عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 17-01-2026, 06:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,995
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 46الى صــ60
الحلقة (165)






أيامه التي لقي فيها العدو، انتظَر حتى مالت الشمس، ثمّ قام في النّاس فقال: «لا تمَنَّوا لقاء العدو وسَلُوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف، ثمّ قال: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، ومجُريَ السحاب، وهازِمَ الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم» (١).
وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «بعثَ النبيّ - ﷺ - سريّةً وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغَضِب عليهم، وقال: أليس قد أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى.
قال: عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعتم حطبا وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًا فأوقدوا، فلما همّوا بالدخول؛ فقام ينظُر بعضهم إلى بعض، قال: بعضهم إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك؛ إذ خَمَدت النار، وسكَنَ غضبه، فُذكر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنّما الطاعة في المعروف» (٢).
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمّرَ أميرًا على جيش أو سريَّة (٣) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خير ًا. ثمَّ

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢.
(٢) أخرجه البخاري: ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠.
(٣) السريَّة: هي قطعة من الجيش؛ تخرج منه، تَغِير وترجع إليه، قالوا: سُمّيت سريّة؛ لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابُها.»شرح النّووي".



قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتِلوا مَن كَفر بالله. اغْزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمْثُلوا (١) ولا تَقْتُلُوا وليدًا (٢). وإذا لقيتَ عدوّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ (أو خِلال).
فأيّتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادعهم إلى التَحُّول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبِرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم. فإنْ هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهل حِصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله (٣) وذِمّة نبيّه، فلا تجعل لهم ذِمّة الله ولا ذِمّة نبيّه.
ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك فإنكم أنْ تُخفِروا (٤) ذممكم وذِمَم أصحابكم، أهون مِن أنْ تُخفِروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله، وإذا حاصرتَ أهل حِصنٍ

----------------------
(١) تَمْثُلُوا: أي لا تُشَوّهوا القتلى بقَطْع أنوفهم، أو آذانهم، أو مذاكِيرهم، أو شيئًا مِن أطرافهم. وانظر»النّهاية«.
(٢) الوليد: الصبي.
(٣) قال العلماء: الذمّة هنا العهد.
(٤) تُخفِروا -بضم التاء-، يُقال: أخفرت الرجل: إذا نقضْتَ عهده، وخفرته: أمّنْتَه وحميته ...»شرح النّووي".



فأرادوك أن تُنزِلهم على حُكم الله؛ فلا تَنزِلْهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا» (١).

ما يجب على أمير الجيش أو قائده (٢)
١ - يجب على القائد أن يشاور أهل الرأي، لقول الله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرهُم في الأَمر﴾ (٣).
ولما ثَبَت عن أنس -رضي الله عنه- «أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بَلَغه إقبالُ أبي سفيان قال: فتكلَّم أبو بكر فأعرَض عنه، ثمّ تكلَّم عمر فأعرَض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أَمَرتنا أن نُخيضَها البحر لأخَضناها، ولو أَمَرْتنا أن نضرِب أكبادها (٤) إلى بَرْك (٥) الغِماد لفَعَلنا، قال: فندَب رسول الله - ﷺ - النّاس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا» (٦).

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٧٣١.
(٢) انظر للمزيد- إن شئت- «الروضة الندية» (٢/ ٧٢٣).
(٣) آل عمران: ١٥٩.
(٤) قال بعض العلماء في تفسير قوله - ﷺ -: «لو أمَرْتنا أن نضربَ أكبادها» أي: الخيل والمراد ركوبها والسير عليها مهما نأى المكان، وخصَّ ضرب الأكباد بالذكر؛ لأن الفارس كان إذا أراد إسراع مركوبه؛ حرّك رجليه ضاربًا على موضع كبده.
(٥) انظر للمزيد -إن شئت- في ضبط هذه الكلمة ما جاء في «شرح النووي» (١٢/ ١٢٥)، وهو موضع من وراء مكّة بخمس ليال، بناحية الساحل، وقيل غير ذلك وانظر المصدر السابق.
(٦) أخرجه مسلم: ١٧٧٩.



وعن ابن عباس -رضي الله- عنهما- قال: «قدم عيينةُ بن حِصن بن حذيفة فنزَل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النّفر الذين يُدنِيهم عمر، وكيان القُرّاء أصحابَ مجالس عمر ومُشاورته كهولًا (١) كانوا أو شُبّانًا ...» (٢).
واستشار رسول الله - ﷺ - أبا بكرٍ وعمر -رضي الله عنهما- في أُسارى بدر.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لمّا أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» (٣).
وقال قتادة: «ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله؛ إلاَّ هدوا لأرشد أمورهم».
٢ - الرفق بهم والاجتهاد والنصح لهم.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهمّ مَن ولِيَ مِن أمر أُمتي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أُمّتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفُق به» (٤).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتَخلّف في المسير

-----------------------
(١) الكَهْل من الرجال: مَنْ زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: هو مِن ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين.»النهاية«.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٦٤٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١٧٦٣ من حديث عمر -رضي الله عنه-.، ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- في»الكَلِم الطيّب" (ص ٧١).
(٤) أخرجه مسلم: ١٨٢٨.



