عرض مشاركة واحدة
  #162  
قديم 17-01-2026, 06:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 1الى صــ15
الحلقة (162)






الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء السابع
كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء
وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
دار ابن حزم


بسم الله الرحمن الرحيم
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار
تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: [email protected]


الموسوعة الفقهية الميسَّرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء السابع
كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء
وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
دار ابن حزم


بسم الله الرحمن الرحيم
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار
تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: [email protected]


-[المقَدّمَة]-
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُه وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدْي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار.
فهذا الجزء السابع من كتابي «الموسوعة الفقهيّة» أقدّمه للقرّاء الكِرام، بعد أن طال الزّمن، لأمورٍ عديدة؛ منها إنجاز بعض الأعمال العلميّة الأُخرى، أسأل الله -تعالى- أنْ يحفظني بالإيمان والعمل الصالح؛ لاستكمال ما تبقّى مِن الكتاب

-----------------------
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١.
(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١.



وغير ذلك مما أرجو أن يكون نافعًا مفيدًا للأمة.
وهذا الجزء مُخَصّصٌ في الجهاد في سبيل الله -سبحانه- وما يتصل به من أبحاث.
سائلًا الله -تعالى- أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأنْ ينفع بي وبكتابي، ويجعلني مفتاح خير مغلاق شرّ، إنّه سميع مجيب.
وكتب:
حسين بن عودة العوايشة
عمّان- ٢٨ جمادى الآخرة ١٤٢٩ هـ


الجهاد

الجهاد
الجهاد -بكسر الجيم- أصْلهُ لغةً: المشقّة، يقال: جَهدْتُ جهادًا: بَلغْت المشقّة. وشرعًا: بَذْل الجهد في قتال الكُفّار، وتقع مجاهدة الكفار باليد والمال واللسان والقلب (١).

إيحابه:
قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله-:
»هذا إيجابٌ من الله -تعالى- للجهاد على المسلمين أن يكفّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب على كل واحد، غزا أو قعَد، فالقاعد عليه إِذا استُعين أن يُعين، وإذا استُغيث أن يُغيث، وإذا استُنفر أن يَنْفِر، وإنْ لم يُحتَجْ إليه قعَد.
ولهذا ثَبَت في «الصحيح» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث به نفسه؛ مات على شُعبة من نفاق» (٣).

--------------------
(١) «الفتح» بتصرف يسير.
(٢) البقرة: ٢١٦.
(٣) أخرجه مسلم: ١٩١٠.



وقالعليه الصلاة والسلام- يوم الفتح: «لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا» (١).

الجهاد فرضُ كفاية إذا قام به قومٌ سقط عن الباقين
جاءفي «المغني» (١٠/ ٣٦٤):
«معنى فرضِ الكفاية، الذي إنْ لم يقم به من يَكْفي، أَثِم النّاس كلهم، وإنْ قام به من يكفي، سقَط عن سائر النّاس.
فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثمّ يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض النّاس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفِعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات؛ في قول عامّة أهل العِلم.
وحُكي عن سعيد بن المسيب، أنه مِن فروض الأعيان؛ لقول الله -تعالى-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿إلاَّ تنفروا يُعَذِبْكُم عَذَابًا أَليمًا﴾ (٣).
وقوله -سبحانه-: ﴿كُتِبَ عَليكمُ القِتَالُ﴾ (٤).
ورَوَى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبى - ﷺ - قال:»من مات ولم يغزُ،

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٣٤، ومسلم: ١٣٥٣.
(٢) التوبة: ٤١.
(٣) التوبة: ٣٩.
(٤) البقرة: ٢١٦.



