عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 17-01-2026, 10:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,982
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 76الى صــ90
الحلقة (167)






عن الأجر منكما«(١).

باب الرَّجز (٢) في الحرب (٣)
عن البراء -رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم الخندق وهو ينقل الترابُ؛ حتى وارى التراب شعْرَ صدْرِه وكان رجلا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا
فأنزِلَنْ سكينةً علينا ... وَثَبّتِ الأقدام إنْ لاقينا
إنَّ الأعداء قد بغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته» (٤).

مَن أَحبَّ الخروج للغزو يومَ الخميس (٥)
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بنَ مالك -رضي الله عنه- كان

-----------------------
(١) أخرجه أحمد، وابن حبان «التعليقات الحِسان» (٤٧١٣) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٢٥٧)، و«فقه السيرة» (ص ٢٥٥).
(٢) قال الحافظ -رحمه الله-: «الرَّجَز بفتح الراء والجيم والزاي مِن بحور الشعر على الصحيح، وجَرَت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الِهمَم، وفيه جوازُ تمثَّل النبي - ﷺ - بشِعر غيرِه».
(٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب ١٦١).
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٤، ومسلم: ١٨٠٣.
(٥) انظر «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب-١٠٣).



يقول: «لقلّما كان رسول الله - ﷺ - يخرُج إذا خَرَج في سفر؛ إلاّ في يوم الخميس» (١).
وعن كعب -رضي الله عنه- «أنّ النبيّ - ﷺ - خرَج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس» (٢).

ما يُؤمَر من انضمام العسكر (٣)
عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: «كان النّاس إذا نَزَلوا مَنزِلًا؛ تفرَّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ - إنَّ تفرّقكم في هذه الشعاب والأودية؛ إنما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلًا؛ إلاَّ انضَمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يُقال لو بُسِط عليهم ثوب لَعَمّهُم» (٤).

في المياسرة والمرافقة في الغزو (٥)
*قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦).
وقال -تعالى-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٧) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٩.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥٠.
(٣) هذا العنوان من «سنن أبي داود».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٨٨).
(٥) هذا العنوان من كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» (١/ ١٣٧).
(٦) المائدة: ٢.
(٧) خصاصة: يعني حاجة، أي: يقدِّمون المحاويج؛ على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.



فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وفي حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «الغزو غزوانِ: فأمّا مَن ابتغى وجه الله، وأطاعَ الإمام وأنفَق الكريمةَ (٢)، وياسَرَ الشريك (٣)، واجتنَب الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ (٤) أجرٌ كلُّه» (٥).
وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -: «إنَّ الأشعريين إذا أرملوا (٦) في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة؛ جَمَعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثمّ اقتسموه بينهم؛ في إناءٍ واحدٍ بالسَّويَّة، فهم منّي وأنا منهم» (٧).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، حدَّث عن رسول الله - ﷺ -، «أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، إنَّ من إخوانكم قومًا؛ ليس لهم مال ولا عشيرة، فَلْيَضُمَّ أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة، فما لأحدنا مِن ظَهْرٍ يحمله إلاَّ عُقبةٌ كعُقْبَةِ (٨) -يعني-

---------------------
(١) الحشر: ٩.
(٢) أنفَقَ الكريمة: العزيزة على صاحبها.»النّهاية«.
(٣) ياسَر الشريك: ساهَلَه.»المصدر السابق«.
(٤) النُّبْهُ: الانتباه من النوم.»المصدر السابق«.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٥)، وهو في»الصحيحة«(١٩٩٠).
(٦) أرملوا: فَنِي زادهم، وأصله من الرَّمل؛ كأنّهم لصقوا بالرَّمل من القلَّة، كما قيل في ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.»فتح«.
(٧) أخرجه البخاري: ٢٤٨٦، ومسلم: ٢٥٠٠.
(٨) عُقبة: العُقبة بالضم: ركوب مركب واحد بالنوبة على التعاقُب، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل، فيركب الآخر بالنوبة، حتى يأتي على سائرهم. ملتقط من»الفتح«و»عون المعبود«. والمعنى: لم يكن لي فضلٌ في الركوب على الذين ضممتُهم إليَّ، بل كان لي عُقبةٌ من جملي مثل عُقبة أحدهم.»عون المعبود".