فيُزْجي (١) الضعيف، ويُرْدِفُ (٢) ويدعو لهم» (٣).
وعن مَعْقِل بن يَسار -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ النبيّ - ﷺ - يقول: «ما مِنْ عبدِ استرعاه الله رَعيّة، فلم يَحُطها بنصيحة؛ إلاّ لم يَجِد رائحة الجنَّة» (٤).
وفي رواية: «ما من والٍ يلي رعيّةً من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم؛ إلاَّ حرّم اللهُ عليه الجنّة» (٥).
وفي لفظ: «ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثمّ لا يَجْتَهد لهم وينصح؛ إلاَّ لم يدخُل معهم الجنَّة» (٦).
٣ - عقد الألوية والرايات، وذلك لاسترداد ما اغتُصِب من ديار المسلمين، وتحقيق الفتوحات؛ لنشر التوحيد والدعوة إلى الله -تعالى- وإخراج النّاس مِن الظُلمات إلى النور بإذن الله -سبحانه-.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان لواءُ رسولِ الله - ﷺ - أبيض

------------------------
(١) يزجي: أي يسوق ويدفع.
(٢) الردف: الراكب خلف الراكب، والمراد أنّه - ﷺ - كان يُرْدفُ خلفه من ليس له راحلة؛ إذا كان يضعف عن المشي. انظر»نيل الأوطار«(٨/ ٤٨).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٩٨) والحاكم وانظر»الصحيحة" (٢١٢٠).
(٤) أخرجه البخاري: ٧١٥٠، ومسلم: ١٤٢.
(٥) أخرجه البخاري: ٧١٥١، ومسلم: ١٤٢.
(٦) أخرجه مسلم: ١٤٢ كتاب الإمارة (٥) باب فضيلة الإمام العادل رقم (٢٢)، (ص ١٤٦٠).



ورايته سوداء» (١).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: كنت مع عبد الله بن عمر فأتاه فتى يسأله عن إسدال العمامة، [فذكر الحديث إلى أن قال]: «... ثمّ أمر (٢) عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية بعثه عليها، وأصبح عبد الرحمن قد اعتمّ بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه النبيّ - ﷺ -، ثمّ نقضه وعمّمه بعمامة بيضاء، وأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحو ذلك، وقال: هكذا يا ابن عوف اعتمّ فإنه أعرب وأحسن، ثمّ أمَر النبيّ - ﷺ - بلالًا أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلى على النبيّ - ﷺ - ثمّ قال: خذ ابن عوف؛ فاغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفَر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه - ﷺ -» (٣).
٤ - تخيُّر المنازل المُلائمة للقتال والمواقع الصالحة لذلك.
٥ - أن يكون على دراية بأحوال الجنود، * فلا يستصحب الأمير معه مُخَذِّلًا، وهو الذي يُثبِّط النّاس عن الغزو، ويُزهِّدهُم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مِثل أنْ يقول: الحرُّ أو البردُ شديدٌ، والمشقَّة شديدة، ولا

---------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٧٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٧٤) وانظر «الصحيحة» (٢١٠٠).
(٢) أي: النبيّ - ﷺ -.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (١٠٦): بل هو حسن الإسناد؛ فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم، ولكن وثقه الجمهور، وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق، فقيه، رمي بالقدر».



تُؤمَنُ هزيمةُ هذا الجيش.
وأشْباه هذا، ولا مُرجِفًا، وهو الذي: يقول هَلَكَت سريَّةُ المسلمين، وما لَهم مدَدٌ، ولا طاقة لهم بالكُفَّار، والكفّار لهم قوّةٌ ومَدَدٌ وصبرٌ، ولا يَثبُتُ لهم أحدٌ، ونحو هذا.
ولا مَن يُعين على المسلمين بالتّجسُّس للكفَّار، وإطْلاعِهم على عَوْراتِ المسلمين، ومُكاتَبَتِهم بأخبارهم، ودلالتِهم على عَوْراتِهم، أو إيوَاءِ جواسيسهم.
ولا مَن يُوقِعُ العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد، لقول الله -تعالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ (١) وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا (٢) وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (٣)﴾ (٤).
ولأنّ هؤلاء مضرّةٌ على المسلمين، فيلزَمهُ مَنعُهُم»* (٥).

