
18-01-2026, 05:20 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (2)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (32)
إيناسًا وتلطفا، ثمَّ الجمهور عَلَى أن معناه: المدثر بثيابه. وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها (١).
ومعنى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾: حذر العذاب من لم يؤمن، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التعقيب، وإنما أمر بالإنذار دون البشارة وهو - ﷺ - قد أرسل بشيرًا ونذيرًا؛ لأن البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣]، أي: عَظّمه ونَزّهه عما لا يليق به.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، إما من النجاسة -عَلَى مذهب الفقهاء- وإما تقصيرها، وقيل المراد بالثياب: النفس أي: طهرها من كل نقص أي: اجتنب النقائص.
﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص عن عاصم بضمها (٢)، وهي: الأوثان في قول الأكثر، وفي مسلم التصريح به (٣)، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به (٤)، وقيل: الشرك وقيل: الذنب وقيل: الظلم، وأصل الرجز في اللغة: العذاب، وسمي عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزًا؛ لأنه سبب العذاب.
السادس: قوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر، وحَمِي -بفتح الحاء وكسر الميم- معناه: كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي: كثرت حرارتها، ومنه قولهم: حمي الوطيس. والوطيس: التنور، استعير للحرب، وإنما عبرت
--------------------------
(١) «تفسير الماوردي» ٦/ ١٣٥. وروى الطبري نحوه مسندًا ١٢/ ٢٩٧ (٣/ ٣٥٣).
(٢) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٦/ ٣٣٨.
(٣) مسلم ١٦١/ ٢٥٥. كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٤) سيأتي (٤٩٢٦). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب: قوله: والرجز فاهجر.
بقولها: فحمي تتميمًا منها للتمثيل الذي مثلت به أولًا، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح؛ فإن الضوء لا يشتد إلا مع قوة الحر وألحقت ذَلِكَ بقولها: وتتابع، لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات؛ لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما وشمس الشريعة باقية عَلَى حالها لا يلحقها نقص.
السابع: قوله: («فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ») الكرسي معروف، وضَمُّ كافِهِ أفصح، والأشهر من كسرها، وجمعه: كراسي بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وكذا كل ما كان من هذا النحو مفرده مشددًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كسرية وعارية ونظائرهما، كما نبه عليه ابن السكيت (١) في «إصلاحه»، ورواية العرش التي أسلفناها في أواخر الحديث الذي قبله يفسرها الكرسي المذكور.
وقال أهل اللغة: العرش: السرير، وقال الماوردي في «تفسيره»: أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم: كراسة (٢).
وقيل في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: علمه (٣)، من
------------------------
(١) هو شيخ العربية، أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت البغدادي النحوي المؤدب، له كتاب «إصلاح المنطق» ديِّن خَيِّرٍ، حجة في العربية، وله من التصانيف نحو من عشرين كتابًا. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢٧٣، «وفيات الأعيان» ٦/ ٣٩٥، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١٦ (٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٠٦.
(٢) «تفسير الماوردي» ١/ ٣٢٥.
(٣) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١١ (٥٧٨٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٢٥٩٩)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ (٢٣٣)، من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: =
قولهم: كرس الرجل إِذَا ازدحم علمه على قلبه، وقرأ طاوس كرسيه بالكسر (١).
الثامن: قوله: («جَالِسٌ») كذا الرواية في البخاري، وفي مسلم «جالسًا» (٢)، قَالَ النووي: كذا هو في الأصول وهو منصوب على الحال (٣).
التاسع: قَالَ القاضي: في هذا الحديث تحقيق العلم بتصور الملائكة على صور مختلفة وإقدار الله لهم عَلَى التركيب في أي شكل شاءوا من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صورًا في أصل خلقهم مخصوصة بهم، كل منهم عَلَى ما خلق عليه (٤). وقد جاء في مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قَالَ: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح (٥). وذكره البخاري في
--------------------------
= ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: كرسيه علمه، قلت: وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٥٨٠ عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(١) وهي إحدى روايات يعقوب ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾. انظر «مختصر في شعراء القرآن» لابن خالويه ص ٢٢.
(٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٥). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٩.
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٣.
