عرض مشاركة واحدة
  #166  
قديم 17-01-2026, 10:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 61الى صــ75
الحلقة (166)






البيان بأن صاحبَ السرية إذا خالَف الإمام فيما أمَره به كان على القوم أنْ يَعْزِلوه وُيولُّوا غيره (١)
عن عقبةَ بنِ مالك -رضي الله عنه- قال:»بعَث رسول الله - ﷺ - سريةً، فسلَّح رجلًا سيفًا، فلمّا انصرفنا، ما رأيت مِثل ما لامنا رسول الله - ﷺ -، قال: «أعَجَزتم إذا أمّرْتُ عليكم رجلًا، فلم يمض لأمري الذي أمرْتُ، أو نهيْتُ أن تجعلوا مكانه آخر، يُمضي أمري الذي أمرْتُ؟» (٢).

من تَأمَّر في الحرب مِن غير إمرةٍ إذا خاف العدو (٣)
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «خَطَب رسول الله - ﷺ - فقال: أخَذ الراية زيدٌ فأُصيب ثمّ أخَذَها جعفرٌ فأُصيب ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، ثمّ أخَذَها خالدُ بن الوليد من غير إمرةٍ ففُتح عليه وما يسرّني -أو قال: ما يُسرّهم- أنّهم عندنا، وقال: وإنّ عينيه لتَذْرِفان» (٤).

توليةُ الإمِام أمراءَ جماعة واحدًا بعد الآخر عند قَتْل الأول (٥)
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أمَّرَ رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة

----------------------
(١) هذا العنوان من»التعليقات الحِسان«(٤٧٢٠).
(٢) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«»التعليقات الحِسان«(٤٧٢٠) وأبو داود وغيرهما، وانظر تخريجه في»صحيح سنن أبي داود«(الأمّ) (٢٣٦٢).
(٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٨٣).
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٤٦، ٣٠٦٣.
(٥) مُقتبَسٌ مِن تبويب»صحيح ابن حبان«انظر»التعليقات الحِسان" (٧/ ١٢٤).



زيدَ بن حارثة، فقال رسول الله - ﷺ -: إنْ قُتل زيد فجعفر، وإنْ قُتل جعفر؛ فعبد الله ابن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمَسْنا جعفرَ بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين مِن طعنةٍ ورَمْية» (١).

متى تجب طاعة الجنود الأمير أو القائد
تَجِب طاعةُ الجنود الأميرَ أو القائدَ في غير معصية.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عمى أميري فقد عصاني» (٢).
وتتضمّن الطاعة ما أحبَّ المرءُ أو كَرِه، ما لم يُؤمَر بارتكاب المعاصي، أو اقتراف الآثام.
عن عبد الله -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم، فما أحَبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سَمْع ولا طاعة» (٣).
وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال: نَزَلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٢٦١.
(٢) أخرجه البخاري: ٧١٣٧، ومسلم: ١٨٣٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٧١٤٤، ومسلم: ١٨٣٩.
(٤) النساء: ٥٩.



بَعثهُ النبيّ - ﷺ - في سريّة» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- قال؛ «بَعث النبيّ - ﷺ - سريّة، وأمَّر عليهم رجلا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعْتم حطبًا، وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًَا فأوقدوا نارًا، فلمّا همُوا بالدخول؛ فقاموا ينظُر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خَمَدت النار، وسكَن غضبُه، فُذكِر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف» (٢).
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمرٍ؛ ما دريت ما أردّ عليه، فقال: أرأيت رجلًا مؤدِيًا (٣) نشيطًا، يَخرُج مع أمرائنا في المغازي، فيَعْزِم علينا في أشياء لا نُحصيها (٤)، فقلت له: والله ما أدري ما أقول لك، إلاّ أنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ -، فعسى أن لا يَعزِمَ علينا في أمرٍ إلاَّ مرّة حتى

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٥٨٤، ومسلم: ١٨٣٤.
(٢) أخرجه البخاري؛ ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠، وقد تقدم، وانظر -إن شئت- رقم (٤٣٤٠) وما قاله الحافظ -رحمه الله- في شرح هذا الحديث.
(٣) مؤديًِا: أي كامل الأداء، أي أداة الحرب، وقال الكرماني -رحمه الله-: معناه قويًّا؛ وكأنّه فسره باللازم.»فتح الباري«.
(٤) قال الحافظ -رحمه الله-:»لا نُحصيها: أي لا نطيقها، وقيل: لا ندري أهي طاعةٌ أم معصية، والأول مُطابِقٌ لما فَهِم البخاري فترجَم به، والثاني مُوافِقٌ لقول ابن مسعود «وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه»، أي مِن تقوى الله أن لا يُقدّم المرء على ما يشكّ فيه حتى يسأل مَن عنده عِلْم فيدلّه على ما فيه شفاؤه".



