عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-01-2026, 03:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 321الى صــ335
الحلقة (182)






يُخرج ملءَ كفّه مِن ذهبٍ أو فِضة؟ يطلُب مَن يقبلُه منه فلا يجد أحدًا يَقْبَلُه منه.
ولَيلقَينّ الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه تُرجمانٌ يُترجم له، فيقولَنّ له ألم أبْعَث إليك رسولًا فيُبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالًا وأُفْضل عليك؟ فيقولُ بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلاّ جهنّم وَينظر عن يساره فلا يرى إلاَّ جهنّم.
قال عديّ: سمعْتُ النبيّ - ﷺ - يقول: اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد شِقّ تمرة، فبكلمة طيّبة.
قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلاَّ اللهَ، وكنتُ فيمن افتتَح كنوز كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبيّ أبو القاسم - ﷺ - يُخرج مِلءَ كفّه» (١).
ثمّ ساق الحافظ ابن كثير بإسناد الإمام أحمد -رحمهما الله- إلى أُبيّ بن كعبٍ - رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «بَشّر هذه الأُمّة بالسَّناء والرفعة، والدين والنّصر والتمكين في الأرض، فمَن عَمِل منهم عَمَل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب» (٢).
ثمّ قال -رحمه الله-: وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
ثمّ ذكَر حديث أنس، أنّ معاذَ بنَ جبل حدّثه قال: «بينا أنا رديف رسول الله - ﷺ -، ليس بيني وبينه إلاّ أَخِرَة الرَّحْل، قال: يا معاذ، قلت: لبيّك يا رسول الله

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٥٩٥.
(٢) أخرجه أحمد وابن حبان في»صحيحه«وغيرهم، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٢٣، ٢٤).



وسَعْديك، قال: ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك.
قال: هل تدري ما حقّ الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقَّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا.
قال: ثم سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، قال: فهل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقّ العباد على الله أن لا يُعذّبهم«(١).
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرَج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فَسَقَ عن أمر ربّه، وكفى بذلك ذنبًا عظيما. فالصحابة - رضي الله عنهم-، لمّا كانوا أقومَ النّاس بعد النبيّ - ﷺ - بأوامر الله -عز وجل-، وأطوعَهم لله- كان نصرُهم بحسبهم، وأظهروا كلمةَ الله في المشارق والمغارب، وأيّدهم تأييدًا عظيمًا، وتحكّموا في سائر العباد والبلاد، ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقَص ظهورُهم بحسبهم».
ثم ذكَر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- حديث الطائفة الظاهرة المنصورة بروايات متعددة، انتهى.

٢ - اتباع منهج النبيّ - ﷺ -
ومن أسباب النصر اتباع مَنهجِ النبيّ - ﷺ -، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَاَ آتاكم

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٩٦٧، ومسلم: ٣٠.


الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١).
وفي الحديث: «نُصرت بالرعب مسيرةَ شهرٍ» (٢).
وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه- بعد أن ذكَر الحديث الشريفَ: «وإذا تمسَّكَت الأُمّة بما كان عليه رسول الله - ﷺ -؛ فإنّها تُنصَر مسيرةَ شهرٍ».
قال شيخنا -رحمه الله- في كتاب «منزلة السنّة في الإسلام وبيان أنّه لا يُستغنى عنها بالقرآن» (ص ٦) -بحذف-: "تعلمون جميعًا أنّ الله -تبارك وتعالى- اصطفى محمّدًا - ﷺ - بنبوته، واختصّه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمَرَه فيه -في جُملة ما أمرَه فيه- أن يُبيِّنَه للنّاس، فقال -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَاَ إِليكَ اَلذكرَ لِتُبَين للنَّاسِ مَا نُزِلَ﴾ (٣).
والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة؛ يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظ ونَظْمه، وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمّة، كما أنزَله الله -تبارك وتعالى- على قلبه - ﷺ -، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٤).
والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمَّة إلى بيانه،

------------------------
(١) الحشر: ٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ومسلم: ٥٢١.
(٣) النحل: ٤٤.
(٤) المائدة: ٦٧.



وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المُجْملة أو العامّة، أو المطلقة، فتأتي السنّة فتُوضّح المُجْمَل، وتُخصّص العام، وتُقيِّد المُطلق، وذلك يكون بقوله - ﷺ -، كما يكون بفِعله وإقراره».