ولم يحدِّثْ نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» (١).
ولنا قول الله -تعالى-: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وهذا يدلّ على أنّ القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال الله -تعالى-:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٣).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - بعثَ بَعْثًا إلى بني لحِيان من هذيل، فقال: لينبعِثْ مِن كل رجلين أحدهما، والأجرُ بينهما» (٤).
ولأنّ رسول الله - ﷺ - كان يبعث السرايا، ويقيم هو وسائر أصحابه.
فأمّا الآية التي احتجّوا بها، فقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نَسَخَها قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٥).
ويُحتمل أنه أراد حين استنفَرَهم النبى - ﷺ - إلى غزوة تبوك، وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبةً عليهم، ولذلك هجر النبيّ - ﷺ - كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلِّفوا، حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك يجب على من استنفَرَه الإمام؛

-----------------------
(١) تقدّم.
(٢) النساء: ٩٥.
(٣) التوبة: ١٢٢.
(٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٦.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢١٨٧).



لقول النبى - ﷺ -: «إذا استُنفرتم فانفروا» (١).
ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض للجهاد قوم يَكْفُون في قتالهم؛ إمّا أن يكونوا جندا لهم دواوين (٢) من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدّوا أنفسهم له تبرعًا؛ بحيث إذا قَصَدَهم العدو حصلَت المنَعَة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدوَّ عنها، ويُبعَث في كل سنة جيش يغيرون على العدوِّ في بلادهم«.

متى يتعيّن الجهاد (٣)
يتعيّن الجهاد في ثلاثة مواضع:
أحدها، إذا التقى الزحفَان، وتقابَل الصفّان؛ حَرُم على مَن حَضَر الانصراف، وتعيّن عليه المُقام، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيُّهُا اَلَذِينَءَامَنُوا إذَا لَقِيتُم فِئَةَ فَاثبُتُوا وَاَذكرُوا الله كثِيرًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥).
وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦).

-------------------
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) الدفتر الذي يُكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء.»النّهاية«.
(٣) انظر»المغني" (١٣/ ٨).
(٤) الأنفال: ٤٥.
(٥) الأنفال: ٤٦.
(٦) الأنفال: ١٥ - ١٦.



الثاني: إذا نَزل الكفار ببلدٍ، تعيَّن على أهله قتالهم ودَفْعُهم.
الثالث: إذا استنفَر الإمام قومًا لزِمهم النفير معه؛ لقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وقال النبيّ - ﷺ -: «إذا استُنفرتم فانفروا» (٢).

ماذا يُشترَط لوجوب الجهاد (٣):
ويُشتَرط لوجوب الجهاد سبعة شروط:. الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكوريّة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة.
فأمّا الإسلام والبلوغ والعقل، فهي شروطٌ لوجوب سائر الفروع، ولأنَّ الكافر غير مأمونٍ في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبيُّ ضعيفُ البِنية.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنَّ النَبِى - ﷺ - عَرَضَهُ يَوْمَ أحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ» (٤).
وأمّا الحريّة فتُشتَرط؛ لِما رُوي أنَ النبيَّ - ﷺ - كان يبايع الحرَّ على الإسلام

--------------------
(١) التوبة: ٣٨، ٣٩.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «المغني» (١٣/ ٨) بتصرف.
(٤) أخرجه البخاري: ٤٠٩٧ واللفظ له، ومسلم: ١٨٦٨.



والجهاد (١)، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد، ولأنَّ الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد كالحج.
وأمّا الذكورية فتُشتَرط؛ لما رَوَت عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- عن النبي - ﷺ -: سأله نساؤه عن الجهاد فقال: «نِعْمَ الجهاد الحجّ» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها أيضًا- أنَّها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حجٌّ مبرور» (٣).
وعن أمّ سلمة -رضي الله عنها- أَنَّها قالت: «يغزُو الرجال ولا تَغْزُو النساء وإنَّما لنا نصف الميراث، فأنزَل الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اَللهُ به بَعضَكُم عَلى بَعضٍ﴾ (٤)» (٥).
ولا يجب على خُنثى مُشْكِل؛ لأنه لا يُعلَم كونُه ذَكَرًا، فلا يجب مع الشك في شرطِه.
وأمّا السلامة مِن الضرر. فمعناه السلامة مِن العمى والعَرَج والمرَض، وهو شرط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ليسَ على الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى اَلأَعرَجِ حرجٌ وَلَا عَلَى اَلمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦).