-------------------
(١) فثبَّطهم أي: فثقَّل عليهم الخروج، حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك. «تفسير الطبري».
(٢) خَبالًا: فسادًا. وضُرًّا.
(٣) أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم؛ بالنميمة والبغضاء والفتنة. وانظر «تفسير ابن كثير».
(٤) التوبة: ٤٦، ٤٧.
(٥) ما بين نجمتين من كتاب «المغني» (١٣/ ١٥).



ذكر ما يُستحَبّ للإمام أن يستعين بالله -جلّ وعلا- على قتال الأعداء إذا عزَم على ذلك (١)
عن صهيبٍ -رضي الله عنه- قال: «كان إذا صلّى هَمس ... [وذكر الحديث إلى أن قال:] فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك» (٣).

الاستنصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم
عن مصعب بن سعد قال: «رأى سعدٌ -رضي الله عنه- أنّ له فضلًا على مَن دونه (٤)، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم» (٥).
وفي لفظ: «إنّما يَنْصُر الله هذه الأُمّة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٦).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: «سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:

----------------------
(١) هذا العنوان من»صحيح ابن حبان«»التعليقات الحِسان«(٧/ ١٣٧).
(٢) أصاوِل: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة.»النهاية«.
(٣) أخرجه ابن حبان في»التعليقات الحِسان«(٤٧٣٨)، وابن نصر في»الصلاة«وغيرهما، وهو في»الصحيحة«(١٠٦١)، وسيأتي بتمامه في أسباب النصر والتمكين.
(٤) أي في المغنم.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦.
(٦) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٩٧٨)، وانظر»الصحيحة" (٢/ ٤٠٩).



أُبغوني (١) الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعفائكم» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «رُبَّ أَشْعَثَ (٣) مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ» (٤).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب من استعَان بالضعفاء والصالحين في الحرب) (٥). ثم قال: وقال ابن عباس: «أخبرني أبو سفيان قال لي قيصر: سألتك أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤُهم؟ فزعمْتَ ضعفاءَهم، وهم أتباع الرُّسل» (٦).

جواز تخلّفِ الإمام عن السرية لمصلحة (٧)
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «انتدَب الله لمن خرَج في سبيله، لا يُخْرجه إلاَّ إيمان بي وتصديق برُسُلي، أن أُرجِعه بما نال من أجرٍ

-------------------
(١) بوصل الهمزة وقطعها، وانظر -للمزيد من الفائدة إن شئت-»النّهاية«و»فيض القدير«(١/ ٨٢).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٦٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٩٢)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٩٧٩)، وانظر»الصحيحة«(٧٧٩).
(٣) الأشعث: المُلبّد الشعر المُغبَرّ غير مدهون ولا مُرجَّل. انظر»شرح النّووي«.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢٢.
(٥) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ٧٦).
(٦) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به في المصدر المشار إليه آنفًا، ووصله في (بدء الوحي) برقم (٦)، وأخرجه مسلم: ١٧٧٣.
(٧) في»صحيح ابن حبان«»ذكْرِ الأخبار عن جواز تخلُّف الإمام عن السرية إذا خَرَجَت في سبيل الله -جلّ وعلا-".



أو غنيمة، أو أُدخِلَه الجنّة، ولولا أن أشقّ على أمّتي، ما قَعَدْتُ خلف سريّة، ولوددت أنّي أُقتَل في سبيل الله، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل» (١).

إذا طلَب الإمام قَتْلَ رجل
عن عبد الله بن أنيس الجهني -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن لي بخالد بن نبيح؟ رجل من هذيل -وهو يومئذ قبل عرفة بعرنة- قال عبد الله بن أُنيس: أنا يا رسول الله، انعَتْه لي، قال: إذا رأيته هِبته، قال: يا رسول الله والذي بعثَك بالحق ما هِبْت شيئًا قطّ.
قال: فخَرج عبدُ الله بنُ أُنيس حتى أتى جبال عرفة قبل أن تغيب الشمس، قال عبد الله: فلقيتُ رجلًا، فرعبْتُ منه حين رأيتُه، فعرفْتُ حين رعبت منه أنه ما قال رسول الله - ﷺ -، فقال لي: مَن الرجل؟ فقلت: باغي حاجة، هل من مبيت؟ قال: نعم، فالحْقْ، فَرُحتُ في أثره، فصليت العصر ركعتين خفيفتين، وأشفقت أن يراني، ثمّ لحقْتُه، فضربتُه بالسيف، ثمّ خرجْتُ، فأتيتُ رسول الله - ﷺ -، فأخبرتُه.
قال محمّد بن كعب: فأعطاه رسول الله - ﷺ - مخِصرة (٢)، فقال: تخصّر بهذه حتى تلقاني، وأقلّ النّاس المتخصّرون، قال محمّد بن كعب: فلمّا تُوفي عبد الله بن أُنيس أُمِر بها فوُضِعت على بطنه وكُفّن، ودُفن ودُفِنت معه» (٣).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٦، ومسلم: ١٨٧٦.
(٢) المخصرة: ما يَختصره الإنسان بيده، فيُمسِكه من عصا أو عُكَّازةٍ أو مِقْرَعَةٍ أو قضيب وقد يتكئ عليه. «النّهاية».
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» و«أخبار أصبهان» وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٩٨١).