(٥) مسلم (١٧٤) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. لكن بدون ذكر هذِه الآية، بل ذكر مسلم قول ابن مسعود ثلاث مرات في كل مرة آية غير التي ذكر وهذِه الآيات هي: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، أما ماذكره المصنف من أنها ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] فقد جاءت عند أحمد: ١/ ٤١٢، ٤٦٠، ٦/ ٢٤١، والبزار في «مسنده» ٥/ ٢٠٧ (١٨٠٩)، وأبي يعلى فى «مسنده» ٩/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (٥٣٦٠)، والشاشى فى «مسنده» ٢/ ١٢٥ (٦٦٢)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٢١٧ (٩٠٥٥) وروى مسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى. قال رأى جبريل.
بدء الخلق أيضًا (١)، قَالَ العلماء: رآه على هذِه الصورة مرتين، قَالَ تعالى: ﴿رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] قَاَل اهل التفسير: أى فى خلق الملائكه فى الأجنحة كجبريل ونحوه من الملائكة، وكذا جاء في إلبخاري في بدء الخلق، عن ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (٢). وفي حديث عائشة: رأى جبريل سادًّا ما بين الأفق (٣).
العاشر: فيه إظهار لقدرة الله تعالى؛ إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا، فهو ممسكهما بقدرته وأراه ذلك بقوته له؛ حتَّى يرجع إلى عين اليقين (٤).
قَالَ البخاري -رحمه الله-: تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ.
وَتَابَعَهُ هِلَال بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الأول:
الضمير في: (تابعه) أولًا، يعود عَلَى يحيى بن بكير شيخ البخارى،
---------------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٣٢) باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٣٢). باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٣٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (١٧٧) كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وهل رأى النبي - ﷺ - ربه ليله الإسراء؟
(٤) بهامش (ف): بلغ إبراهيم بن محمد الحلبي قراءة على المصنف بالمدرسة الشافعية وسمعه الحاضري وابن المصنف نور الدين والعاملي وابن رمح والبرموي […]، علاء الدين الحموي والفخر الرَّازي ومحب الدين ومحمد الميدومي وآخرون.
ومعناه: أن عبد الله وأبا صالح تابعا يحيى بن بكير. فرواه عن الليث ثلاثة يحيى وعبد الله وأبو صالح، والضمير في قوله: (وتابعه) ثانيًا يعود على عقيل أي: تابع هلال عقيلًا، رواه عن الزهري أيضًا، وهو متابعتان (في مرتين) (١)، والمتابعة الأولى أقوى كما أسلفناه في الفصول أول هذا الشرج.
وطريقتك في معرفة المتابعة الأولى: أن تنظر طبقة المتابع -بكسر الباء- فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته؛ بحيث يكون صالحًا لذلك، ولهذا لم يُسم البخاري هنا المتابع عليه بخلاف الثانية فإنه سماه.
الثاني:
قوله: (وَقَالَ يُونسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُةُ.) مراده: أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذِه اللفظة، فروى عقيل، عن الزهري في الحديث: يرجف فؤاده. كما سلف (٢)، وتابعه عَلَى هذِه اللفظة هلال بن رداد (٣)، وخالفه يونس ومعمر فرويا عن الزهري: ترجف بوادره (٤).
الثالث: في التعريف بأحوال هؤلاء الرواة:
وقد سلف التعريف بالزهري في الحديث الثالث، وبعبد الله بن يوسف في الحديث الثاني.
--------------------------
(١) سقط من (ج).
(٢) الحديث السالف (٣)، وسيأتي أيضًا برقم (٣٣٩٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب ٢: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾. وكذا رواه مسلم ١٦٠/ ٢٥٤.
(٣) روى هذِه المتابعة الحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ١٥ بسنده من طريق الذهلي، وقال في «الفتح» ١/ ٢٨: حديث هلال بن رداد في «الزهريات» للذهلي.
(٤) رواية يونس ستأتي برقم (٤٩٥٣) كتاب: التفسير، ورواها مسلم (١٦٠/ ٢٥٣).
وأما أبو صالح فاسمه عبد الغفار بن داود بن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها، فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه فسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش، و(بالجزيرة) (١) موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدث بها فروى عنه جماعة من أهلها ومن الغرباء، وكان يكره أن يقال له: الحراني، وإنما قيل له: الحراني؛ لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها، وحران مدينة بالجزيرة من ديار بكر، سميت بحران بن آزر أخي إبراهيم -عليه السلام- (٢). روى عنه يحيى بن معين والبخاري. وروى أبو داود عن رجل عنه وخرج له النسائي، وابن ماجه أيضًا. مات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين (٣).
