
17-01-2026, 11:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,014
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 151الى صــ165
الحلقة (172)
قال: إنا كذلك يُشَدَّدُ علينا البَلاءُ، ويضاعَفُ لنا الأجْرُ. ثمّ قال: يا رسول الله! مَنْ أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ. قال؛ ثمّ مَن؟ قال: العُلماءُ. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: الصالحِونَ، وكان أحدُهم يُبتلى بالقَمْلِ حتى يَقْتُلَه، ويُبْتلى أحدُهم بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ يلبَسُها، ولأَحدُهم كان أشدَّ فَرَحًا بالبلاءِ مِنْ أحدِكُم بالعطاء» (١).
والشاهد فيه: «إنَّا كذلك يُشدَّد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر».
فإذا قُلنا إنَّ الإخفاق مِن البلاء، فإنَّ فيه زيادةَ الأجر والثواب. والله -تعالى- أعلم بالصواب.
قال الإمام النّووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٣/ ٥٢): «وأمّا معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره، أنَّ الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا؛ يكون أجْرُهم أقلّ مِن أجرِ مَن لم يَسلَم أو سَلِم ولم يَغنم، وأنّ الغنيمة هي في مقابلة جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلَت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهم المترَتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة مِنْ جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله:»مِنَّا مَن مات ولم يأكل مِن أجرِه شيئًا، ومِنَّا من أينعَت له ثمرتُه فهو يهدبها «أي: يجتنيها. فهذا الذي ذَكَرْنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث ولم يأتِ حديث صريح صحيح يخالِفُ هذا؛ فتعيَّن حَمْلُه على ما ذَكَرنا ...».
قلت: وكلام الإمام النّووي -رحمه الله- هو الأرجح لدلالة النصوص على ذلك، ويؤيد هذا ما ثبَت عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: «أُهْدِيَتْ
-----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه، وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٤٠٣).
لرسولِ الله - ﷺ - شاةٌ، قال: اقْسِميها، فكانت عائشةُ إذا رَجَعَتِ الخادِمُ تقولُ: ما قالوا؟ تقولُ الخادم: قالوا: بارَكَ الله فيكُم، فتقول عائشةُ: وفيهِمْ بارَكَ الله، نرُدُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويبقى أجْرُنا لنا» (١).
هل يسلم المجاهد نفسه للأسر (٢)؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله - ﷺ - عشَرَة رهطٍ (٣) سريّةً عينًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري -جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهَدَأَة -وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِروا لحِيٍّ من هُذَيْلٍ، يقال لهم بنو لِحْيَانَ (٤)، فَنَفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلُّهم رامٍ، فاقْتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا، تَزَوَّدوه مِن المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب.
فاقتصُّوا (٥) آثارهم، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجئوا إلى فَدْفَدٍ (٦)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزِلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهدُ والميثاقُ ولا نَقْتُل
---------------------
(١) أخرجه ابن السني من طريق النسائي بسند جيِّد، وانظر»الكَلِم الطيب«(٢٣٨).
(٢) هذا العنوان مُقتبس من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٧٠).
(٣) الرهط مِن الرجال ما دون العشرة، وقيل إلى أربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه.»عمدة القاري«(١٤/ ٢٩١).
(٤) بكسر اللام، وقيل بفتحها.
(٥) أي: اتَّبَعوها.
(٦) قال الحافظ -رحمه الله-:»هي الرابية المشرِفة، قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفِع، ويُقال الأرض المستوية، والأول أصحّ".
منكم أحدًا.
فقال عاصم بن ثابت -أمير السريّة-: أمّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمّة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيّك، فرموهم بالنَّبْل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزَلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريّ، وابن دَثِنَةَ ورجلٌ آخر، فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيِّهم (١) فأوثقوهم.
فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبُكم، إنّ لي في هؤلاء لأُسوةً -يريد القتلى- فجرّروه وعالجوه على أن يصحبَهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دَثِنة؛ حتى باعوهما بمكّة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيبٌ هو قَتَل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، فلبِثَ خبيبٌ عندهم أسيرًا. فأخبرني عبيد الله بن عِياض أنّ بنت الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا؛ استعار منها موسى يَسْتَحِدُّ بها (٢) فأعارته، فأخذ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاه.
