
17-01-2026, 05:22 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,237
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 286الى صــ300
الحلقة (159)
[وفي رواية لمسلم: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع برُمّته (١)].
قالوا يا رسول الله، أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم: قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفّارٌ: فوَداهم (٢) رسول الله - ﷺ - مِن قِبَله.
قال سهل فأدركت ناقة من تلك، فدخلت مِربدًا (٣) لهم، فركضتني (٤) برجلها» (٥).
الردّ على من يقول بعدم مشروعيّة القَسامة:
عن أبي قلابة "أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريرَه يومًا للناس، ثمّ أذِنَ لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القَسامة؟ قالوا: نقول القسامة القَوَد بها حقّ وقد أقادَت بها الخلفاء.
قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونَصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، عندَك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه أكنت ترجمه؟ قال: لا،
-----------------------
(١) يدفع بُرمّته: الرُّمّة: بضم الراء: الحبل، والراد هنا: الحبل الذي يُربط في رقبة القاتل؛ ويُسلم فيه إِلى وليّ القتيل، وفي هذا دليل لمن قال: إِنّ القَسامة يثبت فيها القِصاص ... قاله النووي -رحمه الله-.
(٢) فوداهم: أعطاهم ديته.
(٣) المِربد: الموضع الذي تجتمع فيه الإِبل وتحبس.
(٤) أي: رَفَستني.
(٥) أخرجه البخاري (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩).
قلتُ: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سَرق أكنت تَقطعُه ولم يَرَوه؟ قال: لا» (١).
فقد ورَد في هذا الأثر؛ أنّ القَسامة القَوَد بها حقٌّ، وقد أقادَت بها الخلفاء.
وأمّا قول أبي قلابة -رحمه الله-: «أرأيتَ لو أن خمسين منهم، شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه؛ أكنت ترجمه؟».
فالجواب عنه؛ أنّ أحكام القَسامة تختلف عن أحكام حدّ الزنى والسرقة، والقياس هنا باطل، إِذ لكل شيءٍ حُكمه وبيانه.
وأيضًا؛ هؤلاء شهدوا على رجل أنه قد زنى ولم يَرَوه، وعلم الأمير أنهم لم يَروه، فلا يأخذ بقولهم فتنَبَّهْ -رحمني الله وإياك- إِلى قوله: (ولم يَروه) فعدم الرؤية متحقّقة متيقّنة، بخلاف القَسامة التي يمكن تحقُّق ذلك من قِبَل بَعضهم، ومن كذَب منهم فعليه كذبه.
لكن لو سأله عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فقال: لو جاءك خمسون شهدوا على رجل أنه سَرق أكنت تَقطعُه؟ فماذا يجيبه؟
وحسْبُنا أنه قد تقدّم حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وفيه قول النبي - ﷺ -: أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال: صاحبَكم بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله؛ أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم ...«.
قال الحافظ -رحمه الله- عقب هذا الحديث:»وفي حديث الباب من
------------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٩).
الفوائد مشروعية القَسامة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصْلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذ كافَّة الأئمّة والسلف؛ من الصَحابة والتابعين وعلماء الأمّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإِن اختلفوا في صورة الأخذ به.
ورُوِيَ التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القَسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حُكمًا، وهذا مَذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإِبراهيم بن علية، وإِليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قلت: هذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن كافّة الأئمّة أخَذوا بها» انتهى كلام الحافظ -رحمه الله تعالى-.
قلت: وتوقّف بعضهم لا ينافي ثبوت هذا الحُكم، فحسبُنا قضاء النبي - ﷺ - بذلك، وعمل السلف من الخلفاء والصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار. وبالله التوفيق.
وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٤٨٠): بعد الحديث المشار إِليه-: «اعلم أنّ هذا الحديث أصْلٌ كبير في ثبوت القَسامة عند القائلين بها، وهم الجماهير؛ فإِنهم أثبتوها وبيّنوا أحكامها».
وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد، وخاصَم رجل آخر في غنم ضاعت له، وقال: ما يكون عِوَض هذا إِلا رقبتك، ثم وجد هذا مقتولًا، وأثر الدم أقرب إِلى القرية التي منها المتهم، وذكر رجل له قتْله؟
فأجاب: إِذا حلَف أولياء المقتول خمسين يمينًا، أنّ ذلك المخاصِم هو الذي
قَتلَه حُكِم لهم بدمه؛ وبراءة من سواه، فإِنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثَر الدم، وغير ذلك لوْث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتَله، فإِذا حلفوا مع ذلك أيمان القَسامة الشرعية استحقوا دم المتهم، وسلم إليهم برُمّتة (١)، كما قضى بذلك رسول الله - ﷺ - في قصية الذي قُتل بخيبر».
هل في قتل الخطأ قَسامة؟
اختلف العلماء فيما إِذا كان القتل خطأ؛ هل تشرع فيه القسامة!
والراجح أنّ القَسامة في قَتْل العمد دون الخطأ، لأنّ النصّ قد وَرَد في قتل العمد؛ لا في الخطأ.
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤): "وسئل -رحمه الله- عن رجل تخاصَم مع شخص، فراح إِلى بيته، فحصَل له ضعف، فلمّا قارب الوفاة أشهد على نفسه أنّ قاتله فلان، فقيل له كيف قتَلَك؟ فلم يذكر شيئًا، فهل يلزمه شيء، أم لا؟ وليس بهذا المريض أثرُ قتْلٍ ولا ضربٍ أصْلًا، وقد شهِد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعَل به شيئًا؟
فأجاب: أمّا بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإِجماع المسلمين؛ بل إِنما يجب على المدَّعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه، إِمّا يمين واحد عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة وأحمد، وإِمّا خمسون يمينًا: كقول الشافعي.
------------------
(١) وتقدّم المراد من ذلك، وهو أن القاتل يُربط بحبلٍ في رقبته، ويُسلّم إِلى وليّ القتيل.
والعلماء قد تنازعوا في الرجل إِذا كان به أثر القتل -كجرح أو أثر ضرْب- فقال: فلان ضرَبني عمدًا: هل يكون ذلك لوثًا؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال مالك: هو لوث.
فإِذا حلَف أولياء الدم خمسين يمينًا حُكم به، ولو كان القتل خطأ فلا قَسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك، وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ، فكيف وليس به أثرُ قتْل، وقد شهِد الناس بما شَهدوا به، فهذه الصورة ليس فيه قَسامة بلا ريب على مذهب الأئمّة».
وجاء في «المغني» (١٠/ ٩): «... أن يزدحم الناسُ في مضيق؛ فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث؛ فإِنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة؛ فدِيَتُه في بيت المال وهذا قول إسحاق ...
قال أحمد: فيمن وُجد مقتولًا في المسجد الحرام؛ يُنظر مَن كان بينه وبينه شيء في حياته -يعني: عداوة- يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثًا، وإنما جعلَ اللوث العداوة ...».
هل يُضرب المتهم ليُقرّ؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤): «وسئل عمن اتُّهم بقتيل: فهل يُضرَب ليقرّ؟ أم لا؟
فأجاب: إِنْ كان هناك لوث -وهو ما يغلِب على الظن أنه قتَله- جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقّون دمه.
وأمّا ضرْبُه ليقرّ فلا يجوز إِلا مع القرائن التي تدُلّ على أنه قتَله، فإِنّ بعض العلماء جوّز تقريره بالضرب في هذه الحال، وبعضهم منَع مِن ذلك مطلقًا».
قلت: قد ورَد في هذا أثرٌ عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: «أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعًا فحبَسهم أيامًا، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب؟ فقال النعمان: ما شئتم إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟
قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله عز وجل ورسوله - ﷺ -» (١).
--------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٢٩).
التعزير
التعزير
تعريفه:
التعزير لغةً: مصدر عزر من العَزْر -بفتح العين وسكون الزاي المعجمة- هو الردّ والمنع.
وهو في الشرع: تأديبٌ على ذنبٍ لا حدّ فيه ولا كفّارة (١).
*أي: أنه عقوبة تأديبية يَفْرِضها الحاكم على جنايةٍ أو معصية، لم يُعيِّن الشرع لها عقوبة، أو حدّد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ، مثل المباشرة في غير الفرج، وسرقة ما لا قطْع فيه، وجنايةٍ لا قِصاص فيها، وإِتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى.
