
18-01-2026, 05:51 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,856
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 400 الى صـــ 415
الحلقة (36)
الخامس بعد الثلاثين: اختلف في ضبط (الأريسيين) على أوجه:
أحدها: بيائين بعد السين.
وثانيها: بياء واحدة والهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة في كلا الوجهين.
وثالثها: بهمزة مكسورة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين، ووقع في إحدى روايتي البخاري ومسلم (١)، (…) (٢) وهو ما عزاه النووي وغيره إلى البخاري هنا (٣) بفتح الياء وكسر الراء وبالسين المهملة، ويجوز أن تكون بدلًا من الهمزة في أدنى وبرئ. قَالَ: والهمزة أكثر استعمالًا عند أهل اللغة وفي روايات أهل الحديث (٤).
قَالَ ابن الأعرابي: يقال: أَرَس يَأْرِس أَرْسًا، فهو أَرِيس، وأَرَّس يُؤَرِّس تَأْريسًا، فهو إِريِّس والجمع: أريسيون وأرارسة غيره، وأراريس وأرارس.
قَالَ في «الصحاح»: وهي شامية. قَالَ: ويقولون للأريس: أريسي، وفي «الجامع» وزن أريس: فعيل. ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه أصلية؛ لأنه كان تبقى عينه وفاؤه من لفظٍ واحدٍ، وهذا لم يأت في كلامهم في أحرف يسيرة نحو كوكب وديدن، وددن، وبابوس. وقال ابن فارس: الهمزة والراء والسين ليست عربية (٥).
واختلف في المراد به هنا، والصحيح المشهور أنهم الأكارون. أي:
------------------
(١) مسلم (١٧٧٣) من طريق صالح، وزاد: «إثم اليريسيين».
(٢) بياض بالمخطوط قدر كلمتين.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٥) «مقاييس اللغة» ص ٥١، مادة: (أرس).
الفلاحون الزراعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب في رعاياهم، وأسرع انقيادًا. أي: أكثر تقليدًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا.
وقد جاء مصرحًا به في «دلائل النبوة» للبيهقي (١) والطبري (٢)؛ «فإن عليك إثم الأكارين». ولأبي عبيد: «وإن لم تدخل في الاسلام فلا تَحُل بين الفلاحين والإسلام» (٣).
والبرقاني يعني: الحراثين.
وللإسماعيلي: «فإن عليك إثم الركوسيين»، وهم أهل دين من النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسية.
وكتب معاوية إلى الطاغية ملك الروم لما بلغه أنه يريد قصد بلاد الشام أيام صفين: تالله لئن هممت على ما بلغني، وذكر كلامًا، ثم قَالَ: ولأردنك أريسًا من الأراسة ترعى الدوائل. يعني: ذكور الخنازير.
ويقال: إن الأريسيين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسًا، وكان الروم أهل كتاب، فيريد: أن عليك مثل وزر المجوس إن لم تؤمن وتصدق.
وقال أبو عبيد: هم الخدم والخول (٤). يعني: بصدهم إياهم عن الدين كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] أي: عليك مثل إثمهم، حكاه ابن الأثير (٥).
---------------------
(١) «دلائل النبوة» ٤/ ٣٨٤.
(٢) «تاريخ الطبري» ٢/ ١٣٠.
(٣) «الأموال» (٥٥).
(٤) «الأموال» (٥٦).
(٥) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٨.
وقيل: هم المتخيرون. قَالَ القرطبي: فعلى هذا يكون المراد: عليك إثم من تكبر على الحق (١).
قَالَ ابن سيده: الأريس: الأكار. عند ثعلب، والأرشج: الأمير عند كُراع، والأصل عنده (رئيس) (٢) فعيل من الرياسة (٣)، فقلت: وفي «الجامع»: الأريس: الزارع، وعند قوم: الأمير، كأنه من الأضداد، وقيل: هم اليهود والنصارى، أتباع عبد الله بن أريس الذي ينسب إليه الأروسية من النصارى رجل كان في الزمن] (٤) الأول، قَتَلَ هو ومن معه نبيًا بعثه الله إليهم.
قَالَ أبو الزناد: حذره النبي - ﷺ - إذ كان رئيسًا متبوعًا مسموعًا أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمله واتبعه. قَالَ - ﷺ -: «من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥).