نفعَلَه، وإنّ أحدَكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شكَّ في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه والذي لا إله إلاَّ هو ما أذكر ما غَبَر (١) من الدنيا إلاّ كالثَّغْب (٢) شُرِبَ صَفْوُه وبقي كَدَرُه» (٣).

عقوبة مَن عصى الأمير أو القائد (٤)
عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: «جعل النبي - ﷺ - على الرَّجَّالة (٥) يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جُبَيْر فقال: إنْ رأيتمونا تَخْطَفُنا الطَّير (٦)؛ فلا تَبْرحُوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هَزَمْنا القومَ وأوْطأناهُم (٧)؛ فلا تبرحوا حتى أُرسِل إليكم، فهزموهم.

----------------------
(١) ما غَبر: أي ما مضى، وهو مِن الأضداد؛ يُطلَق على ما مضى وعلى ما بقي، وهو هنا محتمَلٌ للأمرين.»الفتح«.
(٢) الثَّغْب:: الموضع المطمئنّ في أعلى الجبل؛ يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غديرٌ في غِلَظٍ مِن الأرض، أو على صخرةٍ ويكون قليلًا» «النّهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٢٩٦٤.
(٤) مقتبس من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٦٤).
(٥) الرَّجَّالة: جمع الرجل: الفارس. «الكرماني».
(٦) تخطفنا الطّير: مَثَلٌ يريد به الهزيمة، أي: إذا رأيتمونا انهزمنا؛ فلا تفارقوا مكانكم. «شرح الكرماني».
(٧) قال ابن التين: يريد مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض، وقال الكرماني: الهمزة في أوطأناهم للتعريض، أي: جعلناهم في معرض الدوس بالقدم. قاله العيني في «عمدة القاري» (١٤/ ٢٨٣).



قال: فأنا والله رأيت النساء يشْتَدِدْن (١)، قد بدت خلاخلُهن وأسْوُقُهنّ (٢)، رافعاتٍ ثيابَهُنّ. فقال أصحاب عبد الله بن جبيرٍ: الغنيمةَ أيْ قومُ الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبيرٍ: أنسيتم (٣) ما قال لكم رسول الله - ﷺ -؟
قالوا: والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتَوْهم صُرِفت وُجُوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم.
فلم يبْقَ مع النبي - ﷺ - غيرُ اثني عشر رجلًا، فأصابوا منّا سبعين وكان النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه أصابَ مِن المشركين يوم بدر أربعين ومائةً، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا» (٤).

مبادرة الإمام عند الفزع
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان بالمدينة فَزَع، فاستعار النبيُّ - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة، فقال: ما رأينا مِن شيء وإنْ وجَدناه لبحرًا (٥)» (٦).

----------------------
(١) يشْتَدِدْن: أي على الكُفّار، يقال: شدَّ عليه في الحرب: أي: حَمَل عليه، ويقال: معناه: يَعْدُون، والاشتداد: العَدْوُ ... «المصدر السابق».
(٢) جمع ساق.
(٣) انقسم الصحابة -رضي الله عنهم- قسمين: قسمًا أخذ بالنَّص، وقسمًا تأوّل؛ والمصيب هو المتمسك بالنَّص.
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٩.
(٥) لبحرًا: أي واسعَ الجري، وسمّي البحر بحرًا لسَعَته، وتبحّر في العلم: أي اتّسَع «النهاية».
(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٦٨، ٢٦٢٧، ومسلم: ٢٣٠٧.