أحَدِهِمْ (١)، فضَمَمْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلاَّ عُقبة كعقبة أحدِهم مِن جملي» (٢) * (٣).
عن أبي موسى (٤) -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع النبيّ - ﷺ - في غزاة، ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُهُ (٥) فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَت قدماي، وسقَطَت أظفاري، وكنَّا نلفُّ على أرجُلنا الخِرَقَ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرِّقاع، لمِا كنّا نعْصِبُ من الخِرَق على أرجلنا، وحدَّث أبو موسى بهذا ثمّ كَرِه ذاك، قال: ما كنت أصنع بِأنْ أذكُرَه -كأنّه كَرِه أن يكون شيءٌ مِن عَمَلِه أفشاه-» (٦).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنا يوم بدرٍ، كلّ ثلاثة على بعير -أي يتعاقبون- وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلَي رسول الله - ﷺ -. قال: فكانت عُقبة رسول الله - ﷺ -، فقالا له: نحن نمشي عنك -ليظلّ راكبًا-.
فقال: ما أنتما بأقوى مني على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» (٧).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلَّف

---------------------
(١) جاءت كلمة (أحدِ) مجرورة بالإضافة لأنَّ تقدير الجملة:»كعقبةِ أحدِهم«.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود،»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٠٩) وغيرهما.
(٣) ما بين نجمتين من كتاب»الإنجاد«(١/ ١٣٧).
(٤) هذا الحديث إشارة من محقِّقَي كتاب»الإنجاد«-حفظهما الله تعالى-.
(٥) نعتقبه: أي نركَبُه عُقبة عُقبة.
(٦) أخرجه البخاري: ٤١٢٨، ومسلم: ١٨١٦.
(٧) أخرجه أحمد في»مسنده«والحاكم: وقال:»حديث صحيح على شرط مسلم«، وانظر تخريج»فقه السيرة" (ص ٢٥٥).



في المسير، فيُزجي (١) الضعيف، ويُردف، ويدعو لهم» (٢).

حرمة نساء المجاهدين ومن خان غازيًا في أهله (٣):
عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين؛ كحُرمةِ أمَّهاتهم، وما مِن رجلٍ من القاعدين يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم؛ إلاَّ وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ مِن عَمَله ما شاء، فما ظنُّكم؟» (٤).
وفي رواية: «فقال: فخُذ مِن حسناته ما شئت فالتفَتَ إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: فما ظنُّكُم؟ (٥).
وفي رواية:»... وما مِن رجل مِن القاعدين؛ يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله؛ إلاَّ نُصب له يوم القيامة، فيُقال: يا فلانُ، هذا فلانٌ، فخُذ مِن حسناته ما شئت، ثمّ التفَتَ النبي - ﷺ - إلى أصحابه فقال: ما ظنُّكُم تَرَون، يَدَعُ له مِن حسناته شيئًا؟ «(٦).
وفي رواية:»ألا كُلَّما نفَرنا غازين في سبيل الله، خَلَف أحدُهم، له نبيبٌ
(١) يزجي: أي يسوقه ليُلحقه بالرَّفاق. «النّهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٩٨) والحاكم، وانظر «الصحيحة» (٢١٢٠) وتقدّم.
(٣) هذا العنوان من «سنن النسائي» (كتاب الجهاد) (باب ٤٧، ٤٨).
(٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٧.
(٥) مسلم: ١٨٩٧ - ١٤٠.
(٦) «صحيح النسائي»: (٢٩٩٠).



كنبيب التيس (١)، يمنح أحدُهم الكُثْبة (٢)، أمَا والله إنْ يُمكِنِّي مِن أحدِهم؛ لأُنكِّلَنَّه عنه (٣)» (٤).