السادس بعد الثلاثين: قوله: و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ تعالَوا هو بفتح اللام وأصله تعاليوا، لأن الأصل في الماضي تعالى، والياء منقلبة عن واو؛ لأنه من العلو، فأبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة، ثم أبدلت الياء ألفًا، فإذا جاءت واو الجمع حذفت
----------------------
(١) «المفهم» ٣/ ٦٠٩.
(٢) في الأصل: أريس والمثبت من «المحكم».
(٣) «المحكم» ٨/ ٣٥٩.
(٤) هنا ينتهي السقط والمثبت من (ج).
(٥) رواه مسلم (١٠١٧) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار. من حديث جرير بن عبد الله. ولفظه: «من سن في الاسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة تدل عليها، تقول للرجل إذا دعوته: تعال. وللرجلين: تعاليا. وللجماعة: تعالوا. وللمرأة: تعالي. وللمرأتين: تعاليا. وللنسوة: تعالين. بفتح اللام في جميع ذَلِكَ.
وقوله: (و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هذِه الواو ثبتت في (رواية عبدوس والنسفي والقابسي، وسقطت في) (١) رواية الأصيلي وأبي ذر كما نبه عليه القاضي قَالَ: وقد اختلف المحدثون فيما وقع من الأوهام في نص التلاوة فمنهم مَن أوجب إصلاحها؛ لأنه إنما سيقت للدلالة، ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
ومنهم من قَالَ: ننقلها كما وقعت (وننبه) (٢) عليها؛ لأنه يبعد خفاؤها عن المؤلف والناقل عنه ثم على جميع الرواة حتى وصلت إلينا فلعلها قراءة شاذة، ثم ضُعّفَ بأن الشاذ مروي معلوم لا يُحتج به في حكم، ولا يُقرأ به في صلاة، انتهى.
والحكمة في تخصيص هذِه الآية بالإرسال إلى هرقل دون غيرها من الآي؛ لأنه نصراني، والنصاري (جمعت) (٣) هذِه الأمور الثلاثة فعبدوا عيسى -عليه السلام-، وأشركوا بالله فقالوا: إنه ثالث ثلاثة. واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله. قَالَ الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١].
وقوله: (﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، هي: لا إله إلا الله. كما رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن مجاهد، وابن أبي حاتم، عن
-------------------
(١) سقطت من (ج).
(٢) في (ج): ونبه.
(٣) في (ج): حرمت.
أبي العالية، وعن الحسن قَالَ: دُعُوا إلى الإسلام فأبوا (١). وقال البخاري في التفسير: سواء: قصد (٢).
السابع بعد الثلاثين: الصخب بفتح الصاد والخاء، ويقال: بالسين أيضًا بدل الصاد، وضعفه الخليل (٣)، ومعناها: (اختلاط) (٤) الأصوات وارتفاعها. يقول: صخب: بكسر الخاء فهو صخب وصخاب وصخبان ويقرب منه اللغط وهو بفتح الغين وإسكانها، وكذا وقع في مسلم، وفي البخاري في الجهاد: وكثر لغطهم. وفي التفسير: وكثر اللغط (٥). وهو الأصوات المختلفة. قَالَ أهل اللغة: هو أصوات مبهمة لا تفهم.
الثامن بعد الثلاثين: قوله: (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ) أما أَمِر فهو بفتح الهمزة وكسر الميم أي: عظم أمره. وأصله من الكثرة، يقال: أَمِر القوم إذا كثروا، وأمرته: كثرته.
قَالَ (ابن سيده) (٦): والاسم منه: الإمرة -بالكسر- (٧). وقال الزمخشري: الأَمِرَة على وزن بركة: الزيادة، ومنه هذا الحديث.
وفي «الصحاح» عن أبي عبيدة: امرته بالمد وأمرته بمعنى: كثرته، وأمر هو أي: كثر، فخرج على تقدير قولهم: علم فلان ذَلِكَ، وأعلمته أنا ذَلِكَ، قَالَ يعقوب: ولم يقله أحد غيره (٨).
-------------------
(١) ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٠).
(٢) سيأتي في كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ..﴾ قبل حديث (٤٥٥٣).
(٣) «العين» ٤/ ٢٠٣.
(٤) في (ج): اختلاف.
(٥) سيأتي برقم (٤٥٥٣).
(٦) في (ف): ابن أبي سيده، والصواب ما أثبتناه.
(٧) «المحكم» ١١/ ٢٦٤.
(٨) «الصحاح» ٢/ ٥٨١ مادة (أمر).
وقال الأخفش: يقال: أَمرَ أَمْرٌ يَأمر أَمْرًا: اشتد والاسم الأمر، وفي «أفعال ابن القطاع»: أمر الشيء أمرًا، وأمر: كثر (١).