تشييع المجاهدين ووداعُهم والدعاءُ لهم
يُسنّ تشييع المجاهدين في سبيل الله والغزاة، والدعاء لهم؛ وقد شيَّع النبيّ - ﷺ - النفر الذين وجَّهَهم إلى كعب بن الأشرف؛ إلى بقيع الغرقد ودعا لهم.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «مشى معهم رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّهَهُم، وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعِنْهم» (١).
وكان النبيّ - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش قال: «أستَودِع الله دينَك، وأمانتَك، وخواتيمَ عَمَلِك» (٢).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب التوديع) (٣): ثم ذكرَ حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «بعَثَنا رسول الله - ﷺ - في بَعْث فقال لنا: إنْ لقيتم فلانًا وفلانًا -لرجلين من قريش سمّاهما- فحرِّقوهما بالنار، قال ثمّ أتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج، فقال: إنّي كنت أمرتكم أنْ تحرّقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإنّ النار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله، فإنْ أخذتموهما فاقتلوهما» (٤).

من هديه - ﷺ - في الجهاد، واقتداء الصحابة به في المعارك واستبسالهم فيها (٥)
عن زياد بن جبير بن حية قال: «أخبرني أبي أنَ عمر بن الخطاب -رضي الله

------------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١١٩١).
(٢) أخرجه أبو داود، والنسائي في»عمل اليوم والليلة«، والحاكم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«برقم (١٥).
(٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٠٧).
(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٥٤.
(٥) هذا العنوان من»السلسلة الصحيحة".



عنه- قال للهُرمُزان: أما إذ فُتَّنِي بنفسك فانصح لي، وذلك اّنه قال له: تكلَّم لا بأس، فأمَّنه، فقال الهُرمُزان: نعم؛ إنّ فارسَ اليوم رأس وجناحان. قال: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بُنْدار، قال: فإنه معه أساورة كسرى وأهل أصفهان، قال: فأين الجناحان؟ فذكَر الهُرمُزان مكانًا نسيته، فقال الهُرمُزان: اقطع الجناحين توهن الرأس. فقال له عمر -رضي الله عنه-: كذبْتَ يا عدوَّ الله، بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، فإذا قَطَعه الله عني انقطَع عنّي الجناحان.
فأراد عمر أنْ يسير إليه بنفسه، فقالوا: نُذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن أُصِبْت بها لم يكن للمسلمين نظامٌ (١)، ولكن ابعث الجنود.
قال: فَبَعث أهل المدينة وبَعَثَ فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبَعَث المهاجرين والأنصار، وكتَب إلى أبي موسى الأشعري أنْ سِرْ بأهل البصرة، وكتَب إلى حذيفة بن اليمان أن سِرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعًا، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مُقَرِّن المزني.
فلمّا اجتمعوا بنهاوند، أرسَل إليهم بُندارُ العلج (٢) أنْ أرسِلوا إلينا يا معشر العرب رجلًا منكم نكلّمه، فاختار النّاس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني أنظر إليه: رجل طويل أشعر أعور، فأتاه، فلمّا رجع إلينا سألناه؟ فقال لنا: إنّي وجدْتُ العلج قد استشار أصحابه في أيّ شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا؟ أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون

------------------------
(١) وهذا لاهتمامهم العظيم في تنظيم أمور الدولة: داخلها وخارجها.
(٢) العِلْج: الرجل من كُفّار العجم وغيرهم، والأعلاج جمعُه ويُجمع على علوج، «النّهاية».