٣ - اتباع مَنْهج السلف الصالح
ولا يتيسّر اتباع نبيّنا - ﷺ - إلاّ بحبّ السلف الصالح واتباع مَنهجهم السديد، وسبيلِهم الرشيد، فهم الذين نقَلُوا كتاب الله -تعالى- وسُنّة نبيه - ﷺ -، وفَهْمُهم الكتاب والسُّنة، وعملُهم بذلك؛ مرجِعٌ ومَنْهَجٌ لمن بعدهم.
قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
وكان شيخنا -رحمه الله- كثيرًا ما يستدل بهذه الآية؛ مُبيِّنًا أهمية العمل بمقتضى الكتاب والسُّنة؛ بفهم سلفِ الأُمّة.
ولا يغيب عن بال كلِّ عاقل؛ أنّ فَهْمَ الكتاب والسنّة على منهج أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ سبب اجتماعٍ وائتلافٍ، ودرءٌ للخصام والاختلاف، وهذا سبيل النصر بإذن الله -تعالى-.
وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: "وعظَنا رسول الله - ﷺ - موعظةً بليغة وَجِلت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون: فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مُودِّع فأوصِنا قال: أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيّ، وإنه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم

----------------------
(١) النساء: ١١٥.


بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ (١) وإيّاكم ومحُدثات الأمور، فإنّ كُل بدعة ضلالة» (٢).
وفي رواية: «فقلنا يا رسول الله! إنّ هذه لموعظة مودعِّ، فماذا تَعْهَد إلينا؟ قال: قد تركْتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك، مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتُم مِن سُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمن كالجمل الأنِف (٣)، حيثما قِيْدَ انْقَاد» (٤).
لقد قال - ﷺ -: «فعليكم بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عَضّوا عليها بالنواجذ» ولم يقل عضّوا عليهما، إذ ليس هنا أمرٌ باتباع سُنّتين، بل هما سُنّة واحدة، ولأنّ الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- يعملون بسنة النبيّ - ﷺ -.
ولقد أخَذ الصحابة عن الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين- وكانوا أحرص الناس على الخير.
وفي الحديث: «ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين

--------------------
(١) أي: ألزموا السنّة، واحرِصوا عليها؛ كما يلزم العاضّ على الشيء بنواجذه؛ مخافة ذَهابه وتفلُّته، والنواجذ: الأنياب، وقيل: الأضراس.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٥١) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢١٥٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٠) وغيرهم.
(٣) الأنِف: قال في»النّهاية«: وهو الذي عقَرَ الخِشَاشُ أنْفَه، فهو لا يَمْتَنِع على قائدِه للْوَجَع الذي به. وقيل الأنِفُ الذَّلُول.
والخِشاش: ما يُدخل في عظم أنف البعير من خشب.»المحيط«.
(٤)»صحيح سنن ابن ماجه" (٤١).



وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة، ستفترق على ثلاث وسبعين، ثِنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجَماعة» (١).
وفي رواية: «ما عليه أنا وأصحابي» (٢).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «لا تسبّوا أصحاب محمد - ﷺ -، فلمقام أحدهم ساعة، خيرٌ مِن عمل أحدكم عُمُرَه» (٣).
بعد أن فهِمْنا أن الصحابة أخَذُوا مِن الخلفاء الراشدين، نعلم إنّ اتباع منهاج الصحابة -رضي الله عنهم- اتباع لمنهاج الخلفاء، واتباع للسُنّة كذلك، واتباع السنّة؛ اتباعٌ للقرآن العظيم.
إذا عرفْنا هذا التّدرج والتسلسل؛ علمْنا إذن أنّ مَن أخَذ عن الصحابة - رضي الله عنهم- فقد أخذَ عن الله -سبحانه- ومَن رفض منهاج الصحابة؛ فقد رفَض كتاب الله -عز وجل-.
وهنا نفهم سرّ ضلال وزيغ من كفَّر الصحابة -عياذًا بالله- إلاّ بضعًا منهم -على اختلاف رواياتهم-!!!
فإنك ترى الذين كفّروا الصحابة -رضي الله عنهم- هم أنفسهم الذين لم

---------------------
(١) أخرجه أبو داود والدارمي وأحمد وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٢٠٤).
(٢) حسن بطرقه وشواهده، وتفصيله في «الصحيحة» (٢٠٣، ٢٠٤) (التحقيق الثاني).
(٣) أخرجه ابن ماجة «صحيح سنن ابن ماجة» (١٣٣)، وابن أبي عاصم «كتاب السنة»، ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين غير نُسير بن ذعلوق، وقد وثّقه جمع من الأئمة، وروى عنه جمع مِن الثقات، في الكتاب الآنف الذكر، برقم (١٠٠٦) كما ذكر لي شيخنا -رحمه الله- وأودعهُ في (التحقيق الثاني)، وفي كتابه «تيسير انتفاع الخلاّن بكتاب ثقات ابن حبّان».