وفي «المجرد» لكراع يقال: زرع أمر وأمر: كثير، وفي «أفعال ابن طريف»: أمر الشيء أمرا وإمارة: كثر، ومن أمثال العرب: من قل ذَلَّ ومن أمِر قل.
وفي «الجامع» أمر الشيء إذا كثر والأمرة: الكثرة والبركة والنماء، ومن كلامهم: في وجه ملك تعرف أمرته، وهو الذي يعرف في أوله الخير، وأمرته زيا دته وخيره وكثرته.
وأما قوله: (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) فقد أسلفنا أنه كان رجلًا من خزاعة على قول وكان يعبد الشعرى العبور ولم يوافقه أحد من العرب على ذَلِكَ، فشبهوا النبي - ﷺ - به لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة فأرادوا مجرد التشبيه دون العيب. وقد قَالَ أُبي بن خلف لما طعنه النبي - ﷺ -: طعنني ابن أبي كبشة (٢).
التاسع بعد الثلاثين: قوله: (إِنَّهُ ليَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) هو بكسر الهمزة ويجوز على ضعفٍ فتحها على أنه مفعول من أجله.
قَالَ القاضي: ضَعُفَ الفتح لوجود اللام في الخبر لكن جوزه بعض النحاة، وقد قرئ شاذًّا: (إلا أنهم ليأكلون) بالفتح في (أنهم) (٣) والمعنى
--------------------
(١) «الأفعال» ص ٢٥.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ ولكن رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٢٢٦ (١٩٤٦٤) عن عمارة بن أبي حفصة مرسلًا بنحوه وليس فيه الشاهد. وفيه محمد بن مروان بن قدامة العقيلي، قال: يحيى بن معين صالح، وقال أبو زرعة: ليس عندي بذاك، وضعفه أحمد بن حنبل. انظر: «تهذيب الكمال» ٣٨٩، ٣٩٠.
(٣) انظر «البحر المحيط» لأبي حيان ٦/ ٤٩٠.
على الفتح في الحديث عظم أمره - ﷺ - لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر (١).
الأربعون: قوله: (وَكَانَ ابن النَّاطُورِ، صَاحِبَ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارى الشَأْمِ، يُحَدِّثُ)، أما ابن الناطور فروي بالطاء المهملة والمعجمة.
قَالَ القاضي: هو بطاء مهملة عند الجماعة وعند الحموي بالمعجمة، قَالَ أهل اللغة: فلان ناظور بني فلان، وناظرهم بالمعجمة المنظور إليه منهم، والناطور بالمهملة حافظ النخل عجمي تكلمت به العرب، قَالَ الأصمعي: هو من النطر، والنبط يجعلون الظاء طاء.
الحادي بعد الأربعين: (صاحب): منصوب على الاختصاص، و(هرقل): بفتح اللام، وهو مجرور معطوف على إيليا أي: صاحب إيليا وصاحب هرقل، وخبر (كان): سُقفٌ، ويجوز أن يكون: يحدِّث أن هرقل وهو أوجه في العربية وأصح في المعنى، كما قَالَ القاضي.
الثاني بعد الأربعين: وقع هنا (سُقُفًّا) بضم السين والقاف وتشديد الفاء، ويروى أُسْقُفا بضم الهمزة مع تخفيف الفاء (وتشديدها ذكرها ابن الجواليقي وغيره، والأشهر ضم الهمزة وتشديد الفاء قاله النووي. وعن غيره أن الرواية فيه تخفيف الفاء) (٢)، وجمعه أساقفة وأساقف، وللإسماعيلي: أساقفة، وفي بعض الأصول سُقِّف بضم
-----------------------
(١) في هامش (ف): بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه ابنه نور الدين والحاضري […] والسحوري والشيخ نور الدين وأبو الحسن […] والصفدي ونظام الدين الحموي وأبو محمد السلاوي والبطائحي والشيخ شمس الدين [....] فخر الدين الرزازي وآخرون.
(٢) من (ف).
السين وكسر القاف المشددة أي: جعل أيضًا أسقفا ويقال أيضًا: سُقْف كقُفْل أعجمي معرب.
ولا نظير لأسقف إلا (أسْرب) (١)، وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم، قَالَ الخليل: وهو للنصارى رئيس دينهم (٢).