فائدة:
أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة بزيادة أربعة عشر، هذا وأبو صالح الأشعري الشامي، وأبو صالح الأشعري أيضا ويقال: الأنصاري، وأبو صالح الجهني المصري -كاتب الليث بن سعد- اسمه عبد الله بن صالح -وأبو صالح الحارثي، وأبو صالح الحنفي اسمه عبد الرحمن بن قيس، ويقال: إنه ماهان، وأبو صالح الخوزي لا نعرف اسمه، وأبو صالح السمان ذكوان، وأبو صالح الغفاري
----------------------------
(١) في (ج): بالحيرة.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٣٥، «معجم البلدان» ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٣) انظر: ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ١٢١ (١٩٠٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٥٤ (٢٨٩)، «الثقات» ٨/ ٤٢١، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٢٥ - ٢٢٨ (٣٤٨٦).
سعيد بن عبد الرحمن، وأبو صالح المكي محمد بن زنبور، روى عن عيسى بن يونس، وأبو صالح مولى طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وأبو صالح مولى عثمان بن عفان، وأبو صالح مولى ضباعة اسمه مينا، وأبو صالح مولى أم هانى اسمه باذان، وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث، وبعضهم عدَّ الأخير صحابيًّا وله حديث رواه الحسن بن سفيان (١) في «مسنده»، وليس في الصحابة على تقديرها من يكتني بهذِه الكنية غيره، واحترزت بقولي: في الكتب الستة بزيادة عن أبي صالح الواقع في غيرها فإنهم جماعات فوق العشرة وقد بين ذَلِكَ الرامهرمزي في «فاصله» (٢).
وأما هلال بن رداد (٣) فبراء في أوله وبدالين الأولى مشددة، وهو طائي حمصي الكناني الكاتب، أخرج له البخاري هنا متابعة لعقيل، وليس لَهُ ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة، روى عن الزهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمد. قَالَ الذهلي: كان كاتبًا لهشام، ولم يذكره البخاري في «تاريخه»، ولا ابن
------------------------
(١) هو الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، الإمام الحافظ الثبت، أبو العباس الشيباني الخراساني النسوي، صاحب «المسند» ولد سنة بضع وثمانين ومائتين، وهو أسن من بلديه الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وماتا معًا في عام، قال الحاكم: كان الحسن بن سفيان -محدث خراسان في عصره- مقدمًا في الثبت والكثرة والفهم والفقه والأدب، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الرازي: ليس للحسن في الدنيا نظير. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ١٥٧ (٩٢)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٢.
(٢) «المحدث الفاصل» ص ٢٨٧ - ٢٩٣.
(٣) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٣٣٣ (٦٦١٧)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٤٣٨ (٩٢٦٦)، «لسان الميزان» ٥/ ٤١٦ (٨٢٢٧).
أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمدًا (١)، وليس لَهُ ذكر في الكتب الستة، قَالَ ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول. ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا.
وأما يونس فهو أبو يزيد يونس بن يزيد، ويقال بعد يزيد: ابن مشكان بن أبي النجاد -بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وبالمثناة- القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأخو أبي علي بن يزيد، وعم عبسة بن خالد بن يزيد سمع خلقًا من التابعين، منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام جرير بن حازم وهو تابعي فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق، وكان الزهري إِذَا قدم أيلة نزل عليه وإذا سار إلى المدينة زامله يونس، وقال أحمد: ما أجد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء.
وقال يحيى: يونس أسند من معمر وهما ثقتان وكان معمر أَجَل، وفي رواية عنه: يونس أسند من الأوزاعي -يعني: عن الزهري- وقال يحيى أيضًا: أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وابن عيينة، وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا. وأما وكيع فقال: ذاكرت يونس بأحاديث الزهري المعروفة فجهدت أن يقيم لي حديثًا فما أقامه، وفي لفظ: فلم يكن يحفظ. حكاه العجلي (٢).
--------------------------
(١) «الجرح والتعديل» ٨/ ١١٦ (٥١٥) حيث قال: محمد بن هلال بن رداد الكناني الشامي، سمع أباه، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول.
(٢) «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٨٠، والعجلي هو الإمام الحافظ الأوحد الزاهد، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل مدينة =
وقال خالد بن نزار (١) فيما حكاه المنتجالي: كان الأوزاعي يحصي على يونس بن يزيد. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة (٢).
