (٣٢٧٤)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٥٦.



مات ببغداد سنة ثمانين ومائة.
قَالَ يحيى بن معين: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق.
وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد: ثقة.
قَالَ ابن سعد: كان من أهل المدينة قدم بغداد فلمْ يزل بها حتى مات (١).
وأما سليمان فهو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني (٢) [العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنهُ الحفاظ: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عَنْ رجل عنهُ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، ومات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (٣).
فائدة:
في الإسناد الأول لطيفة، وهي أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع.
وفي الإسناد الثاني لطيفة، وهي أنهم كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مُرة، ومسروق.
الوجه الثالث:
مُراد البخاري رحمه الله بإيراد هذين الحديثين هنا أنَّ المعاصي تنقص الإيمان كما أَنَّ الطاعات تزيده.

--------------
(١) «الطبقات» ٧/ ٣٢٧.
(٢) من هنا يبدأ سقط من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٧، «التاريخ الكبير» ٤/ ١١ (١٧٩١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١١٣ (٤٩٣) «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٢٣ (٢٥١٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٧٦.



الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:
فقوله - ﷺ -: «آية المنافق» أي علامته، وقد فسَّر البخاري الحديث بالترجمة حيث قَالَ: باب علامات المنافق.
والنِّفاق زَعَم ابن سيده أنَّه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مُشتق من نافقاء اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقة ونفاقًا، والنَّافقاء والنُّفَقة جحر الضب واليربوع، وقيل: هما موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أُتي من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج (١).
وقال القزاز: يُقال: نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذَلِكَ، وكذلك نَفقَ يُنفقُ فهو مُنافق من هذا. وقيل: المنافق مأخوذ من النفق وهو السِّرب تحت الأرض، يراد أنه يتستر بالإسلام كما سُتر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق، وجاء على فَعال، وأكثر ما يجيء على فِعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم؛ لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل: بل؛ لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإِنْ علم أنَّهُ مُنافق فقد صار الفعل مِنْ اثنين، وسُمِّيَ الثاني باسم الأول مجازًا؛ للازدواج كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال ابن الأنباري: في تسمية المُنافق ثلاثة أقوال:
أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر.
ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.

------------
(١) «المحكم» ٦/ ٢٧٥.
واعلم أن لليربوع جحران جحر يسمى القاصعاء، وآخر يسمى النافقاء فإذا أخذ عليه من أحدهما خرج بن الآخر. انظر: «المفهم» ١/ ٢٤٩.



ثالثها: أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمرٌ رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به.
قَالَ مالك فيما حكاه القرطبي: النفاق على عهد رسول الله - ﷺ - هو الزندقة عندنا اليوم (١).
والكذب نقيض الصِّدق، وله مصادر ليس هذا موضع استقصائها.
والوعد، قَالَ الفراء: يُقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أُثبت الألف مع الباء.
وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا وهو نادر.
وقال الجوهري: تواعد القوم أي: وعد بعضهم بعضًا، هذا في الخير، وأمَّا في الشر فيُقال: اتعدوا، والاتعاد أيضًا: قبول الوعد، وناس يقولون: ائتعد يأتعد فهو مُؤتعد بالهمز. كذا في «الصحاح» (٢)، وقال ابن بري: الصواب ترك الهمزة. وكذا ذكره سيبويه وأصحابه وجميع النحويين.
والخيانة: أنْ يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده (٣).
والغدر: ترك الوفاء. قَالَ الجوهري: غَدَر به فهو غادر وَغُدَرُ أيضًا، وأكثر ما يُستعمل هذا في النداء بالشتم (٤). وقال صاحب «المجمل»:

---------------------
(١) «المفهم» ١/ ٢٤٩.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٥٥١، مادة: (وعد).
(٣) «المحكم» ٥/ ١٨٣.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٧٦٦، مادة: (غدر).



الغدر: نقض العهد وتركه (١).
قلت: وفتح الدال من غدَر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر.
ومعنى: (فجر): مال عن الحق وقال الباطل والزور، وأصله: الميل عن القصد، والخصلة: الخلة. كما جاء في مسلم -بفتح الخاء فيها- وأما الخُلة -بضم الخاء- فهي: الصداقة.
الوجه الخامس: في فقهه:
حصل من مجموع الروايتين أن خصال المُنافق خمس: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة؛ لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهده، ولا مُنافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد يكون له علامات كل واحدة منها تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء.
وروى أبو أمامة موقوفًا: وإذا غنم غل وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جَبُن (٢).
ثم هذا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذِه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذِه الخصال لا يُحكم عليه بكفرٍ، ولا هو مُنافق يُخلَّد في النار؛ قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف -عليه السلام- هذِه الخصال (…) (٣) لبعضهم بعضها أو كلها وانفصلوا عنه بأوجه:

------------------
(١) «المجمل» ٢/ ٦٩٢، مادة: (غدر).
(٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٥١ (٢٠).
(٣) مقدار كلمة غير واضحة بالأصل.