وقال الداودي: هو العالم. قيل: سمي به لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم وهو قيم شريعتهم ودون القاضي. والأسقف: الطويل في انحنائه كأنه لطول عبادته وقيامه يعرض له انحناء.
وفي «الصحاح»: السُّقَفُ بالتحريك: طول في انحناء، يقال: رجل أسْقَف بيَّن السُّقَفِ، قَالَ ابن السكيت: ومنه اشتق أسقف النصارى؛ لأنه يتخاشع وهو رئيس من رؤسائهم في الدين (٣).
الثالث بعد الأربعين: خبثُ النفسِ: كسلها وقلة نشاطها أو سوء خلقها. والبطارقة بفتح الباء قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم، واحدهم بِطريق -بكسر الباء-، وقيل: هو المختال المتعاظم، ولا يقال ذَلِكَ للنساء.
الرابع بعد الأربعين: قوله: (وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً) هو بفتح الحاء وتشديد الزاي، ويقال فيه: الحازي وهو المتكهن يقال: حزى يحزي ويحزو وتَحَزى. قَالَ الأصمعي: وحزيت الشيء أحزيه حزيًا وحزوًا.
وفي «الصحاح» حزى الشيء يحزيه ويحزوه إذا قدر وخرص، والحازي الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن (٤).
--------------------
(١) في (ج): أسَرُّب.
(٢) «العين» ٥/ ٨٢.
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٥ مادة: سقف.
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٢، مادة: (حزا).
وفي «المحكم»: حزى الطير (حَزْيًا) (١): زجرها (٢) وفُسر في الحديث ذَلِكَ بأنه ينظر في النجوم ويمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأن التكهن يكون لوجوه منها ذَلِكَ.
الخامس بعد الأربعين: قوله: (مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ) هذا قد ضبط على وجهين:
أحدهما: مَلِك بفتح الميم وكسر اللام.
وثانيهما: ضم الميم وإسكان اللام وكلاهما صحيح، ومعناه: رأيت الملك لطائفة تختتن.
السادس بعد الأربعين: قوله: (فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ) هو بضم الياء يقال: أهمني الأمر: أقلقني وأحزنني والهم: الحزن، وهمني: أذابني (إذا) (٣) بالغ في ذَلِكَ، وهمني المرض: أذابني، ومنه المهموم.
قَالَ الأصمعي: وهممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه، وهممت بالأمر أيضًا: قصدته، يهمني، وهَم يَهِمُّ -بالكسر- هَمِيمَا: دبَّ، ومراده أنهم أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم، والأمر: الشأن.
السابع بعد الأربعين: قوله: (وابعث إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ) يعني: وابعث إلى أهل مدائن ملكك فليقتلوا من بين أظهرهم من اليهود، والمدائن بالهمز أفصح من تَرْكِه وأشهر وبه جاء القرآن (٤).
-----------------------
(١) في الأصول: حزوا، والمثبت من «المحكم».
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٢٧.
(٣) في (ج): أي.
(٤) قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾ [الشعراء: ٣٦].
قَالَ الجوهري: مدن بالمكان أقام به، ومنه سميت المدينة وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، وتجمع أيضًا على مدن بإسكان الدال وضمها، وقيل: إنها مفعلة من دنت، أي: ملكت. وقيل: من جعله من الأول همزه أو من الثاني حذفه كما لا تُهمز معايش.
قَالَ الجوهري: والنسبة إلى المدينة النبوية مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني للفرق بين النسب؛ لئلا يختلط (١).
وما ذكره محمول على الغالب وإلا فقد جاء فيه خلاف ذَلِكَ كما ستمر به إن شاء الله تعالى.
الثامن بعد الأربعين: قوله: (فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِه الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ) هو بفتح الميم وكسر اللام ويروى بضم الميم وإسكان اللام وعُزي إلى القاضي أنها رواية الأكثر، لكن الذي عزاه صاحب «المطالع» إلى الأكثر الأولى ومعناها ظاهر، وفيه رواية ثالثة (هذا يَملك) بزيادة ياء مفتوحة على أنه فعل مضارع.
قَالَ القاضي عياض: وأراها ضمة الميم اتصلت بها فَتصحفت ولما حكاها صاحب «المطالع» قَالَ: أظنه تصحيفًا. وأما النووي فقال: كذا ضبطناه عن أهل التحقيق، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا. قَالَ: وهي صحيحة أيضًا، ومعناها: هذا المذكور يملك (هذِه) (٢) الأمة وقد ظهر، والمراد بالأمة هنا أهل العصر (٣).
--------------------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٢٠١، مادة: (مدن).