وفي رواية: «دعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إنّه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي جَمع لي النّاس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعُرنة فأتِه فاقتُله، قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفَه، قال: آيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجَدْت له قُشَعْريرةً.
قال: فخرجت متوشِّحًا بسيفي حتى دفعْتُ إليه، وهو في ظعنٍ يرتاد لهنَّ منزلًا، حتى كان وقت العصر، فلمّا رأيْته وجدْتُ ما وَصَفَ لي رسول الله - ﷺ - من الاقشعريرة.
فأخذْتُ نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، وأُومئ برأسي، فلمّا انتهيت إليه، قال: ممّن الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك، قال: فقال: إنَّا في ذلك.
فمشيتُ معه شيئًا حتى إذا أمكنني حَمَلْتُ عليه بالسيف حتى أقتله، ثمّ خرجْتُ وتركْت ظعائنه (١) مُنكَبّاتٍ عليه، فلمّا قدمتُ على رسول الله - ﷺ - ورآني، قال: قد أفلح الوجه، قلت: قتلْتُه يا رسول الله، قال: صدقْتَ.
قال: ثمّ قام معي رسول الله - ﷺ -، فأدخلني بيته وأعطاني عصًا، فقال: أمسِك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أُنيس، قال: فخرجتُ بها على النّاس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلتُ: أعطانيها رسول الله - ﷺ -، وأمَرني أن أمسِكها، قالوا:

----------------------
(١) الظعائن: النساء، جمع ظعينة، وأصل الظعينة: الراحلة التي يُرحل ويُظعَن عليها أي يُسار، وقيل للمرأة ظَعينة لأنها تَظْعَن مع الزَّوج حَيثُما ظَعَن أو لأنَّها تُحمَل على الرَّاحِلَة إذا ظَعَنت ...»النهاية".


أفلا ترجعُ إلى رسول الله - ﷺ -، فتسأله لِمَ ذلك؟
قال: فرجعْت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا، قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقلّ النّاس المتخصرون يومئذ، فَقَرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أُمِر بها، فضُمّت معه في كفنه، ثمّ دُفِنا جميعًا﴾ (١).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺمَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله، فقام محمّد بن مَسْلَمة فقال: يا رسول الله أتُحِبّ أنْ أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذَنْ ليِ أن أقول شيئًا (٢). قال: قُلْ.
فأتاه محمّد بن مَسلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صَدَقةً، وإنه قد عنّانا (٣) وإني قد أتيتك أستَسلِفك (٤) قال: وأيضًا (٥) والله لتملُّنَّه (٦)، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تُسلِفنا وَسْقًا (٧) أو

----------------------
(١) صححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح موارد الظمآن» برقم (٤٩٠).
(٢) قال الحافظ -رحمه الله-: «كأنه استأذنَه أن يفتعل شيئًا يحتال به، ومن ثمّ بوَّب عليه المصنف»الكذب في الحرب«وقد ظَهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه:»فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمَتْنا عن قوس واحدة«.
(٣) من العناء وهو التعب.
(٤) السّلفُ: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض.»النّهاية«.
(٥) أي: زيادة على ذلك.
(٦) من الملال.
(٧) الوَسْق: سِتُّون صاعًا وهو ثلاثُماثة وعِشْرون رِطْلا عند أهْل الحِجاز وأربَعمائة وثمانون رِطْلا عنْد أهْل العِراق على اخْتِلافِهِم في مِقدار الصَّاع والمُدِّ. والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكُلُّ شيءٍ وَسَقتَه فقد حَمَلْتَه، والوَسْق أيضا: ضَمُّ الشَّيء إلى الشَّيء.»النّهاية".