ذلك أنّ المعاصي ثلاثة أقسام:
١ - نوع فيه حدّ، ولا كفّارة فيه، وهي الحدود التي تقدم ذِكْرها.
٢ - ونوع فيه كفّارة، ولا حدَّ فيه، مِثْل الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإِحرام.
٣ - ونوع لا كفّارة فيه، ولا حدَّ فيه، كالمعاصي التي تقدم ذِكْرها فيجب فيها التعزير* (٢).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٧): «الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يتمُّ إِلا بالعقوبات الشرعية؛ فإِن الله يزَعُ
-------------------
(١)»سبل السلام«(٤/ ٦٦) بزيادة كلمة»كفّارة«.
(٢) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٣٦٩).
بالسلطان مال لا يزَعُ بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور؛ وذلك يحصُل بالعقوبة على ترْك الواجبات وفِعْل المحرمات.
فمنها عقوبات مُقدّرة؛ مثل جلْد المفتري ثمانين، وقطعْ السارق ومنها عقوبات غير مُقدَّرة قد تُسمى «التعزير»، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كِبَر الذنوب وصِغَرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلّته وكثرته.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٣): "وأمّا المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفّارة؛ كالذي يُقبِّل الصبيّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جِماع أو يأكل ما لا يحلّ، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حِرز، -ولو شيئًا يسيرًا- أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إِذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إِذا خانوا، أو يغش في معاملته، كالذين يغشّون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقِّن شهادة زور، أو يرتشي في حُكْمه، أو يحكُم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزّى بعزاء الجاهلية، أو يلبّي داعي الجاهلية، إِلى غير ذلك من أنواع المحرمات.
فهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلّته، فإِذا كان كثيرًا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إِذا كان قليلًا، وعلى حسب حال المذنب؛ فإِذا كان مِن المدمنين على الفجور؛ زِيدَ في عقوبته؛ بخلاف المقلّ من ذلك، وعلى حسْب كِبَر الذنب وصِغَره؛ فيُعاقبُ من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إِلا
لمرأة واحدة، أو صبيٍّ واحد.
وليس لأقل التعزير حدّ؛ بل هو بكل ما فيه إِيلام الإِنسان من قول وفِعل، وترْك قول، وترك فِعل.
فقد يُعزَّر الرجل بوعْظِه وتوبيخه والإِغلاظ له، وقد يُعزّر بهَجْره وترْك السلام عليه حتى يتوب؛ إِذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجَر النبي - ﷺ - وأصحابَه»الثلاثة الذين خُلّفوا«.
وقد يُعزّر بترك استخدامه في جُند المسلمين؛ كالجندي المقاتل إِذا فر من الزحف؛ فإِنّ الفرار من الزحف من الكبائر، وقطْع أجرِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إِذا فعل ما يُستعظَم؛ فعزْله عن إِمارته تعزير له، وكذلك قد يُعزّر بالحبس وقد يُعزر بالضرب ...».
مشروعيّته:
عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده -رضي الله عنه-: «أنّ النبي - ﷺ - حَبَس رجلًا في تُهمة» (١).
وعن أبي بُردة -رضي الله عنه- قال: كان النبى - ﷺ - يقول: «لا يُجلَد فوق عشر جلدات؛ إِلا في حدٍّ من حدود الله» (٢).
-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٨٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٥) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٣٠)، وانظر «الإرواء» (٢٣٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (١٧٠٨).
ففي هذا الحديث مشروعية الجلد في غير الحدود -أي: التعزير-.
هل يشرع الجلد في التعزير فوق عشر جلدات؟
في الحديث المتقدّم بيان الاقتصار على عشر جلدات في غير الحدود.
قال الإِمام النووي -رحمه الله-:»اختلف العلماء في التعزير؛ هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها، ولا تجوز الزيادة؛ أَم تجوز الزيادة؟ فقال أحمد بن حنبل، وأشهب المالكي، وبعض أصحابنا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط.
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إِلى جواز الزيادة ... «(١).
قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(١٢/ ١٧٨):»وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخَذ بظاهره الليث وأحمد -في المشهور- عنه وإسحاق وبعض الشافعية.
وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا، فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدّ الحر أو العبد؟ قولان، وفي قولٍ أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حدّه، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: «لا يبلغ به الحدّ» ولم يفصل.
وقال الباقون: هو إِلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.