فائدة:
في يونس ستة أوجه بتثليث النون مع الجمزة وعدمه، والضم بلا همز أفصح (٣).
وأما معمر فهو أبو عروة معمر بن أبي عمرو، راشد الحداني الأزدي مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقًا من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأيوب وقتادة، وعنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وأيوب ويحيى بن أبي كثير وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، وعنه أيضا جماعات غيرهم منهم: ابن جريج وشعبة وابن المبارك، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وآخر من حدث عنه محمد بن كبير
--------------------------
= طرابلس المغرب، قال بعض العلماء: لم يكن له بالمغرب شبيه، ولا نظير في زمانه في معرفة الغريب وإتقانه، وفي زهده وورعه، وسئل ابن معين عنه فقال: هو ثقة ابن ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائتين. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٤/ ٢١٤، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٠٥ (١٨٥)، «الوافي بالوفيات» ٧/ ٧٩.
(١) هو ابن المغيرة بن سليم الغساني مولاهم، أبو يزيد الأيلي، والد طاهر بن خالد بن نزار، روى له أبو داود والنسائي، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. انظر: «تهذيب الكمال» ٨/ ١٨٤ (١٦٥٧).
(٢) انظر ترجمة يونس في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥٢٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٠٦ (٣٤٩٦)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٧٩ (٢٠٦٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٧ (١٠٤٢)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥٥١ (٧١٨٨).
(٣) ذكره النووي في «شرح مسلم» ١/ ٧٤.
الصنعاني. قَالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه ينقش في صدري. ولما دخل معمر اليمن كرهوا أن يخرج من بينهم فقال رجل: قيدوه فزوجوه. مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة، عن ثمان وخمسين سنة، وقيل: مات سنة خمسين ومائة.
وقال أبو القاسم الطبراني (١): كان معمر بن راشد وسلم بن أبي الذيال فقدا فلم ير لهما أثر (٢)، قَالَ الخطيب: حدث عنه عمرو بن دينار المكي وعبد الرزاق بن همام وبين وفاتيهما ست -وقيل: خمس- وثمانون سنة (٣)، ثم أعلم أن معمرًا له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن، قَالَ أبو حاتم: صالح الحديث وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط (٤)، وضعفه يحيى بن معين في روايته عن ثابت (٥).
---------------------------
(١) هو الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال، محدث الإسلام، أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة، كان ممن كتب عمن أقبل وأدبر، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف وعمر دهرًا طويلًا، وازدحم عليه المحدثون، ورحلوا إليه من الأقطار، من تصانيفه: «السنة» و«الدعاء» و«مسند شعبة» ومسند الشاميين«ولم يزل حديث الطبراني رائجًا نافقًا مرغوبًا فيه. توفي لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة. انظر ترجمته في:»المنتظم«٧/ ٥٤،»وفيات الأعيان«٢/ ٤٠٧،»سير أعلام النبلاء«١٦/ ١١٩ (٨٦)،»شذرات الذهب«٣/ ٣٠.
(٢)»المعجم الكبير«١١/ ١٥٦ عقب حديث (١١٣٤٨).
(٣)»السابق واللاحق«للخطيب البغدادي ص ٣١٧ (١٩٣) ط. الصميعي.
(٤)»الجرح والتعديل«٨/ ٢٥٧.
(٥) انظر ترجمته في:»الطبقات الكبرى«٥/ ٥٤٦،»التاريخ الكبير«٧/ ٣٧٨. (١٦٣١)،»الجرح والتعديل«٨/ ٢٥٧ (١١٦٥)،»ثقات ابن حبان«٧/ ٤٨٤،»تهذيب الكمال" ٢٨/ ٣٠٣ (٦١٠٤).
فائدة:
ليس في الصحيحين معمر بن راشد غير هذا بل ليس فيهما من اسمه معمر غيره، نعم في «صحيح البخاري» معمر بن يحيى بن سام الضبي وقيل: إنه بتشديد الميم روى له البخاري حديثًا واحدًا في الغسل (١)، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر (٢)، وفي الرواة معمر في الكتب الأربعة ستة (٣)، وفيها مُعَمَّر بالتشديد يخلف خمسة (٤)، وفي غيرها خلق: معمر بن بكار شيخ لمُطَيَّن في حديثه وهم (٥)، ومعمر بن
-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٦) باب: من أفاض على رأسه ثلاثًا، وستأتي ترجمة معمر بن يحيى هناك- إن شاء الله.