وَسْقَين -وحدثنا عمرو غير مرّة فلم يذكر وَسْقًا أو وَسْقين- فقلت له: فيه وسْقًا أو وَسْقين فقال: أرى فيه وسْقًا أو وسْقين، فقال: نعم ارهَنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال ارهَنوني نساءكم، قالوا كيفَ نَرْهَنُك نساءَنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهَنوني أبناءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك أبناءَنا فَيُسَبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بوسْق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكنّا نرهنك اللأمة، قال سفيان يعني: السلاح.
فواعَدَه أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب مِن الرضاعة- فدعاهم إلى الحِصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمّد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة بليلٍ لأجاب.
قال: ويُدخِلُ محمّد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمّى بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، قال عمرو: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائل (١) بشعره، فأشمَّه فإذا رأيتموني استمكنْتُ مِن رأسه؛ فدونكم فاضربوه، وقال مرّةً ثمّ أُشِمُّكم.
فنزل إليهم متوشحًا (٢) وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب- وقال غير عمرو: قال عندي أعطرُ نساء العرب وأكملُ

------------------------
(١) هو من باب إطلاق القول على الفعل. «الفتح».
(٢) يعني لابسًا الوشاح: وهو شيءٌ يُنسَج عريضًا من أديم، وربّما رُصّع بالجوهر والخرز. وانظر «النهاية».



العرب، قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشَمَّ رأسَك قال: نعم فشَمَّه ثم أَشَمَّ أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم، فقتلوه، ثمّ أتوا النبيّ - ﷺ - فأخبروه» (١).
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «بعثَ رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافعٍ اليهوديّ رجالًا من الأنصار، فأمّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسول الله - ﷺ - ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرض الحجاز، فلمّا دَنَوا منه وقد -غربت الشمس وراح النّاس بسَرْحِهم (٢) - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلقٌ ومتلطّفٌ للبوّاب، لعلي أن أدخل، فأقبَل حتى دنا مِن الباب، ثمّ تقنّع بثوبه (٣) كأنه يقضي حاجةً وقد دخل النّاس، فهتَف به البوّاب يا عبد الله إنْ كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فَدَخَلْتُ فكَمَنْت (٤)، فلمّا دخَل الناس أغلق الباب، ثمّ علّق الأغاليق على وَدّ (٥)، قال: فقمت إلى الأقاليد (٦)، فأخذتها ففَتَحْتُ الباب وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده، وكان في عَلاليّ (٧) له، فلمّا ذهَب عنه أهل سمرِه صَعِدتُ إليه، فجعلْتُ كلّما فتحْتُ بابًا أغلقت عليّ

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٠٣٧، ومسلم: ١٨٠١.
(٢) أي: رجَعوا بمواشيهم التي ترعى، وسَرْح -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة-: هي السائمة من إبِل وبقر وغنم»الفتح".
(٣) تغطّى به لئلا يُعرف.
(٤) أي: اختبأت.
(٥) هو الوتد.
(٦) جمع أقليد وهو المفتاح.
(٧) العَلاليّ: الغرفة.



مِن داخل، قلتُ إنِ القوم نَذِروا بي (١)؛ لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مُظلم وسْط عياله، لا أدري أين هو مِن البيت.
فقلت يا أبا رافع، قال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضرِبُه (٢) ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أغنيتُ شيئًا (٣)؛ وصاح فخرجْتُ من البيت، فأمكثُ غير بعيد، ثمّ دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل، إنّ رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضرِبُه ضربةً أثخَنَته ولم أقتُله، ثمّ وضعْت ضبيب السيف (٤) في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفتُ أني قتلتهُ فجعلْتُ أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجةٍ له فوضعْتُ رِجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعْتُ في ليلة مقمرةٍ، فانكَسَرت ساقي فعَصَبْتُها بعِمامة ثمّ انطلقتُ حتى جلسْتُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أَقَتَلْتُه؟.
فلمّا صاح الديك قام الناعي (٥) على السُّور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النَّجاء (٦)، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبيّ - ﷺ - فحدَّثته فقال لي: ابسُط رجلك، فبسطْتُ رجلي فمسَحَها فكأنها لم أشتكِها قطُّ» (٧).

------------------
(١) أي: علموا وأحسوا بمكاني. «النّهاية».
(٢) قال في «الفتح»: ذكره بلفظ المضارع مبالغةً لاستحضار صورة الحال، وإنْ كان ذلك قد مضى.
(٣) أي: لم أقْتُله.
(٤) قال الحافظ -رحمه الله-: «حرف حدِّ السيف»، وفي «القاموس المحيط»: «حدّ السيف».
(٥) النعي: خبر الموت والاسم الناعي. «الفتح».
(٦) أي: أسرعوا.
(٧) أخرجه البخاري: ٤٠٣٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]