قالت: فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعْت فزعةً عَرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشَيْن أنْ أقتلَه؟ ما كنت لأفعل ذلك.
والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب، والله لقد وجدتُه يومًا يأكل من قِطْف عِنَبٍ في يده، وإنّه لموثَقٌ في الحديد وما بمكَّةَ مِن ثمر. وكانت تقول إنّه لَرِزق من الله رَزَقَه خُبيبًا.
----------------------
(١) جمع قوس.
(٢) يستحِدُّ بها: مِن الاستحداد، وهو حلْق شعر العانة، وهو استفعال مِن الحديد. «عمدة القاري».
فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع (١) لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا (٢).
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال (٣) شِلْوٍ (٤) مُمَزَّعِ (٥)
فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا (٦)، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب. فأخبَر النبيُّ - ﷺ - أصحابَه خَبَرهم وما أُصِيبُوا، وبعَث ناسٌ من كُفّار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنّه قُتِل ليُؤْتَوا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قد قتل رجلًا مِن عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلّة (٧) مِن الدَّبْرِ (٨) فَحَمَتْه (٩) من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا
-------------------------
(١) الجزع: نقيض الصبر.
(٢) دعا عليهم بالهلاك استِئصالًا، أي: لا تُبْقِ منهم أحَدًا. «عمدة القاري».
(٣) الأوصال: جَمْع وَصل، وهو العضو.
(٤) الشِّلو -بكسر المعجمة-: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد.
(٥) الممزَّع: المُقطَّع.
(٦) قال في «النّهاية»: «... وكلّ من قُتل في غير معركة، ولا حَرْب، ولا خطأ، فإنه مقتولٌ صبرًا».
(٧) الظُلَّة: السَّحابة.
(٨) الدَّبر -بفتح المهملة وسكون الموحَّدة-: الزنانبير، وقيل ذكور النحل، ولا واحد له من لفظه. «الفتح».
(٩) مَنَعتْه منهم.
مِنْ لحمه شيئًا» (١)
قال العلامة العيني -رحمه الله- في «عمدة القاري» (١٤/ ٢٩٤): «في نزول خُبَيبٍ وصاحبِه، جواز أن يَسْتأْسر الرجل (٢).
قال المهلَّب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه؛ فعَل كفِعل هؤلاء، وعن الحَسن لا بأس أن يَستأسِر الرجَل إذا خاف أن يُغلَب. وقال الثوريُّ: أكره للأسير المسلم؛ أن يُمكِّن مِن نفسه إلاَّ مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يُمكِّن مِن نفسه، بل يأخذ بالشدة والإِباء مِن الأسر والأَنَفة؛ من أن يجري عليه مَلِكٌ كافر -كما فعَل عاصم-».
قلت: والأسير هو الذي يرجِّح مصلحته، ويُقرّر أمْرَه، بحسب يقينه وعزمه وما يشاهده، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وقد قال - ﷺ -: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣).
من ركع ركعتين عند القتل
للحديث المتقدم وفيه:
«فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ
-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤٥، ٣٩٨٩، ٤٠٨٦.
(٢) أي: يُسْلِم نفسه للأسر.
(٣) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»تخريج الطحاوية«برقم (٤٠١)، وقال شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة«(٥٦٧٠):»حديث صحيح، صحَّحه ابن حبان وكذا صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي".
ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا.
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا«.
استقبال الغزاة (١)
عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لابن جعفر -رضي الله عنهم-: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله - ﷺ - أنا وأنت وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وترَكَك» (٢).
وعن السائب بن يزيد -رضي الله عنه- قال: «أَذْكُرُ أني خَرجْتُ مع الغِلمان إلى ثنيّة الوداع؛ نتلقّى رسول الله - ﷺ -» (٣).
مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم
يُشرَع للمجاهدين مراسلةُ، والدِيهم وأهلِيهم، لتذكيرِهم بالله، وطَلَبِ الدعاء منهم.
----------------------
(١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٩٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٨٢، ومسلم: ٢٤٢٧.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨٣، ٤٤٢٦.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إني لأرى لجِواب الكتاب حقًّا كردِّ السلام» (١).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٨) -بحذف-: «مِنْ أحمدَ بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينيها بنعمه، وأسبَغ عليها جزيل كَرَمِه، وجعَلَها مِن خِيار إمائه وخَدَمِه.