(٢) منهم: معمر الأنصاري، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد، ومعمر بن الحارث بن معمر، ومعمر بن حبيب، ومعمر بن حزم بن زيد النجاري، ومعمر والد أبي جزامة السعدي، ومعمر بن أبي سرح بن ربيعة، ومعمر بن عبد الله بن نضلة، ومعمر بن عثمان، ومعمر بن كلاب، ومعمر غير منسوب، ومعمر بن رباب بن حذيفة الجمحي، ومعمر بن عبد الله بن عامر بن إياس. وانظر تراجمهم مفصلة في: «أسد الغابة» ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٧ (٥٠٣٣ - ٥٠٤٣)، و«الإصابة» ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩ (٨١٤٤ - ٨١٥٥).
(٣) هم: معمر بن أبي حبيبة، ومعمر بن راشد الأزدي، ومعمر بن عبد الله بن حنظلة، ومعمر بن المثنى، ومعمر بن مخلد الجزري، ومعمر بن يحيى بن سام. وانظر تراجمهم في: «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٠٢ - ٣١٤، ٣١٦ - ٣٢٣ (٦١٠٣ - ٦١٠٥، ٦١٠٧ - ٦١٠٩).
(٤) هم: مُعَمَّر بن سليمان النخعي، ومُعَمَّر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، ومُعَمَّر بن يعمر الليثي، هؤلاء ثلاثة لا خلاف أنهم مُعَمَّر بالتشديد، أما مُعَمَّر بن مخلد السروجي، ومُعَمَّر بن يحيى بن سام، فاختلف فيهما، فقيل: مَعْمَر، بالتخفيف، وقد مر ذكرهما في مَعْمَر بالتخفيف، وقيل: بالتشديد، وكذا ذكرهما صاحب «تهذيب الكمال» بالتخفيف والتشديد، انظر تراجمهم في: «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٢٦ - ٣٣١ (٦١١٠ - ٦١١٢).
(٥) انظره في «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٨ (٨٦٨٠)، و«لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٥).
الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر (١)، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه (٢)، ومعمر بن زيد مجهول (٣)، ومعمر بن أبي سرح مجهول (٤)، ومعمر بن عبد الله، عن شعبة لا يتابع عَلَى حديثه (٥)، وغير ذَلِكَ مما ذكرته في «مشتبه النسبة» (٦).
فائدة ثانية:
هاتان المتابعتان اشتملتا على مدني ومصري وحمصي ويمني كما أوضحته لك.
الوجه الرابع:
البوادر بفتح الباء الموحدة جمع بادرة وهي: اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، قَالَ أبو عبيدة: تكون من الإنسان وغيره، وقال الأصمعي: الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، التي لا تزال ترعد من الدابة وجمعها فرائص.
وقال ابن سيده في «المخصص»: البادرتان من الإنسان لحمتان فوق
----------------------------
(١) انظره في: «الكامل» لابن عدي ٦/ ٤٢٧ (١٩٠٤)، «الميزان» ٥/ ٢٧٨ (٨٦٨١)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٦).
(٢) انظره في: «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٩ (٢٦٨٣)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٧).
(٣) انظره في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٧٨ (١٦٣٠)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٩ (٨٦٨٤)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٨).
(٤) انظره في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٥٥ (١١٦١)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٨٠ (٢٦٨٥)، «اللسان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٩).
(٥) انظره في: «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٨٠ (٨٦٨٨)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٧٢).
(٦) في باب (مَعْمَر ومُعَمَّر) انظر: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني ٤/ ٢٠٢٤ - ٢٠٢٧، «الإكمال» لابن ماكولا ٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠، «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٥.
الرغثاوين وأسفل الثندوة. قَالَ: وقيل: هما جانبا الكركرة، وقيل: هما عرقان يكتنفانها (١)، قَالَ: والبادرة من الإنسان وغيره. وقال في «أماليه»: ليست للشاة بادرة، ومكانها صردغة للشاة وهما الأوليان تحت صليفي العنق لا عظم فيها، وادعى الداودي أن البوادر والفؤاد واحد، والذي عند أهل اللغة ما سقناه.