أظهرها: أن هذِه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذِه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن [النفاق] (١) إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذِه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره ويبطن الكفر، فهذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار (٢).
وقوله - ﷺ -: «كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» معناه: شديد الشبه بالمنافقين؛ بسبب هذِه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفًا: ثلاث إذا كن في عبد فلا تتحرج أن تشهد عليه أنه منافق (٣) …، ومن كان إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن (٤).
قَالَ الخطابي: وقد روي: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٥) وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق (٦).
قَالَ بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذِه الخصال غالبة عليه، فأما

-----------------
(١) كلمة يقتضيها السياق، من «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧.
(٢) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧.
(٣) كذا بالأصل، وباقي الحديث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.
(٤) لم أقف عليه من حديث عمار، ورواه الفريابي في «صفة المنافق» ٥٠ (١٧). عن عبد الله بن عمرو.
(٥) سيأتي برقم (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٦.



من ندر ذَلِكَ منه فليس داخلًا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل (١). وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة.
الوجه الثاني: أن المراد: المنافقون الذين كانوا في زمنه - ﷺ -، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه.
وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعًا: «ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] الآية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «فلا عليكم، أنتم من ذَلِكَ براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث، أفانتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «لا عليكم أنتم براء، وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزله الله عليَّ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذَلِكَ إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قالَ: «لا عليكم أنتم من ذَلِكَ براء» (٢).
قَالَ القاضي: وإلى هذا القول مال كثير من أئمتنا (٣).

------------------
(١) «جامع الترمذي»، عقب حديث رقم (٢٦٣٢).
(٢) ذكره القرطبي في «تفسيره» ٨/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٣١٥.



الوجه الثالث: أنه وارد في منافق بعينه، وكان - ﷺ - لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة.
وقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله - ﷺ - ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد (١).
رابعها: إنه محمول على من غلبت هذِه الخصال عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذِه الخصال؛ خوفًا من إفضائها إلى النفاق.
قَالَ الخطابي: وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل (٢).
وسُئل مالك رحمه الله عمن جرب عليه كذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو عما رآه في سفره، فهذا لا يضره، إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب.
قَالَ الخطابي وقد جاء في حديث: «التاجر فاجر» (٣) و«أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٤)، ومعناه: التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور

-----------------
(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٩١٣)، أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٨٠ والفريابي في «صفة المنافق» ص ١٣٨ - ١٤٠ (١١٤ - ١١٦)، الهروي في «ذم الكلام» (٩٥).
عن أبي الشعثاء، عن حذيفة.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٨.
(٣) رواه الترمذي (١٢١٠)، وابن ماجه (٢١٤٦) عن اسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٤٦٧).
(٤) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٤٥١)، ومن طريق أحمد ٢/ ١٧٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥٧ (٨٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٥٩) عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل بن يزيد، عن محمد بن هدية، عن عبد الله =



فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين (١).
فرع:
يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض، قَالَ الغزالي في «الإحياء»: وإخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدله فليس بكذب.

----------------
= ابن عمرو به. ورواه أحمد ٢/ ١٧٥ من طريق ابن لهيعة عن درّاج، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو به.
قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. اهـ.
ورواه أحمد ٤/ ١٥١، والخطيب في «تاريخه» ١/ ٣٥٧ من طريق ابن لهيعة عن فشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر به.
ورواه الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٠٥ (٨٤١) من طريق ابن لهيعة عن أبي عشانة، عن عقبة، ورواه أحمد ٤/ ١٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٦٠) من طريق الوليد بن المغيرة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات. اهـ.
ورواه الطبراني ١٧/ ١٧٨ (٤٧١) من طريق الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٣٠: رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. اهـ.
ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٢٧٥ (٣٣٨) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
قال العقيلي: ولا يتابع على هذا أيضًا من حديث ابن عباس، وقد روي هذا عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - بإسناد صالح. اهـ.
والحديث صحيح بمجموع طرقه عند الشيخ الألباني كما في «الصحيحة» (٧٥٠).
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٥.



فرع:
يستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بالمشيئة؛ ليخرج عن صورة الكذب.
فرع:
يستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة.
فائدة:
عن وهب الذماري: صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل (١).
وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله (٢).

------------------
(١) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٤ (٦٢).
(٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٦ (٦٩)، وابن جرير في «تفسيره» ١٢/ ٧١١.



٢٥ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١]
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَبنا شُعَيْبٌ نَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيام مطولًا (١) وأخرجه (٢).
ثانيها: في التعريف برجاله:
وقد سلف ذكرهم.
ثالثها: في ألفاظه:
معنى: قوله: («إيمانًا») أي: تصديقًا بأنه حق فصدق بفضل صيامه وقيامه.
وقوله: («احتسابًا») أي: يريد به وجه الله تعالى بريئًا من رياء وسمعة، فقد يفعل ما يعتقد صدقه لا مخلصًا، بل رياء أو خوفًا من قاهر أو من فوات منزلة ونحو ذَلِكَ.

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٩٠١) كتاب: الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية.
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: وأخرجه مسلم، كما في «عمدة القاري» ١/ ٢٥٩.