خروج النساء للتمريض ونحوه
عن أنس -رضي الله عنه- قَالَ: «لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ الناس عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (٥) تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا (٦) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ» (٧).
وعن أنس -رضي الله عنه أيضًا- قال: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ

------------------------
(١) نبيب التيس: صوته عند الوقاع، لشِدّة رغبته فيه.
(٢) الكُثْبة: القليل من اللبن وغيره.»شرح النووي«.
(٣) لأُنكِّلنَّه عنه: أي لأمنعنَّه عن ذلك بالعقوبة والحدِّ، وفي رواية لمسلم (١٦٩٢ - ١٨)»إلاَّ جعلتُه نكالًا أو نكَّلته«أي: عِظةً وعِبرةًَ لمَن بعده، بما أصبْتُه منه من العقوبة؛ ليمتَنعوا من تلك الفاحشة. قاله النّووي -رحمه الله- أيضًا.
(٤) أخرجه مسلم: ١٦٩٢، وانظر رقم (١٦٩٤) أيضًا.
(٥) قال الإمام النّووي -رحمه الله- (١٢/ ١٨٩):»قوله: (أرى خَدَم سوقها) هو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، الواحدة خدمة، وهي الخلخال، وأمّا السوق: فجمع ساق، وهذه الرواية للخَدَم لم يكن فيها نهي؛ لأنّ هذا كان يوم أحد قبل أمْرِ النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن، ولأنه لم يَذكُر هنا أنه تعمّد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حَصَلَت تلك النظرة فجأة بغير قصد، ولم يستدِمْها".
(٦) أي على ظهورهما.
(٧) أخرجه البخاري: ٢٨٨٠، ومسلم: ١٨١١.



وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الماءَ، وَيُدَاوِينَ الجرْحَى» (١).

حَمل الرجل امرأتَه في الغزو دون بعض نسائه (٢)
عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «كان النبيّ - ﷺ - إذا أرادَ أن يخرُج؛ أقرع بين نسائه؛ فأيتُهُنّ يخرج سهمها؛ خرج بها النبيّ - ﷺ -، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجْتُ مع النبيّ - ﷺ - بعد ما أُنزِل الحجاب» (٣).

غزوة النساء مع الرجال
عن أنس -رضي الله عنه- «أنّ أم سُليم اتّخذَت يوم حنين خَِنْجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أمُّ سُليم معها خِنَجرٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: ما هذا الخِنَجر؟ قالت: اتخذتهُ إنْ دنا مني أحد من المشركين؛ بَقَرتُ (٤) به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك ...» (٥).

تحريم إسناد القتال إلى النّساء
عن أبي بكرةَ -رضي الله عنه- قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سَمِعْتها مِن رسول الله أيّام الجَمل؛ بعدما كِدْتُ أن ألحقَ بأصحاب الجمل (٦) فأقاتلَ

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٨١٠.
(٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (باب - ٦٤).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٩٣، ٢٨٧٩، ومسلم: ٢٧٧٠.
(٤) أي شَقَقتُ.
(٥) أخرجه مسلم: ١٨٠٩.
(٦) يعني عائشة -رضي الله عنها- ومن معها.



معهم (١)، قال لما بلَغ رسول الله - ﷺ - أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفْلِح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة» (٢).
وما ورد من مشاركة بعض النساء في القتال -في حدودٍ ضيقةٍ- يختلف عن تولّيها أمرَ القتال والقيادة.

فضل الخدمة في الغزو
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «صَحِبْتُ جريرَ بن عبد الله؛ فكان يخدمني وهو أكبر من أنس. قال جرير: إنّي رأيت الأنصار يصنعون شيئًا لا أجد أحدًا منهم إلاَّ أكْرمتُه (٣)» (٤).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كنّا مع النبيّ - ﷺ - أكثرنا ظِلًاّ الذي يستظل بكسائه، وأمّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبيّ - ﷺ -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٥).