وحين انقضى الكلام عَلَى حديث عائشة وجابر في بدء الوحي فلنختمه بدرر التقتطها من بحر سيدي أبي محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي بلدي، والدي تغمدهما الله برحمته، وهو حديث اشتمل على أحكام وآداب وقواعد من أصول الدين والسلوك والترقي:
والدرة الأولى: أن الهداية منه لا بسبب؛ لأنه - ﷺ - جبل عَلَى الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحرضه عليه فحبب إليه الخلاء، لأنها عبادة.
الثانية: مداومة العبادة لتحنثه الليالي.
الثالثة: أن التبتل الكلي والانقطاع الدائم ليس من السنة، فإنه - ﷺ - لم ينقطع في الغار وترك أهله.
الرابعة: أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبة وتوفيتها؛ لأنه - ﷺ - لم يكن يرجع إلى أهله إلا لإعطاء حقهم، فكذا غيره من الحقوق.
الخامسة: أن الرجل إِذَا كان صالحًا في نفسه تابعًا للسنة يرجى (أن) (٢) الله تعالى يؤنسه بالمرائي الحميدة إِذَا كان في زمان مخالفة وبدع.
--------------------------
(١) انظر: «تاج العروس» ٦/ ٦٣.
(٢) في (ج): من.
السادسة: أن البداءة ليست كالنهاية؛ لأنه - ﷺ - أول ما بدئ في نبوته بالمرائي ثم ترقى حتَّى جاءه الملك يقظة، ثمَّ ما زال في الترقي حتَّى كان كقاب قوسين أو أدنى. كذلك الأتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة حتَّى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، فمن نال مقامًا فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي إلى أن سرى سره من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى فنودي: هنا سري بذات محمد السنية حيث سري بسرك (١).
--------------------------
(١) هذا الكلام مردود، وهو من شطحات الصوفية، وما يلبسه الشيطان عليهم، فهم يقولون: إنه ينبغي للمريد أن يختلي بنفسه مدة معينة، كأربعين يومًا مثلما واعد الله موسى -عليه السلام-، ثم بعد ذلك يحصل الخطاب والتنزل، كما يقولون في غار حراء: حصل بعده نزول الوحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥: وهذا غلط فإن هذِه ليست شريعة محمد - ﷺ -، بل شرعت لموسى -عليه السلام- كما شرع له السبت، والمسلمون لا يسبتون، فهذا تمسك بشرع منسوخ، وكذلك تمسك بما كان قبل النبوة.
وقد جرب أن من سلك هذِه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزل شيطاني، وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددًا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزيل فنزلت عليهم الشياطين: لأنهم خرجوا عن شريعة النبي - ﷺ - التي أمروا بها أهـ.
وقال أيضا في ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧: وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع، وليس هو بكلام يعقل، ولا فيه إيمان، ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس قصدنا ذكر الله تعالى، ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما يرد عليها، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات، فإذا اجتمع قلبه أُلقي عيه حالًا شيطانيًّا فيلبسه الشيطان، ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى، وأنه أعطي ما لم يعطه محمد - ﷺ - ليلة المعراج ولا موسى -عليه السلام- يوم الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا أهـ.
السابعة: أن المربي أفضل من غيره.
الثامنة: أن الأولى بأهل البداءة الخلوة والاعتزال ولما صار مآله - ﷺ - إلى ما صار كان إِذَا سجد غمز أهله فتضم رجلها حيث سجد.
التاسعه: أن الخلوة عون الإنسان عَلَى تعبده وصلاحه (١).
العاشرة: مشروعية التسبب في الزاد لدخول الخلوة أو المعتكف، إظهار لوصف العبودية وفي مخالفته نوع ادعاء، ولهذا كان بعض أهل الطريق إِذَا دخل خلوته أخذ رغيفًا وألقاه تحت وسادته، وواصل
--------------------------
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٤: وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ فإن ما فعله - ﷺ - قبل النبوة، إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه، وإلا فلا.
وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء، ولا خلفاؤه الراشدون، وقد أقام صلوات الله عليه بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع، وأقام بها أربع ليالٍ، وغار حراء قريب منه ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية، لأنه لم تكن لهم هذِه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة صلوات الله عليه، كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذِه تغني عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي. أهـ.
ثم قال في ١٠/ ٣٩٦: وأصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية: الصلاة والصيام والقراءة والذكر، وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة أهـ.