يؤمنوا بالقرآن والسُّنّة، فلم تَعُدْ لهم ضوابطُ صحيحة تَحْكُمُهم.
وما ضلّ الضالون وانحرف المُنحرفون، إلاّ لأنهم لم يتقيدوا بمنهاج السلف الصالح، ذلك لأنهم أطلقوا لعقولهم العنان في فهم الكتاب والسنّة، وبذلك تعدّدت المناهج والأفكار والدعوات والأحزاب، والكل يقول: نحن على الكتاب والسّنّة.
وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تُقرُّ لهم بذاك (١).

٤ - العلم
ومن أسباب النصر والتمكين؛ العلم، والعمل بمقتضاه، قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فاعلم أنّه لا إله إلاَّ الله﴾ (٢)، فبدأ بالعلِم ...» (٣).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله- أيضًا: «باب قول النبيّ - ﷺ -: لا تزال طائفة مِن أمّتي ظاهرين على الحقّ يُقاتِلون، وهم أهل العلم (٤)» (٥).
ثمّ ذَكر حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا

----------------------
(١) انظر كتابي»وصية مودع«(ص ٣٤).
(٢) محمد: ١٩.
(٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب العلم) (باب - ١٠).
(٤) انظر للمزيد من الفائدة»السلسلة الصحيحة«تحت عنوان»من هي الطائفة المنصورة«(برقم ٢٧٠).
(٥) انظر»صحيح البخاري" كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (باب - ١٠).



يزال طائفة من أمّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمْرُ الله وهم ظاهرون» (١).
ثمّ ذكَر حديث حميد قال: سمعت معاويةً بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يخطب قال: سمعتُ النبيّ - ﷺ - يقول: «مَن يُرد الله به خيرًا يُفقّهه في الدين، وإنّما أنا قاسم ويُعطي الله، ولن يزال أمْرُ هذه الأُمّة مستقيمًا؛ حتى تقوم الساعةُ أو حتى يأتيَ أمرُ الله» (٢).
قلت: وذِكْر الإمام البخاريرحمه الله- هذا الحديث تحت الباب المذكور، يعني أنّ الذين وُفّقوا للتفقُّه في الدين، هم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحقّ والله -تعالى- أعلم.
وقال عمر -رضي الله عنه-: «تفقّهوا قبل أن تُسوَّدوا» (٣).
قال أبو عبد الله -يعني الإمام البخاري -رحمه الله-«... وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلّم أصحاب النبيّ - ﷺ - في كِبَر سنّهم».

٥ - تزكية النفوس والائتمار بما أمر الله -تعالى- والانتهاء عما نهى -سبحانه-.
قال -تعالى-: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٣١١، ومسلم: ١٩٢١.
(٢) أخرجه البخاري: ٧٣١٢، ومسلم: ١٠٣٧.
(٣) رواه البخاري في «صحيحه» مُعلقًا مجزومًا به في كتاب العلم (باب الاغتباط في العلم والحكمة) ووصله أبو خثيمة في (العلم) (٩) بسند صحيح وكذا ابن أبي شيبة، وانظر «مختصر صحيح البخاري».
(٤) آل عمران: ١٦٠.



وقال -سبحانه-: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌّ عزيزٌ﴾ (١).
وقال: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿وكان حقًا علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٣).
فمن هم المؤمنون المنصورون؟
قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤).
فمِن شأن المؤمنين أن تخاف قلوبُهم وتفزع عند ذكر الله -تعالى- فيسارِعون بالطاعات وأداءِ الفرائض والسُّنن، واجتناب المحرّمات والنواهي، وإِذا تُليت عليهم آياته -سبحانه- زادتهم تصديقًا، فخضَعت قلو بهم وجوارحهم وألسنتهم لله، بل وأقبلوا على الله بيقين.
إنهم يتوكلون على ربِّهم -سبحانه- لا يرجون غيره، ولا يرغبون إلاّ إليه، وهم يوقنون أنّه لن يُخيِّبهم أو يردّهم.
إنهم يقيمون الصلاة بالمحافظة على مواقيتها وما فيها من الأركان والواجبات والسنن، وقد قال - ﷺ -: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم

------------------------
(١) الحج: ٤٠.
(٢) محمد: ٧.
(٣) الروم: ٤٧.
(٤) الأنفال: ٢ - ٤.