رابعها: في فوائده:
الأولى: الحث على قيام رمضان، سيأتي بسطه في بابه إن شاء الله.
الثانية: الحث على الإخلاص واحتساب الأعمال.
الثالثة: وقع هنا فعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا والنحاة يستضعفونه، ومنهم من منعه إلا في ضرورة الشعر وأجازوا عكسه كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: ١٥]، ومن أجاز الأولى احتج بهذا الحديث وشبهه، ومنه: قول عائشة في الصديق: متى يقم مقامك رق (١)، وكذا جاء في بعض طرق الحديث.

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٨٤)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾.


٢٦ - باب: الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنِا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ -لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي- أَنْ أُرْجعَهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قعَدْتُ خَلفَ سَرِيَّةٍ، وَلوَدِدْتُ أنِّي أقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». [٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٩٢]
نَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ نَا عَبْدُ الوَاحِدِ نَا عُمَارَةُ نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - قالَ: «انْتَدَبَ اللهُ -عز وجل- لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَو تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَريَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أقْتَلُ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
أخرج البخاري في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١).

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٨٧) كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله.


وأخرجه مسلم (١) في الجهاد عن زهير، عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب، عن ابن فضيل عن عمارة به.
وفي لفظ مسلم: «يضمن الله» وفي بعضها: «يكفل الله».
الوجه الثاني:
ترجم البخاري لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان؛ أنه لما كان الإيمان هو المُخْرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا، تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر: سماء لنزوله منها وللنبات: نوء، لأنه ينشأ عنه.
الوجه الثالث: في التعريف برواته:
أما أبو هريرة فسلف، وأما أبو زرعة فاختلف في اسمه على أقوال أشهرها: هرم، وقيل.: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقًا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين بالاتفاق (٢).
وأما عُمارة فهو -بضم العين- ابن القعقاع -بقافين- بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة، عنه الأعمش وغيره، وروى عن جماعة (٣).
وأما عبد الواحد فهو: أبو بسر، ويقال: أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري؛ سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه: أبو داود الطيالسي وغيره، وثقوه، مات سنة سبع وقيل: ست

-----------------
(١) مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٢) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٢٣ - ٣٢٦ (٧٣٧٠)، «الكاشف» ٢/ ٤٢٧ (٦٦٢٨)، «التقريب» (٨١٠٣).
(٣) انظر نرجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٥١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٠١ (٣١١٤)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢٦٢ (٤١٩٦)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٤٠.



وسبعين ومائة (١).
وأما حرمي فهو: أبو علي، حرمي -بفتح الحاء والراء- بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري.
روى عن: حماد بن سلمة وغيره، وعنه: المقدمي وغيره، وانفرد به البخاري عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأطلق النووي في «شرحه» أنهما رويا عنه كما أطلقنا أيضًا قريبًا، مات سنة ثلاث وقيل: ست وعشرين ومائتين (٢).
فائدة:
القَسْمَلي -بفتح القاف والميم وسكون السين منها- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضًا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قَالَ السمعاني: إنها نسبة إلى القساملة؛ واعترض ابن الأثير في «مختصره» (٣) فقال: ليس كذلك؛ فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو: قسملة واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهر بن غنم بن دوس بن عدنان، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي أن القسملي -بكسر القاف والميم- وكأنه سبق قلم، وصوابه: فتحهما.

----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠، الترجمة: (١٠٨)، «الثقات» ٧/ ١٢٣، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠ الترجمة: (١٠٨)، و«الثقات» ٧/ ١٢٣، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥).
(٣) انظر «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٣٧.



الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه:
وقد أوضحته في «شرح العمدة» (١) أكمل إيضاح، ونذكر هنا نبذة منه:
الأولى: معنى: («انْتَدَبَ اللهُ»): ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل: أجاب رغبته يقال: ندبه لأمر فانتدب. أي: دعاه فأجاب، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم أن ينجز له ذَلِكَ لمن أخلص (٢)، وقيل: معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه. حكاه القاضي (٣).
وما ذكرنا أن انتدب -بالنون- هو المشهور في رواية بلادنا، وحكاه القاضي عن رواية أبي داود، وحكي عن القابسي ائتدب بهمزة صورتها باء من المأدبة (٤)؛ يقال: دبه القوم -مخففًا- إذا دعاهم ومنه: «القرآن مأدبة الله في أرضه» (٥) ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذَلِكَ عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٢٩٠.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٥.
(٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٤، «مشارق الأنوار» ٢/ ٧.
(٤) وعزا ابن حجر هذِه الرواية إلى الأصيلي ثم قال: وهو تصحيف، وقد وَجَّهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرج كاف في تخطئته ا. هـ «الفتح» ١/ ٩٣.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٧٥ (٦٠١٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ١٢٦ (٢٩٩٩٩)، والدارمي ٤/ ٢٠٨٣، ٢٠٨٤ (٣٣٥٠)، والحاكم ١/ ٥٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ (١٩٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صالح ثقة خرج له مسلم. لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٨٦٧).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]