سلام الله عليكم، ورحمة الله وبركاته.
فإنَّا نَحْمَد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلّيَّ على خاتَم النبيين، وإمام المتقين، محمّدٍ عبدِه ورسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا-.
كتابي إليكم عن نِعَمٍ مِن الله عظيمة، ومنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة نشكُر الله عليها، ونسأله المزيد مِنْ فضله، ونِعَمُ الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أنّ مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنّما هو لأمورٍ ضرورية؛ متى أهملناها فسَد علينا أمْر الدين والدنيا.
ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حَمَلَتْنا الطيور لسِرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنّكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلاَّ ذلك، ولم نعزِم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلّ يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة (٢)، فنسأل الله العظيم أن يَخيرَ لنا
----------------------
(١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«انظر»صحيح الأدب المفرد«(٨٥٠).
(٢) انظر -إن شئت- لمعرفة الفَرقَ بين الخِيْرة -بسكون الياء- والخِيَرة: -بفتح الياء»النّهاية" (باب الخاء مع الياء) كلمة (خير).
ولكم وللمسلمين ما فيه الخِيَرة، في خيرٍ وعافية.
ومع هذا فقد فتَح الله مِن أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله -سبحانه وتعالى-.
فلا يظنّ الظانُّ أنّا نُؤثِر على قُربكم شيئًا مِن أمور الدنيا قطّ، بل ولا نُؤْثِر مِن أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثَمّ أمورٌ كِبار، نخاف الضرر الخاصّ والعامّ مِن إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
والمطلوب، كثرةُ الدعاء بالخِيرَة، فإنّ الله يَعلم، ولا نعلم ويَقْدِر ولا نَقْدِر. وهو علّام الغيوب.
والتاجر يكون مسافرًا فيخاف ضياعَ بعضِ مالِه فيحتاج أن يقيمَ حتى يستوفيَه، وما نحن فيه أمْر يَجِلّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا كثيرًا، وعلى سائِر مَنْ في البيت مِن الكبار والصغار، وسائِر الجيران والأهل والأصحابِ واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين. وصَلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا».
انتهاء الحرب (١)
تنتهي الحرب بأحد الأمور الآتية:
١ - إسلامِ المحاربين أو إسلامِ بعضهم، ودخولِهم في دين الله، وفي هذه الحال يُصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم مِن
----------------------
(١) عن «فِقه السنة» (٣/ ٤٤٢) بتصرف.
الحقوق والواجبات.
٢ - طلَبِهم إيقافَ القتالِ مدة مُعيَّنة، وحينئذٍ يُحقق القائد الاستجابة إلى ما طلَبوا، [إنْ رأى المصلحة في ذلك] كما فعَل ذلك رسول الله - ﷺ - في صُلح الحديبية.
٣ - رغبتِهم في أن يبقوا على دينهم، مع دفْع الجزية، ويتمّ بمقتضى هذا عقد الذّمة بينهم وبين المسلمين.
٤ - هزيمتِهم، وظَفَرِنا بهم، وانتصارِنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمةً للمسلمين.
٥ - وقد يحدُث أن يطلب بعض المحاربين الأمان (١)، فيُجاب إلى ما طلَب، وكذلك إذا طلَب الدخول في دار الإسلام.
لا يجوزُ نزْعُ ثيابِ الشهيد التي قُتل فيها (٢)
لا يجوز نزْعُ ثيابِ الشهيدِ التي قُتل فيها، بل يُدفن وهي عليه لقولهِ - ﷺ - في قتلى أُحُد: «زمِّلوهم في ثيابهم» (٣)، وفي رواية له: «زمِّلوهم بدمائهم» (٤).
استحبابُ تكفين الشهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوق ثيابهِ (٢)
يُستحبُّ تكفينُ الشّهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوقَ ثيابهِ.
-----------------------
(١) وله شروطه وضوابطه، وسيأتي بإذن الله -تعالى-.
(٢) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٨٠).
(٣) أخرجه أحمد، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).
(٤) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٢)، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).