وصلاتهم وإخلاصهم» (١).
إِنهم ينفقون مما أعطاهم الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢).
ثمّ قال -سبحانه-: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المؤمُنونَ حَقًّا﴾ (٣).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقّ الإيمان».
ويتضمّن ما سَبق:

٦ - ترْك الذنوب والمعاصي والأهواء
قال الله -تعالى-: ﴿فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾ (٤)، فكيف تريد أمةٌ حَربَ المشركين والكفّار والملحدين وقد آذَنَها الله بالحرب.
فالله أكبر مِن خلقه جميعًا، والله أعزُّ مما يُخاف ويُحذَر.
فعلينا أن نزيل الخطر الذي ذكَر الله -تعالى- بكتابه، ولا ملجأ منه إليه، بترك اجتراح الخطايا واقتراف الذنوب، ثمّ نلتفت إلى ما بعده.
وعن أبي عامر الهوزني قال: سمعت معاوية -رضي الله عنه- يقول: «يا

-------------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٩٧٨)، وانظر»الصحيحة" (٢/ ٤٠٩)، وقد ذكَرْته في باب (الانتصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).
(٢) المعارج: ٢٤ - ٢٥.
(٣) الأنفال: ٤.
(٤) البقرة: ٢٧٩.



معشر العرب، والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيّكم لَغَيركم مِن الناس؛ أحرى أن لا يقوم به، إن رسول الله - ﷺ - قام فينا يومًا فذكَر أنّ أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً في الأهواء» (١).
وقال الله -تعالى-: ﴿إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢).
وجاء في «التفسير القيّم» (ص ٥٤٥): «وهل زالت عن أحد قطّ نعمةٌ إلاّ بشؤم معصيته، فإنّ الله إذا أنعم على عبدٍ نعمة حَفِظَها عليه، ولا يُغيّرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٣)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).
ومَن تأمَّل ما قصَّ الله في كتابه مِن أحوال الأُمم الذين أزال نِعَمَه عنهم، وجَد سبب ذلك جميعه؛ إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رُسُله -عليهم السلام-، وكذلك مَن نظَر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم مِن نِعمه، وجَد ذلك كلَّه مِن سوء عواقب الذنوب، كما قيل:
إذا كنت في نعمةٍ فارْعَها ... فإنّ المعاصي تزيل النِّعَم

------------------------
(١) انظر تخريج شيخنا -رحمه الله- لكتاب»السُّنَّة" لابن أبي عاصم (٦٨، ٦٩).
(٢) الرعد: ١١.
(٣) الرعد: ١١.
(٤) الأنفال: ٥٣.



فما حُفظت نعمةُ الله بشيءٍ قطّ، مِثْل طاعتهِ، ولا حَصَلت فيها الزيادة بمثلِ شُكره.
ولا زالت عن العبد نعمة بِمثل معصيته لربّه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها؛ كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومَن سافر بفكره في أحوال العالم؛ استغنى عن تعريف غيرِه له».
وقال شيخنا عقب كلام الحافظ ابن حجر -رحمهما الله تعالى- بعد وصف تردي الأحوال: «ما أشبه الليلة بالبارحة، بل الأمر أسوأ، فإنّه لا خليفةَ اليوم لهم، لا اسمًا ولا رسمًا، وقد تغلَّبت اليهود والشيوعيون والمنافقون على كثير مِن البلاد الإسلامية.
فالله -تعالى- هو المسؤول أن يوفّق المسلمين أن يأتمروا بأمره في كل ما شَرَع لهم، وأن يُلْهِم الحُكّام منهم أن يتحدوا في دولة واحدة تَحْكُمْ بشريعته، حتى يُعزّهم الله في الدنيا، ويُسعِدَهم في الآخرة، وإلاّ فالأمر كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
وتفسيرها في الحديث الصحيح:»إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذُلاّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم«، فإلى دينكم أيها المسلمون حُكّامًا ومحكومين» (٢).
وقال شيخنا -رحمه الله- تحت عنوان (الخلافة في قريش ما أطاعوا الله)

-----------------------
(١) الرعد: ١١.
(٢) انظر «الصحيحة» المجلد السادس، القسم الثاني، تحت الحديث (٢٨٥٦) وتقدّم.



وبعد ذِكر الحديث المتعلِّق به: «وهذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام نبوته - ﷺ -، فقد استمرّت الخلافة في قريش عدّة قرون، ثمّ دالت دولتهم، بعصيانهم لربهم، واتباعهم لأهوائهم، فسلّط الله عليهم مِن الأعاجم مَن أخذ الحُكم من أيديهم وذلَّ المسلمون مِن بعدهم، إلاَّ ما شاء الله، ولذلك فعلى المسلمين إذا كانوا صادقين في سعيهم لإعادة الدولة الإسلامية، أن يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويتّبعوا أحكام شريعتهم، ومِن ذلك أنّ الخلافة في قريش بالشروط المعروفة في كُتُب الحديث والفقه، ولا يحكِّموا آراءهم وأهواءهم، وما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وإلاّ فسيظلون محكومين مِن غيرهم، وصدَق الله إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ والعاقبة للمتقين» (١).