-------------------
(١) قلت لعموم النّصوص الواردة في البيعة على الجهاد، وستأتي بإذن الله -تعالى-.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٧٦.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٢٠.
(٤) النساء: ٣٢.
(٥) أخرجه الترمذي، «صحيح سنن الترمذي» (٢٤١٩).
(٦) النور: ٦١.



ولأنّ هذه الأعذار تمنعه من الجهاد؛ فأمّا العَمَى فمعروف، وأمّا العَرَج، فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيِّدَ والرُّكوب؛ كالزَّمَانَة (١) ونحوها.
وأمّا اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي، وإنما يتعذر عليه شدة العَدْو؛ فلا يَمنَع وجوب الجهاد؛ لأنه يَتَمكن منه، فشابَه الأعور.
عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «أتى عمرو بنُ الجَمُوحِ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إنْ قَاتَلْتُ في سبيل الله حتى أُقتل! أَمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة؟ وكانت رِجْلُه عَرْجاءَ، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، فَقُتلوا يوم أُحُد: هو وابنُ أخيه ومولىً لهم، فَمَرَّ عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأني أنظرُ إليك تمشي بِرِجْلِك هذه صحيحةً في الجنةِ، فأمَر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فَجُعِلوا في قبر واحدٍ» (٢).
وكذلك المرض المانع هو الشديد، فأمَّا اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد؛ كوجع الضرس والصداع الخفيف، فلا يَمنَع الوجوب؛ لأنه لا يتعذَّرُ معه الجهاد؛ فهو كالعَوَر.
وأمّا وجود النفقة، فيُشترط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣).
ولأنَّ الجهاد لا يمكن إلاَّ بآلة، فيُعتبر القدرة عليها.

---------------------
(١) الزّمانة: مرضٌ يدوم.
(٢) أخرجه أحمد بسند حسن كما قال الحافظ، كذا في «أحكام الجنائز» (ص ١٨٥).
(٣) التوبة: ٩١.



فإنْ كان الجهاد على مسافة لا تُقصَر فيها الصلاة؛ اشتُرط أن يكون واجدًا للزاد، ونفقة عائلته في مدة غيبته، وسلاح يقاتل به، ولا تُعتَبر الرّاحلة؛ لأنّه سفر قريب.
وإنْ كانت المسافة تُقصَر فيها الصلاة، اعتُبِر مع ذلك الراحلة؛ لقول الله - تعالى-: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١).

متى تُشرع الحرب (٢)
تُشرع الحرب في حالة الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن؛ عند الاعتداء.
يقول الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣).
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال:»سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد» (٤).
وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه، فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن

------------------
(١) التوبة: ٩٢.
(٢) عن»فقه السُّنَّة" (٣/ ٣٩٤) بتصرف وزيادة.
(٣) البقرة: ١٩٠.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١.



قتل دون أهله فهو شهيد» (١).
ويقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (٢).
وتُشرع الحرب أيضًا؛ حالةَ الدفاع عن الدعوة إلى الله، إذا وقَف أحدٌ في سبيلها بتعذيبِ مَنْ آمَن بها، أو بصدِّ مَن أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي مِن تبليغها، لقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي:
١ - الأمر بقتال الذين يبدؤون بالعدوان، ومقاتلة المعتدين، لكفّ عدوانهم.
٢ - أمّا الذين لا يبدؤون بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداءً، لأنّ الله -تعالى- نهى عن الاعتداء، وحرّم البغيَ والظلمَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ٥٧).
(٢) سورة البقرة: ٢٤٦.
(٣) سورة البقرة: ١٩٠ - ١٩٣.
(٤) البقرة: ١٩٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.96 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.99%)]