فعن شَدّاد بن الهاد: «أن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَه، ثمّ قال: أُهاجرُ معك، فأوصى به النبيّ - ﷺ - بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبرَ] غَنِمَ النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فَقَسم، وَقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَم له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمّا جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمَ لك النبي - ﷺ -.
فأخذه فجاء به إلى النبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمْتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبعْتُك، ولكن اتَّبعْتُك على أن أرمى إلى هاهنا -وأشار إلى حَلْقهِ- بسهمٍ فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: إن تَصدُقِ الله يَصْدُقْك.
فَلَبِثُوا قليلًا، ثمّ نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتي به النبيّ - ﷺ - يُحْمَل، قد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيّ - ﷺ - أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدَق الله فصدَقَه.
ثمّ كفَّنه النبيّ - ﷺ - في جُبَّةِ النبيّ - ﷺ -، ثمّ قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظَهرَ مِن صلاتِهِ: اللهمَّ هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك» (١).
وعن الزُّبَير بن العَوّام -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ أُحُد؛ أقبَلتِ امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تُشرِف على القتلى، قال: فَكرِهَ النبيّ - ﷺ - أن تَراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ!
قال: فتوسَّمْتُ أنها أمّي صفيّةُ، فخرجْتُ أسعى إليها، فأدْركْتُها قبل أن
---------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤٥) والحاكم وغيرهم وصححه شيخنا رحمه الله في»أحكام الجنائز" (ص ٨١).
تنتهيَ إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ (١) في صدري، وكانت امرأةً جَلْدةً، قالت: إليك لا أرضَ لك، فقلتُ: إن رسولَ - ﷺ - عَزَمَ عليك، فَوقَفتْ، وأخرجَتْ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبانِ جئتُ بهما لأخي حمزَةَ، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنْهُ فيهما.
قال؛ فجئنا بالثوبين لِنُكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جَنْبهِ رجلٌ من الأنصار قتيل، قد فُعل بهِ كما فُعل بحمزة، فوجدنا غضاضةً (٢) وحياءً، أن نُكفِّنَ حمزةَ في ثوبين، والأنصاريُّ لا كَفنَ له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدَّرناهما فكان أحدُهما أكبرَ مِن الآخر، فأقْرَعْنا بينهما، فكفَّنّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوبِ الذي صار له» (٣).
لا يُشْرَعُ غَسْلُ الشهيد قتيلِ المعركة ولو كان جُنُبًا (٤)
لا يُشْرع غسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو كان جُنُبًا، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابرٍ قال: «قال النبي - ﷺ -: ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يَغْسِلْهم» (٥).
----------------------
(١) أي: ضربت ودفعت.
(٢) الغضاضة: العيب والمنقصة.
(٣) أخرجه أحمد -والسياق له بسند حسَن- والبيهقي وسنده صحيح وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٨١).
(٤) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٢).
(٥) أخرجه البخاري: ١٣٤٦. وفي رواية «وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء، وأمَر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسّلهم»، البخاري: ١٣٤٧.
وفي رواية: فقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يُجرح [في الله] إلاَّ جاء وجرحه يوم القيامة يدْمي، لونُه لونُ الدم، وريحهُ ريحُ المسك» (١).
وفي رواية: «لا تغْسِلوهم، فإنّ كلّ جرحٍ يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم» (٢).
الثاني: عن أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان في مغْزىً له، فأفاءَ اللهُ عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا. ثمّ قال: هل تفْقِدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جُليْبِيبًا، فاطلُبوه.
فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قَتَلهم، ثمّ قتلوه! فأتى النبيُّ - ﷺ -، فوقفَ عليه فقال: قَتَلَ سبعةً ثم قَتَلوه! هذا منِّي، وأنا منه، هذا منِّي، وأنا منه، قال: فَوَضَعه على ساعِدِيْه، ليس له إلاّ ساعدا (٣) النبيّ - ﷺ - قال: فحُفر له ووُضِع في قبره، ولم يَذْكُر غَسْلًا» (٤).
الثالث: عن أنس: «أنّ شهداء أُحُد لم يُغَسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ
--------------------------
(١) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«وابن أبي شيبة في»المصنف«وغيرهما وانظر»أحكام الجنائز«، (ص ٧٢).