من الشارة والعدة. فلمّا رأيتهم رأيت تلك الجراب (١) والدَّرَق (٢) يلمع منها البصر، ورأيتهم قيامًا على رأسه، فإذا هو على سريرٍ من ذهب، وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، ونكستُ رأسي لأقعد معه على السرير، فقال: فدُفعتُ ونُهرت، فقلت: إنّ الرسل لا يُفعَل بهم هذا. فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملِك؟! فقلتُ: لأنا أشرف في قومي مِن هذا فيكم.
قال: فانتهرني وقال: اجلس فجلست. فتُرجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطولَ النّاس جوعًا، وأعظمَ النّاس شقاءً، وأقذرَ النّاس قذرًا، وأبعدَ النّاس دارًا، وأبعدَه مِن كل خير، وما كان منَعَني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب؛ إلاَّ تنجُّسًا لجِيَفِكم لأنكم أرجاس، فإنْ تذهبوا نُخْلِ عنكم، وإنْ تأبوا نبوّئْكم مصارعَكم.
قال المغيرة: فحمْدتُ الله وأثْنَيت عليه وقلت: والله ما أخطأت من صِفَتِنا ونَعْتِنا شيئًا، إن كنا لأبعد النّاس دارًا، وأشدّ النّاس جوعًا، وأعظم النّاس شقاءً، وأبعد النّاس من كل خير، حتى بَعَث الله إلينا رسولًا، فوعدَنا بالنصر في الدنيا، والجنّةِ في الآخرة، فلم نزل نتعرف مِن ربّنا -مذ جاءنا رسوله - ﷺ -- الفلاح والنصر، حتى أتيناكم، وإنّا والله نرى لكم مُلكًا وعيشًا لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا، حتى نغلبَكم على ما في أيديكم، أو نُقتَل في أرضكم. فقال: أمّا الأعور فقد صدقَكم الذي في نفسه.
فقمتُ مِنْ عنده وقد والله أرعبت العِلْج جهدي، فأرسَل إلينا العِلج: إمّا أنْ تعبروا إلينا بنهاوند وإمّا أنْ نعبر إليكم. فقال النعمان: اعبروا فَعَبرنا. فقال أبي:

--------------------------
(١) الجراب: إناء مصنوع من الجِلد، يُحمل فيه الزّاد أثناء السفر «غريب الحديث» للحربي.
(٢) جمع الدَّرَقةَ: التُّرس من جِلد ليس فيه خشب ولا عَقَب.



فلم أر كاليوم قطّ، إنّ العلوج يجيئون كأنهم جبالُ الحديد، وقد تواثقوا أن لا يَفرّوا مِن العرب، وقد قُرِن بعضهم إلى بعض حتى كان سبعة في قران، وألقوا حَسَك (١) الحديد خلفهم، وقالوا: مَن فرَّ منّا عقَرَه حَسَكُ الحديد. فقال: المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلًا، إن عدوّنا يتركون أن يتناموا، فلا يُعجلوا. أمَا والله لو أن الأمر إليَّ لقد أعجلتهم به.
قال: وكان النعمان رجلًا بكّاءَ، فقال: قد كان الله -جلّ وعزّ- يُشهِدك أمثالها فلا يحْزنك ولا يعيبك موقفك. وإني والله ما يمنعني أنْ أناجزهم إلاّ لشيء شهِدْته من رسول الله - ﷺ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا غزا فلم يُقاتِل أول النهار لم يَعَجَل حتى تحضر الصلوات وتهب الأرواح ويطيب القتال.
ثمّ قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تُقرَّ عيني بفتْحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام وأهله، وذلُّ الكفر وأهلِه. ثمّ اختِمْ لي على أثر ذلكَ بالشهادة. ثمّ قال: أمِّنوا رَحِمكم الله. فأمّنّا وبكى فبكينا. فقال النعمان: إنّي هازٌّ لوائي فتيسّروا للسلاح، ثمّ هازُّها الثانية، فكونُوا متيسَّرين لقتال عدوكم بإزائكم، فإذا هززتها الثالثة؛ فليحمِل كل قوم على مَن يليهم مِن عدوِّهم على بركة الله.
قال: فلمّا حَضَرت الصلاة وهبَّت الأرواح كبّر وكبَّرنا. وقال: ريح الفتح والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا. فهزّ اللواء فتيسروا، ثم هزَّها الثانية، ثمّ هزَّها الثالثة، فحمَلْنا جميعًا كلّ قوم على مَن يليهم. وقال النعمان: إنْ أنا أُصِبت، فعلى النّاس حذيفة بن اليمان، فإنْ أُصِيب حذيفة؛ ففلان، فإنْ أُصِيب فلان ففلان حتى عدَّ سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة.

--------------------
(١) الحَسَك: ما يُعمل على مثال شوكة، أداة للحرب من حديد أو قصَب، فيُلقى حول العسكر، «القاموس المحيط».