(٢) من (ج).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٤، ١٠٥.
التاسع بعد الأربعين: قوله (بِرُومِيَةَ) هي بتخفيف الياء كما سلف في أسماء الأماكن.
الخمسون: قوله: (فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ) هو بفتح الياء وكسر الراء أي: لم يفارقها، يقال: ما يريم يفعل أي: ما يبرح. يقال: رامه يريمه ريمًا أي: بَرِحه. ويقال: لا ترمه أي: لا تبرحه، قَالَ ابن طريف: ما رامني ولا يريمني لم يبرح عني، ولا يقال إلا منفيًّا، قَالَ الأعشى يحكي قول بنت له:
أيا أبتا لا ترم عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم
وحمص غير مصروفة؛ لأنها عجمية علم مؤنثة كما سلف.
الحادي بعد الخمسين: قوله: (يَا مَعْشَرَ الرُّومِ) قَالَ أهل اللغة: هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والفقهاء معشر، والجمع معاشر.
الثاني بعد الخمسين: قوله: (هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ) أما الفلاح فهو الفوز والبقاء والنجاة، وأما الرُشد فبضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما أيضًا لغتان وهو خلاف الغي، قَالَ أهل اللغة: هو إصابة الخير.
وقال الهروي: هو الهدى والاستقامة وهو بمعناه يقال: رَشَدَ يَرْشَدُ ورَشِدَ يَرْشُدُ لغتان، والرشَدُ كالرُشْدِ وهما مصدران.
الثالث بعد الخمسين: قوله: (فتتابعوا هذا النَّبِيَّ؟) هو بمثناة فوق، ثم أخرى مثلها كذا هو في أكثر الأصول من المتابعة وهي: الاقتداء، وفي بعضها فنتابع وهو بمعناه، وفي بعضها فتبايعوا بالباء الموحدة من البيعة، وكله صحيح.
الرابع بعد الخمسين: قوله: (فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ) هو بالحاء والصاد المهملتين أي: نفروا وكروا راجعين، حاص يحيص: نفر.
وقال الفارسي في «مجمع الغرائب»: هو الروغان والعدول عن طريق القصد.
وقال الخطابي: يقال: حاص وجاض بمعنى واحد بالجيم والضاد المعجمة (١). وكذا قَالَ أبو عبيد (٢) وغيره، قالوا: ومعناه: عدل عن الطريق. وقال أبو زيد: معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل.
الخامس بعد الخمسين: قوله: (إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا) أي: قريبًا أو بعجلة أو في أول وقت كنا فيه أو الساعة، وكله بمعنى، وهو بالمد والقصر، والمد أشهر، وبه قرأ جمهور القراء السبعة، وروى البزي عن ابن كثير القصر، قَالَ المهدي: المد هو المعروف (٣).
السادس بعد الخمسين: معنى رواية مسلم التي أسلفناها عن رواية صالح: (مشى يعني: قيصر من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله تعالى) (٤)، أي: شكرًا لما من الله عليه وأنعم. والبلاء لفظ مشترك يقال في الخير والشر؛ لأن أصله الأختبار، قَالَ تعالى ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وأكثر استعماله في الخير مقيدًا وأما في الشر فقد يطلق.
-----------------
(١) «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٣٣٢.
(٢) «غريب الحديث» لأبي عبيد ٢/ ٣٢٠.
(٣) «الكوكب الدري» ص ٥٥٣.
(٤) مسلم (١٧٧٣).
الوجه العاشر: في فوائده:
الأولى: خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد ولاسيما إذا كانوا جمعًا يقع العلم بخبرهم، وهذِه مأخوذة من قوله: (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ).
الثانية: تقديم صاحب الحسب في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش؛ لأنهم أحوط من أن يدنسوا أحسابهم، وقد قَالَ الحسن البصري: حدثوا عن الأشراف؛ فإنهم لا يرضون أن يدنسوا شرفهم بالكذب ولا بالخيانة.
الثالثة: استدلال هرقل من كونه ذا حسب ليس بدليل قاطع على (النبوة) (١)، وإنما القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها المعارضة. قاله المازري، قَالَ: ولعل هرقل كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي، وقد قَالَ فيه: وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم (٢)، وقطع ابن بطال بهذا.
وقال: إخبار هرقل وسؤاله عن كل (فصل) (٣) إنما كان عن الكتب القديمة وإنما ذَلِكَ كله نعت للنبي - ﷺ - مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل (٤)، وجزم به النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من أعلام نبوته (٥).