------------------------
(١) تأمّل كيف نَفَع الله -تعالى- أبا بكرة -رضي الله عنه- لأنه عَمِل بمقتضى الحديث، ولم يتأوّله فيقول: هذه أم المؤمنين -رضي الله عنها- والأمر سائغ، بل إنّ الله -تعالى- نجّاه من الفتنة والقتال؛ ببركة تعظِيم الحديث وإمضائه.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٢٥.
(٣) قال الحافظ -رحمه الله-: في رواية نصر «آليت -أي حَلَفْت- أن لا أصحب أحدًا منهم إلاَّ خَدَمْته».
(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٨٨، ومسلم: ٢٥١٣.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، واللفظ له، ومسلم: ١١١٩.



إذن الوالدين في جهاد التطوع
الجهاد الواجب لا يلزم فيه إذن الوالدين.
أمّا جهادُ التطوّع؛ فإنّه لا بد فيه من إذن الوالِدَيْن المسلِمَين.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «سألْتُ النبيّ - ﷺ - أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (١).
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِد» (٢).
وفي رواية: «جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما فأضحِكهما كما أبكيتَهما» (٣).
وعن جاهمة السُّلمي -رضي الله عنه- قال: «أنّه جاء رجل إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك من أمّ، قال: نعم، قال: فالزمها؛ فإنّ الجنّة تحت رجليها» (٤).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٢٧، ومسلم: ٨٥.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩.
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الأدب المفرد» برقم ١٠.
(٤) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٠٨) وابن ماجه وغيرهم، وانظر تعليق شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضيّة على الروضة النديّة» (٣/ ٤٣٩).



وقال في «الروضة النديّة» (٢/ ٧١٨):
«وقد ذَهَب الجمهور؛ إلى أنَّه يَجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويَحرُم إذا لم يأذنا أو أحدهما، لأنّ بِرّهما فَرْضُ عين، والجهاد فرضُ كفاية، قالوا: وإذا تعيَّن الجهاد فلا إِذْن ...».
وقال العلّامة أحمد شاكر -رحمه الله-: «ولعل الأحسن في التوفيق بين الحديثين، أن يُجْعَل ذلك إلى رأي الإمام أو المكلِّف، فإنْ كانت المصلحة تقتضي بأحدهما وجب تقديمه، وقد كان المهاجرون والأنصار يجاهدون، ولم نر في شيء من الروايات، أنهم كانوا يلتزمون استئذان الوالدين في كل غزو».
وجاء في «المغني» (١٠/ ٣٨٣):
«(وإذا خوطب في الجهاد فلا إذْن لهما، وكذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها) يعني إذا وجَب عليه الجهاد لم يُعتَبَرْ إذن والديه، لأنه صار فرْضَ عين، وترْكه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كلّ ما وجب، مثل: الحجّ، والصلاة في الجماعة والجمع، والسفر للعِلم الواجب.
قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في تَرْك الفرائض والجُمَع والحجّ والقتال، لأنها عبادة تعيّنت عليه، فلم يُعتَبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، ولأنّ الله -تعالى- قال: ﴿وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ إليَهِ سبيلًا﴾، ولم يَشتَرِط إذن الوالدين».
وجاء في كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» (١) (١/ ٥٢): "وأمَّا مَن له

----------------------
(١) تصنيف الإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي القرطبي المعروف بابن المُناصف -رحمه الله-، علّق عليه وخرّج أحاديثه مشهور بن حسن آل سلمان ومحمد بن زكريا أبو غازي -حفظهما الله-.


أبوان؛ فإنْ كانا يَضيعان بخروجه إلى الجهاد؛ فهو إجماعٌ على أنّ فرضَ الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكَره أبو محمد بنُ حزمٍ في «مراتب الإجماع». وإنْ كانا ممّن لا يَضيع، فذهب الجمهور إلى أنّ عليه أن يستأذنهما، فإنْ أذِنا له خرَج، وإنْ أبَيَا عليه لم يجُزْ له أن يخرج.
رُوي ذلك عن مالكِ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: «لا خلاف أعلمه أنّ الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما».
قلت [والكلام لصاحب «الإنجاد»]: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مِثْل أنْ يفْجأ العدوُّ (١)، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحوِ ذلك ممّا يتعيّن فيه، لأنه ما لم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقُّهما في غير شيء أوجَبَه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأمّا إذا تعيَّن الفرض، فلا يستأذنهما في تَرْك الفرائض«.
ثمّ ذكَر الأدلة على ذلك، ثمّ قال:»وقال الحسن البصري -رحمه الله-: «إذا أذِنَت له أمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنّ هواها أن يجلس؛ فليجلس».
وقال في «المغني» (١٠/ ٣٨٣) أيضًا:

---------------------
(١) وجاء في «التعليق»: «هل حضور الولد الصّف بعد الإذن، يُؤثّر فيه رجوع الأبوين عن الإذن؟ خلافٌ بين أهل العلم، بخلاف رجوعهما قبل حضورِ الصفّ، فالواجب على الولد الرجوع، ما لم يتعيَّن عليه الجهاد، انظر بسط المسألة في:»روضة الطالبين«(١٠/ ٢١٢)،»أسنى المطالب«(٤/ ١٧٧ - ١٧٨)،»مغني المحتاج«(٤/ ٢١٨)،»كشاف القناع«(٣/ ٤٠)،»أحكام إذْن الإنسان«(٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥)،»رسالة الإرشاد إلى بيان الحقّ في حُكم الجهاد«(ص ٧٤ - وما بعدها)».


«وإنْ خرَج في جهاد تطوّعٍ بإذنهما، فمنَعاه منه بعد سَيْرِه وقبل وجوبه، فعليه الرجوع، لأنه معنى لو وجد في الابتداء مُنِع، فإذا وُجد في أثنائه منع؛ كسائر الموانع، إلاَّ أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر؛ مِن مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه، فإنْ أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش، فإذا حضَر الصفّ، تعيّن عليه بحضوره، ولم يَبْقَ لهما إذن. وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعيُّن الجهاد عليه، لم يؤثّر رجوعهما شيئًا».

هل يُستأذَن الدائن (١)
ومن كان عليه دين حالٌّ أو مُؤجَّل، لم يجُز له الخروج إلى الغزو إلاَّ بإذن غريمه، إلاَّ أن يَتْرُك وفاءً، أو يقيمَ به كفيلًا، أو يُوَثِّقَه برهن، وبهذا قال الشافعي.
ورخَّص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه؛ لأنه لا تتوجه المطالبة به، ولا حبْسه من أجله، فلم يُمنَع من الغزو، كما لو لم يكن عليه دين، ولنا أنّ الجهادَ تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحقُّ بفواتها.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قال: يُغفر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلاّ الدَّيْن» (٢).
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله قام فيهم، فذَكَر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إنْ قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله: نعم، إن

----------------------
(١) عن»المغني" (١٣/ ٢٧) بتصرف يسير، وزيادة حديث ابن عمرو -رضي الله عنهما-.
(٢) أخرجه مسلم: ١٨٨٦.



قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محُتسب، مُقبِل غيرُ مُدبر، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: كيف قلت؟ قال: أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله أتُكفّرُ عني خطاياي، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم؛ وأنت صابرٌ محُتسب مُقبل غيرُ مدبر إلاّ الدَّيْن، فإنّ جبريلَ -عليه السلام- قال لي ذلك» (١).
وأمّا إذا تَعيَّن عليه الجهاد، فلا إذْن لغريمه، لأنّه تعلّق بعينِه، فكان مُقدَّمًا على ما في ذمّته؛ كسائر فروض الأعيان، ولكن يُستحَبّ له أن لا يتعرض لمظانّ القتل؛ من المُبارزة، والوقوف في أول المقاتلة، لأن فيه تغريرًا بتفويت الحق (٢)، وإنْ ترَك وفاءً، أو أقام به كفيلًا، فله الغزو بغيرِ إذْن.
نصّ عليه أحمد، في مَن تَرك وفاءً، لأنّ عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرَج إلى أُحُد، وعليه دَينٌ كثير، فاستُشهِد، وقضاه عنه ابنه بعِلم النبيّ - ﷺ -، ولم يذمّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، ولم يُنكر فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: «ما زالت الملائكة تُظِلّه بأجنحتها، حتى رفعتموه» (٣).
وقال - ﷺ - لجابر: «ألا أُخبرك ما قال الله -عز وجل- لأبيك، قلتُ: بلى، قال: ما كَلَّم الله أحدًا إلاّ من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحًا (٤)» (٥).
قلتُ: أراد المصنف -رحمه الله- أن يجمع بين تلبية واجب الجهاد وأداء