وقال في ١٠/ ٤٠٣: ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر مطلق، وجوع مطلق، وصمت مطلق مع الخلوة -كما ذكر ذلك ابن عربي وغيره- وهي تولد لهم أحوالًا شيطانية أهـ.
وقال في ١٠/ ٤٠٤: فأما الخلوة والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب، فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها، وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع، وذلك بالزهد فيه فهو مستحب أهـ.
أيامًا. ولأن في اتخاذه أيضًا قطع تشوف النفس وقلقها والفيض من الله.
الحادية عشرة: أن المرء إذا خرج لتعبده يُعلِم أهله؛ لأنه معرض هو وهم للآفات، ولأن فيه إدخال السرور عليهم (بإعلامه لهم) (١)، وفيه أيضًا الإعلام بموضعه ليرافق في التعبد والانقطاع.
الثانية عشرة: أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعًا للعبادة؛ لأنها أخبرت أنه - ﷺ - كان يتحنث الليالي ولم تذكر ذَلِكَ في رجوعه إلى أهله، فدل عَلَى أن ذَلِكَ هو الكثير.
الثالثة عشرة: جواز التورية، وهي إظهار شيء والمراد خلافه إِذَا كان فيه مصلحة؛ لأن جبريل كان يعلم أنه - ﷺ - غير قارئ، ولكن قَالَ له ذَلِكَ؛ ليتوصل به إلى ما يريد من الغط كما سلف، وكذلك كان - ﷺ - إِذَا خرج إلى جهة ورى بغيرها، ولو كان غطه له بغير سبب؛ لكان ذَلِكَ زيادة في النفور والوحشة.
الرابعة عشرة: أن أمر السائل إِذَا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهرها ويترك ماعداها؛ لأنه لما كان لغط جبريل -عليه السلام- يحتمل طلب القراءة منه - ﷺ - ابتداء وهو الأظهر ويحتمل طلبها منه لما يلقى إليه، وهو المقصود في هذا الموضع لما ظهر بعد، أجاب - ﷺ - بالأظهر وهو المعهود من الفصحاء في مخاطباتهم.
الخامسة عشرة: فيه دلالة لمن ذهب من العلماء أن أول الواجبات الإيمان دون النظر، والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، تمت به الفائدة وحصل به الإيمان المجزئ، وقوله بعده ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق ١: ٢]
-------------------------
(١) في (ج): بإعلامهم.
هو طلب النظر والاستدلال وهو زيادة كمال الإيمان؛ لأنهم أكمل الناس إيمانًا، ويشهد لذلك الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله» (١) ولم يشترط نظرًا ولا استدلالًا.
السادسة عشرة: سر نزول هذِه السورة أولًا: أنها دلت منطوقًا ومفهومًا على ما تضمنه القرآن إجمالًا، فإن كل ما في القرآن من آيات الإيمان والتوحيد والتنزيه دل عليه مضمون اسم الربوبية، وما كان فيه من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والندب والإرشاد، والمحكم والمتشابه دل عليه مضمون مقتضى حكمة الربوبية، وما كان فيه من استدعاء الفكر والنظر والاستدلال وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق:١ - ٢]، وما كان فيه من المغفرة والرحمة والإيناس والإنعام والترجي والإحسان والإباحة، وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن كرم الربوبية، ثمَّ بعد هذا الإجمال نزلت الآيات مفصلة ولما كملت قَالَ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
السابعة عشرة: فيه إشارة إلى التسلي والصبر عند نزول الحوادث والوعد بالنصر كما في خلقه أولًا علقة، ثمَّ طوره وأخرجه إلى الوجود، فالإخراج يقابله الخروج، والتطوير يقابله التغيير.
الثامنة عشرة: جواز تأديب المعلم للمتعلم وقد مضى.
-------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ورواه مسلم (٢٢) كتاب: الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا .. من حديث ابن عمر.
وسيأتي أيضًا برقم (١٣٩٩) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ورواه مسلم (٢٠، ٢١) من حديث أبي هريرة.
التاسعة عشرة: أن كتاب الله تعالى لا يؤخذ إلا بقوة؛ لأن جبريل ضمه - ﷺ - إليه ليتلقى الأمر بأهبة، ويأخذه بقوة، وقد قَالَ تعالى ليحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢].
العشرون: أن بالغط يحصل في الباطن قوة تعين عَلَى حمل الملقى إليه.