---------------------
(١) في (ف): النبوءة.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٤٤.
(٣) كررت في الأصول.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦.
(٥) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٧.
الرابعة: جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب النبي - ﷺ - سبعة من الملوك فيما قاله الداودي: هرقل، وكسرى، والنجاشي، والمقوقس، وملك غسان، وهوذة بن علي، والمنذر بن ساوى.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي قَالَ: بلغني أن رسول الله - ﷺ - خطب ذات يوم بعد عمرته التي صُدَّ عنها يوم الحديبية فقال: «أيُّها الناسُ، إنَّ الله بعثني رحمةً وكافةً، فلا تختلفوا عليَّ كما اخْتَلَفَ الحواريونَ عَلَى عيسى ابن مريم» فقال أصحابه: وكيف اختلفوا؟ فقال: «دعاهم إلى الذي دعوتُكم إليه، فأمَّا مَنْ بعثه إليه مبعثًا قريبًا فرضي وسلَّم، وأما مَنْ بعثه مبعثًا بعيدًا فكَرِه وجهه وتثاقل؛ فشكا ذَلِكَ عيسى -عليه السلام- إلى الله سبحانه وتعالى، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأُّمَّة التي بُعِثَ إليها»
فبعث رسول الله - ﷺ - رسلًا من أصحابه، وبعث معهم كتبًا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، بعث دحية إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى ابني (١) الجُلُنْدى الأزديين ملكي عَمَّان، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي ملكي اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن سَاوى ملك البحرين، وبعث شجاعًا الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم، وبعث المهاجر بن
--------------------
(١) هما جَيْفَر وعياذ، كما في «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٩.
أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن (١).
وذكر ابن سعد أن النبي - ﷺ - لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام فقيل له: إن الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، وفيه: فاتخذ خاتمًا من فضة، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، فكان أول رسول بعثه عمرو بن أمية إلى النجاشي. وفيه: فأخذ كتاب رسول الله - ﷺ - فوضعه على عينيه ونزل عن سريره تواضعًا، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وكتب له كتابًا آخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة (٢).
وفي «صحيح مسلم» أنه - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلئ عليه رسول الله - ﷺ - (٣). وظاهر هذا أنه نجاشي آخر، فالنجاشي لقب لكل من مَلَكَ الحبشة كما مر.
الخامسة: استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، وقد قَالَ الشعبي فيما ذكره ابن سعد: كان - ﷺ - يكتب كما تكتب قريش: «باسمك اللهم»، حتى نزلت: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فكتب: «بسم الله». حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]: ١١٠]، فكتب: «بسم الله الرحمن». حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فكتبها (٤).
-------------------
(١) «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن عمرو بن أمية الضمري.
(٣) مسلم (١٧٧٤) في الجهاد والسير، باب: كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار عن أنس ابن مالك.
(٤) «الطبقات» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
السادسة: أن المراد بحمد الله في الحديث السابق أول الكتاب: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع» (١) كما ورد في تلك الرواية الأخرى السالفة، وروي: بـ «بسم الله» كما سلف أيضًا (٢)، وهذا الكتاب كان ذا بال، بل من المهمات ولم يبدأ فيه - ﷺ - بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة.
السابعة: أن السنة في المكاتبات والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: مِن فلان إلى فلان. وهو قول الأكثر كما حكاه الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه: «صناعة الكتَّاب».
وروي أن هرقل لما أخرج الكتاب فرأى أخو هرقل أنه - ﷺ - بدأ بنفسه أخذ الكتاب ليمزقه، فأخذه هرقل وقال: أنت أحمق صغيرًا، أحمق كبيرًا (٣).
وروى البزار من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد عن دحية أنه لما أعطى الكتاب إلى قيصر كان عنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس فلما قرأ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة وقال: لا يقرأ اليوم. فقال له قيصر: لم؟ قَالَ: إنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم فقال (له) (٤) قيصر: لنقرأنَّه (٥) وذكر الحديث.
-------------------
(١) سبق في شرح الحديث، رقم (١).
(٢) سبق في شرح الحديث رقم (١).
(٣) أورده السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٢٢٤، وعزاه لأبي نعيم في «دلائله».
(٤) زيادة من (ج).
(٥) رواه البزَّار في كما في «كشف الأستار» (٢٣٧٤). وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧: رواه البزَّار وفيه: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف، وسبق تخريجه قريبًا.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|