٧ - ترك التحايل (٢)
ويتفرّع من تزكية النفس والائتمار بأمر الله -تعالى- واجتناب نواهيه ترْك التحايل.
أقول: ودراسة الحديث المُشار إليه «إذا تبايَعْتُم بالعِيْنَة (٣) وأخذتم أذناب

---------------------
(١) انظر»الصحيحة«تحت الحديث (١٥٥٢).
(٢) قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٩/ ٢٩):»ودلائل تحريم الحِيَل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة؛ ذكَرنا منها نحوا من ثلاثين دليلًا؛ فيما كتبناه في ذلك«.
(٣) العِينة: هو أن يبيعَ رجل سلعة؛ بِثَمنٍ مَعْلوم إلى أجَلٍ مُسَمّىً، ثمّ يَشْتَرِيها منه بأقلَّ من الثَّمن الذي باعَها به، وسُمِّيت عِينَةً لحصُول النَّقْد لصاحب العِينَة لأنَّ العَيْن؛ هو المَال الحاضِرُ من النَّقْد، والمُشْتَرِي إنما يَشْتريها ليَبِيعَها بعَيْن حاضِرَة؛ تَصِل إليه مُعَجَّلَة.»النّهاية".



البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلًاّ لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم» (١)، مِن أهم النصوص في مبحثنا هذا؛ لاستجلاب النصر ورفع الذلّة والهوان، وكان شيخنا -رحمه الله- يُكثر مِن افتتاحه بهذا الحديث العظيم؛ ليبيّن كيف تسعد الأمّة في الدارين.
كيف تَنْتصر أمّة؛ وفيها مَن يتحايل في بيعها وشرائها؟!
كيف تَنتصر أمّة؛ وفيها مَن همُّه الاستكثار من المال، مِن غير مبالاةٍ أمِن حرامٍ هو أمْ مِنْ حلال؟!
لا بُدَّ مِن التجرُّد مِن أهواء النفوس وحظوظها.
لقد قال - ﷺ - كلمة بيّنةً واضحة: «سلّط الله عليكم ذُلًا؛ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (٢)».
فمن قال: هذه فروع وقشور؛ فإنه مخُالِفٌ هدي النبيّ - ﷺ -، فقد بيّن - ﷺ - أنّ الذّل لا يُنزع إلاّ بأمور؛ منها تَرْك التحايل.
وليس ببعيدٍ عنّا ما جرى لليهود مِن ضروبٍ مِن التحايل ورَد ذكرها في الكتاب والسُنّة؛ كانت سببًا في عذابهم وإذلالهم.
ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا

------------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر تفصيل تخريجه في «الصحيحة» (١١) وتقدّم.
(٢) وما هو الدين الذي نرجع إليه؟ إنه الكتاب والسنّة بمنهج الصحابة -رضي الله عنهم- وسلف الأمّة، وها نحن نزعم أننا متمسكون بالدين، فأين نحن مِن نزع الذلّة والهوان؟!.



قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «وَلَقَدْ علمتم يا معشرَ اليهود، ما حَلّ مِن البأس بأهل القرية التي عصَت أمر الله وخالفوا عهدَه وميثاقه؛ فيما أخَذَه عليهم مِن تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيّلُوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص (٢) والحبائل والبِرَك قبل يوم السبت، فلمّا جاءت يومَ السبت على عادتها في الكثرة؛ نَشِبَت بتلك الحبائل والحِيَل، فلم تخلُص منها يومها ذلك، فلمّا كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلمّا فعلوا ذلك؛ مسَخَهم الله إلى صورة القِرَدة، وهي أشبه شيء بالأناسيّ في الشكل الظاهر، وليست بإنسانٍ حقيقة.
فكذلك أعمالُ هؤلاء وحيَلُهم لمّا كانت مشابِهةً للحقّ في الظاهر ومخالِفةً له في الباطن، كان جزاؤهم مِن جنس عملهم.
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول -تعالى-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣)، القصة بكمالها».
وذكر أهل التفسير أقوالًا في المراد بقوله -سبحانه-: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾.
وقد رجّح ابن كثير منها أنّ المراد مَنْ بِحَضْرَتِها من القرى التي يبلغهم

---------------------
(١) البقرة: ٦٥ - ٦٦.
(٢) جمع الشِّص: وهو حديدة عقفاء، يُصاد بها السمك، «القاموس المحيط».
(٣) الأعراف: ١٦٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]