قال أبي: فوالله ما علمْتُ من المسلمين أحدًا يُحبُّ أن يرجع إلى أهله حتى يُقْتل أو يَظفَر. فَثَبتوا لنا، فلم نسمع إلاَّ وقْع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فُيقتلون جميعا، وجَعل يعقرهم حَسَكُ الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدِّموا اللواء، فجعلنا نُقدّم اللواء فنقتلهم ونهزمهم.
فلمّا رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نُشَّابَة (١) فأصابت خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مُقَرِّن فسجى عليه ثوبًا (٢)، وأخذ اللواء، فتقدَّم ثمّ قال: تقدَّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلمَّا فرغنا واجتمع النّاس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقرَّ الله عينه بالفتح، وختَم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفةَ بنَ اليمان.
قال: وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتَب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قَدِم عليه قال: أبشِر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الشرك وأهله. وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبْ النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان -حتى عدّ ناسًا- ثمّ قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه -وهو يبكي-: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم» (٣).

----------------------
(١) مفرد النُشَّاب، وهو النَّبْل.
(٢) أي: غطّاه بثوب.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ، وابن حبان والسياق له، وإسناده صحيح، وأصْلُه في البخاري (٣١٥٩، ٣١٦٠) وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية «الصحيحة» برقم (٢٨٢٦).



عدد غزوات النبيّ - ﷺ -
عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- «أن رسول الله غزا تسعَ عشرَةَ غزوة وحجّ بعدما هاجر حَجّةً؛ لم يحجّ غَيرها؛ حجَّة الوَدَاعِ» (١).
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة؛ قاتل في ثمانٍ منهن» (٢).

الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون
عن جابر -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺيعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلفَ أن لا أنتهيَ حتى أهريق دمًا في أصحاب محمّد - ﷺ -، فخَرج يتبع أثر النبى - ﷺ - فنزل النبيّ - ﷺ - منزلًا، فقال: مَنْ رجلٌ يكلأُنا (٣) فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار فقال: كونا بفم الشّعْبِ، قال: فلما خرَج الرجلان إلى فم الشِّعب؛ اضطجع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يُصلّي، وأتى الرجل فلمّا رأى شخصه، عَرَف أنه ربيئة (٤) للقوم، فرماه بسهم، فوضَعه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجَد ثمّ انتبه صاحبه، فلما عَرف أنهم قد نَذِروا به (٥) هَرب، ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٤٠٤، ومسلم: ١٢٥٤، واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم: ١٨١٤.
(٣) يكلأُنا: أي يحرسنا.
(٤) ربيئة: أي هو العين، والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلاّ يَدْهمهم عدوّ، ولا يكون إلاَّ على جبل أو شَرَف ينظرُ منه،»النّهاية".
(٥) نذِروا به: أحسّوا بمكانه.



من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبَّ أن أقطعَها» (١).
عن ابن المنكَدِر قال: سمعتُ جابرًا -رضي الله عنه- يقول: «قال رسول الله - ﷺ - يومَ الأحزاب: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا، ثم قال: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: إنّ لكل نبيٍّ حَوارِيًّا، وإنّ حَواريَّ الزبير» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله بُسيسةَ (٣) عينًا ينظرُ ما صَنَعَت عيرُ (٤) أبي سفيان ...» (٥).

التورية في الغزو
عن عبد الله بن كعب -رضي الله عنه، وكان قائدَ كعبٍ مِن بنيه -قال:

---------------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٢) وغيره.
(٢) أخرجه البخاري: ٤١١٣، ومسلم: ٢٤١٥.
(٣) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا هو في جميع النُّسخ بُسيسة -بباء موحدة مضمومة وبسينين مُهملتين مفتوحتين بينهما ياء مثناة تحت ساكنة- قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحابُ الحديث، قال والمعروف في كُتب السيرة بَسْبَس -ببائين موحدتين مفتوحتين بينهما سين ساكنة- وهو بَسبَس بن عمرو، ويقال ابن بشر مِن الأنصار من الخزرج، ويُقال حليف لهم، قلت: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا».
(٤) العير: هي الإبل والدواب تَحْمِل الطعام وغيره من التجارات.
(٥) أخرجه مسلم: ١٩٠١.



«سمعْتُ كعبَ بن مالك -رضي الله عنه- حين تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة؛ إلاَّ وَرّى بغيرها» (١).