الحادية بعد العشرين: مذهب أهل السنة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة (١)، وإنما حصل لجبريل هذِه القوة؛ لأنه كان حاملًا لكلام الله تعالى في ذَلِكَ الوقت.
----------------------
(١) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذِه المسألة فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية، فجن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقين في عبادة الرب، ولا ريب أن هذِه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة أهـ. «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٤٣.
قال ابن القيم رحمه الله معقبًا على كلام شيخه كما في «بدائع الفوائد» ٣/ ١٤٠: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه أهـ. وقال ابن أبي العز الحنفي في «شرح العقيدة الطحاوية» ٢٨١ - ٢٩٠ وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا ......... ثم قال: وكنت ترددت في الكلام على هذِه المسألة، لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أهـ. ثم قال وحاصل الكلام أن هذِه المسالة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول أهـ. وكذا قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين كما في «المجموع الثمين» ص ١٣٨.
قلت: ولمن أراد زيادة بيان في هذِه المسألة فليراجع «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢، «شرح العقيدة الطحاوية»ص ٢٨١ - ٢٩٠، «الحبائك في أخبار الملائك» للسيوطي ص ١٥٦ - ١٧٨، «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٩.
الثانية بعد العشرين: فيه دلالة لما تقوله الصوفية أن التحلي لا يكون بعد التخلي فتخلى أولًا بالجهد ثمَّ تحلى بإلقاء الوحي إليه (١).
الثالثة بعد العشرين: حكمة الغط ثلاثًا من غير زيادة ولا نقصان
-----------------------
(١) هذا الكلام فيه حق وباطل، فالصوفية يقولون إن على المريد أن يختلي، وأن يفرغ قلبه من كل شيء، بل قد يأمر أن يجلس في مكان مظلم ويغطي رأسه، ويقول: الله. الله. الله أو هو. هو. هو .. فإذا فعل ذلك فرغ قلبه واستعد كي ينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء، ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، لذا فهم يقولون: إن النبوة مكتسبة، فإذا تفرغ صفا قلبه، وفاض على قلبه من جنس ما فاض على الأنبياء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١: إن هذِه الطريقة لو كانت حقًّا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول، فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسلﷺ - قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل.
فهذِه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد - ﷺ -، فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق، بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد إلهامًا ينفعه، وهذا قد يحصل لكل أحد ليس هو من لوازم هذِه الطريق.
ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول - ﷺ - أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه، لا يناقضه وينافيه، كما قال جندب وابن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا أهـ.
قلت: أما إذا كان التخلي تخليًا عن الرذائل، والتحلي تحليًا بالفضائل، فهذا لا بأس به بل هو مطلوب شرعًا كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، والله أعلم.
وجهان: أحدهما: أن البشرية فيها عوالم مختلفة منها العقل وموافقة الملك، ومنها النفس والطبع والشيطان وموافقتهم الهوى والغفلة والعادة المذمومة، وهي أشدها لقول الأمم الماضية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وقد قَالَ الأطباء: إن العادة طبع خامس، فكانت تلك الغطات مذهبة لتلك الخصال الثلاثة وموافقيها، وبقي العقل والملك (اللذين) (١) هما قابلان للحق والنور، وإن كان - ﷺ - مطهرًا من الشيطان ومثل ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] وثيابه لا شك في طهارتها عَلَى كل تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشرية وترقيها.
الثاني: أن (الدين) (٢) عَلَى ثلاث مراتب إيمان وإسلام وإحسان، فكانت تلك الغطات مبالغة في التحلي بكلها؛ لأن إيمانهم أقوى من إيمان أتباعهم لعلو مقامهم.
الرابعة بعد العشرين: فيه دلالة عَلَى أن التحلي مكتسب وفيض من الرب ﷻ، وقد جمعا له - ﷺ - بالتحنث والغط، وقد يجتمعان لأفراد من أمته، وقد ينفرد بعض بالكسب وبعض بالفيض كالفضيل (٣)
-------------------------
(١) كذا في الأصول و«بهجة النفوس».
(٢) في (ج): الإيمان. وهو الذي في «بهجة النفوس».
(٣) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي، المجاور بحرم الله، قال النضر بن شميل: سمعت الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل، روي في زهده وورعه الكثير.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٤/ ٤٧، «تهذيب الكمال» (١١٠٤)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٢١ (١١٤)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٢٤٥، «شذرات الذهب» ١/ ٣٦١.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|