(٢) أخرجه أحمد في»المسند«وغيره وصححه شيخنا -رحمه الله- في: الإرواء» (٣/ ١٦٤).
(٣) أي: لم يكن له سرير إلاَّ ساعدي النبي - ﷺ -، وهي رواية ثابتة، انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢.
عليهم [غير حمزة]» (١).
الرابع: عن عبد الله بن الزُّبير في قصة أُحُدٍ واستشهاد حنظلَة بن أبي عامر، قال: «فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ صاحِبَكم تَغسِلُه الملائكةُ، فاسألوا صاحِبَتَه، فقالت: خَرَجَ وهو جُنُبٌ لمّا سَمِع الهائعة (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسَّلتْهُ الملائكة» (٣).
الخامس: عن ابن عباس قال: «أصيبَ حمزةُ بن عبد المطّلب، وحنظلةُ بن الراهب، وهما جُنُبٌ (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: رأيتُ الملائكةَ تُغَسِّلُهما» (٥).
قال شيخنا -رحمه الله - في «أحكام الجنائز» (ص ٧٥):
«واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غَسْل الشهيد الجنبِ؛ هو ما ذكَره الشافعيةُ وغيرهُم؛ أنّه لو كان واجبًا لما سَقَطَ بغسل الملائكةِ، ولأَمرَ النبيُّ - ﷺ - بغسلِه، لأنّ المقصودَ منه تعبُّدُ الآدمى به، انظر»المجموع«(٥/ ٢٦٣) و»نيل الأوطار«(٤/ ٢٦)».
--------------------
(١) أخرجه أبو داود والزيادة له وللحاكم والترمذي وحسّنه، وغيرهم وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣).
(٢) هو الصوتُ الذي تفْزَعُ منه، وتخافه من عدوّ. «النّهاية».
(٣) أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي بإسناد جيد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٤).
(٤) كذا في «السنن والآثار» للبيهقي، وفي «معجم الطبرانيّ الكبير» «جُنُبان».
(٥) أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» وإسناده حسنٌ، كما قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٣).
وانظر «أحكام الجنائز»، (ص ٧٥).
أين يُدفن الشهيد (١)
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- «أن النبيّ - ﷺ - أَمَر بقتلى أُحُد؛ أن يُرَدّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة» (٢).
عن نُبيح العَنَزي، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال: «ادْفِنُوا القتْلَى في مَصَارعِهِمْ» (٣).
دفنْ أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كَثُر القتلى
عن هشام بن عَامِرٍ، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهَّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله الحْفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَكَانَ أَبي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» (٤).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله- (باب دفْنِ الرجلين والثلاثة في قبرٍ) (٥) ثمّ ذكر حديث جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من
---------------------
(١) هذا العنوان من سنن النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٤٣١)
(٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٣).
(٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٣٠).
(٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي، (١٨٩٩)، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٤٠٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٦٦).
(٥) انظر «صحيح البخاري» كتاب الجنائز (باب - ٧٣).
قتلى أُحد» (١).
من غَلب العدوّ فأقام على عرْصتهم (٢) ثلاثًا (٣)
عن قتادةَ قال: «ذكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان إذا ظهَر على قوم، أقام بالعَرْصة ثلاثَ ليال» (٤).
ما يقول إذا رجع من الغزو (٥)
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَل (٦) مِن غزوٍ أو حجٍّ أو عُمرة؛ يُكبّر على كل شَرَف (٧) مِن الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون (٨) تائبون عابِدون ساجدون لربنا حامدون، صدَق الله
---------------------
(١) انظر»صحيح البخاري«: ١٣٤٥.
(٢) العَرْصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء، من دارٍ وغيرها.»الفتح«.
(٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٨٥)، وجاء في تبويب»صحيح ابن حبان«نحوه بزيادة:»إذا لم يكن يخاف على المسلمين فيه«. انظر»التعليقات الحِسان«(٧/ ١٥١).
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٦٥، ومسلم: ٢٨٧٥.
(٥) هذا العنوان من»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد) (باب - ٩٧).
(٦) قفَل: أي رَجع.
(٧) شَرَف: الموضع العالي الذي يُشرِف على ما حولَه.
(٨) آيبون: راجعون.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|