وعن عمر أنه كتب إِلى أبي موسى: «لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين»
----------------------
(١) انظر «شرح النووي» (١١/ ٢٢١).
وعن عثمان ثلاثين، وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إِلا من تكرر منه ومَن وقع منه مرة واحدة معصية لا حدّ فيها فلا يُعزَّر، وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة.
وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم، ومنها قصره على الجلد وأمّا الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الأصطخري من الشافعية وكأنه لم يقِف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، ومنها أنه منسوخ دلّ على نسخه إِجماع الصحابة.
ورُدّ بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الإِجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها؛ فيصير مثل الحد، وبالإِجماع على أن التعزير موكول إِلى رأي الإِمام فيما يرجع إِلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد، لأن التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كلّ أحد بحسبه.
وتُعُقِّب بأنّ الحدّ لا يزاد فيه، ولا ينقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مُسلّم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يراعى في الأفراد بدليل أن من الناس من لا يردعه الحدّ ...».
وجاء في «فيض القدير» (٦/ ٤٤٦): "يعني لا يُزاد على عشْرة أسواط بل
بالأيدي والنعال أو الأولى ذلك، فتجوز الزيادة إِلى ما دون الحد بقدْر الجرم عند الشافعي وأبي حنيفة.
أخذ أحمد بظاهر الخبر؛ فمنع بلوغ التعزير فوقها، واختاره كثير من الشافعية، وقالوا: لو بلغ الشافعي لقال به، لكن يردّه نقْل إِمامهم الرافعي إِنه منسوخ محتجًّا بما منه عمل الصحابة، بخلافه مع إِقرار الباقين.
ونُوزع بما لا يُجدي، ونقَل المؤلف عن المالكية؛ أنّ الحديث مختص بزمن المصطفى - ﷺ - «لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر.
قال القرطبي في»شرح مسلم«: ومشهور مذهب مالك أنّ ذلك موكول إِلى رأي الإِمام بحسب ما يراه أليق بالجاني؛ وإن زاد على أقصى الحدود، قال: والحديث خرج على أغلب ما يحتاج إِليه في ذلك الزمان» انتهى.
وقد وردَ بعض الآثار عن السلف في الزيادة على عشرة أسواط:
فعن داود عن سعيد بن المسيب: «في جارية كانت بين رجُلين؛ فوقَع عليها أحدهما (١)؟
قال: يضرب تسعةً وتسعين سوطًا» (٢).
وعن عمير بن نمير قال: «سُئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن جاريةٍ؛
--------------------
(١) أي سُئل ما حكمه؟
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة وصحح إسناده شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٣٩٨).
كانت بين رجلين؛ فوقَع عليها أحدهما؟
قال: ليس عليه حدّ هو خائن، يُقوّم عليه قيمة، ويأخذها» (١).
وعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: «أُتيَ عليٌّ -رضي الله عنه- بالنّجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثمّ أمَر به إِلى السّجن، ثمّ أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثمّ قال: إِنّما جَلْدتك هذه العشرين؛ لإِفطارك في رمضان، وجَرأتك على الله» (٢).
والمترجّح لديّ هو التمسُّك بالنصّ، ولكن قد ثبَت عن النبي - ﷺ - التعزير بالقتل؛ لمن شرب الخمر في المرّة الرابعة (٣).
وورَد عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- الزيادة على عشرة جلدات، فهذا يقوّي أن الإِمام موكولٌ بحسب ما يراه أليق بالجاني.
ولا نحمل ما فعَلَه بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في الزيادة؛ إلاَّ أَنهم استفادوه من صحبة رسول الله - ﷺ -، والجمع بين أَحاديثه - ﷺ -؛ لدرء المفاسد، وردع الجاني، وتحقيق المصالح. والله -تعالى- أعلم.
--------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٨/ ٥٧) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عمير بن نمير، أورده ابن حبان في «الثقات» (١/ ١٧٢) وقال: «... أبو وَبَرة الهمداني، مِن أهل الكوفة، يروي عن ابن عمر، روى عنه إِسماعيل بن خالد وموسى الصغير».
(٢) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٩٩): «وإسناده حسن أو قريب من ذلك ...».
(٣) وسيأتي - إن شاء الله تعالى- (باب التعزير في حالات مخصوصة).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|