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٨٨٥.
(٢) انظر تعليقي في المتن، بعد قليل إن شاء الله -تعالى-.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٤، ومسلم: ٢٤٧١.
(٤) كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينهما حجابٌ ولا رسول. «النّهاية».
(٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٥٨) وغيره.



الحقوق. ولكن: لا بُدّ من تفصيلٍ فيما يتعلق بالتّعرض للمبارزة والوقوف في أول المقاتلة.
فإنْ كان أُوتي من الشجاعة والإقدام، ما يُمكنه أن يُحقّق نصرًا أو يكون سببًا في استجلاب نفعٍ عامّ أو مصلحة راجحة؛ فلا حرج من مبادرته بذلك.
فأمّا الدين، فلا يضرُّه عدم أدائه؛ إذا كان قد بذَل الأسباب المطلوبة منه، ولا يخفى دور الإمام في سدِّ هذا الأمر، والله -تعالى- أعلم.
قلت: ثمّ اطلعت على ما جاء في «الإنجاد» (١/ ٥٧) وفيه: «وأمّا المِدْيان (١) فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي أنّه أرخص في خروجه إلى الجهاد مِن غير إذْنِ صاحب الحقِّ، ورُوي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ؛ إلاَّ بإذْن أهل الدَّيْن، وسواءٌ كان الدَّين لمسلمٍ أو كافر، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه ...
... وقد جاء في أمر الدَّين تشديدٌ كثير غير هذا؛ فأقول [الكلام لصاحب»الإنجاد«]: إنّ تعلّق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمّا بالمَطْلِ أو الجحود، أو تَرْكِ أنْ يوصيَ به، وإمّا أنْ يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممَّن لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك.
وللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدَمٌ.
فأمّا المليء، فإنْ كان حَلَّ دينُه، فالظاهر أنّه لا يجوز أنْ يغزوَ بغير إذْنِ صاحب الحقِّ، فإنْ كان دينه لم يحلَّ بعدُ، فهذا له أن يغزو، وعليه أن يوكِّل مَن

----------------------
(١) المِدْيان: هو الذي يُقرض كثيرًا ويستَقْرِض كثيرًا. انظر»المحيط".


يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ مَن كان مليئًا، وقد حلَّ الحقُّ عليه، فهو مأمورٌ كلَّ وقتٍ بالقضاء، ففِعْلُه ما يحول بينه وبين ذلك؛ مِن غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له.
خرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَطْلُ (٢) الغني ظُلْم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ» (٣).
وأمّا إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أنْ يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصيَ به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعَل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذِ، وقد قال - ﷺ -: «وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ».
وأمَّا إنْ كان عديمًا لا يَجِدُ قضاءً، ولا يرجو كَسْبًا، فهذا روي عن مالك أنه سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأسًا، يعني: وإن لم يستأذِن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منْعِه، وليس ممّن عليه حَبْسٌ ولا سلطان، بل هو مخلَّى بإنظار الله -عز وجل- إياه، فلا يَجِب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما.
وقد رُوي -أيضًا- عن مالك ما ظاهِرُه، أنه يَجِب الاستئذانُ على مَن لم يجد وفاءَ من دَيْنِهِ، ولا استئذان على من ترَك وفاءً«.

------------------------
(١) برقم (١٥٦٤)، وانظر»صحيح البخاري" ٢٢٨٧، ٢٢٨٨، ٢٤٠٠.
(٢) هو مَنْع قضاء ما استُحِق أداؤُه.
(٣) معناه: إذا أُحيل بالدَّين الذي له على موسر، فليَقْبَل الحوالة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]