الكَذِب والخداع في الحرب
عن جابر -رضي الله عنه- أن النبيّ - ﷺ - قال: «الحربُ خُدْعة» (٢).
جاء في «الفتح»: «قال ابن العربي -رحمه الله-:»الخِداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد مِن الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله «الحجّ عرفة» (٣).
قال ابن المنير: معنى الحرب خُدعة، أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخَطَر المواجهة، وحصول الظَّفر مع المخادعة بغير خطَر«.
وقال الإمام النووي -رحمه الله- (١٢/ ٤٥):»واتفقَ العلماء على جواز خِداع الكُفّار في الحرب، وكيفما أمكَن الخداع؛ إلاَّ أن يكون فيه نقْضُ عهدٍ أو أمان؛ فلا يَحِلّ«.
وعن أمّ كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها- أنها سَمِعت رسول الله - ﷺ -
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٧ واللفظ له، ومسلم: ٢٧٦٩.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٣٠، ومسلم ١٧٣٩.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي وغيرهم، وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (١٠٦٤).



يقول: «ليس الكذّاب الذي يُصلح بين النّاس فيَنْمي (١) خيرًا أو يقول خيرًا» (٢).
وفي رواية قال ابن شهاب: «ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول النّاس كَذِبٌ إلاَّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها» (٣).
قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «باب الكذب في الحرب» (٤) ثمّ ذكر تحته حديث قَتْل كعبِ بن الأشرف«(٥).
وفي استئذان محمد بن مسْلَمة -رضي الله عنه- الكذِب للخدعة؛ إذ قال:»ائذن لي فلأقُل، قال: قل«(٦).
وفي رواية:»فقال محمّد بن مسلمة -رضي الله عنه- لكعب بن الأشرف: إنّ هذا -يعني النبي - ﷺ -- قد عنّانا (٧) وسأَلنا الصدقة ... فلم يزَلْ يكلّمه، حتى استمكَن منه فقتلَه«(٨).

---------------------------
(١) ينمي -بفتح أوله وكَسْر الميم- أي: يُبلغ، تقول: نميت الحديث أنميه، إذا بلّغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلّغتَه على وجه الإفساد والنميمة قلت: نمّيته -بالتشديد- كذا قال الجمهور، قاله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٢، ومسلم: ٢٦٠٥.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٠٥.
(٤) انظر»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد والسِّير) (١٥٨ - باب).
(٥) انظر إن -شئت- بر قم: ٣٠٣١.
(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٣٢، ومسلم: ١٨٠١ وهذا لفظه.
(٧) عنّانا: أي أتعَبنا.
(٨) أخرجه البخاري: ٣٠٣١ وهذا لفظه، ومسلم: ١٨٠١.



وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه -وهو يناقش ما يجوز وما لا يجوز من الكَذِب-:»ليس تحريم الكذب لأجل (ك، ذ، ب) ولا وجوب الصدق لأجل (ص، د، ق).
قلت: يريد شيخنا -رحمه الله- أنّ تحريم الكَذِب يُدرَك مغزاه ويُعقل مرماه، فلا يجوز أن تَصْدُق الأعداء وتدلّهم على مواقع المسلمين إذا سألوا؛ تَحرُّجًا من الكَذِب، فالكَذِب هنا واجب، والصدق حرام؛ لما لا يخفى مِن أثَر ذلك لكلّ ذي لُبٍّ وبصيرة.

التسبيح إذا هَبط واديًا والتكبير إذا عَلا شَرَفًا (١)
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزَلنا سبَّحنا» (٢).

إباحة تعاقب الجماعة الركُوبَ الواحد في الغزو عند عدم القدرة على غيره (٣)
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنهم كانوا يوم بدر بين كلّ ثلاثة بعير، وكان زميلَيْ (٤) رسولِ الله - ﷺ - عليّ وأبو لُبابة، فإذا حانت عُقبةُ (٥) النبيّ - ﷺ -، قالا: اركب ونحن نمشي، فيقول النبيّ - ﷺ -: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى

-----------------------
(١) هذان بابان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب ١٣٢، ١٣٣).
(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٩٣.
(٣) هذا العنوان من»صحيح ابن حبان«بتصرف يسير، انظر»التعليقات الحِسان«(٧/ ١١٧).
(٤) الزميل هنا: هو الذي يركب مع غيره على دابّة واحدة بالنوبة؛ وانظر»المرقاة«(٧/ ٤٥٩).
(٥) أي: نوبة نزولهِ - ﷺ -.»المرقاة".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]